خانه / ***خطبه ها شرح و ترجمه میر حبیب الله خوئی / نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۸۶/۲ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی») خطبه المتقین فصل الثانی

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۸۶/۲ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی») خطبه المتقین فصل الثانی

خطبه ۸۷ صبحی صالح

۸۷- و من خطبه له ( علیه‏السلام  ) و هی فی بیان صفات المتقین

و صفات الفساق

و التنبیه إلى مکان العتره الطیبه

و الظن الخاطئ لبعض الناس

عِبَادَ اللَّهِ

إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَیْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ

فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ

وَ تَجَلْبَبَ الْخَوْفَ

فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِی قَلْبِهِ

وَ أَعَدَّ الْقِرَى لِیَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِیدَ

وَ هَوَّنَ الشَّدِیدَ

نَظَرَ فَأَبْصَرَ

وَ ذَکَرَ فَاسْتَکْثَرَ

وَ ارْتَوَى مِنْ عَذْبٍ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ

فَشَرِبَ نَهَلًا

وَ سَلَکَ سَبِیلًا جَدَداً

قَدْ خَلَعَ سَرَابِیلَ الشَّهَوَاتِ

وَ تَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ إِلَّا هَمّاً وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ

فَخَرَجَ مِنْ صِفَهِ الْعَمَى

وَ مُشَارَکَهِ أَهْلِ الْهَوَى

وَ صَارَ مِنْ مَفَاتِیحِ أَبْوَابِ الْهُدَى

وَ مَغَالِیقِ أَبْوَابِ الرَّدَى

قَدْ أَبْصَرَ طَرِیقَهُ

وَ سَلَکَ سَبِیلَهُ

وَ عَرَفَ مَنَارَهُ

وَ قَطَعَ غِمَارَهُ

وَ اسْتَمْسَکَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا

وَ مِنَ الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا

فَهُوَ مِنَ الْیَقِینِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ

قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِی أَرْفَعِ الْأُمُورِ

مِنْ إِصْدَارِ کُلِّ وَارِدٍ عَلَیْهِ

وَ تَصْیِیرِ کُلِّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِهِ

مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ

کَشَّافُ‏ عَشَوَاتٍ

مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ

دَفَّاعُ مُعْضِلَاتٍ

دَلِیلُ فَلَوَاتٍ

یَقُولُ فَیُفْهِمُ

وَ یَسْکُتُ فَیَسْلَمُ

قَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فَاسْتَخْلَصَهُ

فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِینِهِ

وَ أَوْتَادِ أَرْضِهِ

قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ

فَکَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْیُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ

یَصِفُ الْحَقَّ وَ یَعْمَلُ بِهِ

لَا یَدَعُ لِلْخَیْرِ غَایَهً إِلَّا أَمَّهَا

وَ لَا مَظِنَّهً إِلَّا قَصَدَهَا

قَدْ أَمْکَنَ الْکِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ

فَهُوَ قَائِدُهُ وَ إِمَامُهُ

یَحُلُّ حَیْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ

وَ یَنْزِلُ حَیْثُ کَانَ مَنْزِلُهُ

صفات الفساق‏

وَ آخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَ لَیْسَ بِهِ

فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ

وَ أَضَالِیلَ مِنْ ضُلَّالٍ

وَ نَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاکاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ

وَ قَوْلِ زُورٍ

قَدْ حَمَلَ الْکِتَابَ عَلَى آرَائِهِ

وَ عَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ

یُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ

وَ یُهَوِّنُ کَبِیرَ الْجَرَائِمِ

یَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَ فِیهَا وَقَعَ

وَ یَقُولُ أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وَ بَیْنَهَا اضْطَجَعَ

فَالصُّورَهُ صُورَهُ إِنْسَانٍ

وَ الْقَلْبُ قَلْبُ حَیَوَانٍ

لَا یَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَیَتَّبِعَهُ

وَ لَا بَابَ الْعَمَى فَیَصُدَّ عَنْهُ

وَ ذَلِکَ مَیِّتُ الْأَحْیَاءِ

عتره النبی‏

 فَأَیْنَ تَذْهَبُونَ‏

وَ أَنَّى تُؤْفَکُونَ‏

وَ الْأَعْلَامُ قَائِمَهٌ

وَ الْآیَاتُ وَاضِحَهٌ

وَ الْمَنَارُ مَنْصُوبَهٌ

فَأَیْنَ یُتَاهُ بِکُمْ

وَ کَیْفَ تَعْمَهُونَ

وَ بَیْنَکُمْ عِتْرَهُ نَبِیِّکُمْ

وَ هُمْ أَزِمَّهُ الْحَقِّ

وَ أَعْلَامُ الدِّینِ

وَ أَلْسِنَهُ الصِّدْقِ

فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ

وَ رِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِیمِ الْعِطَاشِ

أَیُّهَا النَّاسُ

خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِیِّینَ ( صلى‏ الله ‏علیه‏ وآله‏ وسلم  )

إِنَّهُ یَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَ لَیْسَ بِمَیِّتٍ

وَ یَبْلَى مَنْ بَلِیَ مِنَّا وَ لَیْسَ بِبَالٍ

فَلَا تَقُولُوا بِمَا لَا تَعْرِفُونَ

فَإِنَّ أَکْثَرَ الْحَقِّ فِیمَا تُنْکِرُونَ

وَ اعْذِرُوا مَنْ لَا حُجَّهَ لَکُمْ عَلَیْهِ وَ هُوَ أَنَا

أَ لَمْ أَعْمَلْ فِیکُمْ بِالثَّقَلِ الْأَکْبَرِ

وَ أَتْرُکْ فِیکُمُ الثَّقَلَ الْأَصْغَرَ

قَدْ رَکَزْتُ فِیکُمْ رَایَهَ الْإِیمَانِ

وَ وَقَفْتُکُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ

وَ أَلْبَسْتُکُمُ الْعَافِیَهَ مِنْ عَدْلِی

وَ فَرَشْتُکُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِی وَ فِعْلِی

وَ أَرَیْتُکُمْ کَرَائِمَ الْأَخْلَاقِ مِنْ نَفْسِی

فَلَا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْیَ فِیمَا لَا یُدْرِکُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ

وَ لَا تَتَغَلْغَلُ إِلَیْهِ الْفِکَرُ

ظن خاطئ‏

و منهاحَتَّى یَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْیَا مَعْقُولَهٌ عَلَى بَنِی أُمَیَّهَ

تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا

وَ تُورِدُهُمْ صَفْوَهَا

وَ لَا یُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّهِ سَوْطُهَا وَ لَا سَیْفُهَا

وَ کَذَبَ الظَّانُّ لِذَلِکَ

بَلْ هِیَ مَجَّهٌ مِنْ لَذِیذِ الْعَیْشِ یَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَهً

ثُمَّ یَلْفِظُونَهَا جُمْلَهً

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج۶  

و من خطبه له علیه السّلام و هى السادسه و الثمانون من المختار فى باب الخطب

الفصل الثالث

فَأَیْنَ تَذْهَبُونَ، و أَنّى‏ تُؤفَکُونَ، وَ الْأَعْلامُ قائِمَهٌ، وَ الْآیاتُ‏ واضحه، و المنار منصوبه، فأین یتاه بکم، بل کیف تعمهون، و بینکم عتره نبیّکم، و هم أزمّه الحقّ، و أعلام الدّین، و ألسنه الصّدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، و ردوهم ورود الیهم العطاش، أیّها النّاس خذوها عن خاتم النّبیّین صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّه یموت من مات منّا و لیس بمیّت، و یبلى من بلى منّا و لیس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإنّ أکثر الحقّ فیما تنکرون، و أعذروا من لا حجّه لکم علیه، و أنا هو، ألم أعمل فیکم بالثّقل الأکبر، و أترک فیکم الثّقل الأصغر، و رکزت فیکم رایه الإیمان، و وقّفتکم على حدود الحلال و الحرام، و ألبستکم العافیه من عدلی، و فرشتکم المعروف من قولی و فعلی، و أریتکم کرائم الأخلاق من نفسی، فلا تستعملوا الرّأی فیما لا یدرک قعره البصر، و لا یتغلغل إلیه الفکر.

اللغه

(أفک) افکا کذب و افکه عنه صرفه و قلبه أو قلب رأیه و (المنار) العلم المنصوب فی الطریق لیهتدى به الضّال و الموضع المرتفع الذی یوقد فی أعلاه النّار و (تاه) تیها و تیهانا ضلّ و تحیّروتاه فی الأرض ذهب متحیّرا و منه قوله تعالى: یَتِیهُونَ فِی الْأَرْضِ.

أى یحارون و یضلّون و (عمه) فی طغیانه عمها من باب تعب إذا تردّد متحیّرا قال سبحانه: فِی طُغْیانِهِمْ یَعْمَهُونَ.

و رجل عمه و عامه أى متحیّر حایر عن الطریق و (ورد) البعیر و غیره الماء وردا و ورودا بلغه و وافاه من غیر دخول و قد یحصل دخول فیه و (الهیم) بالکسر الابل العطاش و (بلى) الثوب یبلى من باب رضى بلىّ بالکسر و القصر و بلاء بالضمّ و المدّ و (الثقل الأکبر) فی بعض نسخ الکتاب بکسر الثّاء و سکون القاف و (الثقل الأصغر) بالتحریک قال بعض شراح الحدیث فی شرح قول النبیّ صلّى اللّه علیه و آله إنّی تارک فیکم الثّقلین کتاب اللّه و عترتی: إنه من الثقیل سمّیا بذلک لکون العمل بهما ثقیلا و الأکثر على أنّه من الثّقل محرّکه قال فی القاموس و الثقل محرّکه متاع المسافر و حشمه و کلّ شی‏ء نفیس مصون، و منه الحدیث إنّی تارک فیکم الثّقلین آه و (رکزت الرمح) و نحوه رکزا من باب قتل أثبته بالأرض فارتکز و (فرشت) البساط و غیره فرشا من باب قتل و ضرب بسطته و (تغلغل) تغلغلا أسرع.

الاعراب

أین اسم استفهام سؤال عن المکان، و أنّى تؤفکون بمعنى کیف کما فسّر به قوله فَأْتُوا حَرْثَکُمْ أَنَّى شِئْتُمْ.

و المقصود بالاستفهام التوبیخ، و الواو فی قوله علیه السّلام: و الأعلام قائمه للحال، و کذلک فی قوله و بینکم، و الفاء فی قوله فأنزلوهم فصیحه، و الضمیر فی قوله خذوها راجع إلى ما یفهم من المقام من الفایده و الرّوایه و نحوهما على حدّ قوله: تورات بالحجاب و قوله ألم أعمل إمّا استفهام تقریرىّ لما بعد النّفى أو إنکار إبطالىّ و هو الأظهر، و جمله أنه یموت آه بدل من مفعول خذوها، فانّ المشهور جواز إبدال الظاهر من الضمیر إذا کان غایبا.

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام لما شرح فی الفصلین السّابقین حال المتّقین و الفاسقین‏

و ذکر فی بیان صفات الفسّاق انهم أخذ و الجهاله و الضّلاله من الجهّال و الضّلال عقّب ذلک بالأمر بملازمه أئمّه الدّین و أعلام الیقین لکونهم القاده الهداه أدّلاء على طریق النّجاه و کون لزومهم باعثا على التّقوى و محصّلا للقربى و وبّخ المخاطبین أوّلا بصدّهم عن الحقّ و میلهم إلى الباطل و عدولهم عن أئمه الأنام علیهم الصّلاه و السّلام بقوله: (فأین تذهبون) أى أىّ طریق تسلکون أبین من طریق الحقّ و هذه الجمله مأخوذه من قوله سبحانه فی سوره التکویر: وَ ما صاحِبُکُمْ بِمَجْنُونٍ، وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِینِ، وَ ما هُوَ عَلَى الْغَیْبِ بِضَنِینٍ، وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شَیْطانٍ رَجِیمٍ، فَأَیْنَ تَذْهَبُونَ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِکْرٌ لِلْعالَمِینَ، لِمَنْ شاءَ مِنْکُمْ أَنْ یَسْتَقِیمَ.

روى علیّ بن إبراهیم فی تفسیر هذه الآیه عن جعفر بن محمّد علیه السّلام قال: حدّثنا عبد اللّه بن موسى عن الحسن بن علیّ بن أبی حمزه عن أبیه عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قلت: قوله: وَ ما صاحِبُکُمْ بِمَجْنُونٍ قال: یعنی النبیّ صلّى اللّه علیه و آله ما هو بمجنون فی نصبه أمیر المؤمنین علیه السّلام علما للنّاس قلت قوله: وَ ما هُوَ عَلَى الْغَیْبِ بِضَنِینٍ قال ما هو تبارک و تعالى على نبیّه بغیبه بضنین علیه قلت: وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شَیْطانٍ رَجِیمٍ قال: کهنه الّذین کانوا فی قریش فنسب کلامهم إلى کلام الشّیطان الّذین کانوا معهم یتکلّمون على ألسنتهم فقال: و ما هو بقول شیطان رجیم مثل أولئک قلت. فَأَیْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِکْرٌ لِلْعالَمِینَ‏

قال علیه السّلام أین تذهبون فی علیّ یعنی ولایته أین تفرّون منها إن هو إلّا ذکر للعالمین أخذ اللّه میثاقه على ولایته قلت قوله: لِمَنْ شاءَ مِنْکُمْ أَنْ یَسْتَقِیمَ.

قال فی طاعه علیّ و الأئمه علیه السّلام من بعده (و أنّى تؤفکون) أى تصرفون عن عباده اللّه إلى عباده غیره و تقلبون عن طریق الهدى إلى سمت الضلاله و الرّدى کما قال تعالى فی سوره الأنعام: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى‏ یُخْرِجُ الْحَیَّ مِنَ الْمَیِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَیِّتِ مِنَ الْحَیِّ ذلِکُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَکُونَ» و فی سوره الملائکه: یا أَیُّهَا النَّاسُ اذْکُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَیْکُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَیْرُ اللَّهِ یَرْزُقُکُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَکُونَ و فی سوره المؤمن: ذلِکُمُ اللَّهُ رَبُّکُمْ خالِقُ کُلِّ شَیْ‏ءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَکُونَ کَذلِکَ یُؤْفَکُ الَّذِینَ کانُوا بِآیاتِ اللَّهِ یَجْحَدُونَ.

قال الطبرسیّ فی تفسیر هذه الآیه أى الّذى أظهر هذه الدّلالات و أنعم بهذه النّعم هو اللّه خالقکم و مالککم خالق کلّ شی‏ء من السّماوات و الأرض و ما بینهما لا یستحقّ العباده سواه فکیف تصرفون عن عبادته إلى عباده غیره مع وضوح الدّلاله على توحیده هذا.

و لا یخفى علیک أنّ ما ذکرته فی شرح هذه الفقره إنّما هو أخذا بظاهر کلامه علیه السّلام و لکنّ الأظهر بمقتضى السّیاق أنّه علیه السّلام أراد بها توبیخ المخاطبین على العدول عنه فیکون معنى قوله: أنّى تؤفکون أنّى تقلبون عنّی و عن ولایتی و ملازمتی.

و مثل ذلک قوله علیه السّلام (و الأعلام قائمه و الآیات واضحه و المنار منصوبه) فانه یجوز أن یراد به أعلام القدره و آیات المقدره و آثار التوحید و منار التفرید و أدلّه الوجود من المهاد الموضوع و السّماء المرفوع و اختلاف اللّیل و النّهار و الفلک الجاری فی البحر الزخّار و المطر النّازل من السحاب الذی أحیى به الأرض بعد موتها و بثّ فیها من الدّواب إلى غیر هذه من دلایل التوحید و الجلال و علائم الکمال و الجمال.

إلّا أنّ الأظهر أنّ المراد بها هو أعلام الدّین و آیات الیقین و منار الهدى و أئمه الورى، و یشهد بذلک ما ورد فی حدیث وصفهم علیه السّلام: جعلتهم أعلاما لعبادک و منارا فی بلادک أى هداه یهتدى بهم.

و یدلّ علیه الأخبار الوارده فی أنّهم علیه السّلام آیات اللّه و بیّناته، مثل ما فی البحار من تفسیر علیّ بن إبراهیم مسندا عن أبی حمزه قال: سألت أبا جعفر علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ الَّذِینَ کَذَّبُوا بِآیاتِنا صُمٌّ وَ بُکْمٌ فِی الظُّلُماتِ مَنْ یَشَأِ اللَّهُ یُضْلِلْهُ وَ مَنْ یَشَأْ یَجْعَلْهُ عَلى‏ صِراطٍ.

