خانه / ***خطبه ها شرح و ترجمه میر حبیب الله خوئی / نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۳/۳ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)معروفه بالشقشقیه قسمت سوم

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۳/۳ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)معروفه بالشقشقیه قسمت سوم

خطبه ۳ صبحی صالح

۳- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  ) و هی المعروفه بالشقشقیه و تشتمل على الشکوى من أمر الخلافه ثم ترجیح صبره عنها ثم مبایعه الناس له‏ أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ وَ إِنَّهُ لَیَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّی مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى

یَنْحَدِرُ عَنِّی السَّیْلُ وَ لَا یَرْقَى إِلَیَّ الطَّیْرُ

فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَ طَوَیْتُ عَنْهَا کَشْحاً

وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِی بَیْنَ أَنْ أَصُولَ بِیَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْیَهٍ عَمْیَاءَ

یَهْرَمُ فِیهَا الْکَبِیرُ وَ یَشِیبُ فِیهَا الصَّغِیرُ وَ یَکْدَحُ فِیهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى یَلْقَى رَبَّهُ

ترجیح الصبر

فَرَأَیْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى

فَصَبَرْتُ وَ فِی الْعَیْنِ قَذًى وَ فِی الْحَلْقِ شَجًا

أَرَى تُرَاثِی نَهْباً

حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِیلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلَانٍ بَعْدَهُ

ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى

شَتَّانَ مَا یَوْمِی عَلَى کُورِهَا            وَ یَوْمُ حَیَّانَ أَخِی جَابِرِ

فَیَا عَجَباً بَیْنَا هُوَ یَسْتَقِیلُهَا فِی حَیَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ

لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَیْهَا

فَصَیَّرَهَا فِی حَوْزَهٍ خَشْنَاءَ یَغْلُظُ کَلْمُهَا وَ یَخْشُنُ مَسُّهَا وَ یَکْثُرُ الْعِثَارُ فِیهَا وَ الِاعْتِذَارُ مِنْهَا

فَصَاحِبُهَا کَرَاکِبِ الصَّعْبَهِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَ إِنْ أَسْلَسَ‏ لَهَا تَقَحَّمَ

فَمُنِیَ النَّاسُ لَعَمْرُ اللَّهِ بِخَبْطٍ وَ شِمَاسٍ وَ تَلَوُّنٍ وَ اعْتِرَاضٍ

فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّهِ وَ شِدَّهِ الْمِحْنَهِ

حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِیلِهِ جَعَلَهَا فِی جَمَاعَهٍ زَعَمَ أَنِّی أَحَدُهُمْ

فَیَا لَلَّهِ وَ لِلشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّیْبُ فِیَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ

لَکِنِّی أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا وَ طِرْتُ إِذْ طَارُوا

فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ وَ مَالَ الْآخَرُ لِصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وَ هَنٍ

إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَیْهِ بَیْنَ نَثِیلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ

وَ قَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِیهِ یَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَهَ الْإِبِلِ نِبْتَهَ الرَّبِیعِ

إِلَى أَنِ انْتَکَثَ عَلَیْهِ فَتْلُهُ وَ أَجْهَزَ عَلَیْهِ عَمَلُهُ وَ کَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ

مبایعه علی‏ 

فَمَا رَاعَنِی إِلَّا وَ النَّاسُ کَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَیَّ یَنْثَالُونَ عَلَیَّ مِنْ کُلِّ جَانِبٍ

حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وَ شُقَّ عِطْفَایَ

مُجْتَمِعِینَ حَوْلِی کَرَبِیضَهِ الْغَنَمِ

فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَکَثَتْ طَائِفَهٌ وَ مَرَقَتْ أُخْرَى وَ قَسَطَ آخَرُونَ

کَأَنَّهُمْ لَمْ یَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ یَقُولُ تِلْکَ الدَّارُ الْآخِرَهُ نَجْعَلُها لِلَّذِینَ لا یُرِیدُونَ عُلُوًّا فِی الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَهُ لِلْمُتَّقِینَ‏

بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَ وَعَوْهَا وَ لَکِنَّهُمْ‏

حَلِیَتِ الدُّنْیَا فِی أَعْیُنِهِمْ وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا

أَمَا وَ الَّذِی فَلَقَ الْحَبَّهَ وَ بَرَأَ النَّسَمَهَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَ قِیَامُ الْحُجَّهِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا یُقَارُّوا عَلَى کِظَّهِ ظَالِمٍ وَ لَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَیْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَ لَسَقَیْتُ آخِرَهَا بِکَأْسِ أَوَّلِهَا وَ لَأَلْفَیْتُمْ دُنْیَاکُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِی مِنْ عَفْطَهِ عَنْزٍ

قَالُوا وَ قَامَ إِلَیْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ فَنَاوَلَهُ کِتَاباً قِیلَ إِنَّ فِیهِ مَسَائِلَ کَانَ یُرِیدُ الْإِجَابَهَ عَنْهَا فَأَقْبَلَ یَنْظُرُ فِیهِ (فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ) قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ لَوِ اطَّرَدَتْ خُطْبَتُکَ مِنْ حَیْثُ أَفْضَیْتَ فَقَالَ هَیْهَاتَ یَا ابْنَ عَبَّاسٍ تِلْکَ شِقْشِقَهٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَوَاللَّهِ مَا أَسَفْتُ عَلَى کَلَامٍ قَطُّ کَأَسَفِی عَلَى هَذَا الْکَلَامِ أَلَّا یَکُونَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ ( علیه‏السلام  )بَلَغَ مِنْهُ حَیْثُ أَرَادَ

قال الشریف رضی اللّه عنه قوله ( علیه‏السلام  ) کراکب الصعبه إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحم یرید أنه إذا شدد علیها فی جذب الزمام و هی تنازعه رأسها خرم أنفها و إن أرخى لها شیئا مع صعوبتها تقحمت به فلم یملکها یقال أشنق الناقه إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه و شنقها أیضا ذکر ذلک ابن السکیت فی إصلاح المنطق و إنما قال أشنق لها و لم یقل أشنقها لأنه جعله فی مقابله قوله أسلس لها فکأنه ( علیه‏السلام  ) قال إن رفع لها رأسها بمعنى أمسکه علیها بالزمام

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج۲  

الجزء الثالث

تتمه باب المختار من خطب أمیر المؤمنین ع و أوامره

تتمه الخطبه الثالثه

تتمه و لا بد قبل الشروع فی تمهید مقدمات

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم

المقدمه الثالثه فی کیفیّه غصب أهل الجلافه للخلافه و ما جرى منهم یوم السّقیفه و بعدها

من إجبار أمیر المؤمنین علیه السّلام على البیعه و إنکار من أنکر علیهم ذلک و ما جرى فی تلک الوقایع من الظلم و الطغیان لعنه اللّه على أهل البغی و العدوان، و نحن ذاکر هنا ما وصل إلینا من طرق أصحابنا رضوان اللّه علیهم، و أمّا ما ذکره العامه فی هذا الباب و رووه فی سیرهم و تواریخهم فتصدّى لها کبعض روایات الخاصّه إنشاء اللّه فی شرح الخطب الآتیه ممّا أشار فیها الامام علیه السّلام إلى هذا المرام.

فنقول: روى الشّیخ أبی منصور أحمد بن علیّ بن أبی طالب الطبرسی فی کتاب الاحتجاج عن أبی المفضّل محمّد بن علیّ الشیبانی باسناده الصّحیح عن رجال ثقه عن ثقه، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم خرج فی مرضه الذی توفّى فیه إلى الصّلاه متوکئا على الفضل بن عبّاس و غلام له یقال له: ثوبان و هی الصّلاه التی أراد التّخلف عنها لثقله ثمّ حمل على نفسه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و خرج، فلما صلّى عاد إلى منزله فقال لغلامه: اجلس على الباب و لا تحجب أحدا من الأنصار و تجلاه الغشى فجاء الأنصار فأحدقوا بالباب و قالوا: ائذن لنا على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، فقال: هو مغشیّ علیه و عنده نساؤه، فجعلوا یبکون، فسمع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم البکاء فقال: من هؤلاء قالوا: الأنصار، فقال: من هاهنا من أهل بیتی قالوا: علیّ و العباس فدعاهما، و خرج متوکئا علیهما فاستند إلى جذع«» من أساطین مسجده و کان الجذع جرید نخل فاجتمع النّاس و خطب صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قال فی کلامه: إنّه لم یمت نبیّ قط إلّا خلّف ترکه و قد خلّفت فیکم الثّقلین: کتاب اللّه و أهل بیتی، ألا فمن ضیّعهم ضیّعه اللّه، ألا و إنّ الأنصار کرشی«» و عیبتی التی آوی إلیها، و إنّی أوصیکم بتقوى اللّه و الاحسان إلیهم، فاقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسیئهم.

ثمّ دعا اسامه بن زید و قال: سر على برکه اللّه و النّصر و العافیه حیث أمرتک بمن أمرّتک علیه، و کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، قد أمّره على جماعه من المهاجرین و الأنصار فیهم أبو بکر و عمر و جماعه من المهاجرین الأولین، و أمره أن یعبروا «یغبروا خ ل» على موته«» و اد من فلسطین، فقال اسامه: بأبى أنت و أمّى یا رسول اللّه أ تأذن لى فى المقام أیّاما حتّى یشفیک اللّه، فانّى متى خرجت و أنت على هذه الحاله خرجت و فى قلبى منک قرحه، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: انفذیا اسامه لما أمرتک، فإنّ القعود عن الجهاد لا نحبّ فی حال من الأحوال، فبلغ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أنّ النّاس طعنوا فى عمله، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: بلغنى أنکم طعنتم فی عمل اسامه و فى عمل أبیه من قبل، و أیم اللّه إنّه لخلیق للاماره و إنّ أباه کان خلیقا لها و إنّه لمن أحبّ النّاس إلیّ، فأوصیکم به خیرا فلان قلتم فی أمارته فقد قال قائلکم فی أماره أبیه.

ثمّ دخل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بیته و خرج اسامه من یومه حتّى عسکر على رأس فرسخ من المدینه و نادى منادی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، أن لا یتخلّف عن اسامه أحد ممّن أمّرته علیه، فلحق النّاس به، و کان أول من سارع إلیه ابو بکر و عمرو أبو عبیده ابن الجرّاح، فنزلوا فی زقاق«» واحد مع جمله أهل العسکر.

قال: و نقل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فجعل النّاس ممّن لم یکن فی بعث اسامه یدخلون علیه إرسالا«» و سعد بن عباده شاک«» فکان لا یدخل أحد من الأنصار على النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلّا انصرف إلى سعد یعوده.

قال: و قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله وقت الضّحى من یوم الاثنین بعد خروج اسامه إلى معسکره بیومین، فرجع أهل العسکر و المدینه قد رجفت بأهلها، فأقبل أبو بکر على ناقه له حتّى وقف على باب المسجد فقال: أیها النّاس ما لکم تموجون إن کان محمّد قد مات فربّ محمّد لم یمت.

«و ما محمّد إلّا رسول قد خلت من قبله الرّسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابکم و من ینقلب على عقبیه فلن یضرّ اللّه شیئا» ثمّ اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عباده و جاذبه إلى سقیفه بنى ساعده فلما سمع بذلک عمر أخبر به أبا بکر و مضیا مسرعین إلى السّقیفه و معهما أبو عبیده بن الجرّاح و فی السّقیفه خلق کثیر من الأنصار و سعد بن عباده بینهم مریض، فتنازعوا الأمر بینهم فآل الأمر إلى أن قال أبو بکر فی آخر کلامه للأنصار: إنّما أدعوکم إلى أبى عبیده بن الجرّاح أو عمرو کلاهما قد رضیت لهذا الأمر و کلاهما أراه له أهلا، فقال أبو عبیده و عمر: ما ینبغی لنا أن نتقدّمک یا أبا بکر أنت أقدمنا اسلاما و أنت صاحب الغار و ثانى اثنین فأنت أحقّ بهذا الأمر و أولانا به، فقالت الأنصار نحذر أن یغلب على هذا الأمر من لیس منّا و لا منکم فنجعل منّا أمیرا و منکم أمیرا و نرضى به على أنّه إن هلک اخترنا آخر من الأنصار، فقال أبو بکر بعد أن مدح المهاجرین: و أنتم یا معاشر الأنصار ممّن لا ینکر فضلهم و لا نعمتهم العظیمه فی الاسلام، رضیکم اللّه أنصارا لدینه و لرسوله و جعل الیکم مهاجرته و فیکم محلّ أزواجه، فلیس أحد من النّاس بعد المهاجرین الأوّلین بمنزلتکم فهم الامرآء و أنتم الوزراء.

فقال الحباب بن المنذر الأنصارى: یا معشر الأنصار املکوا«» على أیدیکم فإنّما النّاس فی فیئکم و ظلالکم و لن یجترى مجتر على خلافکم و لن تصدر النّاس إلّا عن رأیکم، و أثنى على الأنصار، ثمّ قال: فان أبى هؤلاء تأمیرکم علیهم فلسنا نرضى بتأمیرهم علینا و لا نقنع بدون أن یکون منّا أمیرو منهم أمیر.

فقام عمر بن الخطاب فقال: هیهات لا یجتمع سیفان فی غمد«» واحد انّه لا ترضى العرب أن تأمرکم و نبیّها من غیرکم لکنّ العرب لا تمتنع أن تولّى أمرها من کانت النّبوه فیهم و أولوا الأمر منهم، و کنا بذلک على من خالفنا الحجّه الظاهره و السّلطان البیّن فما ینازعنا سلطان محمّد و نحن أولیاؤه و عشیرته إلّا مدلّ بباطل أو متجانف«» باثم أو متورّط فی الهلکه محبّ للفتنه.

فقام الحباب بن المنذر ثانیه فقال: یا معشر الأنصار امسکوا على أیدیکم لا تسمعوا مقال هذا الجاهل و أصحابه فیذهبوا بنصیبکم من هذا الأمر، و إن أبوا أن یکون أمیر و أمیر فاجلوهم عن بلادکم و تولوا هذا الأمر علیهم فأنتم و اللّه أحقّ به منهم فقد دان بأسیافکم قبل هذا الوقت من لم یکن یدین بغیرها و أنا جذیلها«»المحکّک و عذیقها المرجب«» و اللّه لئن ردّ أحد قولى لأحطمنّ أنفه بالسّیف.

قال عمر بن الخطاب: فلما کان حباب هو الذی یجیبنی لم یکن لى معه جواب «فی کلام خ ل» فانّه جرت بینى و بینه منازعه فی حیاه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فنهانی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن مهاترته«» فحلفت أن لا أکلّمه أبدا.

