خانه / ***خطبه ها شرح و ترجمه میر حبیب الله خوئی / نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۳/۲ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)معروفه بالشقشقیه قسمت دوم مقدمه

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۳/۲ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)معروفه بالشقشقیه قسمت دوم مقدمه

خطبه ۳ صبحی صالح

۳- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  ) و هی المعروفه بالشقشقیه و تشتمل على الشکوى من أمر الخلافه ثم ترجیح صبره عنها ثم مبایعه الناس له‏

أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ وَ إِنَّهُ لَیَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّی مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى

یَنْحَدِرُ عَنِّی السَّیْلُ وَ لَا یَرْقَى إِلَیَّ الطَّیْرُ

فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَ طَوَیْتُ عَنْهَا کَشْحاً

وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِی بَیْنَ أَنْ أَصُولَ بِیَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْیَهٍ عَمْیَاءَ

یَهْرَمُ فِیهَا الْکَبِیرُ وَ یَشِیبُ فِیهَا الصَّغِیرُ وَ یَکْدَحُ فِیهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى یَلْقَى رَبَّهُ

ترجیح الصبر

فَرَأَیْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى

فَصَبَرْتُ وَ فِی الْعَیْنِ قَذًى وَ فِی الْحَلْقِ شَجًا

أَرَى تُرَاثِی نَهْباً

حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِیلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلَانٍ بَعْدَهُ

ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى

شَتَّانَ مَا یَوْمِی عَلَى کُورِهَا            وَ یَوْمُ حَیَّانَ أَخِی جَابِرِ

فَیَا عَجَباً بَیْنَا هُوَ یَسْتَقِیلُهَا فِی حَیَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ

لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَیْهَا

فَصَیَّرَهَا فِی حَوْزَهٍ خَشْنَاءَ یَغْلُظُ کَلْمُهَا وَ یَخْشُنُ مَسُّهَا وَ یَکْثُرُ الْعِثَارُ فِیهَا وَ الِاعْتِذَارُ مِنْهَا

فَصَاحِبُهَا کَرَاکِبِ الصَّعْبَهِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَ إِنْ أَسْلَسَ‏ لَهَا تَقَحَّمَ

فَمُنِیَ النَّاسُ لَعَمْرُ اللَّهِ بِخَبْطٍ وَ شِمَاسٍ وَ تَلَوُّنٍ وَ اعْتِرَاضٍ

فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّهِ وَ شِدَّهِ الْمِحْنَهِ

حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِیلِهِ جَعَلَهَا فِی جَمَاعَهٍ زَعَمَ أَنِّی أَحَدُهُمْ

فَیَا لَلَّهِ وَ لِلشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّیْبُ فِیَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ

لَکِنِّی أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا وَ طِرْتُ إِذْ طَارُوا

فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ وَ مَالَ الْآخَرُ لِصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وَ هَنٍ

إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَیْهِ بَیْنَ نَثِیلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ

وَ قَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِیهِ یَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَهَ الْإِبِلِ نِبْتَهَ الرَّبِیعِ

إِلَى أَنِ انْتَکَثَ عَلَیْهِ فَتْلُهُ وَ أَجْهَزَ عَلَیْهِ عَمَلُهُ وَ کَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ

مبایعه علی‏ 

فَمَا رَاعَنِی إِلَّا وَ النَّاسُ کَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَیَّ یَنْثَالُونَ عَلَیَّ مِنْ کُلِّ جَانِبٍ

حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وَ شُقَّ عِطْفَایَ

مُجْتَمِعِینَ حَوْلِی کَرَبِیضَهِ الْغَنَمِ

فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَکَثَتْ طَائِفَهٌ وَ مَرَقَتْ أُخْرَى وَ قَسَطَ آخَرُونَ

کَأَنَّهُمْ لَمْ یَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ یَقُولُ تِلْکَ الدَّارُ الْآخِرَهُ نَجْعَلُها لِلَّذِینَ لا یُرِیدُونَ عُلُوًّا فِی الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَهُ لِلْمُتَّقِینَ‏

بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَ وَعَوْهَا وَ لَکِنَّهُمْ‏

حَلِیَتِ الدُّنْیَا فِی أَعْیُنِهِمْ وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا

أَمَا وَ الَّذِی فَلَقَ الْحَبَّهَ وَ بَرَأَ النَّسَمَهَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَ قِیَامُ الْحُجَّهِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا یُقَارُّوا عَلَى کِظَّهِ ظَالِمٍ وَ لَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَیْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَ لَسَقَیْتُ آخِرَهَا بِکَأْسِ أَوَّلِهَا وَ لَأَلْفَیْتُمْ دُنْیَاکُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِی مِنْ عَفْطَهِ عَنْزٍ

قَالُوا وَ قَامَ إِلَیْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ فَنَاوَلَهُ کِتَاباً قِیلَ إِنَّ فِیهِ مَسَائِلَ کَانَ یُرِیدُ الْإِجَابَهَ عَنْهَا فَأَقْبَلَ یَنْظُرُ فِیهِ (فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ) قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ لَوِ اطَّرَدَتْ خُطْبَتُکَ مِنْ حَیْثُ أَفْضَیْتَ فَقَالَ هَیْهَاتَ یَا ابْنَ عَبَّاسٍ تِلْکَ شِقْشِقَهٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَوَاللَّهِ مَا أَسَفْتُ عَلَى کَلَامٍ قَطُّ کَأَسَفِی عَلَى هَذَا الْکَلَامِ أَلَّا یَکُونَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ ( علیه‏السلام  )بَلَغَ مِنْهُ حَیْثُ أَرَادَ

قال الشریف رضی اللّه عنه قوله ( علیه‏السلام  ) کراکب الصعبه إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحم یرید أنه إذا شدد علیها فی جذب الزمام و هی تنازعه رأسها خرم أنفها و إن أرخى لها شیئا مع صعوبتها تقحمت به فلم یملکها یقال أشنق الناقه إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه و شنقها أیضا ذکر ذلک ابن السکیت فی إصلاح المنطق و إنما قال أشنق لها و لم یقل أشنقها لأنه جعله فی مقابله قوله أسلس لها فکأنه ( علیه ‏السلام  ) قال إن رفع لها رأسها بمعنى أمسکه علیها بالزمام

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج۲  

المقصد الثانی فى الادله العقلیّه الداله على إمامته علیه السّلام و هی کثیره.

منها أنّ الامام یجب أن یکون معصوما و غیر علیّ علیه السّلام لم یکن معصوما فتعین أن یکون هو الامام، أمّا الکبرى فبالاجماع منّا و من العامه، و أمّا الصغرى أعنی وجوب عصمه الامام فلما قد مرّ فی الاستدلال بقوله: «أَطِیعُوا اللَّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِی الْأَمْرِ مِنْکُمْ» و محصل ما ذکرناه هناک أن طاعه اولى الامر واجبه مطلقا فلو لم یکن معصوما لم یؤمن منه الخطاء، فاما أن یجب متابعته عند صدوره منه، و إما أن یجب ردعه عنه و إنکاره منه، فعلى الاوّل یلزم أن یکون قد أمرنا اللّه سبحانه بالقبیح و هو محال، و على الثانی فیکون الانکار له مضادّا لوجوب طاعته، و أیضا الحاجه إلى الامام إنما هو لاقامه الحدود و الاحکام و حمل الناس على فعل الواجب و الکفّ عن الحرام و انتصاف حقّ المظلوم من الظالم و منع الظالم من الظلم، فلو جازت علیه المعصیه و صدرت عنه انتفت هذه الفوائد و افتقر إلى إمام آخر و تسلسل، و یأتی فی شرح الفصل الثامن من الخطبه المأه و الحادیه و التسعین تقریر آخر لوجوب عصمه الامام إن شاء اللّه تعالى.

و منها أنّ الامام یجب أن یکون منصوصا و غیر علیّ علیه السّلام لم یکن منصوصا بالاجماع فهو المتعینو إنما قلنا بوجوب التنصیص لما عرفت من انّ شرط الامام العصمه و هی من الامور الخفیه التی لا یعلمها إلا اللّه تعالى و ایضا سیره النبىّ صلّى اللّه علیه و آله تقتضى التنصیص، لانه اشفق بالامه من الوالد بولده و لهذا لم یقصر فی إرشاد امور جزئیه مثل ما یتعلّق بدخول المسجد و الخروج منه و لم یترک شیئا مما یحتاج إلیه الامه إلا بیّنه حتى ارش الخدش و الجلده و نصف الجلده، و مع ذلک کیف یهمل أمرهم فیما هو من أهمّ الواجبات و أعظم المهمات و لا ینصّ على من یتولى أمرهم بعده و یأتی تقریر آخر إنشاء اللّه لوجوب النّص و لزومه فی شرح الکلام المأه و الحادی و السّتین من النّقیب أبی جعفر البصری، و هو ألطف کلام و أمتن دلیل نقله الشارح المعتزلی عن النّقیب هناک فلیراجع ثمه.

هذا مضافا إلى أنّ اللّه تعالى قد أخبرنا باکمال الدّین و إتمام النعمه، و من المعلوم أنّ الامامه من تمام الدّین فمن زعم أن اللّه لم یکمل دینه فقد ردّ کتاب اللّه و من ردّ کتاب اللّه فهو کافر، و توضیح هذا الدّلیل یظهر من روایه الکافی عن الرّضا علیه السّلام التی سبقت فی آخر فصول الخطبه السّابقه عند شرح قوله علیه السّلام: و لهم خصایص حقّ الولایه، فارجع إلیها تجدها فی إثبات هذه الدّعوى کنزا مشحونا بأنواع الدّرر و الجواهر، و بحرا موّاجا لیس له ساحل.

و منها أنّ الامام لا بدّ أن یکون أفضل من رعیته

و غیر علیّ علیه السّلام من الثلاثه لم یکن أفضل فتعین علیه السّلام، أمّا أنّ الامام لابدّ أن یکون أفضل فلأنّه لو لم یکن أفضل لا یخلو إمّا أن یکون مساویا أو مفضولا، أما المساوی فیستحیل تقدیمه لأنّه یفضی إلى التّرجیح بلا مرجح، و أمّا المفضول فترجیحه على الفاضل یبطله العقل لحکمه بقبح تعظیم المفضول و إهانه الفاضل و رفع مرتبه المفضول و خفض مرتبه الفاضل،و هو بدیهی عند العوام فضلا عن الخواص فانظر إلى عقلک هل یحکم بتقدیم المبتدی فی الفقه على مثل ابن عباس، و قد نصّ على إنکاره القرآن أیضا فقال تعالى: «أَ فَمَنْ یَهْدِی إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ یُتَّبَعَ أَمَّنْ لا یَهِدِّی إِلَّا أَنْ یُهْدى‏ فَما لَکُمْ کَیْفَ تَحْکُمُونَ».