قال أبو جعفر علیه السّلام: نزلت فی الذین کذّبوا فی أوصیائهم صمّ و بکم کما قال اللّه فی الظّلمات من کان من ولد إبلیس فانّه لا یصدق بالأوصیاء و لا یؤمن بهم أبدا، و هم الذین أضلّهم اللّه و من کان من ولد آدم علیه السّلام آمن بالأوصیاء و هم على صراط مستقیم قال: و سمعته یقول: کذبوا بآیاتنا کلّها فی بطن القرآن ان کذّبوا بالأوصیاء کلّهم، و منه فی قوله: وَ الَّذِینَ هُمْ عَنْ آیاتِنا غافِلُونَ.

قال: أمیر المؤمنین علیه السّلام و الأئمه صلوات اللّه علیهم، و الدّلیل على ذلک قول أمیر المؤمنین علیه السّلام: ما للّه آیه أکبر منّى.

و منه باسناده عن داود بن کثیر الرّقی قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه: وَ ما تُغْنِی الْآیاتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا یُؤْمِنُونَ.

قال علیه السّلام: الآیات الأئمه و النّذر الأنبیاء علیه السّلام.

و منه عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن هشام عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قوله: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَیْهِمْ مِنَ السَّماءِ آیَهً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِینَ قال تخضع رقابهم یعنی بنی أمیّه، و هی الصّیحه من السّماء باسم صاحب الأمر علیه السّلام إلى غیر ذلک مما ورد عنهم علیهم السّلام فی تفسیر الآیات القرآنیّه مما لا نطیل بروایتها، فقد ظهر بذلک کلّه أنهم المراد بالآیات الواضحه فیکون إطلاقها علیهم باعتبار أنهم علامات جلیله واضحه لعظمه اللّه و قدرته و علمه و لطفه و رحمته.

فما آیه للّه أکبر منهم
فهم آیه من دونهم کلّ آیه

سرى سرّهم فی الکائنات جمیعها
فمن سرّهم لم یخل مثقال ذرّه

هذا و قوله (فأین یتاه بکم بل کیف تعمهون) تأکید لقوله فأین تذهبون و أنّى تؤفکون، فانّه لمّا سألهم عن إفکهم و ذهابهم و وبّخهم علیه أکّده بذلک مشیرا به إلى أنّ الافک و الذّهاب موجب لتیههم و تحیّرهم و عمههم و ضلالتهم.

و أکّد الجمله الحالیه السّابقه أعنی قوله: و الأعلام قائمه إلخ بقوله (و بینکم عتره نبیّکم) مشیرا به إلى أنّهم المراد بالأعلام و الآیات، و المراد بعتره النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الأئمه علیهم السّلام.

و یدلّ علیه ما فی البحار من العیون و معانی الأخبار عن الهمدانی عن علیّ عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن غیاث بن إبراهیم عن الصّادق عن آبائه علیهم السّلام قال: سئل أمیر المؤمنین علیه السّلام عن معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: إنّى مخلف فیکم الثقلین کتاب اللّه و عترتی من العتره فقال: أنا و الحسن و الحسین و الأئمه التسعه من ولد الحسین علیهم السّلام تاسعهم مهدیهم و قائمهم لا یفارقون کتاب اللّه و لا یفارقهم حتّى یردوا على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حوضه.

و سیأتی فی شرح الخطبه الثّالثه و التسعین مزید تحقیق فی معنى العتره إنشاء اللّه (و هم أزمّه الحقّ و ألسنه الصدق) یعنی أنّهم علیهم السّلام القائدون یقودون الخلق إلى الحقّ کما تقاد النّاقه بالزمام إلى الطریق، و هم تراجمه الوحی کما أنّ اللّسان ترجمان النفس و یدلّ على الأوّل وصفهم فی فقرات الزیاره الجامعه بقوله: و قاده الأمم، یعنی أنهم علیهم السّلام قاده الأمم إلى معرفه اللّه و دینه یقودونهم بدعائهم و تعریفهم و أمرهم و ترغیبهم إلى المعرفه و الدّین، فمن أجاب قادوه إلى الجنه و من أناب ساقوه إلى النّار کما قال علیه السّلام: أنا قسیم الجنّه و النّار، و هو نعمه اللّه على الأبرار و نقمته على الفجّار.

و یدلّ على الثانی وصفهم علیهم السّلام فی فقرات الزیاره المذکوره بقوله: و تراجمه لوحیه، یعنی أنّهم المؤدّون من الحقّ إلى الخلق فلا یخفى ما بین القرینتین فی کلامه علیه السّلام من الحسن و اللّطف حیث إنّ محصّل معناهما أنهم علیهم السّلام دلائل للخلق على الحقّ و وسایط للحقّ إلى الخلق هذا.

و یجوز أن یکون المراد بقوله: و هم أزمّه الحقّ أنّ زمام الحقّ بیدهم علیهم السّلام فیکون مساقه مساق قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الحقّ مع علیّ و هو مع الحقّ أینما دار.

و من طرق الخاصه متواترا عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و الأئمه صلوات اللّه و سلامه علیه و علیهم: الحقّ مع الأئمه الاثنى عشر، و فی فقرات الزیاره الجامعه: و الحقّ معکم و فیکم و منکم و إلیکم و أنتم أهله و معدنه.

و أن یکون المراد بقوله علیه السّلام و ألسنه الصدق أنهم لا یقولون إلّا صدقا و حقّا فیکون تصدیقا لدعاء إبراهیم حیث إنّه دعا ربّه بما حکاه اللّه عنه بقوله فی سوره الشعراء: وَ اجْعَلْ لِی لِسانَ صِدْقٍ فِی الْآخِرِینَ.

أى اجعل صادقا من ذرّیتی یجد أصل دینی و یدعو النّاس إلى ما کنت أدعوهم إلیه، فاستجاب اللّه دعوته و اصطفى من ذریّته محمّدا و آله صلوات اللّه و سلامه علیه‏ و علیهم و جعلهم لسان صدق له.

و یؤیّد ذلک ما فی تفسیر القمّی عند قوله: وَ اجْعَلْ لِی لِسانَ صِدْقٍ.

قال: هو أمیر المؤمنین علیه السّلام و فی مجمع البیان فی تفسیر قوله تعالى: یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ کُونُوا مَعَ الصَّادِقِینَ قال الطّبرسیّ أى اتّقوا معاصی اللّه و اجتنبوا و کونو مع الصّادقین الذین یصدقون فی أخبارهم و لا یکذبون، و معناه کونوا على مذهب من یستعمل الصدق فی أقواله و أفعاله و صاحبوهم و رافقوهم و قد وصف اللّه الصّادقین فی سوره البقره بقوله: وَ لکِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْیَوْمِ الْآخِرِ إلى قوله: أُولئِکَ الَّذِینَ صَدَقُوا وَ أُولئِکَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.

فأمر سبحانه بالاقتداء بهؤلاء، و قیل: المراد بالصّادقین هم الّذین ذکرهم اللّه فی کتابه و هو قوله: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَیْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ.

یعنی حمزه بن عبد المطلب و جعفر بن أبی طالب.

 وَ مِنْهُمْ مَنْ یَنْتَظِرُ یعنی علیّ بن أبی طالب علیه السّلام.

و روى الکلینیّ عن أبی صالح عن ابن عبّاس قال: کونوا مع الصّادقین مع علیّ علیه السّلام و أصحابه.

و روى جابر عن أبی جعفر علیه السّلام فی قوله و کونوا مع الصّادقین، قال: مع آل محمّد سلام اللّه علیهم.

ثمّ إنّه علیه السّلام بعد توصیف العتره الطّاهره بأنّهم أزمّه الحقّ و ألسنه الصدق أمر بتعظیمهم و إجلالهم بقوله (فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن) قال الشّارح المعتزلی فی شرحه إنّه علیه السّلام أمر المکلّفین أن یحروا العتره فی إجلالها و إعظامهاو الانقیاد و الطّاعه لأوامرها مجرى القرآن.

و قال الشّارح البحرانی: اعلم أنّ للقرآن منازل: الاولى القلب و هو فیه بمنزلتین: إحداهما منزله الاکرام و التّعظیم، و الثانیه منزله التصوّر فقط، الثالثه منزلته فی الوجود اللّسانی بالتلاوه، الرابعه منزلته فی الدفاتر و الکتب، و أحسن منازله هی الأولى فالمراد إذن الوصیه باکرامهم و محبّتهم و تعظیمهم کما یکرم القرآن بالمحبّه و التّعظیم.

أقول: فعلى ما ذکراه یکون معنى کلامه علیه السّلام أنزلوهم بأحسن المنازل التی کانت للقرآن، و الأظهر عندی أنّ معناه أنزلوهم بأحسن المنازل التی أثبتها القرآن لهم، فانّ المنازل الثابته لهم علیهم السّلام بالآیات القرآنیّه متفاوته مختلفه فی العلوّ و الرفعه فأمر علیه السّلام بانزالهم بأحسن المنازل و أسنى المراتب، و هو بأن یستمسکوا بأظهر الآیات دلاله على رفعه شأنهم و علوّ مقامهم مثل قوله سبحانه: إِنَّما وَلِیُّکُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا الَّذِینَ یُقِیمُونَ الصَّلاهَ وَ یُؤْتُونَ الزَّکاهَ وَ هُمْ راکِعُونَ الدّال على خلافتهم و ولایتهم (ع) و قوله: إِنَّما یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَ یُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً الدّال على عصمتهم و طهارتهم و قوله: قُلْ لا أَسْئَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّهَ فِی الْقُرْبى‏ الدّال على ملازمتهم و مودّتهم روى الطّبرسیّ فی مجمع البیان فی تفسیر الآیه الأخیره من کتاب شواهد التنزیل مرفوعا إلى أبی أمامه الباهلی قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: إنّ اللّه خلق الأنبیاء من أشجار شتّى و خلقت أنا و علیّ من شجره واحده فأنا أصلها و علیّ فرعها و الحسن و الحسین ثمارها و شیعتنا أوراقها، فمن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، و من زاغ هوى، و لو أنّ عبدا عبد اللّه بین الصّفا و المروه ألف عام ثمّ ألف عام ثمّ ألف عام حتّى یصیر کالشنّ البالی ثمّ لم یدرک محبّتنا أکبّه اللّه على منخریه فی النّار ثمّ تلا: قُلْ لا أَسْئَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّهَ فِی الْقُرْبى‏.

قال الطبرسیّ و روى زاذان عن علیّ علیه السّلام قال: فینا فی ال حم آیه لا یحفظ مودّتنا إلّا کلّ مؤمن ثمّ قرء هذه الآیه و إلى هذا أشار الکمیت فی قوله:

         وجدنا لکم فی آل حم آیه. تأوّلها منّا تقىّ و معرب‏

و فی البحار ذکر أبو حمزه الثّمالی فی تفسیره حدّثنى عثمان بن عمیر عن سعید بن جبیر عن ابن عباس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین قدم المدینه و استحکم الاسلام قالت الأنصار فیما بینهم: نأتی رسول اللَّه فنقول له إنه تعروک امور فهذه أموالنا فاحکم فیها غیر حرج و لا محظور علیک، فأتوه فی ذلک فنزل: قُلْ لا أَسْئَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّهَ فِی الْقُرْبى‏ فقرأها علیهم فقال تودّون قرابتی من بعدی، فخرجوا من عنده مسلّمین لقوله، فقال المنافقون: إنّ هذا الشی‏ء افتراه فی مجلسه أراد بذلک أن یذلّلنا لقرابته من بعده فنزلت: أَمْ یَقُولُونَ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ کَذِباً.

فأرسل إلیهم فتلاها علیهم فبکوا و اشتدّ علیهم فأنزل اللّه: (وَ هُوَ الَّذِی یَقْبَلُ التَّوْبَهَ عَنْ عِبادِهِ) الآیه.

فأرسل فی أثرهم فبشّرهم و قال: و یستجیب اللّه الّذین آمنوا و هم الّذین سلّموا لقوله ثمّ قال سبحانه: وَ مَنْ یَقْتَرِفْ حَسَنَهً نَزِدْ لَهُ فِیها حُسْناً.

أى من فعل طاعه نزد له فی تلک الطاعه حسنا بأن نوجب له الثواب.

و ذکر أبو حمزه الثمالی عن السّدى أنّه قال: اقتراف الحسنه المودّه لآل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و صحّ عن الحسن بن علیّ علیه السّلام أنّه خطب النّاس فقال فی خطبته: أنا من أهل البیت الذین افترض اللّه مودّتهم على کلّ مسلم فقال: قُلْ لا أَسْئَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّهَ فِی الْقُرْبى‏ وَ مَنْ یَقْتَرِفْ حَسَنَهً نَزِدْ لَهُ فِیها حُسْناً).

فاقتراف الحسنه مودّتنا أهل البیت.

و روى اسماعیل بن عبد الخالق عن أبی عبد اللّه علیه السّلام انّه قال: إنّها نزلت فینا أهل البیت أصحاب الکساء انتهى کلامه رفع مقامه.

و قال الفخر الرّازی فی التفسیر الکبیر نقل صاحب الکشاف عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله أنّه قال: من مات على حبّ آل محمّد مات شهیدا، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات مغفورا له، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات تائبا، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات مؤمنا مستکمل الایمان، ألا و من مات على حبّ آل محمّد بشّره ملک الموت بالجنّه ثمّ منکر و نکیر، ألا و من مات على حبّ آل محمّد یزفّ إلى الجنّه کما یزفّ العروس إلى بیت زوجها، ألا و من مات على حبّ آل محمّد فتح له فی قبره بابان إلى الجنه، ألا و من مات على حبّ آل محمّد جعل اللّه قبره مزار ملائکه الرّحمه، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات على السنّه و الجماعه.

ألا و من مات على بغض آل محمّد جاء یوم القیامه مکتوبا بین عینیه آیس من رحمه اللّه، ألا و من مات على بغض آل محمّد مات کافرا، ألا و من مات على بغض آل محمّد لم یشمّ رایحه الجنّه، قال: هذا هو الذی رواه صاحب الکشّاف.

و أنا أقول: آل محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم هم الذین یؤول أمرهم إلیه فکلّ من کان أمرهم إلیه أشدّ و أکمل کانوا هم الآل و لا شکّ أنّ فاطمه و علیّا و الحسن و الحسین کان التعلّق بینهم و بین رسول اللَّه أشدّ التّعلّقات، و هذا کالمعلوم بالنّقل المتواتر فوجب أن یکونوا هم الآل، و أیضا اختلف النّاس فی الآل فقیل هم الأقارب، و قیل هم امّته فان حملناه على القرابه فهم الآل و إن حملناه على الامّه الذین قبلوا دعوته فهم أیضا آل، فثبت أنّ على جمیع التقدیرات هم الآل و أمّا غیرهم فهل یدخلون تحت لفظ الآل فمختلف فیه.

قال: و روى صاحب الکشاف أنّه لمّا نزلت هذه الآیه قیل یا رسول اللَّه من قرابتک هؤلاء الّذین وجبت علینا مودّتهم فقال صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم علیّ و فاطمه و ابناهما، فثبت أنّ هؤلاء الأربعه أقارب النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و إذا ثبت هذا وجب أن یکونوا مخصوصین بمزید التّعظیم و یدلّ علیه وجوه: الأوّل قوله تعالى «إلّا المودّه فی القربى» و الثّانی لا شکّ أنّ النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم کان یحبّ فاطمه علیها السلام قال صلّى اللَّه علیه و آله: فاطمه بضعه منّی یؤذینی ما یؤذیها، و ثبت بالنّقل المتواتر من محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم أنّه کان یحبّ علیّا و الحسن و الحسین، و إذا ثبت ذلک وجب على کلّ الامّه مثله لقوله: (وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّکُمْ تَهْتَدُونَ) و لقوله: (فَلْیَحْذَرِ الَّذِینَ یُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) و لقوله: (قُلْ إِنْ کُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِی یُحْبِبْکُمُ اللَّهُ) و لقوله سبحانه: (لَقَدْ کانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَهٌ حَسَنَهٌ.