ثمّ قال عمر لأبی عبیده: تکلّم، فقام أبو عبیده بن الجراح و تکلّم بکلام کثیر و ذکر فیه فضایل الأنصار و کان بشیر بن سعد سیّدا من سادات الأنصار لما رأى اجتماع الأنصار على سعد بن عباده لتأمیره حسده و سعى فی افساد الأمر علیه و تکلّم فی ذلک و رضى بتأمیر قریش و حث النّاس کلّهم و لا سیّما الأنصار على الرّضا بما یفعله المهاجرون.

فقال أبو بکر: هذا عمرو أبو عبیده شیخا قریش فبایعوا أیّهما شئتم.

فقال عمرو أبو عبیده: ما نتولى هذا الأمر امدد یدک نبایعک.

فقال بشیر بن سعد: و أنا ثالثکما، و کان سید الأوس و سعد بن عباده سید الخزرج، فلما رأت الأوس صنیع بشیر و ما دعت إلیه الخزرج من تأمیر سعد، أکبّوا على أبی بکر بالبیعه و تکاثروا على ذلک و تزاحموا فجعلوا یطئون سعدا من شده الزّحمه و هو بینهم على فراشه مریض، فقال: قتلتمونی قال عمر: اقتلوا سعدا قتله اللّه.

فوثب قیس بن سعد فأخذ بلحیه عمرو قال: و اللّه یابن صهّاک الجبان فی الحروب الفرّار اللّیث فی الملاء و الأمن لو حرکت منه شعره ما رجعت فی وجهک واضحه«» فقال أبو بکر مهلا یا عمر فانّ الرّفق أبلغ و أفضل، فقال سعد: یابن صهاک و کانت‏ جدّه عمر حبشیه: أما و اللّه لو أنّ لی قوّه على النّهوض لسمعتما منّی فی سککها زئیرا«» أزعجک«» و أصحابک منها و لا لحقنکما بقوم کنتما فیهم أذنابا أذلّاء تابعین غیر متبوعین، لقد اجترئتما، ثمّ قال للخزرج احملونى من مکان الفتنه، فحملوه فأدخلوه منزله، فلما کان بعد ذلک بعث إلیه ابو بکر أن قد بایع النّاس فبایع فقال: لا و اللّه حتّى أرمیکم لکلّ سهم فی کنانتی«» و اخضب منکم سنان رمحی و أضربکم بسیفی ما أقلّت یدی فأقاتلکم بمن تبعنی من أهل بیتی و عشیرتی ثمّ و أیم اللّه لو اجتمع الجنّ و الانس علىّ لما بایعتکما أیها الغاصبان حتى أعرض على ربی و أعلم ما حسابی، فلما جاءهم کلامه قال عمر: لا بدّ من بیعته، فقال بشیر بن سعد إنّه قد أبى و لجّ و لیس بمبایع أو یقتل و لیس بمقتول حتّى یقتل معه الخزرج و الأوس فاترکوه، فلیس ترکه بضایر فقبلوا قوله و ترکوا سعدا.

فکان سعد لا یصلّى بصلاتهم و لا یقضى بقضائهم و لو وجد أعوانا لصال بهم و لقاتلهم فلم یزل کذلک مدّه ولایه أبی بکر حتّى هلک أبو بکر، ثمّ ولى عمر و کان کذلک فخشى سعد غائله«» عمر فخرج إلى الشّام فمات بحوران«» فی ولایه عمرو لم یبایع أحدا و کان سبب موته أن رمى بسهم فی اللیل فقتل و زعم أنّ الجنّ رموه، و قیل أیضا إنّ محمّد بن سلمه الانصارى تولى ذلک بجعل جعلت له علیه و روى أنّه تولى ذلک المغیره بن شعبه و قیل خالد بن الولید.

قال: و بایع جماعه الأنصار و من حضر من غیرهم و علیّ بن أبی طالب مشغول بجهاز رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، فلما فرغ من ذلک و صلّى على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و النّاس یصلّون علیه من بایع أبی بکر و من لم یبایع و جلس فی المسجد فاجتمع الیه بنوا هاشم و معهم الزّبیر بن العوام، و اجتمعت بنوا امیّه إلى عثمان بن عفان و بنوا زهره إلى عبد الرّحمان بن عوف فکانوا فی المسجد مجتمعین إذ أقبل أبو بکر و عمر و أبو عبیده بن الجرّاح، فقالوا: ما لنا نریکم خلقا شتى قوموا فبایعوا ابا بکر فقد بایعته الأنصار و النّاس، فقام عثمان و عبد الرّحمان بن عوف و من معهما فبایعوا و انصرف علیّ علیه السّلام و بنو هاشم إلى منزل علیّ و معهم الزّبیر.

قال: فذهب إلیهم عمر فی جماعه ممّن بایع فیهم اسید بن حصین و سلمه بن سلامه فألفوهم مجتمعین، فقالوا لهم بایعوا أبا بکر فقد بایعه النّاس فوثب الزّبیر إلى سیفه فقال عمر علیکم بالکلب العقور فاکفونا شرّه فبادر سلمه بن سلامه فانتزع السّیف من یدیه فأخذه عمر فضرب به الأرض فکسره و أحدقوا بمن کان هناک من بنی هاشم و مضوا بجماعتهم إلى أبی بکر فلما حضروا، قالوا: بایعوا أبا بکر و قد بایعه النّاس و أیم اللّه لئن أبیتم من ذلک لنحا کمنّکم بالسّیف، فلما رأى ذلک بنو هاشم أقبل رجل رجل فجعل یبایع حتّى لم یبق ممّن حضر إلّا علیّ بن أبی طالب علیه السّلام.

فقالوا له: بایع ابا بکر فقال علیّ علیه السّلام: أنا أحقّ بهذا الأمر منه و أنتم أولى بالبیعه لی أخذتم هذا الأمر من الانصار و احتججتم علیهم بالقرابه من الرّسول و تأخذونه منّا أهل البیت غصبا ألستم زعمتم للأنصار أنکم أولى بهذا الأمر منهم لمکانکم من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأعطوکم المقاده و سلّموا لکم الاماره و أنا أحتجّ علیکم بمثل ما احتججتم على الانصار، أنا أولى برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حیّا و میّتا و أنا وصیّه و وزیره و مستودع سرّه و علمه و أنا الصّدیق الاکبر أوّل من آمن به و صدّقه و أحسنکم بلاء فی جهاد المشرکین و أعرفکم بالکتاب و السنّه و أذربکم«» لسانا و أثبتکم جنانا، فعلام تنازعونا هذا الامر، أنصفونا إن کنتم تخافون اللّه من أنفسکم، و اعرفوا لنا من الامر مثل ما عرفته لکم الانصار و إلّا فبوءوا بالظلم و العدوان و أنتم تعلمون.

فقال عمر: أمالک بأهل بیتک أسوه فقال علیّ علیه السّلام سلوهم عن ذلک، فابتدرالقوم الذین بایعوا من بنی هاشم فقالوا: ما بیعتنا بحجّه على علیّ علیه السّلام و معاذ اللّه أن نقول: إنّا نوازیه فی الهجره و حسن الجهاد و المحلّ من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال عمر: إنک لست متروکا حتّى تبایع طوعا أو کرها، فقال علیّ علیه السّلام: احلب حلبا لک شطره اشدد له الیوم لیردّ علیک غدا إذا و اللّه لا أقبل قولک و لا أحفل بمقامکم و لا ابایع، فقال أبو بکر: مهلا یا أبا الحسن ما نشد فیک و لا نکرهک.

فقام أبو عبیده إلى علیّ علیه السّلام فقال: یا بن عمّ لسنا ندفع قرابتک و لا سابقتک و لا علمک و لا نصرتک، و لکنّک حدث السّن، و کان لعلیّ علیه السّلام یومئذ ثلاث و ثلاثون سنه و ابو بکر شیخ من مشایخ قومک و هو أحمل لثقل هذا الامر و قد مضى الامر بما فیه فسلّم له، فان عمّرک اللّه یسلّموا هذا الامر إلیک و لا یختلف فیک إثنان بعد هذا إلّا و أنت به خلیق و له حقیق و لا تبعث الفتنه فی أوان الفتنه فقد عرفت بما فی قلوب العرب و غیرهم علیک.

فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام: یا معاشر المهاجرین و الانصار، اللّه اللّه لا تنسوا عهد نبیّکم الیکم فی أمرى و لا تخرجوا سلطان محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من داره و قعر بیته إلى دورکم و قعر بیوتکم، و لا تدفعوا أهله عن حقّه و مقامه فی النّاس فو اللّه یا معاشر الناس «الجمع خ» إنّ اللّه قضى و حکم و نبیّه أعلم و أنتم تعلمون بأنا أهل البیت أحقّ لهذا الامر منکم ما کان «فکان خ» القاری منکم لکتاب اللّه الفقیه فی دین اللّه المضطلع«» بأمر الرّعیه و اللّه إنّه لفینا لا فیکم فلا تتّبعوا الهوى فتزدادوا من الحقّ بعدا و تفسدوا قدیمکم بشرّ من حدیثکم.

فقال بشیر بن سعد الانصاری الذی وطأ الامر لأبى بکر و قالت جماعه من الانصار: یا أبا الحسن لو کان هذا الکلام سمعته منک الانصار قبل بیعتها «الانتظام خ» لأبى بکر ما اختلف فیک اثنان.

فقال علیّ علیه السّلام: یا هؤلاء کنت أدع الرّسول و هو مسجّى«» لا أواریه‏و أخرج أنازع فی سلطانه، و اللّه ما خفت «خلت ظ» أحدا یسمو«» له و ینازعنا أهل البیت فیه و یستحلّ ما استحللتموه، و لا علمت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ترک یوم غدیر خمّ لأحد حجّه و لا لقائل مقالا، فانشد اللّه رجلا سمع یوم غدیر خمّ یقول صلّى اللّه علیه و آله: من کنت مولاه فعلیّ مولاه اللّهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله، أن یشهد الآن بما سمع.

قال زید بن أرقم: فشهد اثنا عشر رجلا بدریّا بذلک و کنت ممّن سمع القول من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فکتمت الشّهاده فذهب بصری، قال: و کثر الکلام فی هذا المعنى و ارتفع الصّوت و خشى عمر أن یصغى «النّاس خ» الى قول علیّ علیه السّلام ففسخ المجلس و قال: إنّ اللّه یقلّب القلوب و الأبصار و لا تزال یا أبا الحسن ترغب عن قول الجماعه فانصرفوا یومهم ذلک.

و فی الاحتجاج أیضا عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبی عبد اللّه جعفر بن محمّد الصّادق علیهما السّلام: جعلت فداک هل کان أحد فی أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنکر على أبی بکر فعله و جلوسه مجلس رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال علیه السّلام: نعم کان الذى أنکر على أبی بکر اثنى عشر رجلا، من المهاجرین: خالد بن سعید بن العاص و کان من بنی امیه، و سلمان الفارسی، و أبو ذر الغفاری، و المقداد بن الأسود، و عمّار بن یاسر، و بریده الأسلمی و من الانصار أبو الهیثم بن التیهان، و سهل، و عثمان ابنا حنیف، و خزیمه بن ثابت، و ذو الشّهادتین، و أبیّ بن کعب، و أبو أیوب الأنصارى، قال: فلمّا صعد أبو بکر المنبر تشاوروا بینهم فقال بعضهم لبعض: و اللّه لنأتینّه و لننزلنه عن منبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله، و قال آخرون منهم و اللّه لئن فعلتم ذلک إذا لأعنتم«» على أنفسکم، فقد قال اللّه تعالى:

«وَ لا تُلْقُوا بِأَیْدِیکُمْ إِلَى التَّهْلُکَهِ» فانطلقوا بنا إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام لنستشیره و نستطلعه على الأمر و نستطلع رأیه، فانطلق القوم إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام بأجمعهم فقالوا یا أمیر المؤمنین: ترکت حقّا أنت أحق به و أولى منه، لأنّا سمعنا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: علیّ مع الحقّ و الحقّ مع علیّ یمیل مع الحقّ کیف مال، و لقد هممنا أن نصیر الیه فنزله عن منبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله، و سلّم، فجئناک لنستشیرک و نستطلع رأیک فیما تأمرنا.

فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام: و أیم اللّه لو فعلتم ذلک لما کنتم لهم إلّا حربا و لکنکم کالملح فی الزّاد و کالکحل فی العین، و أیم اللّه لو فعلتم ذلک لأتیتمونی شاهرین أسیافکم مستعدّین للحرب و القتال و إذا لآتونی فقالوا لى: بایع و إلّا قتلناک، فلا بدّ من أن أدفع القوم عن نفسى و ذلک إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أو عز«» إلىّ قبل وفاته، و قال لی یا أبا الحسن، إنّ الأمه ستغدر بک من بعدی و تنقض فیک عهدى و إنّک منّی بمنزله هارون من موسى و إن الامه من بعدی بمنزله هارون «کهرون خ» و من اتبعه و السّامری و من اتبعه، فقلت یا رسول اللّه فما تعهد إلىّ إذا کان کذلک فقال إن «إذا خ» وجدت أعوانا فبادر إلیهم و جاهدهم، و إن لم تجد أعوانا کفّ یدک و احقن دمک حتّى تلحق بی مظلوما، فلما توفّى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم اشتغلت بغسله و تکفینه و الفراغ من شأنه، ثمّ آلیت یمینا أن لا أرتدی إلّا للصّلاه حتّى أجمع القرآن، ففعلت ثمّ أخذت بید فاطمه و ابنیّ الحسن و الحسین فدرت على أهل بدر و أهل السّابقه فناشدتهم«» اللّه إلى حقّی و دعوتهم إلى نصرتی فما أجابنی منهم إلّا أربعه رهط: سلمان، و عمّار، و المقداد، و أبو ذر، و لقدر اودت فی ذلک بقیه أهل بیتى، فأبوا علیّ إلّا السکوت لما علموا من و غاره«» صدور القوم و بغضهم للّه و لرسوله و لأهل بیت نبیّه، فانطلقوا بأجمعکم إلى هذا الرّجل فعرّفوه‏ ما سمعتم من قول نبیکم صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لیکون ذلک أو کد للحجّه و أبلغ للعذر و أبعد لهم من رسول اللّه إذا وردوا علیه، فسار القوم حتّى أحدقوا بمنبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و کان یوم الجمعه، فلمّا صعد أبو بکر المنبر قال المهاجرون للأنصار: تقدّموا فتکلموا، فقال الأنصار للمهاجرین: بل تکلموا أنتم فانّ اللّه عزّ و جل أدناکم فی الکتاب اذ قال اللّه عزّ و جلّ: «لَقَدْ تابَ اللَّهُ بِالنَّبِیِّ عَلَى الْمُهاجِرینَ وَ الْأَنْصارِ» فقال أبان: فقلت: یابن رسول اللّه إنّ الأمه لا تقرء کما عندک، قال و کیف تقرء یا أبان قال: قلت: إنّها تقرء لقد تاب اللّه على النّبیّ و المهاجرین و الانصار فقال علیه السّلام: و یلهم و أىّ ذنب کان لرسول اللّه حتّى تاب اللّه علیه منه إنّما تاب اللّه به على امّته، فأوّل من تکلّم به خالد بن سعید بن العاص ثمّ باقی المهاجرین ثمّ من بعدهم الانصار، و روی أنّهم کانوا غیّبا عن وفات رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقدموا و قد تولى أبو بکر و هم یومئذ أعلام مسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

فقام خالد بن سعید بن العاص و قال: اتّق اللّه یا أبا بکر فقد علمت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال، و نحن محتوشوه«» یوم بنی قریظه حین فتح اللّه له و قد قتل علیّ یومئذ عدّه من صنادید«» رجالهم و اولى الباس و النجده«» منهم: یا معاشر المهاجرین و الانصار إنّی اوصیکم بوصیّه فاحفظوها و مودعکم أمرا فاحفظوه، ألا إنّ علیّ ابن أبی طالب أمیرکم بعدی و خلیفتی فیکم بذلک أوصانی ربّی، ألا و إنّکم إن لم تحفظوا فیه وصیّتی و توازروه و تنصروه اختلفتم فی أحکامکم و اضطرب علیکم أمر دینکم و ولاکم شرارکم، ألا إن أهل بیتی هم الوارثون لأمرى و العاملون «لمون خ» بأمر امّتی من بعدی، اللّهمّ من أطاعهم من امّتی و حفظ فیهم وصیّتی فاحشرهم فی زمرتی و أجعل لهم نصیبا من مرافقتی یدرکون به نور الآخره، اللّهم و من أساءخلافتی فی أهل بیتی فاحرمه الجنّه التی عرضها کعرض السّمآء و الارض.