و قال «هَلْ یَسْتَوِی الَّذِینَ یَعْلَمُونَ وَ الَّذِینَ لا یَعْلَمُونَ إِنَّما یَتَذَکَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ».

و أمّا أنّ غیر علیّ علیه السّلام لم یکن أفضل منه فبتسلیم الخصم أعنی الشّارح المعتزلی الذی عمده مقصودنا من تمهید هذه المقدّمه إبطال مذهبه الذی أشرنا إلیه فی صدر المقدّمه، حیث ذهب إلى کونه أفضل منهم، و قد قال فی أوائل شرحه بعد ذکر اختلاف العامه فی تفضیل الأربعه ما هذا لفظه: و أمّا نحن فنذهب إلى ما یذهب إلیه شیوخنا البغدادیّون من تفضیله علیه السّلام، و قد ذکرنا فی کتبنا الکلامیّه ما معنى الأفضل و هل المراد به أکثر ثوابا أم الأجمع لمزایا الفضل و الخلال الحمیده، و بیّنا أنه علیه السّلام أفضل على التفسیرین معا، و لیس هذا الکتاب موضوعا لذکر اللّجاج فی ذلک أو فى غیره من المباحث الکلامیّه لنذکره و لهذا موضع هو ألیق به انتهى.

أقول: و لا بأس بأن نبسط الکلام فی المقام ایضاحا للمرام و نذکر یسیرا من مناقب أمیر المؤمنین و فضائله علیه السّلام رغما لانوف النّواصب اللّئام إذ الاستقصاء غیر ممکن، کما روى الخطیب الخوارزمی و هو من أعیان علماء العامه باسناده إلى ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: لو أنّ الرّیاض أقلام و البحر مداد و الجنّ حسّاب و الانس کتاب ما أحصوا فضائل علیّ بن أبی طالب علیه السّلام.

و روى مثله من طریق الخاصه، و هو ما عن الصّدوق فی أمالیه باسناده عن سعید بن جبیر قال: أتیت عبد اللّه بن عبّاس فقلت: یابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إنّی جئتک أسألک عن علیّ بن أبی طالب علیه السّلام و اختلاف النّاس فیه، فقال ابن عباس: جئت‏ تسألنی عن خیر خلق اللّه من الامه بعد محمّد صلّى اللّه علیه و آله جئت تسألنى عن وصیّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و وزیره و خلیفته و صاحب حوضه و لوائه و شفاعته، و الذی نفس ابن عبّاس بیده لو کانت بحار الدّنیا مدادا و أشجارها أقلاما و أهلها کتّابا فکتبوا مناقب علیّ بن أبی طالب علیه السّلام و فضائله من یوم خلق اللّه عزّ و جلّ الدّنیا إلى أن یفنیها ما بلغوا معشار ما آتاه اللّه تبارک و تعالى.

فمن یقول عنه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و ابن عباس مثل هذا کیف یمکن درک فضائله لکن ما لا یدرک کلّه لا یترک کلّه، و المیسور لا یسقط بالمعسور. فینبغى أن نورد شطرا منها لیعلم بذلک أفضلیّته على غیره المقتضیه لأحقیّته بالخلافه و الوصایه و استحقاقه علیه السّلام لها فقط دون غیره، لقبح ترجیح المرجوح على الرّاجح، و المفضول على الفاضل.

فأقول و باللّه التّوفیق: إنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام أفضل جمیع امّه النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله بل أفضل جمیع من فى الأرض بعد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله من حیث کثره الثّواب و من حیث جمعه للخصال الحمیده و الکمالات الذّاتیّه و الفضائل النّفسانیه.

أمّا کثره الثّواب فلظهور أنّ الثّواب مترتب على العباده و بکثرتها و قلتها تتفاوت الثّواب و الجزاء زیاده و نقصانا، و ستعرف أنّه أعبد من الکل فیکون أکثر مثوبه و لو لم یکن له من العبادات إلّا ضربته یوم الخندق التی قال فیها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: إنّها أفضل من عباده الثقلین، لکفى فی إثبات هذا المرام فضلا عن سایر عباداته التی لا یضبطها الصّحف و الدّفاتر، و لا یحصیها الزّبر و الطوامیر.

و أمّا الخصال الحمیده و الفضائل و الفواضل النّفسانیه و سایر جهات الفضل فکثیره جمّه.

منها سبقه إلى الاسلام

و قد صرّح به نفسه فى المختار السّابع و الثّلاثین بقوله أ ترانى أکذب على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لأنا أوّل من صدّقه، و فى المختار السّادس و الخمسین بقوله: فانّى ولدت على الفطره و سبقت إلى الایمان و الهجره، و تعرف تفصیل سبقته علیه السّلام إلیه و تحقیقه فى شرح المختار إن شاء اللّه تعالى.

و أقول هنا: قد اعترف أبو بکر أیضا بمسابقته علیه السّلام إلى الاسلام منه فیما رواه أبو ذرعه الدّمشقى و أبو اسحاق الثعلبى فى کتابیهما أنّه قال ابو بکر: یا أسفا على ساعه تقدّمنى فیها علیّ بن أبی طالب علیه السّلام، فلو سبقته لکان لى سابقه الاسلام.

و فى مناقب ابن شهر آشوب من أنساب الصّحابه عن الطبری التّاریخی، و المعارف عن القتیبى انّ أوّل من أسلم خدیجه ثمّ علیّ ثمّ زید ثمّ أبو بکر، یعقوب النسوی فی التّاریخ، قال الحسن بن زید: کان ابو بکر الرّابع فى الاسلام، تاریخ الطبری انّ عمر اسلم بعد خمسه و اربعین رجلا واحدى و عشرین امرأه و فى هذا المعنى قال الحمیرى.

من کان وحّد قبل کلّ موحّد
یدعو الآله الواحد القهارا

من کان صلّى القبلتین و قومه‏
مثل النّواهق تحمل الأسفارا

و قال أیضا

من فضله انّه قد کان اول من
صلى و آمن بالرّحمن اذ کفروا

سبع سنین و ایاما محرّمه
مع النّبى على خوف و ما شعروا

و له أیضا

ا لم یؤت الهدى و النّاس حیرى
فوحّد ربّه احد العلیّا

و صلّى ثانیا فى حال خوف‏
سنین بحریث سبعا اسیّا

و قال آخر

ا ما لا یرون اقام الصّلاه
و توحیده و هم مشرکونا

و یشهد ان لا اله سوى‏
ربّنا احسن الخالقینا

سنین کوامل سبعا ببیت
یناجى الاله له مستکینا

بذلک فضّله ربّنا
على اهل فضلکم اجمعینا

و منها المسابقه بالصّلاه

و ستعرف تفصیلها أیضا فى شرح المختار إن شاء اللّه تعالى.

و اقول هنا روى فى المناقب عن المرزبانى عن الکلبى عن ابى صالح عن ابن‏ عباس فى قوله تعالى: «وَ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِکَ أَصْحابُ الْجَنَّهِ هُمْ فِیها خالِدُونَ».

نزلت فى علیّ علیه السّلام خاصّه و هو أوّل مؤمن و أوّل مصلّ بعد النّبىّ صلّى اللّه علیه و آله و فیه عن السّدى عن ابى مالک عن ابن عبّاس فى قوله: «وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِکَ الْمُقَرَّبُونَ».

فقال: سابق هذه الامه علیّ بن أبی طالب علیه السّلام.

و فیه من کتاب ابى بکر الشیرازى عن مالک بن انس عن سمى عن ابى صالح عن ابن عباس قال: «وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ».

نزلت فی أمیر المؤمنین علیه السّلام سبق النّاس کلّهم بالایمان و صلّى القبلتین و بایع البیعتین بیعه بدر و بیعه الرّضوان، و هاجر الهجرتین: مع جعفر من مکّه إلى حبشه و من حبشه إلى المدینه، و فی هذا المعنى قال الحمیری:

وصیّ رسول اللّه و الاول الذی
أناب الى دار الهدى حین أیفعا

غلاما فصلّى مستسرّا بدینه‏
مخافه ان یبغى علیه فیمنعا

بمکّه اذ کانت قریش و غیرها
تظلّ لاوثان سجودا و رکعا

و له ایضا

أ لم یصلّ علیّ قبلهم حججا
و وحّد اللّه رب الشّمس و القمر

و هؤلاء و من فی حزب دینهم‏

قوم صلاتهم للعود و الحجر

و له أیضا

فانک کنت تعبده غلاما
بعیدا من اساف و من منات‏

و لا وثنا عبدت و لا صلیبا
و لا عزى و لم تسجد للات‏

و منها السّبقه إلى البیعه 

روى فی المناقب عن ابن جبیر أنّه لما نزل قوله تعالى: «وَ أَنْذِرْ عَشِیرَتَکَ الْأَقْرَبِینَ».

جمع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بنی هاشم و هم یومئذ أربعون رجلا و أمر علیّا أن ینضج رجل شاه و خبز لهم صاعا من طعام و جاء بعسّ من لبن ثمّ جعل یدخل إلیه عشره عشره حتّى شبعوا، و إنّ منهم لمن یأکل الجذعه«» و یشرب الفرق.

و فی روایه مقاتل عن الضّحاک عن ابن عباس أنّه صلّى اللّه علیه و آله قال: و قد رأیتم هذه الآیه ما رأیتم و فی روایه براء بن عازب و ابن عباس أنّه بدرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحرکم به الرّجل، ثمّ قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله: إنی بعثت على الأسود و الأبیض و الأحمر إنّ اللّه أمرنی أن أنذر عشیرتک الأقربین، و إنی لا أملک لکم من اللّه شیئا إلا أن تقولوا لا إله إلا اللّه، فقال أبو لهب لهذا دعوتنا، ثمّ تفرّقوا عنه فنزلت: «تَبَّتْ یَدا أَبِی لَهَبٍ وَ تَبَّ».