الثّالث أنّ الدعاء للآل منصب عظیم و لذلک جعل هذا الدّعاء خاتمه التشهّد فی الصّلاه و هو قوله: اللّهمّ صلّ على محمّد و على آل محمّد و ارحم محمّدا و آل محمّد، و هذا التّعظیم لم یوجد فی حقّ غیر الآل فکلّ ذلک یدلّ على أن حبّ آل محمّد واجب، و قال الشّافعی:

یا راکبا قف بالمحصّب من منى
و اهتف بساکن خیفها و النّاهض‏

سحرا إذا فاض الحجیج إلى منى‏
فیضا کما نظم الفرات الفائض‏

إن کان رفضا حبّ آل محمّد
فلیشهد الثّقلان أنّی رافضی‏

انتهى کلام الرازی خذله اللَّه اقول: و لا یکاد ینقضی عجبى من هذا النّاصب أنّه مع نقله تلک الأخبار المستفیضه المتفق علیها بین الفریقین و اقراره بهذه الفضایل للآل کیف یتعصّب فی حقّ أئمته و یرضى بخلافتهم و یذعن بامامتهم مع أنّ دلاله هذه الأخبار على کفرهم و شقاوتهم غیر خفیّه إذ بغضهم لأهل بیت الرّسول فی حیاته و بعد وفاته ظاهر، و أذاهم لبضعته فی إحراق بابها و إسقاط جنینها و غصب فدک منها واضح، و تسلیطهم بنی امیّه و بنی أبی معیط على رقاب أهل البیت و ما جرى من الظلم و الجور بسبب ذلک علیهم علیهم السّلام غنی عن البیان، و إنما أنطق اللَّه لسانه على الحقّ إتماما للحجّه و إکمالا للبیّنه لئلا یقول یوم القیامه: (إِنَّا کُنَّا عَنْ هذا غافِلِینَ» «وَ مَنْ یُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِیَ لَهُ» «وَ مَنْ لَمْ یَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ.

ثمّ إنّ الشّارح المعتزلی قال فی شرح هذه الفقره أعنی قوله علیه السّلام: فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن بعد کلامه الذی قدّمنا ذکره: فان قلت: فهذا القول منه علیه السّلام یشعر بأنّ العتره معصومه فما قول أصحابکم فی ذلک قلت: نصّ أبو محمّد بن مثنویه فی کتاب الکفایه على أنّ علیّا علیه السّلام معصوم و إن لم یکن واجب العصمه و لا العصمه شرط فی الامامه لکن أدلّه النّصوص قد دلّت على عصمته و القطع على باطنه و نفسه و إنّ ذلک أمر اختصّ هو به دون غیره من الصّحابه، و الفرق ظاهر بین قولنا زید معصوم و بین قولنا زید واجب العصمه، لأنّه امام و من شرط الامام أن یکون معصوما فالاعتبار الأوّل مذهبنا و الاعتبار الثّانی‏ مذهب الامامیّه انتهى کلامه هبط مقامه.

و فیه أنّک قد عرفت فی مقدّمات شرح الخطبه الشقشقیّه بما لا مزید علیه و فی غیرها أیضا أنّ العصمه شرط فی الامامه، و محصّل ما قلناه هناک: أنّ غیر المعصوم لا یؤمن منه الخطأ و الضّلال فکیف یأمنه النّاس فی ضلالته و خطائه، و إن شئت زیاده الاستبصار فارجع ثمّه.

و أمّا قوله علیه السّلام (و ردوهم ورود الیهم العطاش) فأشار به إلى اقتباس العلوم و اکتساب الأنوار منهم، فانهم (ع) لما کانوا ینابیع العلوم و کان علمهم بمنزله العذب الفرات و کان الخلق محتاجین إلیهم فی ذلک حسن منه علیه السّلام أن یأمرهم بورودهم و یشبّه ورودهم بورود الابل الظّمآن على الماء و هو نظیر قوله سبحانه.

 (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّکْرِ إِنْ کُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).

قال الحارث سألت أمیر المؤمنین علیه السّلام عن هذه الآیه قال: و اللَّه إنّا لنحن أهل الذّکر نحن أهل العلم نحن معدن التأویل و التنزیل.

ثمّ إنّه علیه السّلام لما ذکر فضایل الآل و مناقبهم عقّب ذلک و أکّده بذکر منقبه أخرى و فضیله عظمى رواها عن رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فقال (أیّها الناس خذوها عن خاتم النّبییّن) و سیّد المرسلین (صلّى اللَّه علیه و آله) أجمعین (أنّه یموت من مات منّا و لیس بمیّت و یبلى من بلى منّا و لیس ببال) اعلم أنّ هذا الحدیث من مشکلات الأحادیث و متشابهاتها و قد اختلف فی توجیهه أنظار الشّراح و تأوّله کلّ بما یقتضیه سلیقته و مذاقه، و أعظمهم خبطا و أشدّهم و هما الشارح البحرانی مع فضله و ذکائه و براعته فی علم الحکمه حسبما تطلع علیه و لا غرو فیه فانّ الحکمه بعیده عن مذاق الأخبار و حاجبه من اقتباس الأنوار و الأسرار المودعه فی کنوز أحادیث الأئمه الأطهار.

و أنا أتمسّک فی شرح المقام بحبل العنایه الأزلیّه و أستمدّ من الحضره الالهیّه و أستمسک بذیل أهل بیت العصمه و الطّهاره، و أبیّن أوّلا جهه الاشکال و هو أنّ کلامه علیه السّلام بظاهره متناقض حیث إنّه نفى الموت و البلا عنهم بعد إثباتها علیهم و الایجاب یناقض السلب و السّلب للایجاب، و أیضا أنهم علیهم الصّلاه و السّلام هل یحکم بموتهم و بلاهم فی الواقع و نفس الأمر على ما هو مقتضى الشطر الایجابیّ من القضیّتین أولا یحکم بشی‏ء منهما فی حقّهم على ما یقتضیه الجزء السّلبیّ منهما، فأقول و باللّه التوفیق: إنّ حلّ الاشکال فی المقام موقوف على تحقیق الکلام فی کلّ من القضیّتین و به یرتفع التناقض من البین.

فأمّا القضیّه الأولى فمحصّل القول فیها أنّ النّبیّ و الأئمه صلوات اللَّه و سلامه علیه و علیهم إلّا الحجّه المنتظر عجّل اللَّه فرجه قد انتقلوا من دار الدّنیا إلى دار الآخره و خرجت أرواحهم من أبدانهم و جرى الموت علیهم حقیقه کما هو نصّ الجزء الایجابی من هذه القضیّه، و نفى الموت عنهم إنما هو من مفتریات عبد اللَّه ابن سبا و من حذا حذوه من الغلاه مخالف لاجماع الامه و لنصّ الکتاب و السنّه و قد قال سبحانه: (إِنَّکَ مَیِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَیِّتُونَ) و قال: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِکُمْ.

و أمّا سلب الموت عنهم علیهم السّلام فی الجزء الثّانی من القضیّه فهو محمول على حیاتهم بأجسادهم المثالیه کما هو مذهب جمع من أصحابنا على ما حکى عنهم الطّبرسیّ فی مجمع البیان فی تفسیر قوله: (وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ یُقْتَلُ فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْیاءٌ وَ لکِنْ لا تَشْعُرُونَ.

و إلیه ذهب المحدّث المجلسیّ فی کتاب حقّ الیقین و نسبه فیه على ما ببالی إلى المفید (ره).

و قال فی البحار فی المجلّد الرابع عشر منه: و نحن لا ننکر الأجساد المثالیه و تعلّق الأرواح بها بعد الموت بل نثبتها لدلاله الأحادیث المعتبره علیها، بل لا یبعد عندى وجودها قبل الموت أیضا فتتعلّق بها الأرواح فی حال النوم و شبهه من الأحوال لضعف تعلّقها بالأجساد الأصلیه فیسیر بها فی عوالم الملک و الملکوت و لا أستبعد فی الأرواح القویّه تعلّقها بالأجساد المثالیه الکثیره، و تصرّفها فی جمیعها فی حاله فلا یستبعد حضورهم علیهم السّلام فی آن واحد عند جمع کثیر من المحتضرین و غیرهم.

و قال (ره) فی المجلّد التاسع منه بعد نقله روایه البرسى فی مشارق الأنوار استقبال أمیر المؤمنین و حضوره جنازه نفسه فی ظهر الکوفه عند تشییع الحسنین علیهما السّلام لها: و لا أردّ هذه الرّوایه لورود الأخبار الکثیره الدالّه على ظهورهم علیهم السّلام بعد موتهم فی أجسادهم المثالیه کما نقلنا عنه فی شرح الکلام التاسع و الستّین، و لا بعد فی ذلک أى فی ثبوت الأجساد المثالیه لهم، فقد ثبت ذلک فی حقّ المؤمنین الّذینهم من فاضل طینتهم و أشعّه أنوارهم فکیف و هو علیه السّلام أمیر المؤمنین و هو و أولاده المعصومون سادات أهل الایمان و الیقین بهم سعد من سعدو بولایتهم فاز من فاز و کلّ الکمالات فیهم و منهم و بهم و إلیهم.

روى الکلینیّ فی الکافی باسناده عن القاسم بن محمّد عن الحسین بن أحمد عن یونس بن ظبیان قال: کنت عند أبی عبد اللَّه علیه السّلام فقال: ما یقول النّاس فی أرواح المؤمنین فقلت: یقولون تکون فی حواصل طیور خضر فی قنادیل تحت العرش، فقال أبو عبد اللَّه علیه السّلام: سبحان اللَّه المؤمن أکرم على اللَّه من أن یجعل روحه فی حوصله طیر، یا یونس إذا کان ذلک أتاه محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و علیّ و فاطمه و الحسن و الحسین و الملائکه المقرّبون علیهم السّلام فاذا قبضه اللَّه عزّ و جلّ صیّر تلک الروح فی قالب کقالبه فی الدّنیا فیأکلون و یشربون، فاذا قدم علیهم القادم عرفوه بتلک الصّوره الّتی کانت فی الدّنیا.

و رواه فی مجمع البیان عن تهذیب الأحکام للشیخ عن القاسم بن محمّد نحوه.

و فی الکافی باسناده عن أبی بصیر قال قلت لأبی عبد اللَّه علیه السّلام: إنّا نتحدّث عن أرواح‏ المؤمنین أنّها فی حواصل طیور خضر ترعى فی الجنّه و تأوى إلى قنادیل تحت العرش فقال علیه السّلام: لا إذن ما هى فی حواصل طیر، قلت: فأین هی فقال علیه السّلام فی روضه کهیئه الأجساد فی الجنه.

و فی مجمع البیان و الصافی من التهذیب عن أبی بصیر قال: سألت أبا عبد اللَّه علیه السّلام عن أرواح المؤمنین، فقال: فی الجنّه على صور أبدانهم لو رأیته لقلت فلان.

و کیف کان فلا غبار على ذلک، و إطباق المشایخ على القدح فی یونس بن ظبیان و نسبتهم له إلى الغلوّ و الکذب مع مدح بعضهم له و تلقّى جمع منهم روایته هذه بالقبول و بنائهم على مضمونها مع اعتضادها بالرّوایات الاخر لا یقدح فی روایته هذه و العمل علیها، هذا هو الذی یقتضیه النظر الجلیل فی توجیه سلب الموت عنهم (ع).

و أمّا الذی یقتضیه النظر الدقیق فهو أن یقال بحیاتهم بعد موتهم بأجسادهم الأصلیه التی کانت فی الدّنیا، و لا غرو فیه بعد دلاله الأخبار المعتبره علیه.

مثل ما فی الوسائل فی باب کراهه الاشراف على قبر النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله من فوق عن الکلینیّ عن عدّه من أصحابنا عن أحمد بن محمّد البرقی عن جعفر بن المثنى الخطیب قال: کنت بالمدینه و سقف المسجد الذی یشرف على القبر قد سقط، و الفعله یصعدون و ینزلون و نحن جماعه، فقلت لأصحابنا: من منکم له موعد یدخل على أبی عبد اللَّه علیه السّلام اللیله فقال مهران بن أبی نصر: أنا، و قال إسماعیل بن عمّار الصّیرفی: أنا فقلنا: سلاه عن الصّعود لنشرف على قبر النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم، فلما کان من الغد لقیناهما فاجتمعنا جمیعا، فقال اسماعیل: قد سألناه لکم عمّا ذکرتم فقال: ما أحبّ لأحد منهم أن یعلوه فوقه و لا آمنه أن یرى منه شیئا یذهب منه بصره أو یراه قائما یصلّی أو یراه مع بعض أزواجه.

و فی البحار من المناقب لابن شهر آشوب عن عبد اللَّه بن سلیمان و زیاد بن المنذر و الحسن العباس بن حریش کلّهم عن أبی جعفر علیه السّلام و أبان بن تغلب و معاویه ابن عمّار و أبو سعید المکاری کلّهم عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام لقى الأوّل فاحتجّ علیه ثمّ قال: أترضى برسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله بینی و بینک فقال:و کیف بذلک فأخذ بیده فأتى به مسجد قبا فاذا رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فیه فقضى له على الأوّل.

و فیه من إرشاد القلوب عن الصّادق علیه السّلام فی حدیث طویل ذکر فیه احتجاج أمیر المؤمنین علیه السّلام على أبی بکر بحدیث الغدیر و غیره فقال أبو بکر: لقد ذکرتنی یا أمیر المؤمنین أمرا لو یکون رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم شاهدا فأسمعه منه، فقال أمیر المؤمنین: اللَّه و رسوله علیک من الشّاهدین یا أبا بکر إذا رأیت رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله حیّا و یقول لک إنّک ظالم لی فی أخذ حقّی الّذی جعله اللَّه لی و لرسوله دونک و دون المسلمین أ تسلّم هذا الأمر إلىّ و تخلع نفسک منه فقال أبو بکر: یا أبا الحسن و هذا یکون أرى رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله حیّا بعد موته یقول لی ذلک. فقال أمیر المؤمنین: نعم یا أبا بکر، قال: فأرنى ذلک إن کان حقّا، فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام: اللَّه و رسوله علیک من الشّاهدین إنّک تفى بما قلت قال أبو بکر: نعم فضرب أمیر المؤمنین علیه السّلام على یده و قال: تسعى معی نحو مسجد قبا فلمّا ورداه تقدّم أمیر المؤمنین علیه السّلام فدخل المسجد و أبو بکر من ورائه فاذا برسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فی قبله المسجد، فلمّا رآه أبو بکر سقط لوجهه کالمغشیّ علیه فناداه رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم: ارفع رأسک أیّها الضّلیل المفتون، فرفع أبو بکر رأسه و قال: لبّیک یا رسول اللَّه أحیاه بعد الموت یا رسول اللَّه فقال صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم: ویلک یا أبا بکر (إِنَّ الَّذِی أَحْیاها لَمُحْیِ الْمَوْتى‏ إِنَّهُ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدِیرٌ) الحدیث و نحوها أخبار اخر.

و أنت بعد ذلک لو سنحت بخاطرک سوانح الشبهات و خالجتک الشّکوک و احتملت تأویل هذه الأخبار بالأجساد المثالیه و أردت أن یطمئن قلبک بجواز الحیاه على الأجساد الأصلیه فراجع إلى ما رواه فی البحار من المناقب عن أبان بن تغلب و الحسین بن معاویه و سلیمان الجعفری و إسماعیل بن عبد اللَّه بن جعفر کلّهم عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام‏

قال: لمّا حضر رسول اللَّه المماه دخل علیه علیّ علیه السّلام فأدخل رأسه معه ثمّ قال: یا علی إذا أنا متّ فغسّلنی و کفنّی ثمّ اقعدنی و سائلنی و اکتب و من تهذیب الأحکام فخذ بمجامع کفنی ثمّ اسألنی عما شئت فو اللَّه لا تسألنی عن شی‏ء إلّا أجبتک.

و رواه فیه من البصایر و الکافی و الخرائج عن البزنطی عن فضیل عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام مثله، و فیه و فی روایه أبی عوانه باسناده قال علیّ علیه السّلام ففعلت فأنبأنی بما هو کائن إلى یوم القیامه.

و فی البحار أیضا من الخرائج عن إسماعیل بن عبد اللَّه بن جعفر عن أبیه علیه السّلام قال: قال علیّ بن أبی طالب علیه السّلام: أمرنی رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله إذا توفّى أن استسقی سبع قرب من بئر غرس فأغسله بها، فاذا غسلته و فرغت من غسله أخرجت من فی البیت قال: فاذا اخرجتهم فضع فاک على فیّ ثمّ سلنی عمّا هو کائن إلى أن تقوم الساعه من أمر الفتن، قال علیّ علیه السّلام: ففعلت ذلک فأنبأنی بما یکون إلى أن تقوم الساعه، و ما من فئه تکون إلّا و أنا أعرف أهل ضلالها من أهل حقّها.

و من الخرائج أیضا عن حفص بن البخترى عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم لأمیر المؤمنین: إذا أنا متّ فغسّلنی و کفّنّى و ما املی علیک فاکتب قلت: ففعل قال: نعم.