فقال له عمر بن الخطاب: اسکت یا خالد فلست من أهل المشوره و لا من یقتدى برأیه، فقال خالد اسکت أنت یابن الخطاب فانّک تنطق على لسان غیرک و أیم اللّه لقد علمت قریش أنک من الأمها حسبا و أدناها منصبا و أخسّها قدرا و أخملها ذکرا و أقلّهم غناء عن اللّه و رسوله و أنک لجبان فی الحروب بخیل فی المال لئیم العنصر مالک فی قریش من فخر، و لا فی الحروب من ذکر و أنّک فی هذا الأمر بمنزله الشّیطان: «إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اکْفُرْ فَلَمَّا کَفَرَ قالَ إِنِّی بَرِی‏ءٌ مِنْکَ إِنِّی أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِینَ فَکانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِی النَّارِ خالِدَیْنِ فِیها وَ ذلِکَ جَزاءُ الظَّالِمِینَ» فابلس«» عمرو جلس خالد بن سعید.

ثمّ قام سلمان الفارسی (رض) و قال: کردید و نکردید«» أ فعلتم و لم تفعلوا و امتنع من البیعه قبل ذلک حتّى وجی عنقه فقال یا أبا بکر: إلى من تستند امرک إذا نزل بک ما لا تعرفه و إلى من تفزع إذا سئلت عمّا لا تعلمه فما عذرک فی تقدم من هو أعلم منک و أقرب إلى رسول اللّه و أعلم بتأویل کتاب اللّه و سنّه نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و من قدّمه النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حیاته و أوصاکم به عند وفاته، فنبذتم قوله و تناسیتم وصیّته و أخلفتم الوعد و نقضتم العهد و حلتم العقد الذی کان عقده علیکم من النّفوذ تحت رایه اسامه بن زید حذرا من مثل ما اتیتموه و تنبیها للامه على عظیم ما اجترمتموه «حتموه خ» من مخالفه أمره فعن قلیل یصفو لک الأمر و قد أنقلک الوزر و نقلت إلى قبرک و حملت معک ما کسبت یداک فلو راجعت الحقّ من قرب و تلافیت نفسک و تبت إلى اللّه من عظیم ما اجترمت کان ذلک أقرب إلى نجاتک یوم‏ تفرد فی حفرتک و یسلّمک ذو و نصرتک، فقد سمعت کما سمعنا و رأیت کما رأینا، فلم یردعک«» ذلک عمّا أنت متشبّث به من هذا الأمر الذی لا عذر لک فی تقلّده و لا حظّ للدین و لا للمسلمین فی قیامک به، فاللّه اللّه فی نفسک فقد أعذر من أنذر، و لا تکن أنت کمن أدبر و استکبر.

ثمّ قام أبو ذر الغفاری فقال: یا معشر قریش أصبتم قباحه «قناعه خ»«» «قباعه خ»«» و ترکتم قرابه و اللّه لیرتدن جماعه من العرب و لیشکنّ فیّ هذا الدّین و لو جعلتم هذا الأمر فی أهل بیت نبیّکم ما اختلف علیکم سیفان، و اللّه لقد صارت لمن غلب و لتطمحنّ إلیها عین من لیس من أهلها، و لیسفکن فیها دماء کثیره فکان کما قال أبو ذر، ثمّ قال: لقد علمتم و علم خیارکم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال: الأمر بعدی لعلیّ ثمّ لابنیّ الحسن و الحسین ثمّ للطاهرین من ذرّیتی، فأطر حتم قول نبیّکم و تناسیتم ما عهد به إلیکم فأطعتم الدّنیا الفانیه و نسیتم «بعتم-  شریتم خ» الآخره الباقیه التی لا یهرم شبابها و لا یزول نعیمها و لا یحزون أهلها و لا یموت سکّانها بالحقیر التّافه«» الفانی الزایل و کذلک الامم من قبلکم کفرت بعد أنبیائها و نکصت على أعقابها و غیّرت و بدلت و اختلفت فساویتموهم حذو النعل بالنعل و القذه بالقذه، و عمّا قلیل یذوقون و بال أمرکم و تجزون بما قدّمت أیدیکم و ما اللّه بظلّام للعبید.

ثمّ قال المقداد بن الأسود فقال: یا أبا بکر ارجع عن ظلمک و تب إلى ربّک و ألزم بیتک و ابک على خطیئتک و سلّم الأمر إلى صاحبه الذی هو أولى به منک، فقد علمت ما عقده رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی عنقک من بیعته و ألزمک من النّفوذ تحت رایه اسامه بن زید و هو مولاه، و نبّه على بطلان وجوب هذا الأمر ذلک و لمن عضدک.«»

علیه بضمه لکما إلى علم النّفاق و معدن الشنآن و الشّقاق عمرو بن العاص الذی أنزل اللّه فیه على نبیّه: «إِنَّ شانِئَکَ هُوَ الْأَبْتَرُ» فلا اختلاف بین أهل العلم أنّها نزلت فی عمرو و هو کان امیرا علیکما و على سایر المنافقین فی الوقت الذی انفذه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی غزاه ذات السّلاسل و أنّ عمروا قلد کما حرس عسکره فأین الحرس إلى الخلافه اتّق اللّه و بادر إلى الاستقاله قبل فوتها فانّ ذلک أسلم لک فی حیاتک و بعد وفاتک و لا ترکن إلى الدّنیا «دنیاک خ» و لا تغرّنک قریش و غیرها فعن قلیل تضمحلّ عنک دنیاک ثمّ تصیر إلى ربک فیجزیک بعملک و قد علمت و تیقنت أنّ علیّ بن أبی طالب علیه السّلام صاحب الأمر بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فسلّمه إلیه بما جعله اللّه له فانّه أتمّ لسترک و أخفّ لوزرک فقد و اللّه نصحت لک إن قبلت نصحی و إلى اللّه ترجع الأمور.

ثمّ قام بریده الأسلمى فقال: إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون ما ذا لقى الحقّ من الباطل یا أبا بکر أنسیت أم تناسیت و خدعت أم خدعتک نفسک و سوّلت تلک الأباطیل أو لم تذکر ما أمرنا به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من تسمیه علىّ بامره«» المؤمنین و النّبیّ بین أظهرنا و قوله له فی عده أوقات هذا علیّ أمیر المؤمنین و قاتل القاسطین اتّق اللّه و تدارک نفسک قبل أن لا تدرکها و أنقذها ممّا یهلکها و اردد الأمر إلى من هو أحقّ به منک و لا تتمارى«» فی اغتصابه و راجع و انت تستطیع أن تراجع فقد محضتک النّصح و دللتک على طریق النّجاه فلا تکوننّ ظهیرا للمجرمین.

ثمّ قام عمّار بن یاسر فقال: یا معاشر قریش و یا معاشر المسلمین إن کنتم علمتم و إلّا فاعلموا أنّ أهل بیت نبیّکم أولى به و أحقّ بارثه و أقوم بامور الدّین و آمن على المؤمنین و أحفظ لملّته و أنصح لامته فمروا صاحبکم فلیردّ الحقّ إلى‏أهله قبل أن یضطرب حبلکم و یضعف أمرکم و یظهر شنئانکم و تعظم الفتنه بکم و تختلفوا فیما بینکم و یطمع فیکم عدوّکم، فقد علمتم أنّ بنی هاشم أولى بهذا الأمر منکم و علیّ من بینهم ولیّکم بعهد اللّه و رسوله، و فرق ظاهر قد عرفتموه فی حال بعد حال عند سدّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أبوابکم الّتی کانت إلى المسجد کلّها غیر بابه و ایثاره إیّاه بکریمته فاطمه الزّهراء دون سایر من خطبها إلیه منکم، و قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: إنا مدینه الحکمه و علیّ بابها فمن أراد الحکمه فلیأتها من بابها، و إنکم جمیعا مضطرّون فیما اشکل علیکم من امور دینکم إلیه، و هو مستغن عن کلّ أحد منکم إلى ما له من السّوابق التی لأفضلکم عند نفسه فما بالکم تحیدون«» عنه و تبتزّون«» علیّا حقّه «و تغیرون على حقه خ»«» و تؤثرون الحیاه الدّنیا على الآخره بئس للظالمین بدلا اعطوه ما جعله اللّه و لا تولّوا مدبرین و لا ترتدّوا على أدبارکم فتنقلبوا خاسرین.

ثمّ قام ابیّ بن کعب فقال: یا أبا بکر لا تجحد حقّا جعله اللّه لغیرک و لا تکن أوّل من عصى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی وصیّه «و صفیه خ» و صدف عن أمره، اردد الحقّ إلى أهله تسلم و لا تتماد فی غیّک فتندم و بادر إلى الانابه یخفف وزرک و لا تخصصنّ بهذا الأمر الذی لم یحلّه «یجعله خ» اللّه لک نفسک فتلقى و بال عملک، فعن قلیل تفارق ما أنت فیه و تصیر إلى ربّک فیسألک عمّا جنیت، و ما ربّک بظلّام للعبید.

ثمّ قام خزیمه بن ثابت فقال: أیّها النّاس أ لستم تعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قبل شهادتی وحدی و لم یرد معی غیری قالوا: بلى، قال: فاشهد أنّی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: أهل بیتی یفرقون بین الحقّ و الباطل، و هم الأئمه الذین یقتدى بهم و قد قلت ما علمت و ما على الرّسول إلّا البلاغ المبین.

ثمّ قام أبو الهیثم بن التّیهان فقال: و أنا أشهد على نبیّنا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه أقام علیّا علیه السّلام یعنی فی یوم غدیر خمّ فقالت الأنصار: ما أقامه إلّا للخلافه، و قال بعضهم: ما أقامه إلّا لیعلم النّاس أنّه مولى من کان رسول اللّه مولاه، و کثر الخوض فی ذلک فبعثنا رجالا منا إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فسألوه عن ذلک فقال لهم قولوا: علی ولیّ المؤمنین بعدی و أنصح النّاس لامتی و قد شهدت بما حضرنی فمن شاء فلیؤمن و من شاء فلیکفر إنّ یوم الفصل کان میقاتا.

ثمّ قام سهل بن حنیف فحمد اللّه و أثنى علیه و صلّى على النّبیّ محمّد و آله ثمّ قال: یا معاشر قریش اشهدوا على أنّی أشهد على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد رأیته فی هذا المکان یعنی الروضه«» و قد أخذ بید علیّ بن أبی طالب علیه السّلام و هو یقول: أیّها النّاس هذا علیّ إمامکم من بعدی و وصیّتی فی حیاتی و بعد وفاتی و قاضی دینی و منجز وعدی و أوّل من یصافحنی على حوضی فطوبى لمن اتّبعه و نصره و الویل لمن تخلّف عنه و خذله.

ثمّ قام من بعده أخوه عثمان بن حنیف فقال: سمعنا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: أهل بیتی نجوم الأرض فلا تتقدّموهم و قدّموهم، فهم الولاه بعدی. فقام إلیه رجل فقال: یا رسول اللّه و أىّ أهل بیتک فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علیّ و الطاهرین من ولده، و قد بیّن علیه السّلام فلا تکن یا أبا بکر أوّل کافر به فلا تخونوا اللّه و الرّسول و تخونوا أمانتکم و أنتم تعلمون.

ثمّ قام أبو أیّوب الأنصاری فقال: اتّقوا اللّه عباد اللّه فی أهل بیت نبیّکم و ارددوا إلیهم حقهم الذی جعله اللّه لهم، فقد سمعتم مثل ما سمع إخواننا فی مقام بعد مقام لنبیّنا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و مجلس بعد مجلس یقول: أهل بیتی أئمتکم بعدی و یؤمی إلى علیّ علیه السّلام یقول: هذا أمیر البرره و قاتل الکفره، مخذول من خذله منصور من نصره فتوبوا إلى اللّه من ظلمکم إنّ اللّه تواب رحیم، و لا تتولوا عنه مدبرین، و لا تتولّوا عنه معرضین.

قال الصّادق علیه السّلام فافحم«» أبو بکر على المنبر حتّى لم یحر«» جوابا ثمّ، قال ولیتکم و لست بخیرکم أقیلونی أقیلونی.