ثمّ دعاهم دفعه ثانیه و أطعمهم و سقاهم، ثمّ قال لهم یا بنی عبد المطلب أطیعونی تکونوا ملوک الأرض و حکامها، و ما بعث اللّه نبیّا إلّا جعل له وصیّا أخا و وزیرا فأیکم یکون أخی و وزیری و وصیّی و وارثی و قاضی دینی، و فی روایه الطبری عن ابن جبیر عن ابن عباس فأیکم یوازرنی على هذا الأمر على أن یکون أخی و وصیّی و خلیفتی فیکم، فأحجم القوم.

و فی روایه أبی بکر الشیرازی عن مقاتل عن الضّحاک عن ابن عباس، و فی سند العشره و فضایل الصّحابه عن أحمد باسناده عن ربیعه بن ناجد عن علی علیه السّلام فأیکم یبایعنی على أن یکون أخی و صاحبی فلم یقم إلیه أحد و کان علیّ أصغر القوم یقول: أنا فقال فی الثّالثه: أجل و ضرب بیده على ید أمیر المؤمنین علیه السّلام و فی تفسیر الخرکوشی عن ابن عباس و ابن جبیر و أبی مالک، و فی تفسیر الثعلبى عن البراء بن عازب فقال علیّ علیه السّلام و هو أصغر القوم: أنا یا رسول اللّه، فقال أنت فلذلک کان وصیه قالوا: فقام القوم و هم یقولون لأبی طالب أطع ابنک فقد امر علیک، و قد نظمه السّید الحمیری بقوله:

و یوم قال له جبریل قد علموا
انذر عشیرتک الادنین ان بصروا

فقام یدعوهم من دون امّته‏
فما تخلّف عنهم منهم بشر

فمنهم آکل فى مجلس جذعا
و شارب مثل عسّ و هو محتقر

فصدّهم عن نواحى قصعه شبعا
فیها من الحبّ صاع فوقه الوزر

فقال یا قوم انّ اللّه ارسلنى
الیکم فاجیبوا اللّه و ادّکروا

فایکم یجتبى قولى و یؤمن بى‏
انى نبىّ رسول فانبرى«» عذر

فقال«» تبا أ تدعونا لتلفتنا
عن دیننا ثمّ قال القوم فانشمروا

من الذی قال منهم و هو أحدثهم‏
سنا و خیرهم فى الذکر اذ سطروا

آمنت باللّه قد اعطیت نافله
لم یعطها احد جنّ و لا بشر

و انّ ما قلته حقّ و انّهم‏
ان لم یجیبوا فقد خانوا و قد خسروا

ففارقه تایها و اللّه اکرمه
فکان سبّاق غایات اذا ابتدروا

و قال آخر

فلمّا دعا المصطفى اهله
الى اللّه سرّا دعاه رفیقا

و لاطفهم عارضا نفسه‏
على قومه فجزوه عقوقا

فبایعه دون اصحابه
و کان لحمل اذاه مطیقا

و وحّد من قبلهم سابقا
و کان على کلّ فضل سبوقا

و اما العلم

فهو علیه السّلام ینبوعه و مصدره و مورده و مأواه و عنه اخذ العلوم‏ جمیعها و هو أبو عذرها و سابق مضمارها و النّاس کلهم عیاله فى جمیع فنونها و هو البحر المتراکم الزّخار و المتلاطم التّیار، و قد أشار عزّ و جلّ إلى غزاره علمه علیه السّلام بلسان الرّمز و الاشاره فى قوله: حمّ عسق، روى الصّفوانى فى الاحن و المحن عن الکلبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال حم اسم من أسماء اللّه عسق علم علی سبق کلّ جماعه و تعالى عن کل فرقه بالکنایه، و فى قوله: «قُلْ کَفى‏ بِاللَّهِ شَهِیداً» الآیه.

قال ابن شهر آشوب فى المناقب ما لفظه: محمّد بن مسلم و أبو حمزه الثّمالى و جابر بن یزید عن الباقر علیه السّلام، و علیّ بن فضّال و الفضیل بن یسار عن الصّادق علیه السّلام، و أحمد بن محمّد الحلبى و محمّد بن الفضیل عن الرّضا علیه السّلام، و قد روى عن موسى ابن جعفر علیه السّلام، و عن زید بن علی علیه السّلام، و عن محمّد بن الحنفیّه، و عن سلمان الفارسى و عن أبى سعید الخدری، و عن إسماعیل السّدى أنّهم قالوا فى قوله: «قُلْ کَفى‏ بِاللَّهِ شَهِیداً بَیْنِی وَ بَیْنَکُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْکِتابِ».

هو علیّ بن أبی طالب علیه السّلام، فاذا انضمّ إلى ذلک قوله تعالى: «وَ لا رَطْبٍ وَ لا یابِسٍ إِلَّا فِی کِتابٍ مُبِینٍ».

یثبت کونه علیه السّلام عالما بجمیع فنون العلم، قال العونى:

و من عنده علم الکتاب و علم ما
یکون و ما قد کان علما مکتما

و شهد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أیضا له بالعلم فى قوله: علیّ عیبه علمى، و قوله صلّى اللّه علیه و آله علیّ أعلمکم علما و أقدمکم سلما، و قوله صلّى اللّه علیه و آله أعلم امّتى من بعدى علیّ بن أبی طالب علیه السّلام، رواه فى المناقب عن علیّ بن هاشم و ابن شیرویه الدّیلمى باسنادهما إلى سلمان، و قال صلّى اللّه علیه و آله أیضا باجماع المخالف و المؤالف: أنا مدینه العلم و علیّ بابها فمن أراد العلم فلیأت الباب، فى المناقب رواه أحمد من ثمانیه طرق، و إبراهیم الثّقفى من سبعه طرق، و ابن بطه من ستّه طرق، و القاضى الجعابى من خمسه طرق، و ابن‏ شاهین من أربعه طرق، و الخطیب التّاریخى من ثلاثه طرق، و یحیى بن معین من طریقین، و قد رواه السّمعانى و القاضى الماوردى و أبو منصور السّکرى و أبو الصلت الهروی و عبد الرّزاق و شریک عن ابن عباس و مجاهد و جابر، و نعم ما قیل:

هذا الامام لکم بعدی یسدّدکم
رشدا و بوسعکم علما و آدابا

إنّى مدینه علم اللّه و هو لها
باب فمن رامها فلیقصد البابا

قال ابن شهر آشوب بعد روایته هذا الحدیث: و هذا یقتضى وجوب الرّجوع إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام لأنّه صلّى اللّه علیه و آله کنّى عنه بالمدینه و أخبر أنّ الوصول إلى علمه من جهه علىّ علیه السّلام خاصه، لأنّه جعله کباب المدینه الذی لا یدخل إلیها إلّا منه، ثمّ أوجب ذلک الأمر به بقوله: فلیأت الباب، و فیه دلیل على عصمته، لأنّه من لیس بمعصوم یصحّ منه وقوع القبح، فاذا وقع کان الاقتداء به قبیحا فیؤدّی إلى أن یکون صلّى اللّه علیه و آله قد أمر بالقبیح، و ذلک لا یجوز، و یدلّ أیضا أنّه أعلم الامه انتهى، أقول: و مثل هذا الحدیث قوله تعالى: «یَسْئَلُونَکَ عَنِ الْأَهِلَّهِ قُلْ هِیَ مَواقِیتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ وَ».

و قد مضى فى شرح الفصل الرّابع من الخطبه الاولى حدیث شریف فى تفسیر هذه الآیه فلیراجع ثمّه، و قد روى المخالف و المؤالف أیضا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فتح له ألف باب من العلم یفتح من کلّ باب ألف باب، و إلیه أشار الحمیری بقوله:

علیّ أمیر المؤمنین أخو الهدى
و أفضل ذى نعل و من کان حافیا

اسرّ الیه احمد العلم جمله
و کان له دون البریه داعیا

و دوّنه فى مجلس منه واحد
بألف حدیث کلّها کان هادیا

و کلّ حدیث من اولئک فاتح‏
له الف باب فاحتواها کما هیا

و فى المناقب النّقاش فى تفسیره قال ابن عباس: علیّ علم علما علمه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و رسول اللّه علمه اللّه، فعلم النّبیّ علم اللّه و علم علیّ من علم النّبیّ، و ما علمی و علم أصحاب محمّد فى علم علیّ إلّا کقطره فى سبعه أبحر، الضّحاک عن ابن عباس قال: اعطی علیّ بن أبی طالب‏ علیه السّلام تسعه أعشار العلم و أنّه لأعلمهم بالعشر الباقی فامّا قول عمر بن الخطاب و اعترافه بعلمه علیه السّلام فکثیر رواه الخطیب فی الأربعین قال: قال عمر: العلم ستّه أسداس لعلیّ من ذلک خمسه أسداس، و للناس سدس، و لقد شارکنا فی السّدس حتّى لهو أعلم به منّا، ابانه بن بطه کان عمر یقول فیما یسأله عن علیّ فیفرّج عنه: لا أبقانی اللّه بعدک، تاریخ البلادری لا أبقانی اللّه لمعضله لیس لها أبو الحسن الابانه و الفایق أعوذ باللّه من معضله لیس لها أبو الحسن، فی المناقب و قد ظهر رجوعه إلى علیّ علیه السّلام فی ثلاث و عشرین مسأله حتّى قال: «لَوْ لا عَلیٌّ لَهَلَکَ عُمَرُ» و قد رواه الخلق منهم أبو بکر بن عبّاس «عیاش ظ» و ابو المظفر السّمعانی قال الصّاحب:

هل فی مثل فتواک اذ قالوا مجاهره
لو لا علیّ هلکنا فى فتاوینا

خطیب خوارزم:

اذا عمر تخطأ فی جواب
و نبّهه علیّ بالصّواب‏

یقول بعدله لو لا علیّ‏

هلکت هلکت فی ذاک الجواب‏

هذا و قد مضى فی شرح الفصل الرّابع من الخطبه السّابقه عند شرح قوله علیه السّلام: و عیبه علمه الاشاره الاجمالیّه إلى میزان علمه علیه السّلام.

و قد أفصح عن غزاره علمه بما رواه فی التّوحید عن الصّادق عن الباقر علیه السّلام فی حدیث طویل قال: و لم یجد جدّى أمیر المؤمنین علیه السّلام حمله لعلمه حتّى کان یتنفس الصّعداء و یقول على المنبر: سلونی قبل أن تفقدونی فانّ بین الجوانح منّی علما جما هاه هاه ألا لا أجد من یحمله.