و یزید توضیحا لذلک الأخبار الوارده فی کتب المقاتل من أنّ الرّأس الأطیب الأطهر الأنور للسیّد الشّهداء روحی و جسمى له الفداء کان ینظر و یتحرّک و یتکلّم بعد قتله علیه السّلام فیکبّر تاره و یحوقل أخرى و یقرأ من القرآن آیه الکهف و غیرها على السّنان و یخبر عن ما سنح بخاطر ابن وکیده بالکوفه، إلى غیر هذه ممّا شوهدت منه من المعجزات و الکرامات، أ فیمکن لک أن تقول إنّ ذلک لم یکن رأسه الأصلی و إنّما کان رأسه المثالی فاذا جاز الحیاه على الرأس الذی هو جزء من البدن الشریف سلام اللَّه علیه فکیف بالبدن تمامه.

و قد روى غیر واحد من أرباب المقاتل المعتبره جلوس الجسد المذبوح عند وداع أهل بیته علیه السّلام له و معانقته لبنته الصغیره و وصیّته إلیها بأن یقول لشیعته:

شعتی ما إن شربتم ماء عذب فاذکرونى
أو سمعتم بغریب أو شهید فاندبونی‏

إلى آخر الأبیات الّتی خرجت من الحلقوم الشّریف لعن اللَّه قاتلیه و ظالمیه أبد الآبدین و دهر الداهرین.

فحاصل الکلام و فذلکه المرام أنّی لا أمنع من تصرّفات أرواحهم الکلّیّه فی أجسادهم الأصلیّه کتصرّفها فى الأجساد المثالیّه على ما علیه أساطین العلماء باقدار من اللَّه سبحانه و إفاضه منه الحیاه علیهم بعد موتهم إظهارا لشرفهم و رفعتهم و کرامتهم و إتماما للحجّه فی بعض المقامات (لِیَهْلِکَ مَنْ هَلَکَ عَنْ بَیِّنَهٍ وَ یَحْیى‏ مَنْ حَیَّ عَنْ بَیِّنَهٍ).

و لا أرى مانعا من ذلک إلّا ما فی المجلس التّاسع عشر من کتاب أسرار الشّهادات من أنّ القول بتعلّق الأرواح بالأجساد الدّنیویّه الأصلیّه قبل قیام الساعه أو قبل الرّجعه ممّا قام الاجماع على بطلانه و لکنّک خبیر بما فیه إذ المسأله غیر معنونه فی کلام الأصحاب فکیف یمکن دعوى الاجماع و بعد الغضّ عن ذلک غایته أنّه إجماع منقول بخبر الواحد و هو على القول بحجّیته لا یکافؤ الأخبار المستفیضه الدّالّه على خلافه.

و یؤیّد ما ذکرته و یقرّبه ما فی مجمع البیان فی تفسیر الآیه السّابقه أعنى قوله: (وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ یُقْتَلُ فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْیاءٌ) فانّه بعد ما اشکل فی حیاه الشهداء بقوله: فان قیل: فنحن نرى جثّه الشهداء مطروحه على الأرض لا تنصرف و لا یرى فیه شی‏ء من علامات الأحیاء، قال (ره) ما نصّ عبارته: فالجواب أمّا على مذهب من یقول من أصحابنا أنّ الانسان هو النّفس إنّ اللَّه یجعل لهم أجساما کأجسامهم فی دار الدّنیا یتنعّمون فیها دون أجسامهم التی فی القبور فانّ النّعیم و العذاب إنما یحصل عنده إلى النّفس التی هی الانسان المکلّف‏ عنده دون الجثه إلى أن قال: فأمّا على مذهب من قال من أصحابنا إنّ الانسان هذه الجمل المشاهده و إنّ الرّوح هو النّفس المتردّد فی مخارق الحیوان و هو أجزاء الجوّ فالقول أنه یلطف أجزاء من الانسان لا یمکن أن یکون الحىّ حیّا بأقلّ مما یوصل إلیها النّعیم و إن لم تکن تلک الجمله بکمالها، لأنّه لا یعتبر الأطراف و أجزاء السّمن فی کون الحىّ حیّا، فانّ الحىّ لا یخرج بمفارقتها من کونه حیّا.

و ربّما قیل: بأنّ الجثّه یجوز ان یکون مطروحه فی الصوره و لا یکون میته فتصل إلیها اللّذات کما أنّ النّائم حىّ و تصل إلیه اللّذات مع أنه لا یحسّ و لا یشعر بشی‏ء من ذلک، فیرى فی النوم ما یجد به السّرور و الالتذاذ حتّى یودّ أن یطول نومه فلا ینتبه.

و قد جاء فی الحدیث أنّه یفسح له مدّ بصره و یقال له نم نومه العروس، و قریب منه ما فی التّفسیر الکبیر للفخر الرّازی حیث قال: فان قیل: نحن نشاهد أجسادهم میته فی القبور فکیف یصحّ ما ذهبتم إلیه قلنا: أما عندنا فالبنیه لیست شرطا فی الحیاه و لا امتناع فی أن یعید اللَّه الحیاه إلى کلّ واحد من تلک الذّرات و الأجزاء الصّغیره من غیر حاجه إلى الترکیب و التألیف، و أمّا عند المعتزله فلا یبعد أن یعید اللَّه إلى الأجزاء التی لا بدّ منها فی ماهیه الحىّ و لا یعتبر بالأطراف و یحتمل أیضا ان یحییهم إذا لم یشاهدوا.

و بالجمله فقد تقرّر ممّا ذکرنا جواز الحیاه على الأبدان الأصلیه فی الجمله و ارتفع بعد ذلک فی نظرک بما نسبه الطبرسیّ إلى جمع من أصحابنا و الفخر الرّازی إلى المعتزله مع أنه لا یعبؤ باستبعاد العقول بعد دلاله نصّ الآیه و قیام الأخبار المستفیضه علیه هذا.

و أمّا القضیه الثانیه أعنى قوله: و یبلى من بلى منّا و لیس ببال، فقد ظهر تحقیق الکلام فیها مما سبق إذ بعد القول بحیاه الأبدان على الوجه الذی قلناه‏ لا یتصوّر البلى لمنافاتها له، نعم لا ینافیها على الوجه الذی اختاره الأشاعره و الوجه الذی ذهب إلیه المعتزله و جمع من أصحابنا على ما عرفت فی نقل کلامهم.

و یدلّ على ذلک أى على عدم البلى ظواهر الأخبار السّابقه مضافه إلى ما فی الکافی عن عدّه من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن علیّ بن الحکم عن زیاد بن أبی الجلال عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: ما من نبیّ و لا وصیّ نبیّ یبقى فی الأرض أکثر من ثلاثه أیّام حتّى ترفع روحه و عظمه إلى السّماء و إنما یؤتى مواضع آثارهم و یبلغونهم من بعید السّلام و یسمعونهم فی مواضع آثارهم من قریب.

و فی الوسائل عن الشیخ باسناده عن محمّد بن سنان عن المفضل بن عمر قال: دخلت على أبی عبد اللّه علیه السّلام فقلت له: إنّی اشتاق إلى الغرّى فقال: ما شوقک إلیه فقلت: له إنّی أحبّ أن أزور أمیر المؤمنین علیه السّلام، فقال علیه السّلام: هل تعرف فضل زیارته قلت: لا إلّا أن تعرّفنی، فقال علیه السّلام: إذا زرت أمیر المؤمنین علیه السّلام فاعلم أنّک زائر عظام آدم و بدن نوح و جسم علیّ بن أبی طالب علیه السّلام الحدیث.

و ما فی شرح المعتزلی عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله أنّ الأرض لم تسلّط علیّ و أنها لا تأکل لی لحما و لا تشرب لی دما.

و فی الفقیه عن الصّادق علیه السّلام إنّ اللّه عزّ و جلّ حرّم عظامنا على الأرض و حرّم لحومنا على الدّود أن یطعم منها شیئا.

و قال النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم حیاتی خیر لکم و مماتی خیر لکم، قالوا: یا رسول اللّه و کیف ذلک قال علیه السّلام: أما حیاتی فانّ اللّه عزّ و جلّ یقول: و ما کان اللّه لیعذّبهم و أنت فیهم، و أمّا مفارقتی إیّاکم فانّ أعمالکم تعرض علىّ کلّ یوم فما کان من حسن استزدت اللّه لکم و ما کان من قبیح استغفرت اللّه لکم، قالوا: و قد رحمت یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یعنون صرت رمیما فقال علیه السّلام: کلّا إنّ اللّه تبارک و تعالى حرّم لحومنا على الأرض أن یطعم منها شیئا، هذا.

و مقتضى الجمع بین هذه الأخبار و الأخبار الدالّه على نقل عظام آدم علیه السّلام‏ إلى الغریّ و عظام یوسف إلى الأرض المقدّسه هو اختصاص حکم عدم البلى بهذه الشجره المبارکه أعنی خاتم النبیّین و أوصیائه المعصومین سلام اللّه علیهم أجمعین.

فان قلت: فاذا قلت بعدم البلى على ما یقتضیه قوله علیه السّلام لیس ببال فکیف التوفیق بینه و بین قوله و یبلى من بلى منّا المقتضی لثبوت البلى قلت: ذلک محمول على زعم أغلب الخلق فانّ اسراء عالم الحواسّ من الناس لمّا زعموا أنّ الموت ملازم للبلى و قاسوا أولیاء اللّه و عباده المصطفین بسایر الخلق و لم یعرفوا أنّهم لا یقاس بهم أحد فأثبتوا البلى فی حقّهم و لذلک عقّب علیه السّلام الایجاب بالسّلب کما أنّ اللّه سبحانه ردّ حسبان الخلق و زعمهم لکون القتل مستلزما للموت فی سوره البقره بقوله: (وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ یُقْتَلُ فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْیاءٌ وَ لکِنْ لا تَشْعُرُونَ) و فی سوره آل عمران بقوله: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِینَ قُتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْیاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ یُرْزَقُونَ) فان قوله: (وَ لکِنْ لا یَشْعُرُونَ).

فی الآیه الاولى دلیل على أنهم لم یکن لهم شعور بحیاتهم فاذا لم یکن لهم شعور بذلک فلا یکون لهم شعور بعدم البلى البته من حیث الملازمه بینه و بین الموت فی نظرهم کملازمه الموت للقتل عندهم، هذا.

و أما حمل البلى على بلى الأکفان فبعید، و أبعد منه حمله على بلى الأبدان و حمل عدم البلى على عدمه للأرواح کما یظهر من شرح البحرانی حیث قال فی شرح هاتین الفقرتین ما نصّ عبارته: و إشاره النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله بهذه الکلمه تقریر لقوله تعالى: (وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِینَ قُتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ) الآیه.

لما اتفقت علیه کلمه العلماء و نطقت به البراهین العقلیه أنّ أولیاء اللّه لا یموتون و لا یبلون و إن بلیت أجسادهم.

قال بعض الخائضین فیما لا یعنیه: قوله: و یبلى من بلى منّا، نصّ جلّى على أنّ أجساد الأولیاء تبلى، و ذلک یخالف ما یعتقده النّاس من أنّ أجسادهم باقیه إلى یوم القیامه.

قلت: الاعتقاد المذکور لبعض الناس إنّما نشأ من قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی قتلى بدر: زمّلوهم بکلومهم و دمائهم فانهم یحشرون یوم القیامه و أوداجهم تشخب دما، و قوله تعالى: و لا تحسبنّ الّذین قتلوا، الآیه و لیس و لا واحد منهما بدال على أن الأجساد لا تموت و لا تبلى.

أمّا الخبر فلیس مقتضاه أنها تبقى صحیحه تشخب دما إلى یوم القیامه، بل ذلک ممّا یشهد ببطلانه الحسّ، بل یحمل على أنّها کما تعاد یوم القیامه تعاد مجروحه تشخب جراحها دما کهیئتها یوم موتها.

و أمّا الآیه فالذی أجمع علیه علماء المفسّرین أنّ الحیاه المذکوره فیها هی حیاه النّفوس، و هو ظاهر فی سبب نزولها عن ابن عباس (رض) قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: لما اصیبت إخوانکم باحد جعل اللّه أرواحهم فی أجواف طیور خضر ترد أنهار الجنّه و تأکل من ثمارها و تأوى إلى قنادیل من ذهب معلّقه فی ظلّ العرش، فلمّا وجد و اطیب مأکلهم و مشربهم و مقیلهم قالوا من یبلغ إخواننا عنّا أنّا فی الجنّه نرزق لئلا یزهدوا فی الجهاد و لا یتکلّموا عند الحرب فقال اللّه عزّ و جلّ: أنا ابلّغهم عنکم فنزلت: و لا تحسبنّ الّذین قتلوا، الآیه.

فاذن لا منافاه بین کلامه علیه السّلام و ما ورد فی القرآن و الخبر، و مقصوده علیه السّلام بهذه الکلمه تقریر فضیلتهم و أنّهم أولیاء باقون عند ربّهم فی ظلّ کرامته انتهى کلامه.

و قد تحصّل منه أنه (ره) یحمل الموت و البلى فی کلامه علیه السّلام على بلى الأجساد و موتها و یحمل عدم الموت و البلى فیه على حیاه النفوس و الأرواح و بقائها و أنت‏خبیر بما فیه.

أمّا أوّلا فلأنّ القول ببلى أجساد الأئمه و موتها خلاف ما هو المستفاد من الأخبار المستفیضه السّابقه.

و ثانیا أنّ الامام علیه السّلام إنّما أتى بالحدیث النّبویّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إظهارا للرفعه و الکرامه و مقصوده علیه السّلام به المفاخره و بیان فضیله و منقبه مختصّه بهم علیه السّلام، و من المعلوم أنّ بقاء الأرواح مع بلى الأجساد لیس فضیله مخصوصه بأهل بیت الرساله بل هی جاریه فی حقّ سایر النّاس من المؤمنین و الکفّار، و قد مرّ فی شرح الخطبه الثّانیه و الثمانین أنّ أرواح المؤمنین فی وادی السّلام و أرواح الکفّار فی البرهوت، فأىّ معنى لحمل عدم البلى فیه علی عدم بلى الأرواح، مع أنّ استعمال لفظ البلى و عدم البلى إنّما هو مصطلح فى الأجساد و الأجسام دون الأنفس و الأرواح و هو واضح لا یخفى، بل الأرواح لا یتصوّر فی حقّها البلى فلا معنى لنفى البلى عنها إلّا على وجه السالبه بانتفاء الموضوع

و ثالثا قوله ره: قلت: الاعتقاد المذکور إنّما نشأ من قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم آه فیه أنّ سند الاعتقاد المذکور لیس منحصرا فیما ذکره بل قد دلّ علیه ما قدّمناه من الأدلّه.

و رابعا أنّ دعوى اتّفاق المفسّرین على کون الحیاه المذکوره فی الآیه هی حیاه النفوس ممنوعه، لما عرفت سابقا اختلاف المفسّرین فیها، فمنهم من یحملها على الحیاه بالأجساد المثالیه، و منهم من یحملها على الحیاه بالأبدان الأصلیّه، و منهم من یحملها على حیاه النفوس فکیف یمکن مع هذا الخلاف دعوى الاتفاق، و ما أبعد ما بین هذه الدّعوى و بین إنکار البعض حدیث الأرواح مستدّلا بکون الروح عرضا لا یتنعّم، فانّ دعوى الشارح للاتفاق واقع فی طرف الافراط کما أنّ انکار هذا البعض فی جانب التفریط من حیث أنّ الروح جسم لطیف هوائیّ حسّاسه فعّاله و لیس عرضا کما توهّمه فیجوز أن یتنعّم و یلتذّ.

و خامسا أنّ الحدیث الذی نقله عن ابن عباس فی مقام الاستظهار به قد عرفت ردّ الصادق علیه السّلام له فی روایتی یونس بن ظبیان و أبی بصیر المتقدّمتین، و اللّه العالم بحقایق الامور، و المحصّل لما فی الصدور و انّما أطنبت الکلام فی المقام لکونه من مزالق الأقدام محتاجا إلى کشف الحجاب عن المرام و قد وضح لک فیه ما اقتضت الأدلّه من الکتاب و السّنه و من اللّه سبحانه أسأل العصمه و السداد من الخطاء فی القول و الاعتقاد بمحمد و آله الأطهار الأمجاد.

ثمّ إنّه علیه السّلام لمّا ذکر مناقب آل العباء و من خصّه اللّه بالولایه و الولاء و أکّده بحدیث سلب الموت و البلى و کان ذلک بعیدا عن مذاق العوام و أمرا عجیبا عند العقول و الأوهام و مظنه للردّ و الانکار لا جرم أردفه بقوله (و لا تقولوا بما لا تعرفون فانّ أکثر الحقّ فیما تنکرون) و هو نهى لهم عن القول فی حقّ العتره بما لا یعرفون و عن التسرّع إلى ردّ ما یستعجبون معلّلا بأنّ أکثر الحقّ فیما ینکرون و المقصود به أنّ صاحب الولایه لا یقاس بالنّاس إذ شئونات الولایه المطلقه بعیده عن الوهم و القیاس و إدراکات الخلق أغلبها مقصوره على عالم الحواس، و الجاهل ربما ینکر بداء جهالته الحقّ إذا خالف طبعه أو عجز عن إدراکه فهمه أو سبق إلیه اعتقاده ضدّه بشبهه أو تقلید أو بما انقدح فی وهمه من شکّ و تردید، فلا یجوز الخوض فی اللّجاج و العناد بمجرّد الاستغراب و الاستبعاد.