فقال له عمر بن الخطاب: انزل عنها یا لکع«» إذا کنت لا تقوم بحجج قریش لهم أقمت نفسک هذا المقام و اللّه لقد هممت أن أخلعک و أجعلها فی سالم مولى أبی حذیفه، قال فنزل ثمّ أخذ بیده و انطلق إلى منزله و بقى ثلاثه أیّام لا یدخلون مسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

فلما کان فی الیوم الرّابع جاءهم خالد بن الولید و معه ألف رجل فقال لهم: ما جلوسکم فقد طمع فیها و اللّه بنو هاشم، و جاءهم سالم مولى أبی حذیفه و معه ألف رجل، و جاءهم معاذ بن جبل و معه ألف رجل فما زال یجتمع رجل رجل حتّى اجتمع أربعه آلاف رجل فخرجوا شاهرین أسیافهم یقدمهم عمر بن الخطاب حتّى وقفوا بمسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، فقال عمرو الله یا أصحاب علیّ لئن ذهب الرّجل منکم یتکلّم بالذی تکلّم به بالأمس لنأخذنّ الذی فیه عیناه.

فقام إلیه خالد بن سعید بن العاص و قال یابن صهّاک الحبشیه أ فبأسیافکم تهدّدونا أم بجمعکم تفزعونا و الله إنّ أسیافنا أحدّ من أسیافکم و إنّا لأکثر منکم و إن کنا قلیلین لأنّ حجّه الله فینا و الله لو لا أنی أعلم أنّ طاعه الله و طاعه رسوله و طاعه إمامی أولى بی لشهرت سیفی و جاهدتکم فی الله إلى أن أبلى«» عذری، فقال «له خ» أمیر المؤمنین علیه السّلام: اجلس یا خالد فقد عرف لک مقامک. و شکر لک سعیک، فجلس.

و قام إلیه سلمان الفارسی فقال الله أکبر الله أکبر سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و إلّا صمّتا«» یقول: بینا أخی و ابن عمّی جالس فی مسجدی و معه نفر من‏أصحابه إذ تکبسه«» جماعه من کلاب أهل النّار یریدون قتله و قتل من معه، و لست أشک إلّا و أنّکم هم، فهمّ به عمر بن الخطاب، فوثب إلیه أمیر المؤمنین علیه السّلام و أخذ بمجامع ثوبه ثمّ جلد«» به الأرض ثمّ قال: یابن صهّاک الحبشیّه لو لا کتاب من الله سبق و عهد من الله تقدّم لأریتک أیّنا أضعف ناصرا و أقلّ عددا، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: انصرفوا رحمکم اللّه فو اللّه لا دخلت المسجد إلّا کما دخل أخواى موسى و هارون إذ قال له أصحابه: «فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّکَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ» و اللّه لادخلته إلّا لزیاره رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أو لقضیّه أقضیها، فإنّه لا یجوز لحجه أقامه رسول اللّه أن یترک النّاس فی حیره.

و فى الاحتجاج أیضا عن عبد اللّه بن عبد الرّحمان قال: إنّ عمر احتزم«» بازاره و جعل یطوف بالمدینه و ینادی ألّا إنّ أبا بکر قد بویع فهلمّوا إلى البیعه فینثال«» النّاس یبایعون فعرف أنّ جماعه فی بیوت مستترون فکان یقصدهم فی جمع کثیر فیکبسهم و یحضرهم المسجد فیبایعون حتّى إذا مضت أیّام أقبل فی جمع کثیر إلى منزل علیّ علیه السّلام فطالبه بالخروج فأبى، فدعا عمر بحطب و نار، و قال و الذی نفس عمر بیده لیخرجنّ أولا حرقنه على ما فیه، فقیل له: إنّ فاطمه بنت رسول اللّه و ولد رسول اللّه و آثار رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیه، و أنکر النّاس ذلک من قوله فلما عرف إنکارهم قال: ما بالکم أ ترونی فعلت ذلک إنّما أردت التّهویل فراسلهم علیّ علیه السّلام أن لیس إلى خروجی حیله، لأنی فی جمع کتاب اللّه الذی قد نبذتموه و ألهتکم«» الدّنیا عنه،و قد خلفت أن لا أخرج من بیتی و لا ادع ردائی على عاتقى حتّى أجمع القرآن، قال: و خرجت فاطمه بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلیهم فوقفت على الباب، ثمّ قالت لا عهد لی بقوم أسوء محضرا منکم ترکتم رسول اللّه جنازه«» بین أیدینا و قطعتم أمرکم فیما بینکم و لم تؤامرونا و لم تروا لنا حقّا، کأنکم لم تعلموا ما قال یوم غدیر خم، و اللّه لقد عقد له یومئذ الولاء لیقطع منکم بذلک منها الرّجاء، و لکنکم قطعتم الأسباب و اللّه حسیب بیننا و بینکم فی الدّنیا و الآخره.

و فی غایه المرام من کتاب سلیم بن قیس الهلالى و هو کتاب مشهور معتمد نقل منه المصنّفون فی کتبهم و هو من التّابعین رأی علیّا و سلمان و أبا ذر و فی مطلع کتابه ما هذه صورته: فهذه نسخه کتاب سلیم بن قیس الهلالی رفعه إلى أبان بن أبی عیّاش و قرأه علیّ علیه السّلام و ذکر أبان أنّه قرأ على علیّ بن الحسین علیه السّلام فقال صدق سلیم هذا حدیثنا نعرفه، قال سلیم: سمعت سلمان الفارسی أنّه قال: فلما أن قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و صنع النّاس ما صنعوا جالهم ابو بکر و عمر و أبو عبیده بن الجرّاح و خاصموا الأنصار بحجّه علیّ علیه السّلام فخصموهم فقالوا یا معاشر الأنصار قریش أحقّ بالأمر منکم، لأنّ رسول اللّه من قریش، و المهاجرون خیر منکم لأنّ اللّه سبحانه بدء بهم فی کتابه و فضلهم، و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: الأئمه من قریش.

قال سلمان: فأتیت و هو یغسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد کان أوصى علیّا أن لا یلی غسله إلّا هو، فقال: یا رسول اللّه و من یعیننی علیک فقال: جبرئیل علیه السّلام، و کان علیّ علیه السّلام لا یرید عضوا إلّا انقلب له، فلما غسّله و کفّنه أدخلنی و أدخل أبا ذر و المقداد و فاطمه و الحسن و الحسین علیهم السلام، فتقدّم علی علیه السّلام وصفنا خلفه و صلّى علیه و عایشه فی الحجره لا تعلم، ثمّ ادخل عشره من المهاجرین و عشره من الأنصار یدخلون فیدعون ثمّ یخرجون «فیصلّون و یخرجون خ» حتّى لم یبق أحد من المهاجرین و الأنصار إلّا صلّى علیه.

قال سلمان: فأتیت علیّا و هو یغسل «قلت لعلیّ علیه السّلام حین یغسل خ» رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأخبرته بما صنع النّاس فقلت: إنّ أبا بکر السّاعه قد رقى منبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لم یرضوا أن یبایعوه بید واحده و أنّهم لیبایعونه بیدیه جمیعا بیمینه و شماله، فقال علیه السّلام: یا سلمان و هل تدری أوّل من بایعه على منبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقلت: لا إلّا أنّى رأیت «رأیته خ» فی ظلّه بنی ساعده حین خصمت الأنصار فکان «و کان خ» أوّل من بایعه المغیره بن شعبه، ثمّ بشیر بن سعد، ثمّ أبو عبیده بن الجرّاح ثمّ عمر بن الخطاب، ثمّ سالم مولى أبی حذیفه، و معاذ بن جبل، قال: لست أسألک عن هؤلاء و لکن هل تدرى أوّل من بایعه حین صعد المنبر قال «قلت خ»: لا و لکن رأیت شیخا کبیرا متوکیّا على عصا بین عینیه سجّاده شدید التشمیر صعد المنبر «أول من صعد خ» و هو یبکى و «هو خ» یقول: الحمد للّه الذی لم یمتنی حتّى رأیتک فی هذا المکان ابسط یدک، فبسط یده فبایعه، ثمّ نزل فخرج من المسجد.

فقال علیّ علیه السّلام: و هل تدری یا سلمان من هو قلت: و قد سائتنی مقالته کأنّه شامت بموت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، قال علی علیه السّلام: فانّ ذلک إبلیس لعنه الله علیه «اخبرنى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم خ» انّ إبلیس و أصحابه شهدوا نصب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إیّاى بغدیر خمّ لمّا أمره اللّه تعالى و أخبرهم أنّی أوّلى بهم من أنفسهم و أمرهم أن یبلغ الشّاهد الغائب، فأقبل إلى إبلیس أبا لسته و مرده أصحابه، فقالوا: هذه الامه مرحومه معصومه لا لک و لا لنا علیهم سبیل قد اعلموا مقرّهم و إمامهم «علموا امامهم و مصرعهم خ» بعد نبیّهم فانطلق ابلیس آیسا حزینا.

قال فأخبرنی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بعد ذلک«» و قال تبایع النّاس ابا بکر فی ظله بنی ساعده حتّى ما یخاصمهم«» بحقّنا و حجّتنا، ثمّ یأتون المسجد فیکون‏ أوّل من یبایعه على منبری إبلیس فی صوره شیخ کبیر مستبشر یقول له: کذا و کذا ثمّ یخرج فیجمع أصحابه و شیاطینه و أبا لسته فیخرّون سجدا فینخر و یکسع، ثم یقول: کلّا زعمتم أن لیس لی علیهم سلطان و لا سبیل فکیف رأیتمونی صنعت بهم حتّى ترکوا ما أمرهم اللّه به من طاعته و أمرهم به رسول اللّه و ذلک قول اللّه تعالى: «وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَیْهِمْ إِبْلِیسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِیقاً مِنَ الْمُؤْمِنِینَ» قال سلمان: فلمّا کان اللیل حمل فاطمه على حمار و أخذ بید الحسن و الحسین علیهما السّلام فلم یدع أحدا من أهل بدر من المهاجرین و لا من الأنصار إلّا أتاه فی منزله و ذکره حقّه و دعاه إلى نصرته فما استجاب له إلّا أربعه و أربعون رجلا فأمرهم أن یصبحوا محلقین رؤوسهم و معهم سلاحهم على أن یبایعوه على الموت و أصبحوا لم یوافقه منهم إلّا أربعه، فقلت لسلمان: من الاربعه قال: أنا و أبو ذر و المقداد و الزّبیر بن العوام، ثمّ عاودهم لیلا یناشدهم، فقالوا: نصحبک بکره فما أتاه منهم أحد غیرنا فلمّا رأى علیّ علیهم السّلام غدرهم و قلّه وفائهم لزم بیته و أقبل على القرآن یؤلفه و یجمعه، فلم یخرج من بیته حتّى جمعه و کان المصحف فی القرطاس و الاسیار«» و الرّقاع.

فلما جمع کلّه و کتبه على تنزیله و النّاسخ و المنسوخ و بعث إلیه أبو بکر أن اخرج فبایع فبعث إلیه علیّ علیه السّلام إنّی مشغول، و لقد آلیت على نفسی یمینا أن لا ارتدی برداء إلّا للصّلاه حتّى اؤلف القرآن و أجمعه، فجمعه فی ثوب واحد و ختمه ثمّ خرج إلى النّاس و هم مجتمعون مع أبی بکر فی مسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فنادى بأعلى صوته: یا أیّها النّاس إنّی لم أزل منذ قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مشغولا بغسله، ثمّ بالقرآن حتّى جمعته کلّه فی هذا الثّوب الواحد فلم ینزل اللّه على رسوله آیه إلّا و قد جمعتها، و لیست منه آیه إلّا و قد أقرئنی «أقرئنیها خ» إیاها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و علّمنی تأویلها.

«ثمّ قال علیّ علیه السّلام لئلا تقولوا غدا إنا کنا عن هذا غافلین خ» ثمّ قال علیّ علیه السّلام لا تقولوا یوم القیامه إنّی لم أدعکم إلى نصرتی و لم أذکرکم حقی، «ثمّ قال علیّ علیه السّلام لئلا تقولوا غدا إنا کنا عن هذا غافلین خ» ثمّ قال علیّ علیه السّلام لا تقولوا یوم القیامه إنّی لم أدعکم إلى نصرتی و لم أذکرکم حقی، فأدعوکم إلى کتاب اللّه من فاتحته إلى خاتمته، فقال عمر: ما أغنانا بما معنا من القرآن عمّا تدعونا إلیه، ثمّ دخل علیّ علیه السّلام بیته، فقال عمر لأبی بکر: أرسل إلى علیّ فلسنا فی شی‏ء حتّى یبایع و لو قد بایع آمنّا، فأرسل إلیه أبو بکر أجب خلیفه رسول اللّه، فأتاه الرّسول فقال له ذلک، فقال له علی علیه السّلام: ما أسرع ما کذبتم على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّه لیعلم و یعلم الذین حوله أنّ اللّه و رسوله لم یستخلف غیری، فذهب الرّسول فأخبره بما قال له، فقال: اذهب فقل له أجب أمیر المؤمنین أبا بکر، فأتاه فأخبره بذلک، فقال له علیّ علیه السّلام: سبحان اللّه و اللّه ما طال العهد فینسى، و اللّه إنّه لیعلم أنّ هذا الاسم لا یصلح إلّا لی و قد أمره رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو سابع سبعه فسلّموا علیه «علی خ» بامره المؤمنین فاستفهمه هو و صاحبه من بین السّبعه، و قالا: أحقّ من اللّه و رسوله قال رسول اللّه: نعم حقّا حقّا من اللّه و من رسوله إنّه أمیر المؤمنین و سیّد المسلمین و صاحب لواء «الغر خ» المحجّلین یقعده اللّه عزّ و جلّ یوم القیامه على الصّراط فیدخل أولیائه الجنّه و أعدائه النّار، فانطلق الرّسول فأخبره بما قال فسکتوا عنه یومهم ذلک.

فلمّا کان اللیل حمل علیّ فاطمه و أخذ بید ابنیه الحسن و الحسین علیهم السّلام فلم یدع أحدا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلّا أتاه فی منزله فناشدهم اللّه حقه و دعاهم إلى نصرته، فما استجاب له منهم أحد غیر الأربعه فانّا حلقنا رؤوسنا و بذلنا نصرتنا و کان الزّبیر أشدّ نصره فلما رأى علیّ علیه السّلام خذلان النّاس له و ترکهم نصرته و اجتماع کلمتهم مع أبی بکر و تعظیمهم له لزم بیته.