و أفصح عنه أیضا بقوله علیه السّلام فی هذه الخطبه التی نحن فی شرحها: ینحدر عنّی السیل و لا یرقى إلىّ الطیر.

و عن إحاطته و کونه غیر فاقد لشی‏ء من فنون العلوم بقوله الذی ما زال علیه السّلام یقول: سلونی قبل ان تفقدونی.

و عن إحاطته بالاخبار الارضیّه بما یأتی فی الخطبه الثّانیه و التّسعین من قوله علیه السّلام: فاسالونی قبل أن تفقدونى فو الذی نفسی بیده لا تسألونی عن شی‏ء فیما بینکم و بین السّاعه و لا عن فئه تهدى بآیه و تضل بآیه إلّا أنبئتکم بناعقها و قائدها و سائقها و مناخ رکابها و محط رحالها و من یقتل من اهلها قتلا و یموت منهم موتا.

و عن علمه بالأخبار السّماویه بل کونه علیه السّلام أخبر بها من الأخبار الأرضیه بقوله فی الخطبه المأه و الثّامنه و الثّمانین: أیّها النّاس سلونی قبل أن تفقدونی فلأنا بطرق السّماء أعلم منّی بطرق الأرض.

و عن إحاطته بالأخبار الغیبیّه خطبه المتضمّنه للاخبار عن الملاحم، و هى کثیره مثل کلامه السّادس و الخمسین و یأتی إنشاء اللّه فى شرحه جمله من أخباره الغیبیه، و هکذا الخطبه الثّانیه و التّسعون و مثل الخطبه المأه و الخطبه المأه و الثمانیه و العشرین إلى غیر هذه ممّا لا نطیل بتعدادها.

و عن إحاطته بالکتب المنزله بما رواه فى المناقب عن ابن البختری من ستّه طرق، و ابن المفضّل من عشر طرق، و إبراهیم الثقفى من أربعه عشر طریقا أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام قال بحضره المهاجرین و الأنصار و أشار إلى صدره کیف ملاء علما لو وجدت له طالبا سلونی قبل أن تفقدونی هذا سفط العلم هذا لعاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و هذا ما زقّنى رسول اللّه زقّا فاسألونى فانّ عندی علم الأولین و الآخرین، أما و اللّه لو ثنیت لی الوساده ثمّ اجلست علیها لحکمت بین أهل التّوراه بتوراتهم و بین أهل الانجیل بإنجیلهم و بین أهل الزّبور بزبورهم و بین أهل الفرقان بفرقانهم حتّى ینادى کلّ کتاب بأنّ علیّا حکم فىّ بحکم اللّه، و فى روایه حتّى ینطق اللّه التّوراه و الانجیل، و فى روایه اخرى حتّى یزهر کلّ کتاب من هذه الکتب و یقول: یا ربّ‏ إنّ علیّا قضى بقضائک ثمّ قال: سلونى قبل ان تفقدونى فو الذی فلق الحبّه و برء النسمه لو سألتمونى عن آیه آیه فى لیله انزلت او فى نهار مکیها و مدنیها و سفریها و حضریها ناسخها و منسوخها و محکمها و متشابهها و تأویلها و تنزیلها لأخبرتکم هذا مجمل ما یتعلّق بجهات علمه علیه السّلام.

و أمّا التفصیل فاستمع لما یملاء علیک إن کنت طالبا للهدى مبتغیا رشدا، فأقول و باللّه التّوفیق: أمّا العلم الالهى فیظهر سبقه علیه السّلام فیه على الجمیع من خطبه الشّریفه المتضمّنه للتّوحید و المعرفه و تمجید الحقّ الأوّل عزّ و جل باعتبار نعوت جلاله و صفات جماله لا سیّما الخطبه التسعون المعروفه بالأشباح، و الخطبه المأه و الخامسه و الثمانون التی تجمع من اصول العلم ما لا تجمعه خطبه، فراجع المقامین و انظر کیف خاض فى غمار عمّانه و غاص على فرائده و جمانه.

و أمّا علم التفسیر و القرائه فیصحّ مسابقته فیه بما مرّ آنفا و بما تقدّم فى ثالث تذییلات الفصل السّابع عشر من الخطبه الاولى، و أقول: هنا مضافا إلى ما سبق: قال الشّارح المعتزلی: إذا رجعت إلى کتب التفسیر علمت صحّه ذلک لأنّ أکثره عنه علیه السّلام و عن عبد اللّه بن عباس و قد علم الناس حال ابن عباس فى ملازمته له و انقطاعه إلیه و أنّه تلمیذه و خریجه و قیل له أین علمک من علم ابن عمّک، قال: کنسبه قطره من المطر إلى البحر المحیط انتهى.

و قد روى عن ابن عباس أنّه قال: حدّثنى أمیر المؤمنین علیه السّلام فى باء بسم اللّه الرّحمن الرّحیم من أوّل اللّیل إلى الفجر و لم یتمّ، و عن قوّه قال علیّ علیه السّلام لو شئت لأوقرت سبعین بعیرا فى تفسیر فاتحه الکتاب، و عن فضائل العکبرى قال الشعبى: ما أحد أعلم بکتاب اللّه بعد نبیّ اللّه من علیّ بن أبی طالب علیه السّلام.

و فى المناقب القراء السّبعه إلى قراءته یرجعون، فأمّا حمزه و الکسائى فیقولان على قراءه علی و ابن مسعود و لیس مصحفهما مصحف ابن مسعود فهما إنّما یرجعان إلى علی علیه السّلام و یوافقان ابن مسعود فیما یجرى مجرى الاعراب، و قد قال ابن مسعود ما رأیت أحدا أقرء من علیّ بن أبی طالب للقرآن، و أمّا نافع و ابن کثیر و أبو عمرو فمعظم قراءاتهم یرجع إلى ابن عباس، و ابن عباس قرء على ابى بن کعب و علیّ علیه السّلام و الذی قرأه هؤلاء القراء یخالف قراءه ابىّ فهو إذا مأخوذ عن علی علیه السّلام و أمّا عاصم فقرأ على أبى عبد الرّحمن السّلمى، و قال أبو عبد الرّحمن قرأت القرآن کله على علیّ بن أبی طالب علیه السّلام، فقالوا: أفصح القراءات قراءه عاصم لأنه أتى بالأصل و ذلک أنّه یظهر ما ادغمه غیره و یحقّق من الهمز ما لیّنه غیره و یفتح من الالفات ما أماله غیره، و العدد الکوفی فى القرآن منسوب إلى علیّ علیه السّلام و لیس فى الصّحابه من ینسب إلیه العدد غیره، و إنّما کتب عدد ذلک کلّ مصر من التّابعین.

و أمّا علم الفقه و الفروع فهو علیه السّلام مرجع الفقهاء کلهم فیه و عنه علیه السّلام تلقوه أمّا فقهاؤنا الامامیه أنار اللّه برهانهم فحالهم ظاهر، و أمّا فقهاء العامه فقد قال الشارح المعتزلی کلّ فقیه فى الاسلام فهو عیال و مستفید من فقهه، أمّا أصحاب أبى حنیفه کأبى یوسف و محمّد و غیرهما فأخذوا عن أبی حنیفه، و أمّا الشّافعى فقرأ على محمّد ابن الحسن فیرجع فقهه أیضا إلیه، و أمّا أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعی فیرجع فقهه أیضا إلى أبى حنیفه و قرء أبو حنیفه على جعفر بن محمّد علیهما السّلام، و قرء جعفر على أبیه و ینتهى الأمر إلى علیّ علیه السّلام، و أما مالک بن أنس فقرأ على ربیعه، و قرء ربیعه على عکرمه، و قرء عکرمه على عبد اللّه بن عباس، و قرء عبد اللّه بن عباس على علی علیه السّلام انتهى ما قاله الشارح.

و أقول: ما عند فقهاء العامه من الحقّ فى الفروع الفقهیه فقد خرج من أمیر المؤمنین و أولاده المعصومین علیهم السّلام، و ما عندهم من الباطل فقد نسجتها استحساناتهم العقلیه و أقیستهم الباطله و آراؤهم الفاسده.

و قال فی المناقب: إنّ جمیع فقهاء أهل الأمصار إلیه یرجعون و من بحره یغترفون أمّا أهل الکوفه و فقهاؤهم سفیان الثّوری و الحسن بن صالح بن حیّ و شریک بن عبد اللّه و ابن أبی لیلى و هؤلاء یقرعون المسائل و یقولون هذا قیاس قول‏ علیّ علیه السّلام و یترجمون الأبواب بذلک، و أمّا أهل البصره و فقهاؤهم الحسن و ابن سیرین و کلاهما کانا یأخذان عمّن أخذ عن علیّ علیه السّلام، و ابن سیرین یفصح بأنه أخذ عن الکوفیّین، و عن عبیده بن السّمانى و هو أخصّ النّاس بعلیّ علیه السّلام، و أما أهل مکّه فأخذوا عن ابن عباس و عن علیّ علیه السّلام و قد أخذ عبد اللّه معظم علمه عنه علیه السّلام و امّا أهل المدینه فعنه علیه السّلام أخذوا، و قد صنّف الشّافعی کتابا مفردا فی الدّلاله على اتّباع أهل المدینه لعلیّ علیه السّلام و عبد اللّه، و قال محمّد بن الحسن الفقیه لو لا علیّ بن أبی طالب علیه السّلام ما علمنا حکم أهل البغى.

و أمّا علم المناظره ففی الأخبار أنّ أوّل من سنّ دعوه المبتدعه بالمجادله إلى الحقّ علیّ علیه السّلام، و قد ناظره الملاحده و الزّنادقه فی متناقضات القرآن فأجاب لهم بأجوبه متینه، و أجاب مشکلات مسائل الجاثلیق حتّى أسلم، و قال علیه السّلام لرأس الجالوت لما قال له: لم تلبثوا بعد نبیّکم إلّا ثلاثین سنه حتّى ضرب بعضکم وجه بعض بالسّیف، فقال علیه السّلام: و أنتم لم تجف أقدامکم من ماء البحر حتّى قلتم لموسى علیه السّلام: اجعل لنا إلها کما لهم آلهه، روى أبو بکر بن مردویه فی کتابه عن سفیان أنّه قال ما حاجّ علیّ علیه السّلام أحدا إلّا حجّه«» أقول: و یشهد بذلک الرّجوع إلى احتجاجاته المرویه فی کتاب الاحتجاج لأحمد بن أبی طالب الطبرسی و فی مجلّد احتجاجات الأئمه علیه السّلام و مجلّد الفتن و المحن من البحار للمحدّث العلامه المجلسی (ره).