و قوله: (و اعذروا من لا حجّه لکم علیه و أنا هو)، إمّا من الاعذار بمعنى الانصاف من أعذر الرّجل إذا أنصف، أو من الاعذار بمعنى إثبات العذر و هو الانسب الأظهر، فالمقصود به على ذلک أنّه علیه السّلام کان مأمورا من اللّه سبحانه و من رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالابلاغ و التذکیر و الانذار و التحذیر، و قد بلّغ و ذکّر و أنذر و حذّر، فکان له الحجّه على المخاطبین و ثبت له العذر فی مقام السئوال کما أنّ للّه و کذلک لرسوله الحجّه على جمیع الخلایق حیث احتجّ بما نهج و أعذر بما أنذر، و هذا بخلاف ما لو فرّط علیه السّلام و قصّر فی الابلاغ و التذکار فیکون حینئذ لهم الحجّه علیه و یثبت لهم العذر فیما یلحقهم من العذاب بأن یقولوا:

(رَبَّنا إِنَّا کُنَّا عَنْ هذا غافِلِینَ) و به جاهلین، فلا یجوز لک أن تؤاخذنا بما لم نعلم و تعذّبنا بما لم نفهم، فطلب علیه السّلام منهم أن یثبتوا له العذر فیما یلحقهم من العذاب و نکال العقاب لا لأنفسهم حیث أوضح لهم المحجّه البیضاء و دلّهم على الطریقه الوسطى و هداهم إلى الشریعه الغرّاء.

کما أفصح علیه السّلام عن ذلک بقوله (ألم أعمل فیکم بالثقل الأکبر و أترک فیکم الثقل الأصغر) و هو استفهام تقریرىّ یقول علیه السّلام إنّی قد عملت فیکم بکتاب اللّه و بما فیه من الحلال و الحرام و الحدود و الأحکام، و ترکت فیکم عتره رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و حفظت وصیّته بالاعزاز و الاکرام، و عبّر عنهما بالثقلین تبعا للحدیث النبوىّ صلّى اللّه علیه و آله المعروف بین الفریقین.

و إنما سمّیا بذلک إمّا لعظم خطرهما و جلاله قدرهما من الثقل و هو المتاع النفیس، و إمّا لکون العمل بهما ثقیلا«» و إمّا لأجل أنّ الثقل متاع المسافر و حشمه فکانّه علیه السّلام لما شارف الانتقال إلى جوار ربّه تعالى جعل نفسه کالمسافر الذی ینتقل من منزل إلى منزل و جعل الکتاب و العتره کمتاعه و حشمه، لأنّهما أخصّ الأشیاء به، قاله الشارح المعتزلی.

و الأظهر ما قلناه إذ متاع المسافر و حشمه یکونان معه و لا یخلفان بعده، هذا.

و أمّا تسمیه القرآن بالأکبر و العتره بالأصغر مع کون العتره أفضل من القرآن عندنا و کونهم قیّمین له فقد قال الشارح البحرانی: أشار بکونه أکبر إلى أنّه الأصل المتّبع المقتدى به.

أقول: و لیس بشی‏ء إذ العتره أیضا أصل متّبع مقتدى، و یحتمل أن یکون و صفه به من جهه أنّه لما کان معجزا للرساله و سندا لها و الولایه و أساسا للدّین و سنادا للشرع المبین و لولاه لم یثبت رساله و لا شریعه و لا ولایه و لا دین و لا ایمان‏ لا جرم وصفه به.

و یمکن استظهار ذلک ممّا رواه أبو سعید الخدرى قال: قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّی تارک فیکم الثّقلین أحدهما أکبر من الآخر کتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتى أهل بیتی لن یفترقا حتّى یردا علىّ الحوض.

و أظهر منه ما فی روایه أبی جعفر علیه السّلام عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یا أیّها النّاس إنّی تارک فیکم الثقلین: الثقل الأکبر و الثقل الأصغر إن تمسکتم بهما لن تضلّوا و لن تبدّلوا، فانّى سألت اللّه اللّطیف الخبیر لا یفترقان حتّى یردا علىّ الحوض فاعطیت، فقیل: فما الثقل الأکبر و ما الثقل الأصغر فقال: الثقل الأکبر کتاب اللّه عزّ و جلّ سبب طرفه بید اللّه عزّ و جلّ و طرف بأیدیکم و الثقل الأصغر عترتی أهل بیتی.

و یمکن أن یقال: إنّ کتاب اللّه لما کان حجّه على عموم الخلق من النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الأئمه علیه السّلام و امّتهم، و حجّیه العتره کانت مخصوصه بالامّه فقط جعله أکبر لذلک هذا.

و فی قوله علیه السّلام ألم أعمل فیکم آه تعریض و إشعار بعدم عمل غیره به و هو کذلک.

و یوضحه ما فی غایه المرام من تفسیر علیّ بن إبراهیم قال حدّثنی أبی عن صفوان بن یحیى عن أبی الجارود عن عمران بن میثم عن مالک بن ضمره عن أبی ذر (ره) قال: لما نزلت هذه الآیه: (یَوْمَ تَبْیَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ) قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ترد علىّ امتی یوم القیامه على خمس رایات: فرایه مع عجل هذه الأمه فأسألهم ما فعلتم بالثقلین من بعدی: فیقولون: أمّا الأکبر فحرّفناه و نبذناه وراء ظهورنا، و أمّا الأصغر فعادیناه و أبغضناه و ظلمناه فأقول: ردّوا إلى النّار ظمأ مظمئین مسودّه وجوهکم.

ثمّ ترد علىّ رایه مع فرعون هذه الامّه فأقول لهم ما فعلتم بالثقلین من بعدی فیقولون: أمّا الأکبر فحرّفناه و مزّقناه و خالفناه، و أمّا الأصغر فعادیناه و قاتلناه، فأقول: ردّوا إلى النّار ظمأ مظمئین مسودّه وجوهکم.

ثمّ ترد علىّ رایه هی مع سامریّ هذه الأمّه فأقول لهم: ما فعلتم بالثقلین من بعدی فیقولون: أمّا الأکبر فعصیناه و ترکناه، و أما الأصغر فخذلناه و ضیّعناه فأقول: ردّوا إلى النّار ظمأ مظمئین مسودّه وجوهکم.

ثمّ ترد علىّ رایه ذی الثدیه مع أوّل الخوارج و آخرهم و أسألهم: ما فعلتم بالثقلین من بعدی فیقولون: أمّا الأکبر فمزّقناه و برئنا منه و أمّا الأصغر فقاتلناه و قتلناه فأقول: ردّوا إلى النّار ظمأ مظمئین مسوّده وجوهکم.

ثمّ ترد علىّ رایه مع إمام المتّقین و سیّد المسلمین و قائد الغرّ المحجّلین و وصیّ رسول ربّ العالمین فأقول لهم: ما فعلتم بالثقلین من بعدى فیقولون: أمّا الأکبر فاتّبعناه و أطعناه، و أمّا الأصغر فأحببناه و والیناه و زرناه و نصرناه حتّى اهریقت فیهم دمائنا، فأقول: ردّوا إلى الجنّه رواء مرویّین مبیضّه وجوهکم ثمّ تلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: (یَوْمَ تَبْیَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِینَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ کَفَرْتُمْ بَعْدَ إِیمانِکُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما کُنْتُمْ تَکْفُرُونَ وَ أَمَّا الَّذِینَ ابْیَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِی رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِیها خالِدُونَ).

و قد أخذ السیّد إسماعیل الحمیریّ مضمون هذا الحدیث فی أبیات من قصیدته المعروفه و هی هذه الأبیات:

و النّاس یوم الحشر رایاتهم
خمس فمنها هالک أربع‏

فرایه العجل و فرعونها
و سامریّ الأمّه المشنع‏

و رایه یقدمها أبکم
عبد لئیم لکّع أکوع‏

و رایه یقدمها نعثل
لا برّد اللّه له مضجع‏

و رایه یقدمها حبتر
للزّور و البهتان قد أبدع‏

و رایه یقدمها حیدر
و وجهه کالشمس اذ تطلع‏

مولى له الجنّه معموره
و النّار من إجلاله یفزغ‏

إمام صدق و له شیعه
یرووا من الحوض و لم یمنعوا

بذاک جاء الوحى من ربّنا
یا شیعه الحقّ فلا تجزعوا

ثمّ قال علیه السّلام (و رکزت فیکم رایه الایمان) شبّه علیه السّلام الایمان بالرایه لأنه یهتدى به إلى سلوک سبیل الحقّ کما یهتدى بالرایه أمام الجیش و نحوها، و ذکر الرکز ترشیح للتشبیه و المقصود أنی أثبت فیکم الایمان (و وقّفتکم على حدود الحلال و الحرام) أى جعلتکم واقفین علیهما مطلعین على جماتهما (و ألبستکم العافیه من عدلی) أراد بالعافیه السلامه من الظلم و من أذى الظالمین و استعار لفظ اللّباس لها (و فرشتکم المعروف من قولی و فعلى) المعروف اسم لکلّ ما عرف من طاعه اللّه و التّقرب إلیه و الاحسان إلى النّاس و کلّ ما یندب إلیه الشرع من المحسّنات و المقبّحات، و إن شئت قلت: المعروف اسم لکل فعل یعرف حسنه بالشرع و العقل یقول علیه السّلام: بسطت لکم بساط المعروف بالأقوال و الأفعال (و أریتکم کرایم الأخلاق من نفسی) أى أوضحتها لکم و شاهدتموها منی متکرّره.

و قد سئل الصّادق علیه السّلام عن مکارم الأخلاق فقال علیه السّلام العفو عمّن ظلمک، وصله من قطعک، و إعطاء من حرمک، و قول الحقّ و لو على نفسک.

و فی حدیث آخر فی الکافی عن الصّادق علیه السّلام قال إنّ اللّه عزّ و جلّ خصّ رسله بمکارم الأخلاق فامتحنوا أنفسکم فان کانت فیکم فاحمدوا اللّه و اعلموا أنّ ذلک من خیر و إلّا تکن فیکم فاسألوا اللّه و ارغبوا إلیه فیها فذکرها عشره: الیقین و القناعه، و الصبر، و الشکر، و الحلم، و حسن الخلق، و السخاء، و الغیره، و الشجاعه، و المروه و فى الدّیوان المنسوب إلیه علیه السّلام

إنّ المکارم أخلاق مطهّره
فالدّین أوّلها و العقل ثانیها

و العلم ثالثها و الحلم رابعها
و الجود خامسها و الفضل سادسها

و البرّ سابعها و الصّبر ثامنها
و الشکر تاسعها و اللین باقیها

و النفس تعلم أنّی لا أصادقها
و لست أرشد إلّا حین أعصیها

و کیف کان فکونه علیه السّلام مبدء مکارم الأخلاق و منشأ محاسن الآداب مما لا ریب فیه بل ذلک غنیّ عن البیان، و لا بأس بالاشاره إلى بعض ما ورد فی حسن خلقه و بشره و حلمه و عفوه و إشفاقه و عطفه صلوات اللّه علیه تیّمنا و توضیحا.

ففى البحار من مناقب ابن شهر آشوب عن مختار التّمار عن أبی مطر البصری أنّ أمیر المؤمنین مرّ بأصحاب التّمر فاذا هو بجاریه تبکی فقال: یا جاریه ما یبکیک فقالت: بعثنى مولاى بدرهم فابتعت من هذا تمرا فأتیتهم به فلم یرضوه فلمّا أتیته به أبى أن یقبله، قال علیه السّلام: یا عبد اللّه انّها خادم لیس لها أمر فاردد إلیها درهمها و خذ التمر، فقام إلیه الرّجل فلکزه فقال النّاس هذا أمیر المؤمنین علیه السّلام فربا الرّجل و اصفرّ و أخذ التمر و ردّ إلیها درهمها، ثمّ قال یا أمیر المؤمنین ارض عنی فقال: ما أرضانى عنک أن أصلحت أمرک.

و فی فضایل أحمد إذا وفیت النّاس حقوقهم«» و دعا غلاما له مرارا فلم یجبه فخرج فوجده على باب البیت فقال علیه السّلام: ما حملک على ترک إجابتی قال: کسلت اجابتک و أمنت عقوبتک، فقال علیه السّلام الحمد للّه الذی جعلنی ممّن تأمنه خلقه امض فأنت حرّ لوجه اللّه.

و جاءه أبو هریره و کان تکلّم فیه و أسمعه فی الیوم الماضی و سأله حوائجه فقضیها فعاتبه أصحابه على ذلک فقال علیه السّلام: إنّی لأستحیی أن یغلب جهله علمی و ذنبه عفوى و مسألته جودی.

و لما ادرک عمرو بن عبدود لم یضربه فوقعوا فی علیّ فردّ عنه حذیفه فقال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله: مه یا حذیفه فانّ علیّا سیذکر سبب وقفته ثمّ إنّه ضربه فلما جاء سأله النّبیّ عن ذلک فقال علیه السّلام: قد کان شتم بی و تفل فی وجهی فخشیت أن أضربه بحظّ نفسی فترکته حتّى سکن ما بی ثمّ قتلته فی اللّه.

و کان علیه السّلام بشره دایم و ثغره باسم غیث لمن رغب و غیاث لمن ذهب مآل الآمل و ثمال الأرامل یتعطف على رعیته و یتصرّف على مشیته و یکفّه بحجّته و تکفیه بمهجته.

و نظر إلى امرئه على کتفها قربه ماء فأخذ منها القربه فحملها إلى موضعها و سألها عن حالها فقالت بعث علیّ بن أبی طالب زوجى إلى بعض الثغور فقتل و ترک علىّ صبیانا یتامى و لیس عندی شی‏ء فقد ألجأتنی الضّروره إلى خدمه النّاس، فانصرف علیه السّلام و بات لیلته قلقا فلما اصبح حمل زنبیلا فیه طعام فقال بعضهم: أعطنی أحمله عنک، فقال علیه السّلام: من یحمل و زرى عنّی یوم القیامه فأتى و قرع الباب فقالت من هذا قال: أنا ذلک العبد الذى حمل معک القربه فافتحی فانّ معی شیئا للصّبیان فقالت: رضى اللَّه عنک و حکم بینى و بین علیّ بن أبی طالب، فدخل و قال: إنّی أحببت اکتساب الثواب فاختاری بین أن تعجنین و تخبزین و بین أن تعلّلین الصبیان لأخبز أنا فقالت أنا بالخبز أبصر و علیه أقدر و لکن شأنک و الصّبیان فعلّلهم حتّى أفرغ من الخبز.

قال: فعمدت إلى الدّقیق فعجنه و عمد علیّ علیه السّلام إلى اللّحم فطبخه و جعل یلقم الصبیان من اللّحم و التمر و غیره، فکلّما ناول الصبیان من ذلک شیئا قال له: یا بنیّ اجعل علیّ بن أبی طالب فی حلّ ممّا أمر فی أمرک فلما اختمر العجین قالت: یا عبد اللَّه اسجر التنّور، فبادر علیه السّلام بسجره فلما أشعله و لقح فی وجهه یقول: ذق یا علىّ هذا جزاء من ضیّع الأرامل و الیتامى، فرأته امرأه تعرفه علیه السّلام، فقالت: ویحک هذا أمیر المؤمنین علیه السّلام، قال: فبادرت المرأه و هی تقول و احیائی منک یا أمیر المؤمنین، فقال علیه السّلام بل و احیائی منک یا أمه اللَّه فیما قصرت فی أمرک.

ثمّ إنّه علیه السّلام بعد ما أشار إلى جمله من فضایله و مناقبه أردفه بقوله: (فلا تستعملوا الرّأى فیما لا یدرک قعره البصر و لا یتغلغل) اى لا یسرع و لا یدخل (إلیه الفکر) و المقصود بذلک النهى عن استعمال الرأى فیما ذکره علیه السّلام من خصایص العتره الطّاهره و عجایب ما خصّهم اللَّه به من الأنوار الباهره.

یقول علیه السّلام إنّ أمرنا صعب لا یهتدى إلیه العقول و الأنظار، و لا تدرک قعره الأبصار، و لا تغلغل فیه الأفکار، فلا یجوز المبادره إلى ردّ ما تأبى عنه العقول و الأفهام فی حقّهم علیهم السّلام، فانّ حدیثهم صعب مستصعب لا یحتمله إلّا ملک مقرّب أو نبیّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن اللَّه قلبه للایمان.