و قال عمر لأبی بکر: ما یمنعک أن تبعث إلیه فیبایع فإنّه لم یبق أحد إلّا و قد بایع غیره و غیر هؤلاء الأربعه، و کان أبو بکر أرقّ الرّجلین و أرفقهما و أدهاهما و أبعدهما غورا، و الآخر أفظّهما و أجفاهما، فقال له أبو بکر: من ترسل إلیه فقال عمر: نرسل إلیه قنفذا و کان رجلا فظّا غلیظا جافا من الطلقاء أحد بنی عدیّ بن کعب، فأرسله إلیه و أرسله معه أعوانا فانطلق فاستأذن على علیّ علیه السّلام، فأبى أن یأذن لهم فرجع أصحاب قنفذ إلى أبی بکر و عمروهما فی المسجد و النّاس حولهما، فقالوا: لم یؤذن لنا، فقال عمر: اذهبوا فان أذن لکم و إلّا فادخلوا علیه من غیر إذن، فانطلقوا فاستاذنوا فقالت فاطمه علیها السّلام أحرّج«» علیکم أن تدخلوا على بیتی بغیر اذنی فرجعوا فثبت القنفذ الملعون، فقالوا: إنّ فاطمه قالت لنا کذا و کذا فحرّجتنا أن ندخل بیتها من غیر اذن، فغضب عمر فقال: ما لنا و للنّسآء.

ثمّ أمر أناسا حوله یحملون حطبا فحملوا الحطب و حمار عمر معهم فجعلوه حول بیت علیّ علیه السّلام و فیه علیّ و فاطمه و ابناهما صلوات اللّه علیهم، ثمّ نادى عمر حتّى أسمع علیّا و فاطمه: و اللّه لتخرجنّ یا علیّ و لتبایعنّ خلیفه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و إلّا أضرمت علیک بیتک ارا، ثمّ رجع قنفذ إلى أبی بکر و هو متخوّف أن یخرج علیّ إلیه بسیفه لما یعرف من بأسه و شدّته، فقال أبو بکر لقنفذ: ارجع فان خرج و إلّا فاهجم «فاقتحم خ» علیه بیته، فإن امتنع فاضرم علیهم بیتهم نارا.

فانطلق القنفذ الملعون فاقتحم هو و أصحابه بغیر اذن و سار «ثارخ» علیّ علیه السّلام إلى سیفه و سبقوه إلیه و هم کثیرون فتناول بعضهم سیفه و کاثروه«» فألقوا فی عنقه حبلا و حالت بینهم و بینه فاطمه علیهما السلام عند باب البیت فضربها قنفذ لعنه اللّه بسوط کان معه فماتت صلوات اللّه علیها و أنّ فی عضدها مثل الدمالیج «الدملج خ»«» من ضربته ثمّ انطلق به یعتل«» عتلا حتّى انتهى إلى أبی بکر، و عمر قائم بالسّیف على رأسه و خالد بن الولید و أبو عبیده بن الجرّاح و سالم مولى أبى حذیفه و معاذ بن جبل‏ و المغیره بن شعبه و اسید بن حصین و بشیر بن سعد و سایر النّاس حول أبى بکر علیهم السلاح.

قال: قلت لسلمان: أدخلوا على فاطمه بغیر إذن قال: ای و اللّه ما علیها خمار فنادت وا أبتاه و الرسول اللّه یا أبتاه لبئس ما خلفک أبو بکر و عمر و عیناک لم تنفقیا فی قبرک تنادى بأعلى صوتها، فلقد رأیت أبا بکر و من حوله یبکون و ینتحبون و ما فیهم إلّا باک غیر عمر و خالد بن الولید و المغیره بن شعبه و عمر یقول: إنّا لسنا من النّسآء و رأیهنّ فی شی‏ء.

قال فانتهوا به إلى أبی بکر و هو یقول: أما و اللّه لو وقع سیفی فی یدی لعلمتم أنکم لن تصلوا إلى هذا أبدا و اللّه لم ألم نفسی فی جهادکم لو کنت استمکنت من الأربعین لفرقت جماعتکم و لکن لعن اللّه أقواما بایعونی ثمّ خذلونی و قد کان قنفذ لعنه اللّه حین ضرب فاطمه بالسّوط حین حالت بینه و بین زوجها أرسل إلیه عمر إن حالت بینک و بینه فاطمه فاضربها، فاجأها قنفذ لعنه اللّه إلى عضاده باب بیتها و دفعها فکسر لها ضلعا من جنبها و ألقت جنینا من بطنها، فلم تزل صاحبه فراش حتّى ماتت صلوات اللّه علیها من ذلک شهیده.

قال: فلما انتهى بعلیّ إلى أبی بکر انتهره عمر و قال له: بایع، فقال له علیّ علیه السّلام إن أنا لم ابایع فما أنتم صانعون قالوا نقتلک ذلا و صغارا، فقال: إذا تقتلون عبد اللّه و أخا رسول اللّه، فقال أبو بکر: أمّا عبد اللّه فنعم، و أمّا أخو رسول اللّه فما نعرفک «نقر لک خ» بهذا، قال علیه السّلام: أتجحد أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم آخا بینی و بینه قال: نعم، فأعاد ذلک علیه ثلاث مرات.

ثمّ أقبل علیهم علیّ علیه السّلام، فقال: یا معاشر المسلمین و المهاجرین و الأنصار انشدکم اللّه أسمعتم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول یوم غدیر خمّ: کذا و کذا و فی غزوه تبوک کذا و کذا فلم یدع شیئا قال «قاله فیه خ» له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علانیه للعامه إلّا ذکرهم إیّاه «إیاها خ» قالوا: اللّهمّ نعم: فلمّا أن تخوف أن ینصره النّاس و أن یمنعوه منه بادرهم، فقال له: کلما قلت حقّ قد سمعناه بآذاننا و عرفناه و وعته قلوبنا و لکن سمعت‏ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول بعد هذا: إنّا اهل بیت اصطفانا اللّه تعالى و اختار لنا الآخره على الدّنیا فانّ اللّه لم یکن لیجمع لنا أهل البیت النّبوه و الخلافه، فقال علیّ علیه السّلام: هل أحد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم شهد هذا معک فقال عمر: صدق خلیفه رسول اللّه قد سمعته منه کما قال.

قال: و قال أبو عبیده و سالم مولى أبى حذیفه و معاذ بن جبل: قد سمعنا من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال علی علیه السّلام لقد وفیتم بصحیفتکم الملعونه التی تعاهدتم «قد تعاقدتم خ» علیها فی الکعبه إن قتل اللّه محمّدا أو مات لتزوون«» هذا الأمر عنّا أهل البیت، فقال أبو بکر: فما علمک بذلک اطلعناک علیها، فقال علیّ علیه السّلام یا زبیر و أنت یا سلمان و أنت یا أبا ذر و أنت یا مقداد أسألکم باللّه و بالاسلام أسمعتم رسول اللّه یقول ذلک و أنتم تسمعون إنّ فلانا و فلانا حتّى عدّ هؤلاء الاربعه «الخمسه» قد کتبوا بینهم کتابا و تعاهدوا فیه و تعاقدوا ایمانا على ما أنت قتلت أو متّ أن یتظاهروا علیک و أن یزووا عنک هذا الأمر یا علیّ فقلت: بأبی أنت یا رسول اللّه فما تأمرنی إذا کان ذلک، فقال إن وجدت علیهم أعوانا فجاهدهم و نابذهم، و إن لم تجد أعوانا فبایع و احقن دمک.

فقال علیه السّلام: أما و الله لو أنّ اولئک الأربعین رجلا الذین بایعونی و فوالی لجاهدتکم فی الله، فقال عمر: أما و اللّه لا ینالها أحد من أعقابکم إلى یوم القیامه ثمّ نادى علی علیه السّلام قبل أن یبایع و الحبل فی عنقه: «ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِی وَ کادُوا یَقْتُلُونَنِی» ثمّ تناول ید أبی بکر فبایع، و قیل للزّبیر: بایع فأبى فوثب إلیه عمر و خالد بن الولید و المغیره بن شعبه و اناس معهم فانتزعوا سیفه فضربوا به الأرض حتّى کسروه ثم لبّبوه«» فقال الزّبیر و عمر على صدره: یابن صهّاک أما و الله لو أنّ سیفی فی یدی لحدت«»عنّی ثمّ بایع.

قال سلمان ثمّ أخذونی فوجئوا عنقی حتّى ترکوه کالسّلعه ثمّ أخذ و ایدى فبایعت مکرها، ثمّ بایع أبو ذر و المقداد مکرهین و ما من أحد بایع مکرها غیر علیّ و أربعتنا و لم یکن أحد منّا أشدّ قولا من الزّبیر، فانّه لما بایع قال: یابن صهّاک أما و الله لو لا هؤلاء الطغاه الذین اعانوک لما کانت تقدم علىّ و معی سیفی لما اعرف من جنبک و لو مک، و لکن وجدت طغاه تقوى بهم و تصول بهم، فغضب عمر فقال: أتذکر صهّاک فقال: و من صهّاک و من «ما خ» یمنعنی من ذکرها و قد کانت صهّاک زانیه و تنکر ذلک أو لیس کانت أمه لجدّی عبد المطلب فزنى بها جدّک نفیل فولدت أباک الخطاب فوهبها عبد المطلب لجدّک بعد ما ولدته و أنّه لعبد جدی ولد زنا، فأصلح ابو بکر بینهما و کفّ کلّ واحد منهما عن صاحبه.

قال سلیم: فقلت لسلمان: فبایعت أبا بکر و لم تقل شیئا قال: بلى قد قلت بعد ما بایعت: تبّالکم سایر الدّهر لو تدرون ما صنعتم بأنفسکم أصبتم و أخطأتم أصبتم سنّه الأولین «من کان قبلکم من الفرقه و الاختلاف خ» و أخطأتم سنّه نبیّکم حین أخرجتموها من معدنها و أهلها فقال عمر: أمّا إذا قد بایعت یا سلمان فقل ما شئت و افعل ما بدا لک و لیقل صاحبک ما بدا له، قال سلمان: قلت إنّی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: إنّ علیک و على صاحبک الذی بایعته مثل ذنوب امته إلى یوم القیامه و مثل عذابهم جمیعا، فقال عمر قل ما شئت ألیس قد بایعت و لم یقر اللّه عینک بأن یلبسها صاحبک، فقلت اشهد أنّی قرأت فی بعض کتب اللّه إنّک باسمک و صفتک باب من أبواب جهنم، فقال: قل ما شئت ألیس قد أزالها اللّه عن أهل البیت الذین اتّخذتموهم أربابا فقلت: إنّی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول و قد سألته عن هذه الآیه: «فَیَوْمَئِذٍ لا یُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَ لا یُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ» فأخبرنی بأنّک أنت هو، فقال لی: عمره اسکت أسکت اللّه نأمتک«» أیّها العبد ابن‏ اللّخناء، فقال لی علیّ علیه السّلام: اسکت یا سلمان فو اللّه لو لم یأمرنی علیّ بالسّکوت لخبرته بکلّ شی‏ء نزل فیه و کلّ شی‏ء سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیه و فی صاحبه، فلمّا رآنی عمر قد سکّت قال لی: إنّک له لمطیع مسلّم فلمّا أن بایع أبو ذر و المقداد و لم یقولا شیئا قال عمر: ألا کففت کما کفّ صاحباک و اللّه ما أنت أشدّ حبّا بأهل هذا البیت منهما و لا أشدّ تعظیما لحقّهم منهما و قد کفّا کما ترى و قد بایعا.

فقال أبو ذر: أفتعیّرنا یا عمر بحبّ آل محمّد علیهم السّلام و تعظیمهم و قد فعل من أبغضهم و افترى علیهم و ظلمهم حقّهم و حمل النّاس على رقابهم و ردّ هذه الامه القهقرى على أدبارهم، فقال عمر: آمین لعن اللّه من ظلمهم حقّهم لا و اللّه ما لهم فیها من حقّ و ما هم فیها و عرض النّاس إلّا سواء، قال: لم خاصمت الأنصار بحقّها فقال علیّ علیه السّلام لعمر: یابن صهاک فلیس لنا فیها حقّ و هی لک و لابن آکله الذّبان، فقال عمر کفّ یا أبا الحسن إذ قد بایعت: فانّ العامه رضوا بصاحبی و لم یرضوا بک فما ذنبی، فقال علی علیه السّلام: لکن اللّه و رسوله لم یرضیا إلّا بی فابشر أنت و صاحبک و من اتّبعکما و وازر کما بسخط اللّه و عذابه و خزیه و یلک یابن الخطاب لو ترى ما ذا جنیت على نفسک و على صاحبک فقال أبو بکر یا عمر أما إذا بایع و امنّا شرّه و فتکه و غائلته فدعه یقول ما شاء.

فقال علیّ علیه السّلام: لست قائلا غیر شی‏ء واحد اذکرکم باللّه أیّها الأربعه قال لسلمان و الزّبیر و أبی ذر و المقداد، أسمعتم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: إن تابوتا من نار فیه اثنى عشر ستّه من الأولین و ستّه من الآخرین فی قعر جهنّم فی جبّ فی تابوت مقفّل على ذلک الجبّ صخره فاذا أراد اللّه أن یسعر جهنّم کشفت تلک الصّخره عن ذلک الجبّ فاسعرت جهنّم من وهج ذلک الجبّ و من حرّه، قال علیّ علیه السّلام فسألت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أنتم شهود، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: أمّا الأوّلون فابن آدم الذی قتل أخاه، و فرعون ذو الفراعنه، و الذی حاجّ ابراهیم فی ربّه، و رجلان من بنی اسرائیل بدّلا کتابهم و غیّر اسنّتهم، أما أحدهما فهوّد الیهود و الآخر نصّر النصارى، و عاقر النّاقه، و قاتل یحیى بن زکرّیا، و الدّجال فی الآخرین و هؤلاء الأربعه أصحاب الکتاب«» و جبتهم و طاغوتهم الذی تعاهدوا علیه و تعاقدوا على عداوتک یا أخى و یتظاهرون علیک هذا و هذا حتّى عدّهم و سمّاهم.

قال: فقلنا: صدقت نشهد أنّه قد سمعنا ذلک من رسول اللّه، فقال عثمان: یا أبا الحسن أما عندک فیّ حدیث فقال علیّ علیه السّلام: بلى لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یلعنک ثمّ لم یستغفر لک بعد «منذ خ» لعنک، فغضب عثمان ثمّ قال: مالی و مالک لا تدعنی على حال کنت على عهد النّبی صلّى اللّه علیه و آله و لا بعده، فقال له علیّ علیه السّلام: فارغم أنفک ثم قال له عثمان لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول إنّ الزّبیر یقتل مرتدا.