و أمّا القضاء و الفصل بین الخصوم فیدل على سبقه علیه السّلام فیه على الکلّ شهاده الرّسول صلّى اللّه علیه و آله فی حقه و قوله: أقضاکم علیّ، و یفصح عنه ما أخبر به عن نفسه فیما رویناه عنه قریبا من قوله لو ثنیت لی الوساده ثم اجلست علیها لحکمت بین أهل التوراه بتوراتهم الحدیث، و من قوله علیه السّلام الآتی فی الکلام المأه و التاسع عشر: و عندنا أهل البیت أبواب الحکم و ضیاء الأمر، و یدلّ علیه قضایاه علیه السّلام فی الوقایع الاتفاقیّه بما یحتار فی أکثرها العقول و سیأتی شطر منها فی شرح هذه الخطبه و غیرها إنشاء اللّه تعالى و رجوع الصّحابه إلیه علیه السّلام فیها مأثور مسطور، و قول عمر فی مواطن کثیره: لو لا علیّ لهلک عمر، معروف مشهور.

و أمّا علم الفصاحه و البلاغه فهو بارعه و حائز قصب السّبق فی مضماره حتى قیل فی وصفه: إنّ کلامه علیه السّلام فوق کلام المخلوق و دون کلام الخالق، و قد تقدم من الرّضی فی دیباجه المتن وصفه بأنّه مشرع الفصاحه و موردها و منشأ البلاغه و مولدها و منه ظهر مکنونها و عنه اخذت قوانینها، و یشهد بذلک خطبته البارعه المدونه فی هذا الکتاب و سنشیر إلى بعض مزایا کلامه علیه السّلام فی تضاعیف الشّرح إنشاء اللّه تعالى، و قد تقدم فی دیباجه الشّرح الاشاره إلى بعضها على ما ساعد المجال قال ابن نباته: حفظت من کلامه علیه السّلام ألف خطبه ففاضت ثمّ فاضت.

و أمّا علم النّجوم فیدل على براعته علیه السّلام فیه ما یأتی منه فی الکلام الثامن و السّبعین و شرحه إنشاء اللّه تعالى من الأحکام النّجومیه العجیبه لم یهتد إلیها المنجمون.

و أمّا علم النّحو و الأدبیّه فقد اتّفق العلماء على أنّه علیه السّلام هو واضعه و مخترعه، قال أبو القاسم الزّجاجی فی محکی کلامه عن أمالیه: حدثنا أبو جعفر محمّد بن رستم الطبری، حدثنا أبو الحاتم السجستانیّ حدثنا یعقوب بن إسحاق الحضرمی حدثنا سعید بن مسلم الباهلی حدّثنا أبی عن جدی عن أبی الأسود الدّئلی، قال: دخلت على علیّ بن أبی طالب علیه السّلام فرأیته متفکرا فقلت له: فیم تفکریا أمیر المؤمنین قال علیه السّلام إنّی سمعت ببلدکم هذا لحنا فأردت أن أصنع کتابا فی اصول العربیّه، فقلت: إن فعلت هذا أحییتنا و بقیت فینا هذه اللّغه، ثمّ أتیته بعد ثلاث فألقى إلىّ صحیفه فیها: بسم اللّه الرّحمن الرّحیم الکلام اسم و فعل و حرف، فالاسم ما انبأ عن المسمّى، و الفعل ما انبأ عن حرکه المسمّى و الحرف ما انبأ عن معنى لیس باسم و لا فعل، ثمّ قال علیه السّلام لی تتبعه و زد فیه ما وقع لک، و اعلم یا أبا الأسود أنّ الأشیاء ثلاثه: ظاهر و مضمر و شی‏ء لیس بظاهر و لا مضمر و إنّما تتفاضل العلماء فیما لیس‏ بظاهر و لا مضمر قال أبو الأسود، فجمعت منه اشیاء و عرضتها علیه علیه السّلام، فکان من ذلک حروف النّصب فذکرت منها إنّ و أنّ و لیت و لعل و کأنّ و لم أذکر لکنّ فقال علیه السّلام: لم ترکتها: فقلت: لم أحسبها منها، فقال علیه السّلام: بلى هی منها فزدها فیها انتهى.

و أمّا علم الحساب فیدل على وفور علمه علیه السّلام فیه ما رواه فی المناقب عن ابن أبی لیلى أنّ رجلین تغدّیا فی سفر و مع أحدهما خمسه أرغفه و مع الآخر ثلاثه و واکلها ثالث فأعطاهما ثمانیه دراهم عوضا فاختصما و ارتفعا إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام فقال هذا أمر فیه دنائه و الخصومه فیه غیر جمیله و الصّلح فیه أحسن، فأبى صاحب الثّلاثه الّا مرّ القضاء فقال علیه السّلام: إذا کنت لا ترضى إلّا بمرّ القضاء فانّ لک واحده من ثمانیه و لصاحبک سبعه ألیس کان لک ثلاثه ارغفه و لصاحبک خمسه قال: بلى قال: فهذه أربعه و عشرون ثلثا اکلت منها و الضّیف ثمانیه فلما أعطاکما الثّمانیه الدراهم کان لصاحبک سبعه و لک واحده، و یأتی روایه هذه القضیّه بطریق آخر فی تضاعیف الشّرح فی موقعه بأبسط وجه إنشاء اللّه تعالى.

و أمّا علم الکیمیا فهو أکثرهم حظا منه، قال فی المناقب و قد سئل عن الصّنعه فقال علیه السّلام: هی اخت النّبوه و عصمه المروه و النّاس یتکلمون فیها بالظاهر و انا أعلم ظاهرها و باطنها، ما هی و اللّه إلّا ماء جامد و هواء راکد و نار جائله و أرض سائله، قال: و سئل فی أثناء خطبته هی الکیمیا یکون فقال علیه السّلام: کان و هو کائن و سیکون، فقیل من أیّ شی‏ء هو فقال علیه السّلام: من الزیبق الرّجراج و الاسرب و الزّاج و الحدید المزعفر و زیخار النحاس الاخضر الحور «الحبور خ» الا توقف على عابرهن، فقیل فهمنا لا یبلغ إلى ذلک فقال علیه السّلام اجعلوا البعض أرضا و اجعلوا البعض ماء و افلحوا الأرض بالماء و قدتم فقیل زدنا یا أمیر المؤمنین، فقال علیه السّلام لا زیاده علیه فانّ الحکماء القدماء ما زادوا علیه کیمیا «کیماظ» یتلاعب به النّاس.

و أمّا زهده و طلاقه للدّنیا و رغبته بالکلیّه عنهافهو من المتواترات القطعیّه أظهر و أبهر من الشّمس فی رابعه النّهار، و یفصح عن ذلک و یبیّن عنه و تأتیک من سبإبنبإ یقین الخطب و الکلمات المدونه عنه فى هذا الکتاب و غیره المتضمنه لزهده علیه سلام اللّه ربّ العالمین ملأ السماوات و الأرضین و قد أقسم فیما یأتی من کلماته القصار بالقسم البارّ و قال: و اللّه لدنیاکم هذه أهون فى عینى من عراق«» خنزیر فى ید مجذوم، و قال فى الکلام المأتین و الثّانى و العشرین: و إنّ دنیاکم عندى لأهون من ورقه فى فم جراده تقضمها، ما لعلیّ و لنعیم یفنى و لذه لا تبقى.

و فى المناقب المعروفون من الصّحابه بالورع علیّ و أبو بکر و عمرو بن مسعود و أبو ذر و سلمان و مقداد و عثمان بن مظعون و ابن عمر، و معلوم أنّ ابا بکر توفى و علیه بیت مال المسلمین نیف و أربعون ألف درهم، و عمر مات و علیه نیف و ثمانون ألف درهم، و عثمان مات و علیه ما لا یحصى کثره، و علیّ مات و ما ترک إلا سبعمائه درهم فضلا عن عطائه أعدّها لخادم.

امالى الطوسی فی حدیث عمّار یا علیّ إنّ اللّه قد زینک بزینه لم یزین العباد بزینه أحبّ إلى اللّه منها، زیّنک بالزّهد فی الدنیا و جعلک لا تزرء منها شیئا و لا تزرء منک شیئا، و وهبک حبّ المساکین فجعلک ترضى بهم أتباعا و یرضون بک إماما.

اللّؤلوئیات قال عمر بن عبد العزیز: ما علمنا أحدا کان فی هذه الامه أزهد من علیّ بن ابی طالب علیه السّلام بعد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله، و یروى أنه کان علیه وقت لا یکون عنده ثلاثه دراهم یشترى بها إزارا و ما یحتاج إلیه ثمّ یقسم کلّ ما فی بیت المال على النّاس ثمّ یصلّی فیه و یقول: الحمد للّه الذی أخرجنی منه کما دخلته، و اتی إلیه بمال فکوم کومه من ذهب و کومه من فضّه و قال یا صفراء اصفری یا بیضاء ابیضی و غرّی غیری،

هذا خباى «جناى خ» و خیاره فیه            و کلّ جان یده إلى فیه‏

الأشعث العبد قال: رأیت علیّا علیه السّلام اغتسل فی الفرات یوم جمعه ثم ابتاع قمیصا کرابیس بثلاثه دراهم فصلّى بالنّاس الجمعه و ما خیط جربانه بعد، و فی فضائل أحمد راى على علیّ علیه السّلام إزار غلیظ اشتراه بخمسه دراهم، و رای علیه إزار مرقوع فقیل له فی ذلک فقال علیه السّلام یقتدی به‏ المؤمنون و یخشع له القلب و تذل به النّفس و یقصد به المتابع، مسند أحمد و کان کمّه لا یجاوز أصابعه و یقول لیس للکمین على الیدین فضل، و نظر إلى فقیر انخرق کمّ ثوبه فخرق کمّ قمیصه و ألقاه إلیه، مسند الموصلی الشّعبی عن الحارثی عن علیّ علیه السّلام قال: ما کان لی لیله اهدى لی فاطمه شی‏ء ینام علیه إلا جلد کبش، و اشترى ثوبا فأعجبه فتصدق به.