تنبیه

لما کان هذا الفصل من کلامه علیه السّلام مسوقا لاظهار مناقب الآل و مشتملا على فضایل العتره الطّاهرین سلام اللَّه علیهم أجمعین أحببت أن أورد هنا شطرا من کراماتهم و معجزاتهم و عجائب شئوناتهم المرویّه بالأسانید الغریبه.

فمنها ما فی المجلّد التاسع من البحار

وجاده فی بعض الکتب قال: حدّثنا محمّد بن زکریا العلا قال: حدّثنا محمد بن الحسن الصّفار المعروف بابن المعافا عن وکیع عن زاذان عن سلمان الفارسی رضى اللَّه عنه قال: کنا مع مولانا أمیر المؤمنین فقلت یا أمیر المؤمنین أحبّ أن أرى من معجزاتک شیئا، قال صلوات اللَّه علیه: أفعل إن شاء اللَّه عزّ و جلّ، ثمّ قام و دخل منزله و خرج إلىّ و تحته فرس أدهم و علیه قباء أبیض و قلنسوه بیضاء، ثمّ نادى یا قنبر اخرج إلىّ ذلک الفرس فأخرج فرس آخر أدهم فقال علیه السّلام ارکب یا با عبد اللَّه.

قال سلمان: فرکبته فاذا له جناحان ملتصقان إلى جنبه قال: فصاح به الامام صلوات اللَّه علیه فتعلّق فی الهواء و کنت أسمع خفیف أجنحه الملائکه و تسبیحها تحت العرش، ثمّ خطونا على ساحل بحر عجاج مغطمط«» الأمواج فنظر إلیه الامام شزرا فسکن البحر من غلیانه فقلت له: یا مولاى سکن البحر من غلیانه من نظرک إلیه، فقال صلوات اللَّه علیه: یا سلمان خشى أن آمر فیه بأمر.

ثمّ قبض على یدی و سار على وجه الماء و الفرسان تتبعان لا یقودهما أحد، فو اللَّه ما ابتلّت أقدامنا و لا حوافر الخیل.

قال سلمان: فعبرنا ذلک البحر فدفعنا إلى جزیره کثیره الأشجار و الأثمار و الأطیار و الأنهار، و إذا شجره عظیمه بلا صدع و لا زهر فهزّها صلوات اللَّه علیه بقضیب کان فی یده فانشقّت و خرج منها ناقه طولها ثمانون ذراعا و عرضها أربعون ذراعا و خلفها قلوص فقال صلوات اللَّه علیه: ادن منها و اشرب من لبنها.

قال سلمان: فدنوت منها و شربت حتى رویت و کان لبنها أعذب من الشهد و ألین من الزّبد و قد اکتفیت قال صلوات اللَّه علیه: هذا حسن یا سلمان، فقلت: مولاى حسن فقال: صلوات اللَّه علیه ترید أن اریک ما هو أحسن منه قلت: نعم یا أمیر المؤمنین.

قال سلمان: فنادى مولاى أمیر المؤمنین اخرجی یا حسناء قال: فخرجت ناقه طولها عشرون و مائه ذراع و عرضها ستّون ذراعا و رأسها من الیاقوت الأحمر و صدرها من العنبر الأشهب و قوائمها من الزبرجد الأخضر و زمامها من الیاقوت الأصفر و جنبها الأیمن من الذّهب و جنبها الأیسر من الفضّه و عرفها من اللّؤلؤ الرطب فقال صلوات اللَّه علیه یا سلمان اشرب من لبنها.

قال سلمان: فالتقمت الضّرع فاذا هی تحلب عسلا صافیا مخلصا، فقلت یا سیّدی هذه لمن قال علیه السّلام: لک و لک و لسایر الشیعه من أولیائی، ثمّ قال ارجعی إلى الصّخره و رجعت من الوقت و ساربی فی تلک الجزیره حتّى ورد بی إلى شجره عظیمه علیها طعام یفوح منه رایحه المسک فاذا بطایر فی صوره النسر العظیم.

قال سلمان رضی اللَّه عنه: فوثب ذلک الطّایر فسلّم علیه صلوات اللَّه علیه و رجع إلى موضعه فقلت: یا أمیر المؤمنین ما هذه المائده فقال علیه السّلام: هذه منصوبه فی هذا المکان للشیعه من موالىّ إلى یوم القیامه فقلت: ما هذا الطّایر قال صلوات اللَّه علیه: ملک موکّل بها إلى یوم القیامه فقلت: وحده یا سیّدی، فقال علیه السّلام: یجتاز به الخضر علیه السّلام فی کلّ یوم مرّه.

ثمّ قبض علیه السّلام على یدی و سار إلى بحرثان فعبرنا و إذا جزیره عظیمه فیهاقصر لبنه من ذهب و لبنه من فضه بیضاء شرفها من عقیق أصفر و على کلّ رکن من القصر سبعون صفا من الملائکه فأتوا و سلّموا، ثمّ اذن لهم فرجعوا إلى مواضعهم.

قال سلمان رحمه اللَّه تعالى: ثمّ دخل أمیر المؤمنین علیه السّلام القصر فاذا أشجار و أثمار و أنهار و أطیار و ألوان النبات فجعل الامام علیه السّلام یمشى فیه حتّى وصل إلى آخره فوقف علیه السّلام على برکه کانت فی البستان ثمّ صعد إلى قصر فاذا کرسیّ من الذّهب الأحمر فجلس علیه صلوات اللَّه علیه و أشرفنا على القصر فاذا بحر أسود یغطمط أمواجه کالجبال الرّاسیات، فنظر صلوات اللَّه علیه شزرا فسکن من غلیانه حتّى کان کالمذنب.

فقلت: یا سیّدی سکن البحر من غلیانه لما نظرت إلیه فقال علیه السّلام خشى أن آمر فیه بأمر أ تدرى یا سلمان أىّ بحر هذا فقلت: لا یا سیّدی، فقال: هذا الذی غرق فیه فرعون و ملائه المذنبه حملها جناح جبرئیل علیه السّلام ثمّ زجّها فی هذا البحر فهو یهوى لا یبلغ قراره إلى یوم القیامه.

فقلت یا أمیر المؤمنین هل سرنا فرسخین فقال علیه السّلام: یا سلمان سرت خمسین ألف فرسخ و درت حول الدّنیا عشر مرّات.

فقلت: یا سیّدی و کیف هذا قال علیه السّلام إذا کان ذو القرنین طاف شرقها و غربها و بلغ إلى سدّ یأجوج و مأجوج فأنا یتعذر علىّ و أنا أمیر المؤمنین و خلیفه ربّ العالمین، یا سلمان أما قرأت قول اللَّه عزّ و جلّ حیث یقول: (عالِمُ الْغَیْبِ فَلا یُظْهِرُ عَلى‏ غَیْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ) فقلت: بلى یا أمیر المؤمنین فقال علیه السّلام: أنا ذلک المرتضى من الرسول الذی أظهره اللَّه عزّ و جلّ على غیبه أنا العالم الرّبانیّ أنا الذی هوّن اللَّه له الشّداید فطوى له البعید.

قال سلمان رضی اللَّه عنه: فسمعت صائحا یصیح فی السّماء أسمع الصوت و لا أرى الشخص و هو یقول: صدقت صدقت أنت الصّادق المصدّق صلوات اللَّه علیک.

قال: ثمّ نهض صلوات اللَّه علیه فرکب الفرس و رکبت معه و صاح بهما فطارا فی الهواء ثمّ خطونا على باب الکوفه هذا کلّه و قد مضى من اللّیل ثلاث ساعات.

فقال صلوات اللَّه علیه لى: یا سلمان الویل کلّ الویل لمن لا یعرفنا حقّ معرفتنا و أنکر ولایتنا أیّما أفضل محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم أم سلیمان علیه السّلام قلت: بل محمّد صلّى اللَّه علیه و آله ثمّ قال علیه السّلام: فهذا آصف بن برخیا قدر أن یحمل عرش بلقیس من فارس بطرفه و عنده علم من الکتاب و لا أفعل أنا ذلک و عندى مأئه کتاب و أربعه و عشرون کتابا أنزل اللَّه تعالى على شیث بن آدم علیه السّلام خمسین صحیفه، و على إدریس النّبی علیه السّلام ثلاثین صحیفه، و على إبراهیم علیه السّلام عشرین صحیفه، و التوراه، و الانجیل، و الزّبور و الفرقان.

فقلت: صدقت یا أمیر المؤمنین هکذا یکون الامام صلوات اللَّه علیه، فقال علیه السّلام إنّ الشّاک فی أمورنا و علومنا کالممترى فی معرفتنا و حقوقنا، قد فرض اللَّه عزّ و جلّ فی کتابه فی غیر موضع، و بیّن فیه ما وجب العمل به، و هو غیر مکشوف.

و منها ما فیه أیضا من الکتاب المذکور

قال: روى الاصبغ بن نباته قال: کنت یوما مع مولانا أمیر المؤمنین علیه السّلام إذ دخل علیه نفر من أصحابه منهم أبو موسى الأشعری و عبد اللَّه بن مسعود و أنس بن مالک و أبو هریره و المغیره بن شعبه و حذیفه ابن الیمان و غیرهم، فقالوا: یا أمیر المؤمنین أرنا شیئا من معجزاتک الّتی خصّک اللَّه بها.

فقال علیه السّلام: ما أنتم و ذلک و ما سؤالکم عمّا لا ترضون به و اللَّه تعالى یقول و عزّتی و جلالى و ارتفاع مکانی إنّی لا اعذّب أحدا من خلقی إلّا بحجّه و برهان و علم و بیان، لأنّ رحمتی سبقت غضبى و کتبت الرّحمه علىّ فأنا الرّاحم الرّحیم و الودود العلیّ، و أنا المنّان العظیم، و أنا العزیز الکریم، فاذا أرسلت رسولا أعطیته برهانا و أنزلت علیه کتابا فمن آمن بی و برسولی فأولئک هم المفلحون الفائزون‏ و من کفر بى و برسولی فأولئک هم الحاسرون الّذین استحقّوا عذابی فقالوا: یا أمیر المؤمنین نحن آمنّا باللّه و برسوله و توکّلنا علیه.

فقال علیّ علیه السّلام اللّهم اشهد على ما یقولون و أنا العلیم الخبیر بما یفعلون، ثمّ قال: قوموا على اسم اللَّه و برکاته، قال: فقمنا معه حتّى أتى بالجبانه و لم یکن فی ذلک الموضع ماء قال: فنظرنا فاذا روضه خضراء ذات ماء، و إذا فی الروضه غدران و فی الغدران حیتان، فقلنا و اللَّه إنّها لدلاله الامامه فأرنا غیرها یا أمیر المؤمنین و إلّا قد أدرکنا بعض ما أردنا.

فقال علیه السّلام: حسبى اللَّه و نعم الوکیل ثمّ أشار علیه السّلام بیده العلیا نحو الجبّانه فاذا قصور کثیره مکلّله بالدّرّ و الیاقوت و الجواهر و أبوابها من الزّبرجد الأخضر و إذا فی القصور حور و غلمان و أنهار و أشجار و طیور و نبات کثیر، فبقینا متحیّرین متعجّبین و إذا وصایف و جوارى و ولدان و غلمان کاللّؤلؤ المکنون فقالوا: یا أمیر المؤمنین لقد اشتدّ شوقنا إلیک و إلى شیعتک و أولیائک، فأومأ إلیهم بالسّکون.

ثمّ رکض الأرض برجله علیه السّلام فانفلقت الأرض من منبر من یاقوت أحمر فارتقى إلیه فحمد اللَّه و أثنى علیه و صلّى على نبیّه صلّى اللَّه علیه و آله.

ثمّ قال علیه السّلام: غمّضوا أعینکم فغمضنا أعیننا فسمعنا حفیف أجنحه الملائکه بالتّسبیح و التّهلیل و التحمید و التعظیم و التقدیس، ثمّ قاموا بین یدیه قالوا: مرنا بأمرک یا أمیر المؤمنین و خلیفه ربّ العالمین صلوات اللَّه علیک.

فقال علیه السّلام یا ملائکه ربّی ائتونی بابلیس الأبالسه و فرعون الفراعنه قال: فو اللَّه ما کان بأسرع من طرفه عین حتّى أحضروه عنده فقال علیه السّلام: ارفعوا أعینکم، قال: فرفعنا أعیننا و نحن لا نستطیع أن ننظر إلیه من شعاع نور الملائکه، فقلنا: یا أمیر المؤمنین اللَّه اللَّه فی أبصارنا فما ننظر شیئا البته و سمعنا صلصله السّلاسل و اصطکاک الاغلال و هبّت ریح عظیمه فقالت الملائکه یا خلیفه اللَّه زد الملعون لعنه و ضاعف علیه العذاب فقلنا یا أمیر المؤمنین اللَّه اللَّه فی أبصارنا و مسامعنا فو اللَّه ما نقدر على احتمال هذا السّر و القدر قال: فلمّاجرّه بین یدیه قام و قال واویلاه من ظلم آل محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و اویلاه من اجترائى علیهم ثمّ قال: یا سیّدی ارحمنی فانّی لا أحتمل هذا العذاب فقال علیه السّلام: لا رحمک اللَّه و لا غفر لک أیّها الرّجس النّجس الخبیث المخبث الشّیطان.

ثمّ التفت علیه السّلام إلینا و قال: تعرفون هذا باسمه و حسبه قلنا: نعم یا أمیر المؤمنین فقال: سلوه حتّى یخبرکم من هو، فقالوا: من أنت فقال: أنا إبلیس الأبالسه و فرعون هذه الأمه، أنا الّذی جحدت سیّدی و مولاى أمیر المؤمنین و خلیفه ربّ العالمین و أنکرت آیاته و معجزاته.

ثمّ قال أمیر المؤمنین: غمّضوا أعینکم فغمضنا، فتکلّم علیه السّلام بکلام أخفى فاذا نحن فی الموضع الذی کنا فیه لا قصور و لا ماء و لا غدران و لا أشجار.

قال الاصبغ بن نباته رضی اللَّه عنه: و الّذى أکرمنی بما رأیت من تلک الدلایل و المعجزات ما تفرّق القوم حتّى ارتابوا و شکّوا و قال بعضهم: سحر و کهانه و افک فقال أمیر المؤمنین: إنّ بنی إسرائیل لم یعاقبوا و لم یمسخوا إلّا بعد ما سألوا الآیات و الدّلالات فقد حلّت عقوبه اللَّه بهم و الآن حلّت لعنته فیکم و عقوبته علیکم، قال الأصبغ بن نباته رضى اللَّه عنه: إنّی أیقنت أنّ العقوبه حلّت بتکذیبهم الدّلالات و المعجزات.

و منها ما فی المجلد السّابع من البحار

من کتاب الاختصاص عن ابن أبی الخطاب عن موسى بن سعدان عن حفص الأبیض التّمار قال: دخلت على أبی عبد اللَّه علیه السّلام أیّام قتل المعلّى بن خنیس و صلبه (ره) فقال علیه السّلام: یا حفص إنّی أمرت لمعلّى بن خنیس بأمر فخالفنی فابتلى بالحدید: إنّى نظرت إلیه یوما و هو کئیب حزین فقلت مالک یا معلّى کأنّک ذکرت أهلک و مالک و عیالک فقال: أجل فقلت: ادن منّی فدنى منّى فمسحت وجهه فقلت: أین تراک فقال: أرانی فی بیتی هذا زوجتی و هؤلاء ولدی فترکته حتّى تملاء منهم و استترت منه حتّى نال ما ینال الرّجل من أهله.

ثمّ قلت له: ادن منی، فمسحت وجهه فقلت أین تراک فقال: أرانی معک بالمدینه و هذا بیتک فقلت له: یا معلّى إنّ لنا حدیثا من حفظه علینا حفظه اللَّه علیه دینه و دنیاه، یا معلّى لا تکونوا اسراء فی أیدى النّاس بحدیثنا إن شاءوا منّوا علیکم و إن شاءوا قتلوکم، یا معلّى إنّ من کتم الصّعب من حدیثنا جعله اللَّه نورا بین عینیه و رزقه اللَّه العزّه فی النّاس، و من أذاع الصّعب من حدیثنا لم یمت حتّى یعضّه السّلاح أو یموت بخیل، یا معلّى فأنت مقتول فاستعدّ.