قال سلمان: فقال لی علی علیه السّلام فیما بینی و بینه: صدق عثمان، و ذلک انه یبایعنی بعد قتل عثمان ثم ینکث بیعتی فیقتل مرتدا. قال سلمان: فقال علیّ علیه السّلام إنّ الناس کلّهم ارتد و ابعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله غیر أربعه، إنّ النّاس صاروا بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بمنزله هارون و من تبعه و منزله العجل و من تبعه فعلی علیه السّلام فی شبه هارون، و عتیق«» فی شبه العجل، و عمر فی شبه السّامری. و سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: لیجی‏ء قوم من أصحابی من أهل العلیه و المکانه منّی لیمرّوا على الصّراط فاذا رأیتهم و رأونی و عرفتهم و عرفونی اختلجوا دونی فأقول یا ربّ أصحابی أصحابی فیقال: لا تدری ما أحدثوا بعدک إنّهم ارتدّوا على أدبارهم حیث فارقتهم، فأقول بعدا و سحقا.

و سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: لترکبنّ أمّتی سنّه بنی إسرائیل حذو النعل بالنّعل و القذّه بالقذّه شبرا بشبر باعا بباع و ذراعا بذراع حتّى لو دخلوا جحرا لدخلوا فیه معهم و انّه کتب التّوراه و القرآن ملک واحد فی رقّ واحد و جرت الأمثال و السّنن.

أقول: هذه الرّوایه رواها الطبرسیّ أیضا فی الاحتجاج و المحدّث المجلسی (ره) فی المجلّد الثامن من بحار الانوار بنقصان فی الأوّل و زیاده فی الثّانی و تغییر یسیر فی غیر الزّاید و النّاقص، و کانت نسخه غایه المرام التی عندنا غیر خالیه من الغلط و التّحریف یسیرا فی متن الرّوایه فاصلحناها من نسختى الاحتجاج و البحار بما رأیناه أصلح و أنسب، فلو وجدت فیما رویناه شیئا غیر مطابق لما فی الاصل«» فسرّه ما ذکرناه و لا تحملنّه على التقصیر فی الضّبط و النّقل و اللّه الهادی.

و فی البحار من رجال الکشى عن علیّ بن الحکم عن ابن عمیره عن أبی بکر الحضرمی قال: قال أبو جعفر علیه السّلام: ارتدّ النّاس إلّا ثلاثه نفر: سلمان و أبو ذر و المقداد، قال: قلت: فعمار، قال قد کان حاص«» حیصه ثم رجع، ثم قال: إن أردت الذی لم یشکّ و لم یدخله شکّ فالمقداد، فأمّا سلمان فانّه عرض فی قلبه عارض إنّ عند أمیر المؤمنین علیه السّلام اسم اللّه الأعظم لو تکلّم به لأخذتهم الأرض و هو هکذا فلبّب و وجیت حتّى ترکت کالسّلعه، فمرّ به أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال له، یا أبا عبد اللّه هذا من ذلک بایع فبایع، و أمّا أبو ذر فأمره أمیر المؤمنین علیه السّلام بالسکوت و لم یکن یأخذه فی اللّه لومه لائم فأبى إلّا أن یتکلّم فمرّ به عثمان فأمر به، ثم أناب النّاس بعد و کان أوّل من أناب أبو ساسان الأنصاری و أبو عمره و شتیره و کان نواظره سبعه فلم یکن یعرف حقّ أمیر المؤمنین علیه السّلام إلّا هؤلاء السّبعه.

أقول: أبو ساسان اسمه الحصین بن المنذر بالحاء المهمله المضمومه و الصّاد المهمله، و أبو عمره من الأنصار أیضا اسمه ثعلبه بن عمرو، و شتیره یقال له سمیر أیضا صاحب رایه علیّ علیه السّلام بصفین و قتل هناک مع اخوته قاله فی الخلاصه.

و من کتاب الاختصاص للمفید باسناده عن عمرو بن ثابت قال: سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول: إنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لمّا قبض ارتدّ النّاس على أعقابهم کفّارا إلّا ثلاثه: سلمان و المقداد و أبو ذر الغفاری انّه لمّا قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم جاء أربعون رجلا إلى علیّ بن أبی طالب علیه السّلام فقالوا: لا و اللّه لا نعطی أحدا طاعه بعدک أبدا، قال: و لم قالوا: سمعنا من رسول اللّه فیک یوم غدیر، قال: و تفعلون قالوا: نعم، قال فأتونی‏ غدا محلّقین، قال: فما أتاه إلّا هؤلاء الثلاثه، قال: و جاءه عمّار بن یاسر بعد الظهر فضرب یده على صدره ثم قال: ما آن لک أن تستیقظ من نومه الغفله، ارجعوا فلا حاجه لی فیکم أنتم لم تطیعونی فی حلق الرّؤوس فکیف تطیعونى فی قتال جبال الحدید، ارجعوا فلا حاجه لی فیکم.

و فی الاحتجاج عن الباقر علیه السّلام انّ عمر بن الخطاب قال لأبی بکر: اکتب الى اسامه ابن زید یقدم علیک فان فی قدومه قطع الشّنعه، فکتب أبو بکر الیه: من أبی بکر خلیفه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى اسامه بن زید، أمّا بعد، فانظر إذا أتاک کتابی فأقبل إلیّ أنت و من معک فانّ المسلمین قد اجتمعوا علیّ و ولونی أمرهم، فلا نتخلّفن فتعصنی و یأتیک منی ما تکره و السّلام.

قال فکتب إلیه اسامه جواب کتابه: من اسامه بن زید عامل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على غزوه الشّام الى أبى بکر بن أبی قحافه، أمّا بعد فقد أتانی منک کتاب ینقض أوّله آخره، ذکرت فی أوّله أنک خلیفه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و ذکرت فی آخره أنّ المسلمین قد اجتمعوا علیک فولوک أمرهم و رضوا بک، فاعلم أنّی و من معی من جماعه المسلمین فلا و اللّه ما رضینا بک و لا ولیناک أمرنا، و انظر أن تدفع الحقّ إلى أهله و تخلّیهم و إیّاه فانّهم أحقّ به منک فقد علمت ما کان من قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی علیّ علیه السّلام یوم الغدیر، فما طال العهد فتنسى فانظر مرکزک و لا تخالف فتعصی اللّه، و رسوله و تعصی من استخلفه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علیک و على صاحبک، و لم یعزلنی حتّى قبض رسول اللّه و انّک و صاحبک رجعتما و عصیتما فأقمتما فی المدینه بغیر اذنی.

قال: فأراد «فهمّ خ» أبو بکر أن یخلعها من عنقه قال: فقال له عمر: لا تفعل قمیص قمّصک اللّه لا تخلعه فتندم و لکن ألحّ علیه بالکتب و مر فلانا و فلانا یکتبون الى اسامه أن لا یفرّق جماعه المسلمین و أن یدخل معهم فیما صنعوا، قال: فکتب الیه أبو بکر و کتب إلیه ناس من المنافقین: أن ارض بما اجتمعنا علیه و إیّاک أن تشمل المسلمین فتنته فانّهم حدیث عهد بالکفر، قال: فلمّا وردت الکتب على اسامه انصرف بمن معه‏ حتّى دخل المدینه، فلما رأى اجتماع الخلق على أبی بکر انطلق إلى علیّ بن أبی طالب علیه السّلام فقال له: ما هذا قال له علیّ علیه السّلام: هذا ما ذا ترى، قال له اسامه: فهل بایعته فقال: نعم یا اسامه، فقال: أ طائعا أو کارها قال: لا بل کارها، قال: فانطلق اسامه فدخل على أبی بکر و قال له: السّلام علیک یا خلیفه المسلمین، قال: فردّ علیه أبو بکر، و قال: السّلام علیک أیّها الأمیر هذا.

و یأتی بعض أخبار هذا الباب من طرق الخاصّه کسایر الأخبار العامه إنشاء اللّه عند شرح الخطب الآتیه و اللّه المستعان و علیه التکلان.

المقدمه الرابعه فی الاشاره الى بعض طرق الخطبه و رفع الاختلاف بینها

فأقول: اعلم أنّ المستفاد من مضمون هذه الخطبه الشریفه کما هو المستفاد من بعض طرقها الآتیه أیضا أنّه علیه السّلام خطب بها فی أواخر عمره الشریف و ذلک بعد ما انقضى أیّام خلافه المتخلّفین الثلاثه و بعد ما ابتلى به من قتال النّاکثین و القاسطین و المارقین و هذا ممّا لا خفاء فیه، و أمّا المقام الذی خطب علیه السّلام بها فیه فقد اختلفت فیه الرّوایات.

منها ما هی ساکته عن تعیین المکان، مثل ما رواه العلامه الحلّی طاب ثراه فی کتاب کشف الحقّ و نهج الصّدق عن الحسن بن عبد اللّه بن عبد بن مسعود العسکری من أهل السّنه فی کتاب معانی الأخبار باسناده إلى ابن عباس قال: ذکرت الخلافه عند أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال: و اللّه لقد تقمّصها أخویتم و أنّه یعلم إلى آخر ما ذکره الرّضیّ بتغییر یسیر.

و مثلها ما رواه المحدّث المجلسی فی المجلد الثامن من البحار من معانی الأخبار و علل الشّرایع للصّدوق عن ما جیلویه عن عمّه عن البرقی عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن أبان بن عثمان عن أبان بن تغلب عن عکرمه عن ابن عبّاس قال: ذکرت الخلافه عند أمیر المؤمنین علیّ بن أبی طالب علیه السّلام فقال: و اللّه لقد تقمّصها أخو تیم اه، و من الکتابین أیضا عن الطالقانی عن الجلودی عن أحمد بن عمّار بن خالد عن یحیى بن عبد الحمید الحمانی عن عیسی بن راشد عن علیّ بن حذیفه عن عکرمه عن ابن عبّاس مثله، و من أمالى الشّیخ عن الحفّار عن أبی القاسم الدّعبلی عن أبیه عن أخى دعبل عن محمّد بن سلامه الشّامی عن زراره عن أبی جعفر الباقر عن أبیه عن جدّه علیهم السّلام، و الباقر، عن ابن عبّاس قال: ذکرت الخلافه عند أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال: و اللّه لقد تقمّصها ابن أبی قحافه، و ذکر نحوه بأدنى تغییر.

و منها ما هی داله على أنّه علیه السّلام خطب بها فی منبر مسجد الکوفه و هو ما رواه المحدّث المجلسی طاب ثراه فی المجلد الرّابع عشر من البحار من بعض مؤلفات القدماء عن القاضی أبی الحسن الطبری عن سعید بن یونس المقدسى عن المبارک عن خالص بن أبى سعید عن وهب الجمال عن عبد المنعم بن سلمه عن وهب الرائدی عن یونس بن میسره عن الشّیخ المعتمر الرّقى رفعه إلى أبى جعفر میثم التمار، قال. کنت بین یدی مولاى أمیر المؤمنین علیه السّلام إذ دخل غلام و جلس فی وسط المسلمین، فلما فرغ علیه السّلام من الأحکام نهض إلیه الغلام، و قال یا أبا تراب: أنا إلیک رسول جئتک برساله تزعزع لها الجبال من رجل حفظ کتاب اللّه من أوله إلى آخره و علم علم القضایا و الأحکام و هو أبلغ منک فی الکلام و أحقّ منک بهذا المقام، فاستعدّ للجواب و لا تزخرف«» المقال، فلاح الغضب فی وجه أمیر المؤمنین علیه السّلام، و قال لعمار: ارکب جملک و طف فی قبائل الکوفه و قل لهم أجیبوا علیّا لیعرفوا الحقّ من الباطل و الحلال و الحرام و الصّحه و السّقم، فرکب عمّار فما کان إلّا هنیئه حتّى رأیت العرب کما قال اللّه تعالى: «إِنْ کانَتْ إِلَّا صَیْحَهً واحِدَهً… فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى‏ رَبِّهِمْ یَنْسِلُونَ» فضاق جامع الکوفه و تکاثف النّاس تکاثف الجراد على الزّرع الغضّ«»

فی أوانه، فنهض العالم الأردع«» و البطل الأنزع و رقى فی المنبر و راقى ثم تنحنح فسکت جمیع من فی الجامع، فقال علیه السّلام: رحم اللّه من سمع فوعى، أیّها النّاس یزعم أنّه أمیر المؤمنین و اللّه لا یکون الامام إماما حتّى یحیی الموتى أو ینزل من السّمآء مطرا أو یأتی بما یشاکل ذلک ممّا یعجز عنه غیره و فیکم من یعلم أنّى الآیه الباقیه و الکلمه التامّه و الحجّه البالغه و لقد أرسل إلىّ معاویه جاهلا من جاهلیّه العرب عجرف«» فى مقاله و أنتم تعلمون لو شئت لطحنت عظامه طحنا، و نسفت«» الأرض من تحته نسفا، و خسفتها علیه خسفا إلّا أنّ احتمال الجاهل صدقه.

ثمّ حمد اللّه و أثنى علیه و صلّى على النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أشار بیده إلى الجوّ فدمدم«»، و أقبلت غمامه و علت سحابه و سمعنا منها إذا یقول: السّلام علیک یا أمیر المؤمنین و یا سیّد الوصیّین و یا إمام المتّقین و یا غیاث المستغیثین و یا کنز المساکین و معدن الرّاغبین، و أشار إلى السّحابه فدنت، قال میثم: فرأیت الناس کلّهم قد أخذتهم السّکره، فرفع رجله و رکب السّحابه، و قال لعمّار: ارکب معی و قل، بسم اللّه مجریها و مرسیها، فرکب عمّار و غابا عن أعیننا، فلما کان بعد ساعه أقبلت السّحابه حتّى أظلّت جامع الکوفه، فاذا مولاى جالس على دکه القضاء و عمّار بین یدیه و النّاس حافّون به، ثمّ قام و صعد المنبر و أخذ الخطبه المعروفه بالشّقشقیه، فلما فرغ اضطرب النّاس، و قالوا فیه أقاویل مختلفه، فمنهم من زاده اللّه ایمانا و یقینا، و منهم من زاده کفرا و طغیانا.

قال عمار: و قد طارت بنا السّحابه فی الجوّ فما کانت هنیئه حتّى أشرفنا إلى بلد کبیر حوالیه أشجار و أنهار، فنزلت بنا السّحابه و إذا نحن فی مدینه کبیره و النّاس یتکلمون بکلام غیر العربیّه فاجتمعوا علیه و لاذوا به فوعظهم و أنذرهم بمثل کلامهم، ثم قال: یا عمّار ارکب ففعلت ما امرنى فادرکنا جامع الکوفه، ثمّ‏ قال علیه السّلام لى یا عمّار، تعرف البلده التی کنت فیها قلت: اللّه اعلم و رسوله و ولیّه قال علیه السّلام: کنّا فی الجزیره السّابعه من الصّین أخطب کما رأیتنی إنّ اللّه تبارک و تعالى أرسل رسوله إلى کافّه النّاس و علیه أن یدعوهم و بهدی المؤمنین منهم إلى الصّراط المستقیم، و اشکر ما أولیتک من نعمه، و اکتم من غیر أهله فانّ اللّه تعالى ألطافا خفیّه فی خلقه لا یعلمها إلّا هو و من ارتضى من رسول.