و أمّا العباده و صالح الأعمال

فقد علم إجمالا بما قدّمناه فی کونه أکثر ثوابا و أقول مضافا إلى ما سبق: إنّه علیه السّلام قد کان بالغا فیها غایتها، و کفى به شهیدا أنّه کان یؤخذ النّشاب من جسده عند الصّلاه و هو غیر شاعر له لاستغراقه فی شهود جمال الحق و فنائه فی اللّه و انقطاعه لکلیّته عمّن سواه، و کان السّجاد علیّ بن الحسین علیهما السّلام یصلی فی الیوم و اللیله ألف رکعه ثم یأخذ صحف عبادات أمیر المؤمنین علیه السّلام و ینظر ما فیها سیرا، ثم یترکها من یده کالمتضجر المتأسّف على تقصیر نفسه فی العباده، و یقول: من یقدر على عباده علیّ بن أبی طالب علیه السّلام، و فیه نزل قوله تعالى: «تَراهُمْ رُکَّعاً سُجَّداً یَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِیماهُمْ فِی وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ».

روى ابن شهر آشوب فی المناقب عن النّیسابوری فی روضه الواعظین أنّه قال عروه بن الزّبیر: سمع بعض التّابعین أنس بن مالک یقول: نزلت فی علیّ بن أبی طالب علیه السّلام: «أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّیْلِ ساجِداً وَ قائِماً یَحْذَرُ الْآخِرَهَ وَ یَرْجُوا رَحْمَهَ رَبِّهِ» الآیه.

قال الرّجل: فأتیت علیّا علیه السّلام وقت المغرب فوجدته یصلّی و یقرأ القرآن إلى أن طلع الفجر، ثمّ جدد وضوءه و خرج إلى المسجد و صلّى بالنّاس صلاه الفجر، ثم‏ قعد فی التّعقیب إلى أن طلعت الشّمس، ثم قصده النّاس فجعل یقضی بینهم إلى أن قام إلى صلاه الظهر فجدّد الوضوء ثم صلى بأصحابه الظهر، ثم قعد فی التّعقیب إلى أن صلى بهم العصر، ثم کان یحکم بین النّاس و یفتیهم إلى أن غابت الشّمس، و فیه عن الباقر علیه السّلام فی قوله تعالى: «إِلَّا الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ» قال: ذاک أمیر المؤمنین علیه السّلام و شیعته «فَلَهُمْ أَجْرٌ غَیْرُ مَمْنُونٍ» و فیه عن محمّد بن عبد اللّه بن الحسن عن آبائه علیهم السّلام و سدى عن أبی مالک عن ابن عباس و محمّد بن علی الباقر علیه السّلام فی قوله تعالى: «وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَیْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ» و اللّه لهو علیّ بن أبی طالب علیه السّلام.

قال بعض السادات

مفرق الاحزاب ضرّاب الطلى
مکسّر الاصنام کشاف الغمم‏

الزّاهد العابد فی محرابه‏
السّاجد الرّاکع فی جنح الظلم‏

صام هجیرا و على سائله
جاد بافطار الصّیام ثمّ نم‏

و قال العبدى

و کم غمره للموت للّه خاضها
و لجه بحر فی الحکوم اقامها

و کم لیله لیلا و للّه قامها
و کم صبحه مسجوره الحرّ صامها

و فیه أیضا عن عروه الزّبیر قال تذاکرنا صالح الاعمال فقال ابو الدرداء اعبد النّاس علیّ بن ابی طالب علیه السّلام سمعته قائلا بصوت حزین و نغمه شجیّه فی موضع خال الهى کم من موبقه حملتها «حلمتها خ» عنی فقابلتها بنعمتک و کم من جریره تکرمت علىّ بکشفها بکرمک الهى إن طال فی عصیانک عمرى و عظم فی الصحف ذنبى فما انا مؤمّل غیر غفرانک و لا انا براج غیر رضوانک ثمّ رکع رکعات فاخذ فی الدّعاء و البکاء فمن‏ مناجاته: الهى افکر فی عفوک فتهون علىّ خطیئتى ثمّ اذکر العظیم من اخذک فیعظم علىّ بلیتی ثم قال آه ان انا قرئت فی الصحف سیئه انا ناسیها و انت محصیها فتقول خذوه فیا له من مأخوذ لا تنجیه عشیرته و لا تنفعه قبیلته یرحمه البلاء اذا اذن فیه بالنداء آه من نار تنضج الاکباد و الکلى آه من نار لواعه للشواء آه من غمره من لهبات لظى ثمّ أنعم«» فی البکاء فلم اسمع له حسا فقلت غلب علیه النوم اوقظه لصلاه الفجر فاتیته فان هو کالخشبه الملقاه فحرکته فلم یتحرک فقلت انا للّه و انا الیه راجعون مات و اللّه علیّ بن ابی طالب علیه السّلام قال فأتیت منزله مبادرا انعاه الیهم فقالت فاطمه علیها السّلام ما کان من شأنه فاخبرتها فقالت هی و اللّه الغشیه التی تأخذه من خشیه اللّه تعالى، ثم اتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق و نظر الىّ و انا ابکى فقال: مم بکائک یا ابا الدرداء فکیف و لو رأیتنی و دعی بی إلى الحساب و ایقن اهل الجرائم بالعذاب و احوشتنى«» ملائکه غلاظ و زبانیه فظاظ فوقفت بین یدی ملک الجبار قد أسلمتنى الاحبّاء و رحمنى اهل الدّنیا اشدّ رحمه لى بین یدی من لا یخفى علیه خافیه.

و منها الشجاعه

و لقد کان أشجع النّاس و أنسى شجاعه من کان قبله و محا اسم من کان یأتی بعده و تعجّبت الملائکه من حملانه، و فیه قال النّبى صلّى اللّه علیه و آله لما خرج لقتال عمرو بن عبدود: برز الایمان کله إلى الشّرک کله، فلما قتله قال صلّى اللّه علیه و آله له: ابشر یا علی فلو وزن عملک الیوم بعمل امّتى لرجح عملک بعملهم، رواه فى المناقب لأحمد بن حنبل و النسائى عن ابن مسعود، و أنزل اللّه تعالى.

«وَ کَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِینَ الْقِتالَ» بعلیّ الآیه، کما عن مصحف ابن مسعود، قال ربیعه السّعدی: أتیت حذیفه الیمان فقلت یا أبا عبد اللّه: إنا لنتحدث عن علیّ و مناقبه فیقول أهل البصره: إنکم لتفرّطون فى علیّ فهل تحدثنى بحدیث فقال حذیفه و الذی نفسى بیده لو وضع جمیع أعمال امّه محمّد صلّى اللّه علیه و آله فى کفّه المیزان منذ بعث اللّه‏ محمّدا إلى یوم القیامه و وضع عمل علیّ علیه السّلام فى الکفّه الاخرى لرجح عمل علیّ على جمیع أعمالهم، فقال ربیعه هذا الذی لا یقام له و لا یقوم، فقال حذیفه: یا لکع و کیف لا یحمل و إن کان أبو بکر و عمر و حذیفه و جمیع أصحاب النّبی صلّى اللّه علیه و آله یوم عمرو بن عبدود و قد دعا إلى المبارزه فأحجم النّاس کلهم ما خلا علیّا، فانّه نزل إلیه فقتله و الذی نفس حذیفه بیده لعمله ذلک الیوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمّد إلى یوم القیامه.

قال الشّارح المعتزلی: و کانت العرب تفتخر بوقوفها فى الحرب فى مقابلته، فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنّه علیه السّلام قتلهم أظهر و أکثر قالت اخت عمرو بن عبدود ترثیه

لو کان قاتل عمر و غیر قاتله
بکیته ابدا ما دمت فى البلد

لکنّ قاتله من لا نظیر له‏
و کان یدعى ابوه بیضه البلد

و فى غزاه احد انهزم المسلمون و خشى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و ضربه المشرکون بالسیوف و الرّماح و علیّ یدافع عنه فنظر إلیه النّبی صلّى اللّه علیه و آله بعد إفاقته من غشیته و قال صلّى اللّه علیه و آله: ما فعل المسلمون فقال: نقضوا العهد و ولّوا الدّبر، فقال: اکفنی أمر هؤلاء فکشفهم عنه و صاح صایح بالمدینه قتل رسول اللّه، فانهلعت القلوب و نزل جبرئیل قائلا لا سیف الا ذو الفقار و لا فتى إلا علیّ، و قال للنّبی صلّى اللّه علیه و آله یا رسول اللّه لقد عجبت الملائکه من حسن مواساه علیّ لک بنفسه، قال النّبی صلّى اللّه علیه و آله ما یمنعه عن ذلک و هو منی و أنا منه، إلى غیر ذلک ممّا لا یحکیه قلم و لا یضبطه رقم، و ستطلع على فتوحاته و مجاهداته تفصیلا فی مواقعها إنشاء اللّه، کما ستطلع على سایر مکارم أخلاقه و محاسن خصاله على حسب الاستطاعه و التمکن فی مقاماته المناسبه، و لو أردنا شرح معشار فضایله و خصائصه لاحتجنا إلى افراد کتاب یماثل حجم هذا الکتاب بل یزید.

قال الجاحظ فی محکی کلامه و نعم ما قال حالکونه من أعظم النّاس عداوه لأمیر المؤمنین علیه السّلام: صدق علیّ علیه السّلام فی قوله: نحن أهل البیت لا یقاس بنا أحد کیف‏ یقاس بقوم. منهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله، و الأطیبان علیّ و فاطمه، و السبطان الحسن و الحسین، و الشهیدان أسد اللّه حمزه و ذو الجناحین جعفر، و سیّد الورى عبد المطلب و ساقی الحجیج العباس و حامی النّبی و معینه و محبه أشدّ حبّا و کفیله و مربیه و المقر بنبوته و المعترف برسالته و المنشد فی مناقبه أبیاتا کثیره، و شیخ قریش أبو طالب و النّجده و الخیر فیهم، و الأنصار من نصرهم، و المهاجرون من هاجر لهم و معهم، و الصّدیق من صدّقهم، و الفاروق من فارق بین الحقّ و الباطل فیهم، و الحواری حواریهم، و ذو الشّهادتین لأنّه شهد لهم، و لا خیر إلا فیهم و لهم و منهم و معهم، و أبان رسول اللّه أهل بیته بقوله: إنّی تارک فیکم الخلیفتین کتاب اللّه حبل ممدود من السّماء إلى الأرض، و عترتی أهل بیتی نبأنی اللّطیف الخبیر أنّهما لن یفترقا حتّى یرد اعلىّ الحوض، و لو کانوا کغیرهم لما قال عمر لما طلب مصاهره علی علیه السّلام إنی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول کل سبب منقطع یوم القیامه إلا سببی و نسبی فأمّا علیّ فلو أفردنا لفضائله الشّریفه و مقاماته الکریمه و درجاته الرّفیعه و مناقبه السّنیه لأفنینا فی ذلک الطوامیر الطوال و الدّفاتر، العرق صحیح، و النّسب صریح، و المولد مکان معظم، و المنشأ مبارک مکرم، و الشّأن عظیم، و العمل جسیم و العلم کثیر، و لیس له نظیر، و البیان عجیب، و اللسان خطیب، و الصّدر رحیب، و أخلاقه وفق اعراقه، و حدیثه یشهد على تقدیمه انتهى.