و منها ما فیه من الخرائج

قال: روى أبو القاسم بن قولویه عن محمّد بن یعقوب عن محمّد بن إدریس عن محمّد بن حسان عن علیّ بن خالد قال: کنت بالعسکر فبلغنی أنّ هناک رجلا محبوسا أتى من ناحیه الشام مکبولا و قالوا: إنّه تنبّأ، فأتیت الباب و داریت البوّابین حتّى وصلت إلیه فاذا رجل له فهم و عقل فقلت له: ما قصّتک قال: إنّی کنت بالشّام أعبد اللَّه فی الموضع الذی یقال إنّه نصب فیه رأس الحسین علیه السّلام، فبینما أنا ذات لیله فی موضعی مقبل على المحراب أذکر اللَّه إذ نظرت شخصا بین یدی فنظرت إلیه، فقال لی: قم، فقمت معه فمشى بی قلیلا فاذا أنا فی مسجد الکوفه قال: أتعرف هذا المسجد قلت: نعم هذا مسجد الکوفه فصلّى و صلّیت معه ثمّ خرج و خرجت معه فمشى بی قلیلا و إذا نحن بمسجد الرّسول صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم، فسلّم على رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و سلّمت و صلّى و صلّیت معه، ثمّ خرج و خرجت معه فمشى بی قلیلا و إذا نحن بمکّه و طاف بالبیت فطفت معه فخرج و مشى بی قلیلا فاذا أنا فی موضعی الذی کنت أعبد اللَّه فیه بالشّام و غاب الشخص عن عینى فتعجّبت ممّا رأیت.

فلمّا کان فی العام المقبل رأیت ذلک الشخص فاستبشرت به و دعانی فأجبته و فعل کما فعل فی العام الأوّل فلمّا أراد مفارقتى بالشام قلت: سألتک بالّذی أقدرک على ما رأیت من أنت قال: أنا محمّد بن علیّ بن موسى بن جعفر، فحدّثت من کان یصیر إلىّ بخبره‏ فرقى ذلک إلى محمّد بن عبد الملک الزّیات فبعث إلىّ فاجلدنی و کبّلنی فی الحدید و حملنی إلى العراق و حبست کما ترى و ادّعى علىّ المحال فقلت: أرفع عنک القصه إلیه قال: ارفع فکتبت عنه قصّته شرحت امره فیها و دفعتها إلى الزّیات فوقّع فی ظهرها: قل للّذی أخرجک من الشّام فی لیله إلى الکوفه إلى المدینه إلى مکه أن یخرجک من حبسى.

قال علیّ بن خالد: فغمّنی ذلک من أمره و رققت له و انصرفت محزونا فلمّا أصبحت باکرت الحبس لاعلمه بالحال و آمره بالصّبر و العزاء فوجدت الجند و الحراس و صاحب السجن و خلقا کثیرا من النّاس یهرعون، فسألت عنهم و عن الحال فقیل إنّ المحمول من الشام المتنبّى فقد البارحه من الحبس فلا یدرى خسف به الأرض أو اختطفته الطیر و کان هذا المرسل أعنى علیّ بن خالد زیدیّا فقال بالامامه، و حسن اعتقاده.

و منها حدیث البساط المعروف

و رویته من نسخه قدیمه عندی قال الرّاوی: خبر من خزانه مولانا مفترض الطاعه على الخلق أجمعین أمیر المؤمنین علیّ بن أبی طالب علیه السّلام.

حدّثنا أبو عبد اللَّه بن زکریّا عن ابن جوهر بن الأسود عن محمّد بن سابغ یرفعه إلى سلمان الفارسی (رض) أنّه قال: کنا جلوسا عند مولانا أمیر المؤمنین علیه السّلام ذات یوم أنا و ولدیه الحسن و الحسین علیهما السّلام و محمّد بن حنفیه و محمّد بن أبی بکر و عمّار بن یاسر و مقداد بن أسود الکندی فاذا التفت إلیه الحسن علیه السّلام و قال: یا أمیر المؤمنین إنّ سلیمان بن داود قال: فهب لی من لدنک ملکا لا ینبغی لأحد من النّاس و أعطاه اللَّه تعالى ذلک، فهل ملکت شیئا من ملک سلیمان فقال له أمیر المؤمنین: و الّذی فلق الحبّه و برء النّسمه لقد ملک أبوک ملکا لا یملک أحد قبله و لا بعده، فقال الحسن علیه السّلام: إنّا نحبّ أن ننظر مما ملّکه اللَّه إیّاک من الملکوت لیزداد النّاس إیمانهم.

فقال علیه السّلام: نعم و کرامه و قام و صلّى رکعتین ثمّ ذهب إلى صحن داره و نحن نراه، فمدّیده نحو المغرب حتّى بان لنا من کفّه سحابه و هو یمدّها حتّى أوقفها على الدّار، و إلى جانب تلک السحابه سحابه أخرى، ثمّ أشار إلى ریح و قال اهبطى الینا أیّتها الرّیح فو اللَّه العظیم لقد رأینا السّحاب و الرّیح قد هبطا یقولان: نشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شریک له و نشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله و نشهد أنّک وصیّ رسول کریم محمّد رسول اللَّه و أنت ولیّه، من شکّ فیک فقد هلک و من تمسّک بک فقد سلک سبیل النّجاه.

ثمّ تطاطات السّحابتان حتّى صارتا کأنهما بساطان و رائحتهما کالمسک الأذفر فقال لنا أمیر المؤمنین علیه السّلام: اجلسوا على الغمام فجلسنا و أخذنا مواضعنا.

ثمّ قال سلمان: إنّ أمیر المؤمنین قال: أیّتها الرّیح ارفعینا، فرفعتنا رفعا رفیعا فاذا نحن و أمیر المؤمنین فی تلک على کرسیّ من نور و علیه ثوبان أصفران و على رأسه تاج من یاقوته صفراء و فی رجلیه شراک من یاقوت یتلألأ و فی یده خاتم من درّه بیضاء یکاد نور وجهه یذهب الأبصار.

فقال له: یا أبتاه إنّ سلیمان بن داود کان یطاع بخاتمه و أمیر المؤمنین علیه السّلام بما ذا یطاع فقال علیه السّلام یا ولدى أنا وجه اللَّه، و عین اللَّه، و لسان اللَّه، و أنا ولیّ اللَّه، و أنا نور اللَّه، و أنا کنز اللَّه فی الأرض، و أنا القدره المقدّره، و أنا الجنّه و النّار، و أنا سیّد الفریقین.

یا ولدى أتحبّ أن اریک خاتم سلیمان بن داود قال: نعم، فأدخل یده تحت ثیابه و استخرج خاتما علیه فصّ من یاقوت مکتوب علیها أربعه أسطر، و قال: هذا و اللَّه خاتم سلیمان بن داود.

قال سلمان: فبقینا متعجّبا من ذلک فقال علیه السّلام من أیّ تعجبون و ما هذا العجب إنّی لأریناکم الیوم ما لم یره أحد قبلی إلى بعدی.

فقال الحسن علیه السّلام: یا أمیر المؤمنین إنّا نحبّ أن ترینا یأجوج و مأجوج و السّد فقال علیه السّلام: للرّیح سیرى، فقال سلمان: فو اللَّه لمّا سمعت الریح قوله دخلت تلک‏ السّحاب و رفعنا إلى الهواء حتّى أتینا إلى جبل شامخ فی الهواء و علیه شجره جافه و تساقط أوراقها فقلنا: ما بال هذه الشجره قد جفّت و ماتت، قال: سلوها فانها تخبرکم فقال الحسن علیه السّلام: ما بالک أیّتها الشجره قد حلّ بک ما نراه منک فما أجابت، فقال لها أمیر المؤمنین: بحقّی علیک أیّتها الشجره أجبهم.

قال سلمان: فو اللَّه لقد سمعناها و هى تقول لبّیک لبّیک یا وصیّ رسول اللَّه و خلیفته من بعده حقّا، فقال للحسن: یا با محمّد إنّ أباک أمیر المؤمنین یجیئنی فی کلّ لیله و یسبّح عندى للّه عزّ و جلّ و یستظلّ بی فاذا فرغ من تسبیحه جائته غمامه بیضاء تفوح منها مسک و علیها کرسیّ فیجلس علیها ثمّ یسیر به فلا أراه إلى وقته ذلک، و کان یتعاهدنی کلّ لیله و کنت أعیش من رائحته فقطعنی منذ أربعین لیله لم أعرف له خبرا و الذی تراه منّی ممّا أنکرته من فقده و الغمّ و الحزن فاسأله یا سیدى حتّى یتعاهدنی بجلوسه عندی فقد عشت من رائحته فی هذا الوقت و بنظرى إلیه، قال: فبقینا متعجّبا من ذلک فقام علیه السّلام و مسح یده المبارکه علیها قال سلمان: و اللَّه الذی نفسى بیده لقد سمعت لها أنینا و أنا أراه و هی تخضر حتّى أنبتت ورقا و أثمرت بقدره اللَّه عزّ و جلّ و ببرکاته علیه السّلام، فأکلنا فکانت أحلى من السّکر، فقلنا: یا أمیر المؤمنین هذا عجب فقال علیه السّلام الّذی ترون بعدها أعجب ثمّ عاد علیه السّلام إلى موضعه و قال للرّیح: سیرى بنا، فدخلت الریح تحت السّحابه و رفعنا حتى رأینا الدّنیا بمثل دور الرأس و رأینا فی الهواء ملکا رأسه تحت الشمس و رجلاه فی قعر البحور و یده فی المغرب و الأخرى فی المشرق فلما خبرنا به قال: لا إله إلّا اللَّه وحده لا شریک له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله و أنّک وصیّه حقّا لا شکّ فیک و من شکّ فیک فهو کافر.

فقلنا: یا أمیر المؤمنین من هذا الملک و ما بال یده فی المغرب و أخرى فی المشرق فقال علیه السّلام أنا أقمته باذن اللَّه ههنا و وکلته بظلمات اللیل و ضوء النّهار و لا یزال کذلک إلى یوم القیامه و إنّى أدبّر أمر الدّنیا و أصنع ما أرید باذن اللَّه و أمره و اعمال الخلایق إلىّ و أنا أدفعها إلى اللَّه عزّ و جل.

ثمّ سار بنا حتى وقفنا على یأجوج و مأجوج فقال علیه السّلام للریح اهبطی تحت هذا الجبل و أشار بیده إلى جبل شامخ إلى قرب السّد ارتفاعه مدّ البصر و إذا به سواد کانه قطعه لیله یفور منه دخان فقال علیه السّلام: یا با محمّد أنا صاحب هذا السّد على هؤلاء العبد.

فقال سلمان: فرأیتهم ثلاثه أصناف: صنف طوله مأئه و عشرون ذراعا من عرض ستّین ذراعا، و الصّنف الثانی طوله مأئه و سبعون ذراعا من عرض ثمانین ذراعا، و الصّنف الثالث أحدهم یفرش اذنه تحته و الأخرى فوقه.

ثمّ قال للریح: سیرى بنا إلى قاف فسارت بنا إلى جبل من یاقوته خضراء و هو محیط بالدّنیا و علیه ملک فی صوره بنی آدم و هذا الموکل بقاف فلما نزل الملک إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام قال ترید أن تسألنی أن آذن لک فقد أذنت فأسرع الملک و قال: بسم اللَّه الرّحمن الرّحیم ثمّ طار.

قال سلمان و طفنا فی ذلک حتى انتهینا إلى شجره جافه من الشجره الأولى فقلنا: یا أمیر المؤمنین ما بال هذه الشّجره قد ماتت فقال سلوها قال الحسن علیه السّلام: و قمت و دنوت أنا و أبی علیه السّلام و قلت لها اقسمت علیک بحقّ أمیر المؤمنین أن تخبرینا ما بالک و أنت فی هذا المکان قال سلمان: فکلّمت بلسان طلق و هی تقول: یا با محمّد إنّی کنت أفتخر على الأشجار فصارت الأشجار تفتخر علىّ و ذلک أنّ أباک کان یجیئنی فی کلّ لیله عند الثلث الأوّل من اللّیل یستظلّ بی ساعه ثمّ یأتیه فرس أدهم فیرکبه و یمضی فلا أراه إلى وقته و کنت أعیش من رائحته و أفتخر به فقطعنی منذ أربعین لیله فغمّنی ذلک فصرت کما ترى.

فقلنا: یا أمیر المؤمنین اسأل اللَّه فی ردّها کما کانت فمسح یده المبارکه ثمّ قال: یا شاه شاهان فسمعنا لها أنینا و هی تقول أشهد أنّک أمین هذه الأمّه و وصیّ رسول اللَّه من تمسّک بک فقد نجا و من خالفک فقد غوى، ثمّ اخضرّت و اورقت فجلسنا تحتها و هی خضره نضره.

فقلنا این ذهب هذا الملک الموکّل بقاف قال علیه السّلام: إلى زیاره الملک الموکل‏ على ظلمات اللّیل و ضوء النّهار فقلنا یا أمیر المؤمنین ما یزالون عن مواضعهم إلّا باذنک فقال علیه السّلام: و الذی رفع السّماء بغیر عمد ما أظنّ أحدا یزول عن موضعه بغیر إذنی إلّا احترق.

فقلنا: یا أمیر المؤمنین کنت معنا جالسا فی منزلک فأىّ وقت کنت فی قاف فقال علیه السّلام لنا: غمّضوا أعینکم فغمضناها ثمّ قال علیه السّلام: افتحوها، ففتحناها فاذا نحن قد بلغنا مکّه، فقال علیه السّلام: لقد بلغنا و لم یشعر أحد فکذلک کنت بقاف و لم یشعر أحد منکم.

فقلنا: یا أمیر المؤمنین هذا العجب من وصیّ رسول اللَّه فقال: و اللَّه إنّی أملک من الملکوت ما لو عاینتموه لقلتم أنت أنت أنت، و أنا أنا و أنا عبد اللَّه مخلوق من الخلایق آکل و أشرب.

ثمّ أتینا إلى روضه نضره کأنّها من ریاض الجنّه فاذا نحن بشاب یصلّی بین قبرین، فقلنا یا أمیر المؤمنین من هذا الشّاب فقال أخی صالح و هذان قبر أبویه یعبد اللَّه بینهما، فلمّا نظر إلینا صالح أتى إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام و هو یبکی، فلمّا فرغ من بکائه فقلنا ممّا تبکی فقال: إنّ أمیر المؤمنین کان یمرّ بی کلّ یوم عند الصّبح و کنت آنس به و أزداد فی العباده فقطعنی منذ أربعین یوما فأهمّنى ذلک و لم أملک من شدّه شوقی إلیه و أصابنی ما تراه، فقلنا: یا أمیر المؤمنین هذا هو العجب من کلّ ما رأینا أنت معنا فی کلّ یوم و تأتی إلى هذا الفتى.

فقال علیه السّلام: أتحبّون أن ارینکم سلیمان بن داود فقلنا: نعم، فقام علیه السّلام و قمنا معه فمشینا حتى دخلنا إلى بستان لم نر قطّ مثله و فیه من جمیع الفاکهه و الأنهار تجرى و الأطیار تتغنّی، فلما نظرت الأطیار إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام جعلت تظلّ على رأسه.

فاذا نحن بسریر علیه شابّ ملقى على ظهره و لیس فی یده خاتم و عند رأسه ثعبان و عند رجلیه ثعبان فلمّا نظرا إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام انکبّا على قدمیه یمرغان وجوههما على التراب ثمّ صارا کالتّراب فقلنا:

یا أمیر المؤمنین هذا هو سلیمان قال: نعم و هذا خاتمه ثمّ اخرج من یده الخاتم و جعله فی ید سلیمان ثمّ قال: قم یا سلیمان باذن من یحیى العظام و هی رمیم و هو اللَّه الذى لا إله إلّا هو الحىّ القیّوم القهّار ربّ السّماوات و الأرضین ربّی و ربّ آبائنا الأوّلین.

قال سلمان: فسمعنا سلیمان یقول: أشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شریک له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله أرسله بالهدى و دین الحقّ لیظهره على الدّین کلّه و لو کره المشرکون، و أشهد أنّک وصیّ رسول اللَّه الأمین الهادی، و إنّی سألت ربّی عزّ و جلّ أن أکون من شیعتک و لو لا ذلک ما ملکت شیئا.

قال سلمان: فلما سمعت ذلک و ثبت و قبّلت أقدام أمیر المؤمنین علیه السّلام ثمّ نام سلیمان و قمنا ندور فی قاف فسألته ما وراء قاف فقال علیه السّلام وراءه أربعین دنیا کلّ دنیا مثل الدّنیا التی جئنا أربعین مرّه، فقلت له: یا أمیر المؤمنین کیف علمک بذلک قال علیه السّلام: کعلمى بهذه الدّنیا و من فیها و بطرف السّماوات و الأرضین.