ثمّ قالوا: أعطاک اللّه هذه القدره و أنت تستنهض الناس لقتال معاویه، فقال علیه السّلام: إنّ اللّه تعبّدهم بمجاهده الکفار و المنافقین و النّاکثین و القاسطین و المارقین، و اللّه لو شئت لمددت یدی هذه القصیره فی أرضکم هذه الطویله و ضربت بها صدر معاویه بالشّام و أخذت بها من شاربه أو قال من لحیته، فمدّ یده و ردّها و فیها شعرات کثیره، فتعجبوا من ذلک، ثمّ وصل الخبر بعد مدّه أنّ معاویه سقط من سریره فی الیوم الذی کان علیه السّلام مدّیده و غشى علیه ثمّ أفاق و افتقد من شاربه و لحیته شعرات.

و قد ذکرت الرّوایه بتمامها إذ فیها قرّه عین للشّیعه فهنیئا لهم ثمّ هنیئا بما خصّهم اللّه به من موالاه صاحب المناقب الفاخره و المعجزات القاهره.

و منها ما هی مفیده لکونه علیه السّلام خاطبا بها فی الرّحبه، مثل ما رواه الطبرسی فی الاحتجاج قال: و روى جماعه من أهل النّقل من طرق مختلفه عن ابن عبّاس قال: کنت عند أمیر المؤمنین علیه السّلام بالرّحبه فذکرت الخلافه و تقدّم من تقدّم علیه، فتنفس الصّعدآء ثم قال: أما و اللّه لقد تقمّصها و ذکر قریبا ممّا رواه الرّضیّ، و مثله ما رواه فی البحار من إرشاد المفید قال روى جماعه إلى آخر ما ذکره فی الاحتجاج إلّا أن فیه و تقدیم من تقدّم، و أم و اللّه بدل أما، و فی البحار أیضا عن الشّیخ قطب الدّین الرّاوندی قدّس سرّه فی شرحه على نهج البلاغه بهذا السّند، أخبرنی الشیخ أبو نصر الحسن بن محمّد بن إبراهیم عن الحاجب أبی الوفاء محمّد بن بدیع و الحسین ابن أحمد بن عبد الرّحمن عن الحافظ أبی بکر بن مردویه الاصفهانی عن سلیمان بن أحمد الطبرانی عن أحمد بن علیّ الابار عن إسحاق بن سعید أبی سلمه الدّمشقی عن‏خلید بن دعلج عن عطاء بن أبی رباح عن ابن عباس قال: کنا مع علیّ علیه السّلام بالرّحبه فجرى ذکر الخلافه و من تقدّم علیه فیها، فقال: أما و اللّه لقد تقمّصها فلان إلى آخر الخطبه.

هذه جمله ما عثرت علیها من طرق الخطبه و إسنادها و یمکن الجمع بین مختلفها بأن یکون علیه السّلام قد خطب بها تاره بالرّحبه و اخرى بمنبر الکوفه و اللّه العالم.

و اذا تمهّد لک هذه المقدمات فلنشرع فی شرح کلامه علیه السّلام بتوفیق من اللّه سبحانه فأقول: و شرحها فی ضمن فصول.

الفصل الاول

أما و اللّه لقد تقمّصها ابن أبی قحافه و إنّه لیعلم أنّ محلّی منها محلّ القطب من الرّحى، ینحدر منّی السّیل، و لا یرقى إلیّ الطّیر، فسدلت دونها ثوبا، و طویت عنها کشحا، و طفقت أرتای بین أن أصول بید جذّآء، أو أصبر على طخیه عمیاء، یهرم فیها الکبیر، و یشیب فیها الصّغیر، و یکدح فیها مؤمن حتّى یلقى فیها ربّه، فرأیت أنّ الصّبر على هاتا أحجى، فصبرت و فی العین قذى، و فی الحلق شجى، أرى تراثی نهبا.

اللغه

یقال قمّصه قمیصا ألبسه فتقمّص هو و (قحافه) بضمّ القاف و تخفیف الحاء و (قطب الرّحى) مثلّثه و کعنق: الحدیده التی تدور علیها الرّحى و (سدل الثّوب) یسد له أرسله و أرخاه، و (الکشح) ما بین الخاصره إلى أقصر الاضلاع، یقال فلان طوى کشحه أى أعرض مهاجرا، و (طفق) فی کذا أى شرع و أخذو (ارتأى) فی الأمر اذا فکر طلبا للرّأى الأصلح و افتعل من رویه القلب، و (الصّوله) الوثبه و الحمله، و (الید الجذّاء) بالجیم و الذّال المعجمه المقطوعه المکسوره، قال فی النّهایه فی حدیث علیّ علیه السّلام أصول بید جذاء کنّى به عن قصور أصحابه و تقاعدهم عن الغزو، فإنّ الجند للأمیر کالید و یروى بالحاء المهمله و فسّره فی موضعه بالید القصیره التی لا تمدّ إلى ما یراد، قال و کأنّها بالجیم أشبه و (الطخیه) بالضمّ، على ما فی أکثر النّسخ أو بالفتح الظلمه أو الغیم و فی القاموس الطخیه الظلمه و یثلّث و (العمیاء) تأنیث الأعمى یقال مفازه عمیاء أى لا یهتدى فیها الدّلیل، و وصف الطخیه بها إشاره إلى شدّه الظلمه، و (هرم) کفرح أى بلغ أقصى الکبر، و (الشیّب) بیاض الشّعر، و (الکدح) السّعى و کدح فی العمل کمنع سعى و عمل لنفسه خیرا و شرّا و (أحجى) أى أولى و أجدر و أحقّ من قولهم حجى بالمکان إذا أقام و ثبت ذکره فی النّهایه، و قیل: أى الیق و أقرب بالحجى و هو العقل و (القذى) ما یقع فی العین و فی الشّراب أیضا من نتن أو تراب أو وسخ و (الشجى) ما اعترض فی الحلق و نشب من عظم و نحوه و (التراث) ما یخلّفه الرّجل لورثته و التاء فیه بدل من الواو و (النهب) السّلب و الغاره و الغنیمه.

الاعراب

أما حرف تنبیه تدلّ على تحقّق ما بعدها مثل ألا و لکونها مفیده للتحقیق لا تقع الجمله بعدها الّا مصدّره بالقسم قال الشّاعر:

أما و الذى أبکى و أضحک و الذى            أمات و أحیى و الذى أمره الأمر

و الضّمیر فی تقمّصها راجع الى الخلافه المستفاده بقرینه المقام کما فی قوله تعالى: «حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» اى الشّمس او المصرّح بها کما فی سایر طرق الخطبه على ما تقدم و مثله الضّمایر الثلاثه بعدها، و جمله و انّه لیعلم اه حالیّه، و جمله ینحدر آه استینافیّه، و أو، فی قوله أو أصبر بمعنى الواو، لاقتضآء کلمه بین ذلک، لأنّ العطف بعدها لا تقع إلّا بواو الجمع یفال: جلست بین زید و عمرو و لا یقال أو عمرو، و فی بعض النّسخ و أصبر بالواو، و کلمه‏ها فی هاتا، للتنّبیه، و تا للاشاره إلى المؤنّث اشیر بها إلى الطخیه الموصوفه.

المعنى

(أما و اللّه لقد تقمّصها) أى لبس الخلافه مثل القمیص (ابن أبی قحافه) و الاشاره به إلى أبی بکر و اسمه عبد اللّه بن عثمان بن عامر بن عمرو بن کعب بن سلام ابن تیم بن مرّه، و امّه سلمى بنت صخر بن عامر بن کعب، و فی بعض الکتب أنّ اسمه فی الجاهلیّه عبد العزّى فغیره النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى عبد اللّه، قال فی القاموس: اسمه عتیق سمّته به امّه أو لقب له، و فی التعبیر عنه بهذا اللفظ دون الألقاب المادحه دلاله على الاستخفاف، کتعبیره عن الثانی فیما سیأتی بابن الخطاب.

و ما تکلّفه قاضی القضاه فی دفع دلالته علیه بأنّه قد کانت العاده فی ذلک الزّمان أن یسمّى أحدهم صاحبه و یکنیه و یضیفه إلى أبیه حتّى کانوا ربّما قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: یا محمّد، فلیس فی ذلک دلاله على الاستخفاف و لا على الوضع.

فقد أجاب عنه السیّد (ره) فى محکى الشّافى بأنّه لیس ذلک صنع من یرید التّعظیم و التبجیل، و قد کانت لأبى بکر عندهم من الألقاب الجمیله ما یقصد إلیه من یرید تعظیمه، و قوله: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کان ینادى باسمه فمعاذ اللّه ما کان ینادى باسمه إلّا شاکّ أو جاهل من طغام العرب، و قوله: إنّ ذلک عاده العرب فلا شک أنّ ذلک عادتهم فیمن لا یکون له من الألقاب أفخمها و أعظمها کالصّدیق و نحوه انتهى.

و قال المحدّث المجلسى (قده) فی ترجمه أبى بکر: اعلم أنّه لم یکن له نسب شریف و لا حسب منیف، و کان فی الاسلام خیّاطا و فی الجاهلیّه معلّم الصّبیان و نعم ما قیل:

کفى المرء نقصا أن یقال له            معلّم صبیان و ان کان فاضلا

و کان أبوه سیّئ الحال ضعیفا و کان کسبه أکثر من عمره من صید القماری و الدباسى«» لا یقدر على غیره، فلمّا عمى و عجز ابنه عن القیام به التجأ إلى عبد اللّه بن جذعان من رؤساء مکه فنصبه ینادی على مائدته کلّ یوم لاحضار الاضیاف و جعل«» له على ذلک ما یعونه من الطعام، و ذکر ذلک جماعه منهم الکلبی فی کتاب المثالب على ما أورده فی الصّراط المستقیم، و لذا قال أبو سفیان لعلیّ علیه السّلام بعد ما غضب الخلافه أرضیتم یا بنی عبد مناف أن یلی علیکم تیمیّ رذل.

و قال أبو قحافه ما رواه ابن حجر فی صواعقه حیث قال: و أخرج الحاکم أنّ أبا قحافه لما سمع بولایه ابنه، قال: هل رضى بذلک بنو عبد مناف و بنو المغیره قالوا: نعم، قال: اللهمّ لا واضع لما رفعت و لا رافع لما وضعت، و قالت فاطمه علیها السلام فی بعض کلماتها: إنّه من اعجاز قریش و أذنابها، و قال بعض الظرفاء: بل من ذوی أذنابها، و قال صاحب إلزام النّواصب: أجمع النّسابون أنّ أبا قحافه کان جرّا«» للیهود، و العجب أنّهم مع ذلک یدّعون أنّ اللّه أغنى النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بمال أبی بکر انتهى.

أقول: و ذکر الشّارح المعتزلی نظیر ما رواه ابن حجر هذا.

و فی الاحتجاج روى أن أبا قحافه کان بالطایف لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و بویع لأبی بکر، فکتب إلى أبیه کتابا عنوانه من خلیفه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى أبیه أبی قحافه أمّا بعد فانّ النّاس قد تراضوا بی فانّی الیوم خلیفه اللّه فلو قدمت علینا کان أحسن بک، قال: فلما قرء أبو قحافه الکتاب قال للرّسول: ما منعکم من علیّ علیه السّلام قال الرّسول: هو حدث السّن و قد أکثر القتل فی قریش و غیرها و أبو بکر أسنّ منه، قال أبو قحافه: إن کان الأمر فی ذلک بالسنّ فأنا أحق من أبی بکر، لقد ظلموا علیّا حقّه و قد بایع له النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أمرنا ببیعته ثمّ کتب إلیه: من ابی قحافه إلى أبی بکر أمّا بعد، فقد أتانی کتابک فوجدته کتاب أحمق ینقض بعضه بعضا، مرّه تقول: خلیفه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و مرّه تقول: خلیفه اللّه، و مرّه تقول: تراضى بی النّاس، و هو امر ملتبس فلا تدخلنّ فی أمر یصعب علیک الخروج منه غدا و یکون عقباک منه إلى النّدامه و ملامه النّفس اللوامه لدى الحساب یوم القیامه، فانّ للامور مداخل و مخارج و أنت تعرف من هو أولى بها منک، فراقب اللّه کأنّک تراه و لا تدعنّ صاحبها، فانّ ترکها الیوم أخفّ علیک و أسلم لک.

ثمّ اعلم أنّه لم یتعرّض علیه أحد بسوء النّسب لا من الخاصّه و لا من العامّه حسبما طعنوا فی أنساب أمثاله، و لعلّ سرّه ما أشار إلیه المحدّث الجزایری فی أنوار النعمانیّه: من أنّ الأئمه علیهم السّلام من نسله و ذلک، لأنّ أمّ فروه و هی أمّ الصّادق علیه السّلام بنت القاسم بن محمّد بن أبی بکر.

ثمّ إنّه علیه السّلام لمّا ذکر تلبّسه بالخلافه أراد التّنبیه على عدم استحقاقه بذلک اللّباس، و نبّه على بطلان خلافه المتقمّص بذکر مراتب کماله الدّاله على أفضلیّته المشیره إلى قبح تفضیل المفضول و العدول عن الأفضل، فقال: (و إنّه لیعلم أنّ محلّی منها) أى من الخلافه (محلّ القطب من الرّحى) شبّه علیه السّلام نفسه بالقطب و الخلافه بالرّحى و محلّه من الخلافه بمحلّ القطب من الرّحى، و الأوّل من قبیل تشبیه المحسوس بالمحسوس، و الثانی من قبیل تشبیه المعقول بالمحسوس، و الثّالث من قبیل تشبیه المعقول بالمعقول، و المقصود أنّ الأثر المطلوب من الرّحى کما لا یحصل إلّا بالقطب و لولاه لم یحصل لها ثمر قط کذلک الثمره المطلوبه من الولایه و الخلافه أعنى هدایه الأنام و تبلیغ الأحکام و نظام امور المسلمین و انتظام أمر الدّنیا و الدّین، لا تحصل إلّا بوجوده علیه السّلام فیکون الخلافه دائره مدار وجوده کما أنّ الرّحى دائره مدار القطب، ففیه إشاره إلى عدم إمکان قیام غیره مقامه و إغنائه غناه کما لا یقوم غیر القطب مقامه و لا یغنی عنه.