و أنت اذا أحطت خبرا بما مهدناه فی هذه المقدّمه عرفت فساد ما توهّمه النّواصب اللئام من عدم وجود النّص على إمامه أمیر المؤمنین و سید المتقین و یعسوب الدین و قائد الغرّ المحجلین علیه و على أولاده آلاف التّحیه و السّلام، کما عرفت فساد القول بتفضیل غیره علیه، کما اتّفق لجماعه منهم، و کذا القول بتفضیله على غیره مع القول بصحه خلافه الثّلاثه و تقدیمهم علیه کما هو مذهب الشّارح المعتزلی و من یحذو حذوه من معتزله بغداد و غیرهم على ما حکی عنهم فی أوائل الشّرح، و عمده ما أوقعه کغیره فی هذا الوهم الفاسد و الرّأى الکاسد ما ذکره فی تضاعیف شرح هذه‏الخطبه و لا بأس أن نذکر کلامه بطوله ثم نتبعه بما یلوح علیه من ضروب الکلام و وجوه الملام.

فأقول: قال الشّارح خذله اللّه عند شرح قوله علیه السّلام: أما و اللّه لقد تقمصها إلى قوله: أرى تراثی نهبا، ما لفظه: إن قیل بیّنوا لنا ما عندکم فی هذا الکلام ألیس صریحه دالا على تظلیم القوم و نسبتهم إلى اغتصاب الأمر فما قولکم فی ذلک إن حکمتم علیهم بذلک فقد طعنتم فیهم، و إن لم تحکموا علیهم بذلک فقد طعنتم فی المتکلم علیهم قیل: أمّا الامامیّه من الشّیعه فتجرى هذه الألفاظ على ظواهرها و تذهب إلى أن النّبیّ نصّ على أمیر المؤمنین و أنّه غصب حقّه، و أمّا أصحابنا رحمهم اللّه قلهم أن یقولوا إنّه لما کان أمیر المؤمنین هو الأفضل و الأحقّ و عدل عنه الى من لا یساویه فی فضل و لا یوازیه فى جهاد و علم و لا یماثله فی سودد و شرف ساغ اطلاق هذه الألفاظ و إن کان من وسم بالخلافه قبله عدلا تقیا و کانت بیعته بیعه صحیحه، ألا ترى أنّ البلد قد یکون فیه فقیهان أحدهما أعلم من الآخر بطبقات کثیره فیجعل السّلطان الأنقص علما منهما قاضیا فیتوجد الأعظم و یتألم و ینفث احیانا بالشکوى و لا یکون ذلک طعنا فی القاضی و لا تفسیقا له و لا حکما منه بأنّه غیر صالح، بل للعدول عن الأحق و الأولى، و هذا أمر مرکوز فی طباع البشر و مجبول فی أصل الغریزه و الفطنه، فاصحابنا لما أحسنوا الظن بالصّحابه و حملوا ما وقع منهم على وجه الصواب و أنّهم نظروا إلى مصلحه الاسلام و خافوا فتنه لا یقتصر على ذهاب الخلافه فقط، بل و یفضی إلى ذهاب النّبوه و المله، فعدلوا عن الأفضل الأشرف الأحق إلى فاضل آخر دونه فعقدوا له، احتاجوا إلى تأویل هذه الألفاظ الصّادره عمّن یعتقدونه فی الجلاله و الرّفعه قریبا من منزله النّبوه، فتأوّلوها بهذا التّأویل و حملوها على التألم للعدول عن الأولى، و لیس هذا بأبعد من تأویل الامامیّه قوله تعالى: «وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏»

 

و قولهم: معنى عصى انّه عدل عن الأولى، لأنّ الأمر بترک أکل الشّجره کان أمرا على سبیل الندب فلما ترکه آدم کان تارکا للأفضل و الأولى فسمّی عاصیا باعتبار مخالفه الأولى، و حملوا غوى على خاب لا على الغوایه بمعنى الضّلال، و معلوم أنّ تأویل کلام أمیر المؤمنین علیه السّلام و حمله على أنّه شکا من ترکهم الأولى أحسن من حمل قوله تعالى: و عصى آدم، على أنّه ترک الأولى.

إن قیل: لا یخلو الصّحابه أن یکون عدلت عن الأفضل لعله و مانع فی الأفضل أولا لمانع فان کان لا لمانع کان ذلک عقدا للمفضول بالهوى فیکون باطلا، و إن کان لمانع و هو ما یذکرونه من خوف الفتنه و کون النّاس کانوا یبغضون علیّا و یحسدونه فقد کان یجب أن یعذرهم أمیر المؤمنین علیه السّلام فی العدول عنه و یعلم أنّ العقد لغیره هو المصلحه للاسلام، فکیف حسن منه أن یشکوهم بعد ذلک و یتوجد إلیهم و أیضا فما معنى قوله: فطفقت أرتای بین أن أصول بید جذّاء، على ما تأوّلتم به کلامه فانّ تارک الأولى لا یصال علیه بالحرب.

قیل: یجوز أن یکون أمیر المؤمنین لم یغلب على ظنّه ما غلب على ظنون الصّحابه من الشّغب و ثوران الفتنه، و الظنون یختلف باختلاف الامارات فربّ انسان یغلب على ظنّه أمر یغلب على ظنّ غیره خلافه، و أمّا قوله: أرتای بین أن أصول، فیجوز أن یکون لم یعن به صیال الحرب، بل صیال الجدل و المناظره، یبین ذلک أنّه لو کان جادلهم و أظهر ما فی نفسه لهم فربما خصموه بأن یقولوا له: قد غلب على ظنوننا أنّ الفساد یعظم و یتفاقم إن ولیت الأمر، و لا یجوز مع غلبه ظنوننا لذلک أن نسلّم الأمر إلیک، فهو علیه السّلام قال: طفقت أرتای بین أن أذکر لهم فضائلی علیهم و احاجّهم بها فیجیبونی بهذا الضّرب من الجواب الذی یصیر حجتی بهم جذّاء مقطوعه و لا قدره لى على تشییدها و نصرتها، و بین أن أصبر على ما منیت به و وقعت إلیه.

إن قیل: إذا کان لم یغلب على ظنّه وجود العلّه و المانع فیه و قد استراد الصّحابه و شکاهم لعدولهم عن الأفضل الذی لا عله فیه عنده، فقد سلمتم أنّه ظلم الصّحابه و نسبهم إلى غصب حقّه فما الفرق بین ذلک و بین أن یظلمهم لمخالفه النّص و کیف هربتم من نسبته لهم إلى الظلم لدفع النّصّ و وقعتم فی نسبته لهم إلى الظلم الخلاف الأولى من غیر علّه فی الأولى و معلوم أن مخالفه الأولى من غیر عله فی الأولى کتارک النّص، لأن العقد فی کلا الموضعین یکون فاسدا قیل: الفرق بین الأمرین ظاهر لأنّه لو نسبهم إلى مخالفه النّص لوجب وجود النص، و لو کان النص موجودا لکانوا فساقا أو کفّارا لمخالفته، و أمّا إذا نسبهم إلى ترک الأولى من غیر عله فی الأولى فقد نسبهم إلى أمر یدعون فیه خلاف ما یدعی علیه السّلام واحد الأمرین لازم، و هو إمّا أن یکون ظنّهم صحیحا أو غیر صحیح، فان کان ظنهم هو الصّحیح فلا کلام فی المسأله، و إن لم یکن ظنهم صحیحا کانوا کالمجتهد إذا ظن و أخطأ، فانّه معذور و مخالفه النّص خارج عن هذا الباب لأنّ مخالفه غیر معذور بحال فافترق المحملان، انتهى کلامه.

أقول: لا یخفى ما فیه من وجوه الجهل و ضروب التّجاهل اما أولا فلأنّ قوله: و إن کان من وسم بالخلافه عدلا تقیا، أوّل الکلام و ستطلع على فسق أسلافه عند التّعرّض لمطاعنهم حیثما بلغ الکلام محله إنشاء اللّه.

و اما ثانیا فلأنّ قوله: و کانت بیعته بیعه صحیحه، ممنوع إذ خلافه ابی بکر لم تنعقد إلّا باعتبار متابعه عمر بن الخطاب له برضاء أربعه: أبی عبیده و سالم مولى حذیفه و بشر بن سعد و اسید بن حصین لا غیر، و قد تخلف عنها وجوه الصّحابه حسبما تعرفه فی محله، و قد صرّح الشّارح فی شرح قوله علیه السّلام: فصیرها فی حوزه خشناء بأنّ استقرار الخلافه له لم یحصل إلّا بوجود عمر حیث قال: و عمر هو الذی شیّد بیعه أبی بکر و رقم المخالفین فیها فکسر سیف الزّبیر لما جرّده و دفع فی صدر المقداد و وطأ فی السّقیفه سعد بن عباده و قال: اقتلوا سعدا قتل اللّه سعدا و حطم أنف الحباب ابن المنذر الذی قال یوم السّقیفه: أنا جذیلها المحکک و عذیقها المرجب، و توعد

 

من لجأ إلى دار فاطمه من الهاشمیین و أخرجهم منها، و لولاه لم یثبت لأبی بکر أمر و لا قامت له قائمه انتهى.