یا سلمان کتبت على اللّیل فأظلم، و على النهار فأضاء، أنا المحنه الواقعه على الأعداء الطامّه الکبرى، أسماؤنا کتبت على العرش حتّى استند، و على السّماوات فقامت، و کتبت على الأرض فسکنت، و على الرّیاح فذرت، و على البرق فلمع، و على النّور فسطع، و على الرّعد فخشع، و أسماؤنا مکتوبه على جبهه اسرافیل الّذی جناحه فی المشرق و المغرب و هو یقول: سبّوح قدّوس ربّ الملائکه و الرّوح.

ثمّ قال علیه السّلام لمّا اغمضوا أعینکم فغمضنا ثمّ قال علیه السّلام: افتحوها ففتحنا فاذا نحن بمدینه لم نر أکبر منها و إذا الأسواق بایره و أهلها قوم لم نر أطول منهم خلقا کلّ واحد کالنخله، فقلنا من هؤلاء القوم فما رأینا أعظم منهم خلقا قال علیه السّلام: هؤلاء قوم عاد و هم کفّار لا یؤمنون بیوم المیعاد و بمحمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم، فأحببت أن ارینکم إیّاهم فی هذا الموضع و لقد مضیت بقدره اللَّه تعالى، و اقتلعت مدینتهم و هی مداین الشّرق و أتیتکم بها و أنتم لا تشعرون، و أحببت أن أقاتل بین یدیکم.

ثمّ دنا منهم فدعاهم إلى الایمان فأبوا فحمل علیه السّلام علیهم و حملوا علیه و نحن نراهم و لا یرونا فتباعد عنهم و دنا منا فمسح یده علیه السّلام على أبداننا و قلوبنا و قال: ثبتوا على الایمان ثمّ مشى إلیهم و دعاهم ثانیه إلى الایمان و نحن نراهم فأبوا ثمّ زعق زعقه.

قال سلمان: فو الّذی نفسی بیده لقد ظننت أنّ الأرض قد انقلبت و الجبال قد تدکدکت و رأیتهم صرعى کأعجاز نخل خاویه قال: لا اضعف ایمانکم.

قال لنا أتحبّون أن ارینکم ما هو أعجب من هذا فقلنا: یا أمیر المؤمنین مالنا قوّه و الحمد للّه الذی هدانا لهذا و ما کنّا لنهتدى لو لا أن هدانا اللَّه، فعلى من لا یؤمن بک لعنه اللَّه و لعنه الملائکه و النّاس أجمعین.

ثمّ صاح علیه السّلام بالغمامه فاذا هی قد أقبلت فقال اجلسوا على السحابه فجلسنا و جلس هو على الأخرى ثمّ تکلّم بما لم نفهمه فما استتمّ کلامه حتّى طارت بنا فی الهواء، ثمّ رفعتنا حتى رأینا الدّنیا مثل دور الدراهم ثمّ حططنا دار أمیر المؤمنین علیّ علیه السّلام فی أقلّ من طرفه عین و أنزلنا و المؤذّن یؤذّن للظّهر و کنا مضینا عند طلوع الشمس، فقلنا هذا هو العجب کنّا فی قاف و قطعنا و رجعنا فی خمس ساعات، فقال أمیر المؤمنین لو أردت أطوف بکم الدّنیا و جمیع السماوات و الأرض فی أقلّ من مدّ البصر لفعلت بقدره اللَّه تعالى و جلاله و برکه رسوله صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و أنا وصیّه و لکنّ أکثر النّاس لا یعلمون.

فقال سلمان: قلنا: لعن اللَّه من جحدک و غصب حقّک و ضاعف علیهم العذاب الألیم و جعلنا ممّن لا یفارق منک ساعه فی الدّنیا و الآخره بمحمّد و آله علیهم السّلام.

أقول: و رواه المحدّث العلّامه المجلسی طاب ثراه فی المجلّد السابع من البحار من کتاب المحتضر للشیخ حسن بن سلیمان من کتاب منهج التحقیق إلى سوء الطریق لبعض علماء الامامیه باسناده عن سلمان الفارسی نحو ما رویناه و قال بعد ما أورده:

أقول: هذا خبر غریب لم نره فی الاصول التی عندنا و لا نردّها و نردّ علمها إلیهم علیهم السّلام،

و منها ما فی المجلّد الثّامن من البحار

من کتاب المحتضر عن بعض العلماء فی کتابه عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاری قال: إنّ أمیر المؤمنین کان یخرج فی کلّ جمعه ظاهر المدینه و لا یعلم أحد أین یمضى، قال فبقى على ذلک برهه من الزّمان، فلما کان فی بعض اللیالی قال عمر بن الخطاب: لا بدّ من أن أخرج و ابصر أین یمضى علیّ بن أبی طالب علیه السّلام.

قال: فقعد له عند باب المدینه حتى خرج و مضى على عادته فتبعه عمر و کان کلّما وضع علیّ علیه السّلام قدمه فی موضع وضع عمر رجله مکانها، فما کان إلّا قلیلا حتى وصل إلى بلده عظیمه ذات نخل و شجر و میاه غزیره ثمّ إنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام دخل إلى حدیقه بها ماء جار فتوضّأ و وقف بین النخل یصلّى إلى أن مضى من اللّیل أکثره.

و أمّا عمر فانّه نام فلما قضى أمیر المؤمنین علیه السّلام وطره من الصّلاه عاد و رجع إلى المدینه حتى وقف خلف رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و صلّى معه الفجر فانتبه عمر فلم یجد أمیر المؤمنین فی موضعه فلما أصبح رأى موضعا لا یعرفه و قوما لا یعرفهم و لا یعرفونه فوقف على رجل منهم.

فقال له الرجل: من أنت و من أین أنت فقال عمر: من یثرب مدینه رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فقال له الرّجل: یا شیخ تأمل أمرک و ابصر ما تقول فقال: هذا الذی أقوله لک قال الرّجل: متى خرجت من المدینه قال: البارحه قال له: اسکت لا یسمع الناس منک فتقتل أو یقولون هذا مجنون، فقال: الّذی أقول حقّ.

فقال له الرّجل: حدّثنی کیف حالک و مجیئک إلى ههنا فقال عمر: کان علیّ بن أبی طالب فی کلّ لیله جمعه یخرج من المدینه و لا نعلم أین یمضى فلمّا کان فی هذه اللّیله تبعته و قلت ارید أن أبصر أین یمضى فوصلنا إلى ههنا فوقف‏یصلی و نمت و لا أدرى ما صنع.

فقال له الرّجل: ادخل هذه المدینه و أبصر الناس و اقطع أیامک إلى لیله الجمعه فما لک أن یحملک إلى الموضع الّذی جئت منه إلّا الرّجل الذی جاء بک، فبیننا و بین المدینه أزید من مسیره سنتین فاذا رأینا من یرى المدینه و رأى رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم تتبرّک به و نزوره و فی بعض الاحیان نرى من أتى بک فتقول أنت قد جئتک فی بعض لیله من المدینه.

فدخل عمر إلى المدینه فرأى النّاس کلّهم یلعنون ظالمی أهل بیت محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و یسمّونهم بأسمائهم واحدا واحدا و کلّ صاحب صناعه یقول ذلک و هو على صناعته، فلما سمع عمر ذلک ضاقت علیه الأرض بما رحبت و طالت علیه الأیّام.

حتّى جاء لیله الجمعه فمضى إلى ذلک المکان فوصل أمیر المؤمنین علیه السّلام إلیه على عادته فکان عمر یترقّبه حتى مضى معظم اللّیل و فرغ من صلاته و همّ بالرّجوع فتبعه عمر حتّى و صلا الفجر المدینه، فدخل أمیر المؤمنین علیه السّلام المسجد و صلّى خلف رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم و صلّى عمر أیضا ثمّ التفت النّبیّ إلى عمر فقال: یا عمر أین کنت اسبوعا لا نراک عندنا فقال عمر: یا رسول اللَّه کان من شأنی کذا و کذا و قصّ علیه ما جرى له فقال النبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم لا تنس ما شاهدت بنظرک فلمّا سأله من سأله عن ذلک فقال نفذ فیّ سحر بنی هاشم.

قال المجلسى (ره) أقول: هذا حدیث غریب لم أره إلّا فی الکتاب المذکور، هذا.

و غرایب شئوناتهم علیهم السّلام متجاوزه عن حدّ الاحصاء و لو أردت ذکر یسیر من کثیر لصار کتابا کبیر الحجم و فیما أوردته کفایه للمستبصر و هدایه للمهتدی، و اللَّه العالم الخبیر بمقامات حججه و أولیائه الکرام علیهم الصّلاه و السّلام.

الترجمه

پس کدام راه مى‏روید اى مردمان گمراه، و کجا بازگردانیده مى‏شوید اى خلق تباه، و حال آنکه علامات هدایت برپا است، و آیات قدرت روشن و هویداست و مغارهاى بلند پایه بجهت هدایت مرکوز و منصوبست، پس کجا حیران گردانیده مى‏شوید در تباهى، بلکه چگونه متردّد مى‏باشید در گمراهى و حال آنکه در میان‏ شما است اهل بیت پیغمبر شما و ایشان زمامهاى حق‏اند و زبانهاى صدق، پس نازل نمائید ایشان را در نیکوترین منزلهاى قرآن، و وارد شوید بایشان مثل وارد شدن شتران عطشان بآب فرات و روان.

اى مردمان اخذ نمائید این روایت را از حضرت خاتم الأنبیاء علیه التحیه و الثّناء، بدرستى که مى‏میرد کسى که مرد از ما و حال آنکه مرده نیست بحقیقت و مى‏پوسد آنکه پوسیده از ما و حال آنکه پوسیده نیست در واقع، پس قائل نشوید بچیزى که معرفت ندارید بآن زیرا که أکثر حق در آن چیزیست که شما انکار مى‏نمائید آنرا و معذور دارید شخصى را که حجت نیست شما را بر او و منم آن شخص.

آیا عمل نکردم در میان شما ببار گران بزرگتر که عبارت است از قرآن، و آیا نگذاشتم در میان شما بار گران کوچکتر که عبارتست از عترت سیّد البشر، و مرکوز ساختم در میان شما رایت ایمان و اسلام را، و واقف گردانیدم شما را بحدود حلال و حرام، و پوشانیدم بشما لباس عافیت را از عدل و انصاف خود، و گسترانیدم از براى شما بساط امر معروفرا از گفتار و کردار خود، و بنمودم بشما خلقهاى پسندیده از نفس خود، پس استعمال نکنید رأى‏هاى خود را در آنچه که درک نمى‏نماید نهایت آنرا بصر، و سرعت نمى‏تواند کند بسوى آن فکرهاى ارباب فکر و نظر، و آن عبارتست از مقامات نورانیّه ائمه أنام علیهم الصلاه و السّلام.

الفصل الرابع

منها حتّى یظنّ الظّانّ إنّ الدّنیا معقوله على بنی أمیّه، تمنحهم درّها، و توردهم صفوها، و لا یرفع عن هذه الامّه سوطها و لا سیفها، و کذب الظّانّ لذلک، بل هی مجّه من لذیذ العیش یتطعّمونها برهه، ثمّ یلفظونها جمله.

اللغه

(عقلت) البعیر عقلا من باب ضرب حبسته بعقال و (منح) زید عمرا یمنح من باب منع أعطاه و منه المنحه بالکسر و هی الشاه أو النّاقه المعاده للبنها و (الدّر) فی الأصل اللّبن ثمّ استعمل فی کلّ خیر و نفع و منه قولهم: للّه درّه و (مجّ) الشّراب من فیه محبّا قذفه و رماه و انمجّت نقطه من القلم ترششت، و المجّه فی النسخ بفتح المیم و الأنسب أن یکون بالضّم و هو على ما فی القاموس نقط العسل على الحجاره و (البرهه) مدّه من الزّمان لها طول.

الاعراب

حتّى لانتهاء الغایه و قد حذف المغیّا و ترک ذکره فی الکتاب، و الواو فی قوله: و کذب الظّان حالیه، و جمله یتطعّمونها فی محلّ الرفع صفه لمجّه.

المعنى

اعلم أنّ المستفاد من شرح المعتزلی أنّ هذه الخطبه ملتقطه من خطبه طویله حذف السیّد منها کثیرا و لم أعثر بعد على تمامها، و هذا الفصل من جمله أخباره الغیبیّه مسوق لبیان حال بنی أمیّه لعنهم اللَّه و ابتلاء الخلق بهم، و لعلّ ما قبل هذا الفصل انّه: یلیکم ولاه سوء یتمادون فی الطّغیان و الغفله، و یکون النّاس بهم فی طول عناء و شدّه (حتّى یظنّ الظانّ أنّ الدّنیا معقوله على بنی أمیّه) أى محبوسه فی أیدیهم لا تتجاوز عنهم إلى غیرهم کالناقه المحبوسه بالعقال (تمنحهم درّها و توردهم صفوها) أى تعطیهم منفعتها و تبذلهم صافی فوایدها کما أنّ المنحه تعطی لبنها لحالبها و تبذله له (و لا یرفع عن هذه الامه سوطها و لا سیفها) أى لا یرفع عن الامّه عذاب الدّنیا بهم و تجوّز بلفظ السوط و السّیف عن القتل و الاستیصال و العذاب لکونهما آلتین لهما (و کذب الظّانّ لذلک) فی ظنّه و زعمه (بل هی مجّه من‏لذیذ العیش) اى حقیره قلیله کالریقه التی تمجّ من الفم (یتطعّمونها برهه) من الزمان و یلتذّون بها مدّه ملکهم و امارتهم (ثمّ یلفظونها جمله) أى یرمونها بکلّیتها و هو کنایه عن زوالها عنهم بالمرّه.

أقول: و قد کان الأمر على ما أخبر به الامام علیه السّلام فانّ بنی امیّه قد تسلّطوا على العباد، و تملّکوا البلاد، و نهبوا الأموال، و قتلوا الرّجال، و أراقوا دماء الشّیعه بکلّ بلده، و قطعوا الأیدی و الأرجل على الظّنه، و لم یخرج علیهم خارج إلّا و ظفروا علیه و قهروه، و لم یقم لازاله ملکهم قائم إلّا و غلبوا علیه و قتلوه، حتّى ظنّ الناس أنّ الدّنیا معقوله علیهم، و سلطنتها دائمه فی حقّهم، فأذن اللَّه فی هلاکهم و أراد زوال ملکهم فاختلفت کلمتهم و تضعضع أمرهم فزالت دولتهم: کَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّیحُ فِی یَوْمٍ عاصِفٍ و قد کانت مدّه ملک السّلطنه ألف شهر على ما أخبر اللَّه به نبیّه صلّى اللَّه علیه و آله.

کما قال الصّادق علیه السّلام فی روایه الکافی: أری رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم فی منامه أنّ بنی أمیّه یصعدون على منبره من بعده و یضلّون النّاس عن الصراط القهقری فأصبح کئیبا حزینا قال علیه السّلام: فهبط علیه جبرئیل فقال: یا رسول اللَّه ما لی أراک کئیبا حزینا قال: یا جبرئیل إنّی رأیت بنی أمیّه فی لیلتی هذه یصعدون منبری یضلّون الناس عن الصّراط القهقرى، فقال: و الّذی بعثک بالحقّ نبیّا إنی ما اطلعت فعرج إلى السّماء فلم یلبث أن نزل علیه بآى من القرآن یونسه بها: قالَ أَ فَرَأَیْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِینَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما کانُوا یُوعَدُونَ ما أَغْنى‏ عَنْهُمْ ما کانُوا یُمَتَّعُونَ و أنزل علیه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَهِ الْقَدْرِ وَ ما أَدْراکَ ما لَیْلَهُ الْقَدْرِ لَیْلَهُ الْقَدْرِ خَیْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.

ملک بنی امیّه و بمعناه أخبار اخر.

الترجمه

این فصل متضمن اخبار از ابتلاء اهل روزگار به بنی امیّه کجرفتار و زوال ملک از آن طایفه بدکردار است مى‏فرماید: تا این که گمان میکند گمان کننده این که دنیا محبوس است و مربوط به بنی أمیه در حالتى که نشان مى‏دهد بایشان منفعت خود را، و وارد میکند ایشان را بآب صافی خود، و رفع نمى‏شود از این امت تازیانه دنیا و نه شمشیر آن و حال آنکه دروغ گفت گمان برنده آن یعنى ظن او بدوام دولت بنی أمیّه فاسد است بلکه آن دولت ایشان چیز قلیل و حقیرى است از لذت زندگانى بمنزله آبى که از دهن مى‏اندازند، ملتذ میشوند با آن زمانى پس بیندازند آنرا بالمرّه چون انداختن لقمه از دهان، و این کنایه است از زوال ملک ایشان بالکلّیه.

منهاج ‏البراعه فی ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(الخوئی)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

بازدید: ۱۷

حتما ببینید

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۹۱ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه ۹۲ صبحی صالح ۹۲- و من کلام له ( علیه ‏السلام  ) لما أراده …

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

*

code