و بهذا المضمون صرّح علیه السّلام فی بعض کلماته الآتیه، و هو قوله فی الکلام المأه

و الثامن عشر: و إنّما أنا قطب الرّحى تدور علىّ و أنا بمکانی فاذا فارقته استحار مدارها و اضطرب ثقالها، و منه یظهر أنّ ما ذکره الشّارح المعتزلی من أنّ مراده علیه السّلام بهذا الکلام هو أنّه من الخلافه فی الصّمیم و فی وسطها و بحبوحتها کما أنّ القطب وسط دائره الرّحى مع کونه خلاف الظاهر لیس على ما ینبغی هذا.

و فی إتیان قوله: و إنّه لیعلم مؤکدا بانّ و اللام، دلاله على منتهى المبالغه فی الطعن علیه لدلالته على أنّ تقمّصه بالخلافه لم یکن ناشیا عن الجهاله و الغفله عن مرتبته علیه السّلام حتى یکون جاهلا قاصرا معذورا فیه و معفوا عنه، بل قد تقمّص بها مع علمه بأنّ مدارها علیه و انتظامها به فیکون تقمّصه بها مع وجود ذلک العلم ظلما فاحشا و غصبا بیّنا.

و یدل على علمه بذلک ما رواه فی الاحتجاج عن عامر الشّعبی عن عروه بن الزّبیر عن الزّبیر بن العوام قال: لمّا قال المنافقون: إنّ أبا بکر تقدّم علیّا و هو یقول أنا أولى بالمکان منه، قام أبو بکر خطیبا فقال: صبرا على من لیس یؤل إلى دین و لا یحتجب برعایه و لا یرعوى لولایه، أظهر الایمان ذله و أسر السّفاق غلّه«» هؤلاء عصبه الشّیطان و جمع الطغیان، یزعمون أنّی أقول إنّی أفضل من علیّ و کیف أقول ذلک و مالی سابقته و لا قرابته و لا خصوصیته، و وحّد اللّه و أنا ملحده و عبد اللّه قبل أن أعبده، و والى الرّسول و أنا عدوّه، و سابقنی بساعات لم الحق شأوه«» و لم أقطع غباره، إنّ ابن أبی طالب فاز و اللّه من اللّه بمحبه، و من الرّسول بقربه، و من الایمان برتبه. لو جهد الأوّلون و الآخرون إلّا النّبیون لم یبلغوا درجته و لم یسلکوا منهجه.

بذل فی اللّه مهجته و لابن عمّه مودّته، کاشف الکرب و دامغ«» الرّیب و قاطع السّبب إلّا سبب الرّشاد و قامع الشّرک، و مطهر ما تحت سویداء حبّه النّفاق محنه لهذا العالم، لحقّ قبل أن یلاحق و برز قبل أن یسابق، جمع العلم و الحلم‏ و الفهم فکان جمیع الخیرات لقلبه کنوزا لا یدّخر منها مثقال ذرّه إلّا أنفقه فی بابه فمن ذا یؤمّل أن ینال درجته، و قد جعله اللّه و رسوله للمؤمنین ولیّا و للنّبیّ وصیّا و للخلافه راعیا و بالامامه قائما، أفیغترّ الجاهل بمقام قمته إذا أقامنی و أطعته إذا أمرنی، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: الحقّ مع علیّ و علیّ مع الحقّ، من أطاع علیّا رشد و من عصى علیّا فسد، و من أحبّه سعد، و من أبغضه شقى، و اللّه لو لم یحبّ ابن أبی طالب إلّا لأجل أنّه لم یواقع للّه محرّما و لا عبد من دونه صنما و لحاجه النّاس إلیه بعد نبیهم، لکان فی ذلک ما «مماخ» یجب، فکیف لأسباب أقلها موجب و أهونها مرغب، للرّحم الماسه بالرّسول و العلم بالدقیق و الجلیل و الرّضا بالصبر الجمیل و المواساه فی الکثیر و القلیل و خلال«» لا یبلغ عدّها و لا یدرک مجدها ودّ المتمنّون أن لو کانوا تراب أقدام ابن أبی طالب، ألیس هو صاحب الواء الحمد و السّاقی یوم الورود و جامع کلّ کریم و عالم کل علم و الوسیله إلى اللّه و إلى رسوله.

ثم إنّه علیه السّلام أشار إلى علوّ مقامه و سموّ مکانه بقوله (ینحدر عنّی السیل) تشبیها لنفسه بذروه الجبل المرتفع فاستعار له ما هو من أوصاف الجبل و هو السیل المنحدر عنه إلى الغیظان، و لعلّ المراد بالسّیل المنحدر عنه علیه السّلام هو علومه و حکمه الواصله إلى العباد و الفیوضات الجاریه منه علیه السّلام على الموادّ القابله، و تشبیه العلم بالماء و السّیل من ألطف التشیهات و وجه الشبه هو اشتراکهما فی کون أحدهما سبب حیاه الجسم و الآخر سبب حیاه الرّوح، و قد ورد مثل ذلک التّشبیه فی الکتاب العزیز قال تعالى: «قُلْ أَ رَأَیْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُکُمْ غَوْراً فَمَنْ یَأْتِیکُمْ بِماءٍ مَعِینٍ»«» روى علیّ بن إبراهیم القمی (ره) فی تفسیره باسناده عن فضاله بن أیوب قال: سئل الرّضا علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: قل أرأیتم الآیه، فقال علیه السّلام: ماؤکم أبوابکم أى الأئمه،و الأئمه أبواب اللّه بینه و بین خلقه، فمن یأتیکم بماء معین، یعنی یأتیکم بعلم الامام، و فی تفسیر القمی أیضا فی قوله تعالى: «وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَهٍ وَ قَصْرٍ مَشِیدٍ» قال:«» هو مثل جرى لآل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قوله: بئر معطله، هو الذی لا یستقى منها و هو الامام الذی قد غاب فلا یقتبس منه العلم إلى وقت الظهور، و القصر المشید هو المرتفع، و هو مثل لأمیر المؤمنین و الأئمه صلوات اللّه علیهم و فضائلهم المنتشره فی العالمین المشرفه على الدّنیا ثم یشرف على الدنیا، و هو قوله: «لِیُظْهِرَهُ عَلَى الدِّینِ کُلِّهِ» و قال الشّاعر فی ذلک:

بئر معطله و قصر مشرف
مثل لآل محمّد مستطرف‏

فالقصر مجدهم الذى لا یرتقى‏
و البئر علمهم الذى لا ینزف‏

ثمّ إنّه علیه السّلام ترقى فی الوصف بالعلو و أکّد علوّ شأنه و رفعه مقامه بقوله: (و لا یرقى إلىّ الطیر) فانّ مرقى الطیر أعلى من منحد رالسّیل فکیف ما لا یرقى إلیه کأنه قال: انّی لعلوّ منزلتی کمن فی السّمآء التی یستحیل أن یرقى الطیر إلیها قال الشاعر:

مکارم لجّت«» فی علوّ کانّما
تحاول ثارا عند بعض الکواکب‏

و لعلّه علیه السّلام أراد بعدم رقى الطیر إلیه عجز طایر الاوهام عن الوصول إلى مقاماته الجلیله، و قصور العقول عن الاحاطه بمناقبه الجمیله من حیث عدم انتهائها بعدّ، و عدم وقوفها إلى حدّ، قال تعالى: «وَ لَوْ أَنَّ ما فِی الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَهٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ یَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَهُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ کَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِیزٌ حَکِیمٌ» قال فی الاحتجاج: سأل یحیى بن أکثم أبا الحسن العالم علیه السّلام عن قوله تعالى: سبعهأبحر ما نفدت کلمات اللّه ما هی فقال: هی عین الکبریت و عین الیمین و عین البرهوت و عین الطبریه و حمّه«» ماسیدان و حمه إفریقیه«» و عین باحوران «بلعوران، ناحوران خ»، و نحن الکلمات التی لا ندرک فضائلنا و لا تستقصى.

ثمّ إنّه علیه السّلام لما أشار إلى اغتصاب الخلافه نبّه على اعراضه عنها و یأسه منها و قال: (فسدلت) أى أرخیت و أرسلت (دونها ثوبا) و ضربت بینی و بینها حجابا فعل الزّاهد فیها و الراغب عنها (و طویت عنها کشحا)«» و أعرضت عنها و یئست منها مهاجرا، و قیل: إنّ المراد إنّی أجعت نفسی عنها و لم ألقمها لأنّ من أجاع نفسه فقد طوى کشحه کما أنّ من أکل و أشبع فقد ملاء کشحه (و) لما رأیت الخلافه فی ید من لم یکن أهلالها (طفقت) أى أخذت و شرعت (أرتأی) فی الأمر و أفکّر فی طلب الأصلح و أجیل الفکر فی تدبیر أمر الخلافه و أردّده (بین) أمرین احدهما (أن أصول) علیهم و أقاتل معهم (بید جذّاء) أى مقطوعه مکسوره و المراد حملته علیهم بلا معاون و لا ناصر، و استعار وصف الجذاء لعدمهما لمشابهه أن قطع الید کما أنّه مستلزم لعدم القدره على التّصرف بها و الصّیال، فکذلک عدم المعین و الناصر مستلزم لذلک أیضا فحسنت الاستعاره و ثانیهما الصّبر على معاینه الخلق على شدّه و جهاله و ضلاله و هو المراد بقوله (أو أصبر على طخیه عمیاء) أى على ظلمه و التباس من الامور متّصف بالعمى بمعنى أنّه لا یهتدى فیه السّالک إلى سلوک طریق الحقّ بل یأخذ یمینا و شمالا، و إلى هذه الظلمه اشیرت فی قوله تعالى: «أَوْ کَظُلُماتٍ فِی بَحْرٍ لُجِّیٍّ یَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ یَدَهُ لَمْ یَکَدْ یَراها وَ مَنْ لَمْ یَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ»و قد فسرت الظلمات فی الأخبار بخلافات الثلاثه، ثم أشار علیه السّلام إلى طول مده هذه الطخیه بأنّه (یهرم فیها الکبیر) أى یبلغ أقصى الکبر (و یشیب فیها الصّغیر) أى یبیضّ رأسه و یحتمل أن یراد بهما المجاز و التوسع بمعنى أنّ أیام اغتصاب الخلافه لشدّه صعوبتها و کثره أهوالها یکاد أن یهرم الکبیر فیها و یشیب الصّغیر قال تعالى: «یَوْماً یَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِیباً» (و یکدح فیها مؤمن) أی یسعى المؤمن المجتهد فی الذّبّ عن الحقّ و الأمر بالمعروف و یکدّ و یقاسی الأحزان و الشدائد (حتّى) یموت و (یلقى ربّه) ثمّ إنّه علیه السّلام لما ذکر تردّده بین الصّبر و القتال أشار إلى ترجیحه الأوّل على الثانی بقوله: (فرأیت أن الصّبر على هاتا أحجى) أى ألیق و أصلح و أجدر، أو أقرب بالحجا و العقل، و ذلک لأن ترک الخلق على الضلاله و الجهاله و إبقائهم على الغیّ و الغفله إنّما یقبح مع الاستطاعه و القدره و یلزم معهما ردعهم عن الباطل و نهیم عن المنکر و إرجاعهم إلى الصّراط المستقیم و النّهج القویم و لو بالقتال و الصّیال، و أمّا مع عدم التمکن و القدره من حیث عدم المعاون و النّاصر فلا یلزم شی‏ء من ذلک، بل یجب التّحمل و الصّبر حذرا من إلقاء النّفس على الهلاکه و تعریضها على العطب و استیصال آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سیّما و أنّ مقصوده علیه السّلام من الخلافه لم یکن إلّا هدایه الأنام و إعلاء کلمه الإسلام و إثاره الحرب و الجدال إذا کانت موجبه لاضطراب نظام المسلمین، بل مؤدّیه إلى رجوع النّاس إلى أعقابهم القهقرى و اضمحلال کلمه الاسلام لغلبه الأعداء فلا یحکم العقل حینئذ إلّا بالکفّ عن الجهاد و الصّبر على البلاء و التحمل على الاذى کیلا یلزم ضدّ المقصود و لا نقض الغرض (فصبرت) و الحال إنّ (فی العین قذى) یوجب أذیتها کما یصبر الرّجل الأرمد (و فی الحلق شجى) اعترض فیه کما بصبر المکابد للخنق، و الجملتان کنایتان عن شدّه تأذیه بسبب اغتصاب ما یرى أنّه أولى به من غیره (أرى تراثی) و فی بعض الرّوایات تراث محمّد و آله (نهبا) أى سلبا و غاره و المراد بتراثه المنهوب المسلوب إمّا فدک الذی خلّفه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم‏ لابنته من حیث إنّ مال الزّوجه فی حکم مال الزّوج، و إمّا الخلافه الموروثه منه علیه السّلام لصدق لفظ الارث علیها کصدقه على منصب النّبوه فی قوله تعالى حکایه عن زکریا: «یَرِثُنِی وَ یَرِثُ مِنْ آلِ یَعْقُوبَ» و الأظهر حمله على العموم و اللّه العالم.

الترجمه

آگاه باش بخدا قسم که پوشید خلافت را مثل پیراهن پسر أبى قحافه و حال آنکه بدرستى آن عالم بود باین که محل من از خلافت مثل محل قطب است از سنک آسیا، منحدر مى‏شود و پائین مى‏آید از من سیل علوم و ترقى نمى‏کند بسوى من پرنده بلند پرواز از اوهام و عقول، پس فرو گذاشتم نزد آن خلافت لباس صبر را، و در نور دیدم از آن تهیگاه را، و شروع کردم بفکر کردن در امر خود میان آنکه حمله کنم بدست بریده و یا این که صبر نمایم بر ظلمتى که متصف است بصفت کورى که کنایه است از خلافت أهل جلافت، آن چنان ظلمتى که بنهایت پیرى مى‏رسد در آن بزرگ‏سال، و بحال پیرى مى‏رسد در آن خورد سال، و سعى میکند و بمشقت و رنج مى‏افتد در آن مؤمن تا این که مى‏میرد و ملاقات میکند پروردگار خود را و چون حال بر این منوال بود پس دیدم که صبر کردن بر این ظلمت و بر خلافت اهل شقاوت الیق و انسب است، پس صبر نمودم و ترک قتال و جدال کردم و حال آنکه در چشم من غبار و خاشاک بود که از آن اذیت مى‏کشیدم و در گلوى من استخوان بود که گلوگیر شده بودم، و سبب این اذیت و گلوگیرى آن بود که مى‏دیدم میراث خود را غارت شده و خلافت خود را تاراج گردیده.

منهاج ‏البراعه فی ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(الخوئی)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

بازدید: ۲۵

درباره‌ی یزدانی

حتما ببینید

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۲۷ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

 خطبه ۲۷ صبحی صالح ۲۷- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  ) و قد قالها …

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

*

code