و هذا الکلام کما ترى صریح فی أنّ عقد البیعه لأبی بکر لم یکن من إجماع الکلّ و اجتماعهم عن طوع و رغبه، و إنّما حصل عن تشیید عمر و تأسیسه، و على تقدیر تسلیم أن یکون أهل البیعه جماعه کثیره فنقول: لاخفاء فی أنّهم تابعون لتصرف الشّرع فیهم لا تصرف لهم فی أنفس غیرهم من آحاد الامه و فی أقل مهمّ من مهماتهم، فکیف یولون الغیر على أنفس الخلایق منهم و من غیرهم، فانّ من لا یعقل له التّصرف فی أقلّ الامور لأدنى الأشخاص کیف یکون له القدره على جعل الغیر متصرّفا فی نفوس أهل الشّرق و الغرب و فی دمائهم و أموالهم و فروجهم.

و هذا الذی ذکرناه إنّما هو على سبیل المماشاه و إلّا فقد صرّح صاحب المواقف و شارحه السیّد الشّریف بانعقاد البیعه بالواحد و الاثنین حیث قال: و إذا ثبت حصول الامامه بالاختیار و البیعه فاعلم أنّ ذلک الحصول لا یفتقر إلى الاجماع من جمیع أهل الحلّ و العقد إذ لم یقم علیه أى على هذا الافتقار دلیل من العقل أو السّمع، بل الواحد و الاثنان من أهل الحلّ و العقد کاف فی ثبوت الامامه و وجوب اتباع الامام على أهل الاسلام، و ذلک لعلمنا بأنّ الصّحابه مع صلابتهم فی الدین و شدّه محافظتهم على امور الشّرع کما هو حقها اکتفوا فی عقد الامامه بذلک المذکور من الواحد و الاثنین کعقد عمر لأبی بکر و عقد عبد الرّحمان بن عوف لعثمان، و لم یشترطوا فی عقدها اجتماع من فی المدینه من أهل الحلّ و العقد فضلا عن إجماع الامه من علماء أمصار الاسلام و مجتهدی جمیع أقطارها على هذا کما مضى و لم ینکر علیهم أحد، و علیه أى و على الاکتفاء بالواحد و الاثنین فی عقد الامامه انطوت الأعصار بعدهم إلى وقتنا هذا انتهى.

و مع ذلک کله کیف یمکن أن یقال، ان: بیعه أبی بکر کانت بیعه صحیحه شرعیّه، و کیف یحلّ لمن یؤمن باللّه و الیوم الاخر ایجاب اتباع من لم ینص اللّه و رسوله، و لا اجتمعت الامه علیه على جمیع الخلق لأجل مبایعه رجل واحد، و هل یرضى العاقل لنفسه الانقیاد إلى هذا المذهب و أن یوجب على نفسه ذل الطاعه لمن لا یعرف‏ عدالته و لا یدرى حاله من الایمان و عدمه و لا یعرف حقّه من باطله لأجل أن شخصا لا یعرف عدالته و معرفته بایعه، إن هو إلّا محض الجهل و الحمق و الضّلال عن سبیل الرّشاد.

و اما ثالثا فانّ قوله: ألا ترى أنّ البلداه، ظاهر هذا المثال بملاحظه تطبیقه مع الممثل یعطی أنّ تقدیم أبی بکر إنّما حصل بفعل اللّه سبحانه، و هو ظاهر ما ذکره فی خطبه الشّرح من قوله: و قدّم المفضول على الأفضل لمصلحه اقتضاها التکلیف، و حینئذ فیتوجه علیه أولا أنّه مناف لما صرّح به بعد ذلک: من أنّ الصّحابه نظروا إلى مصلحه الاسلام فعدلوا من الأفضل الأشرف، حیث إن المستفاد منه أنّ تقدیمه إنّما کان بفعل الصّحابه لا بفعل اللّه و ثانیا أنّه یستلزم أن یقدم اللّطیف الخبیر المفضول المحتاج إلى التکمیل على الفاضل الکامل و هو مع أنّه قبیح عقلا و نقلا افتراء علیه سبحانه، و قد قال تعالى: «أَ فَمَنْ یَهْدِی إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ یُتَّبَعَ أَمَّنْ لا یَهِدِّی إِلَّا أَنْ یُهْدى‏ فَما لَکُمْ کَیْفَ تَحْکُمُونَ» و قال: «أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّیْلِ ساجِداً وَ قائِماً» و ثالثا أنّه لو کان هذا التّقدیم من اللّه لم یصحّ لعلیّ علیه السّلام الشکایه مطلقا لانّها حینئذ یکون ردّا على اللّه و الرّد على اللّه على حدّ الشرک باللّه.

و اما رابعا فانّ قوله: و أنّهم نظروا إلى مصلحه الاسلام اه، ممنوع بل نقول إنّ تقدیمهم له إنّما نشأ من حبّ الجاه و الرّیاسه و عداوه لامام الامه کما یکشف عنه قول طلحه حین کتب أبو بکر وصیّه لعمر بالولایه و الخلافه: و لیته أمس و لاک الیوم.

و قال الغزالی فی کتابه المسمّى بسرّ العالمین على ما حکاه عنه غیر واحد فی مقاله الرّابعه التی وضعها لتحقیق أمر الخلافه بعد عده من الأبحاث و ذکر الاختلاف ما هذه عبارته: لکن اسفرت الحجه وجهها و أجمع الجماهیر على متن الحدیث من خطبته صلوات اللّه علیه فی یوم غدیر باتّفاق الجمیع و هو یقول: من کنت مولاه، فعلی‏ مولاه، فقال عمر: بخّ بخّ یا أبا الحسن لقد أصبحت مولاى و مولى کل مؤمن و مؤمنه فهذا تسلیم و رضاء و تحکیم، ثمّ بعد هذا غلب الهوى لحبّ الرّیاسه و حمل عمود الخلافه و عقود البنودو خفقان الهواء فی قعقعهالرّایات و اشتباک ازدحام الخیول و فتح الامصار سقاهم کأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأول فنبذوا الحقّ وراء ظهورهم و اشتروا به ثمنا قلیلا فبئس ما یشترون.

و اما خامسا فلأنّ تمثیله بالآیه لا وجه له، إذ ارتکاب التّأویل فی الآیه الشّریفه بحمل العصیان فیها على ترک الأولى و حمل الغیّ على الخیبه إنّما هو من أجل قیام الأدله القاطعه و البراهین السّاطعه من العقل و النّقل على عصمه الأنبیاء علیهم السّلام حسبما عرفت تفصیلا فی التذنیب الثّالث من تذنیبات الفصل الثّانی عشر من فصول الخطبه الاولى، و أمّا فیما نحن فیه فمجرّد حسن الظن بالصّحابه لا یوجب ارتکاب التّأویل و رفع الید عمّا هو ظاهر فی التّظلم و التشکّی بل صریح فی الطعن و اغتصاب الخلافه.

و اما سادسا فانّ الجواب عن الاعتراض الذی ذکره بقوله: قیل: یجوز أن یکون أمیر المؤمنین علیه السّلام لم یغلب على ظنه ما غلب على ظنون الصّحابه، تکلف بارد إذ کیف یمکن أن یجهل علیّ الذی هو باب مدینه العلم و دار الحکمه بما عرفه عامه الخلق مع جهالتهم و انحطاط درجاتهم منه فی العلم من الثرى إلى الثریا و لا سیّما انّ هذه الخطبه ممّا خطب علیه السّلام بها فی أواخر عمره الشّریف کما یشهد به مضمونها، فهب أنّه لم یغلب على ظنه فی أوّل الأمر ما غلب على ظنون الصّحابه إلّا أنّه کیف یمکن أن یخفى علیه فی هذه السّنین المتطاوله ما ظهر على الصّحابه فی بادی الرّأی.

فان قلت: هذه الخطبه منه حکایه حال ماضیه و لا تنافی اطلاعه على ما اطلع علیه الصحابه بعد هذه الحال.

قلت: المنافاه واضحه إذ اللّازم علیه بعد اطلاعه بما ظنوه أن یعذرهم و یعتذر عنهم و لا یتکلم بمثل هذا الکلام الحاکی عن سوء فعالهم و الکاشف عن قبح أعمالهم، و یأتی لهذا إن شاء اللّه مزید تحقیق فی شرح الکلام المأتین و الرّابع عشر.

و أما سابعا فانّ ما أجاب به بقوله: و أما قوله: أرتأی بین أن أصول، فیجوز أن یکون لم یعن به صیال الحرب بل صیال الجدل و المناظره، فاسد جدّا.

أما أولا فلأنّ ظاهر الکلام هو الصیّال بالحرب مؤیدا بما هو صریح کلامه علیه السّلام فی الخطبه السّادسه و العشرین و هو قوله: فنظرت فاذا لیس لی معین إلّا أهل بیتی فضننت بهم عن الموت و اغضیت على القذى و شربت على الشّجى و صبرت على أخذ الکظم و على أمرّ من طعم العلقم، و قد قال الشّارح هناک: فأمّا قوله: لم یکن لی معین إلّا أهل بیتی فضننت بهم عن الموت، فقول ما زال علیه السّلام یقوله: و لقد قاله: عقیب وفاه الرّسول صلّى اللّه علیه و آله، قال: لو وجدت أربعین ذوی عزم، ذکر ذلک نصر بن مزاحم فی کتاب صفّین و ذکره کثیر من أرباب السّیره انتهى.

و أمّا ثانیا فلأنّه علیه السّلام قد ذکر فضائله و مناقبه و النّصوص الوارده فیه و احتج بها یوم السّقیفه کما ستعرفه فی محلّه، فلم یصبر عن الاحتجاج بها حتّى یقول فصبرت و فی العین قذى و فی الحلق شجى، و کیف کان فقد تحصل ممّا ذکرنا کله أنّ تکلّفات الشّارح و تأویلاته فاسده جدّا و تطلع على فسادها زیاده على ما ذکر فی تضاعیف الکتاب إن ساعدنا التّوفیق و المجال إنشاء اللّه.

إلى هنا تم الجزء الثانی من هذه الطبعه النفیسه البهیه، و قد تصدى لتصحیحه و تهذیبه العبد «السید ابراهیم المیانجى» عفى عنه و وقع الفراغ فى الیوم الخامس عشر من شهر رجب الاصب سنه ۱۳۷۸ و یلیه الجزء الثالث، و اوله: «المقدمه الثالثه» و الحمد للّه کما هو أهله

منهاج ‏البراعه فی ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(الخوئی)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

بازدید: ۶۸

حتما ببینید

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۱۰۵ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه ۱۰۶ صبحی صالح ۱۰۶- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  ) و فیها …

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

*

code