خانه / ***خطبه ها شرح و ترجمه میر حبیب الله خوئی / نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۱/۷ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)قسمت هفتم قرآن واحکام شرعی

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۱/۷ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)قسمت هفتم قرآن واحکام شرعی

خطبه ۱ صبحی صالح

۱- و من خطبه له ( علیه ‏السلام ) یذکر فیها ابتداء خلق السماء و الأرض و خلق آدم و فیها ذکر الحج و تحتوی على حمد الله و خلق العالم و خلق الملائکه و اختیار الأنبیاء و مبعث النبی و القرآن و الأحکام الشرعیه

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَا یَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ وَ لَا یُحْصِی نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ وَ لَا یُؤَدِّی حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ الَّذِی لَا یُدْرِکُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ وَ لَا یَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ الَّذِی لَیْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ وَ لَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ وَ لَا وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَ لَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ فَطَرَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ وَ نَشَرَ الرِّیَاحَ بِرَحْمَتِهِ وَ وَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَیَدَانَ أَرْضِهِ:

أَوَّلُ الدِّینِ مَعْرِفَتُهُ وَ کَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِیقُ بِهِ وَ کَمَالُ التَّصْدِیقِ بِهِ تَوْحِیدُهُ وَ کَمَالُ تَوْحِیدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ وَ کَمَالُ الْإِخْلَاصِ لَهُ نَفْیُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَهِ کُلِّ صِفَهٍ أَنَّهَا غَیْرُ الْمَوْصُوفِ وَ شَهَادَهِ کُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَیْرُ الصِّفَهِ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُوَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ وَ مَنْ‏جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَیْهِ وَ مَنْ أَشَارَ إِلَیْهِ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَ مَنْ قَالَ فِیمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُوَ مَنْ قَالَ عَلَا مَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ:

کَائِنٌ لَا عَنْ حَدَثٍ مَوْجُودٌ لَا عَنْ عَدَمٍ مَعَ کُلِّ شَیْ‏ءٍ لَا بِمُقَارَنَهٍ وَ غَیْرُ کُلِّ شَیْ‏ءٍ لَا بِمُزَایَلَهٍ فَاعِلٌ لَا بِمَعْنَى الْحَرَکَاتِ وَ الْآلَهِ بَصِیرٌ إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَیْهِ مِنْ خَلْقِهِ مُتَوَحِّدٌ إِذْ لَا سَکَنَ یَسْتَأْنِسُ بِهِ وَ لَا یَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ

خلق العالم‏

أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاءً وَ ابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً بِلَا رَوِیَّهٍ أَجَالَهَا وَ لَا تَجْرِبَهٍ اسْتَفَادَهَا وَ لَا حَرَکَهٍ أَحْدَثَهَا وَ لَا هَمَامَهِ نَفْسٍ اضْطَرَبَ فِیهَا أَحَالَ الْأَشْیَاءَ لِأَوْقَاتِهَا وَ لَأَمَ بَیْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا وَ غَرَّزَ غَرَائِزَهَا وَ أَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا مُحِیطاً بِحُدُودِهَا وَ انْتِهَائِهَا عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وَ أَحْنَائِهَا:
ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الْأَجْوَاءِ وَ شَقَّ الْأَرْجَاءِ وَ سَکَائِکَ الْهَوَاءِ فَأَجْرَى فِیهَا مَاءً مُتَلَاطِماً تَیَّارُهُ مُتَرَاکِماً زَخَّارُهُ حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّیحِ الْعَاصِفَهِ وَ الزَّعْزَعِ الْقَاصِفَهِ فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ وَ سَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ وَ قَرَنَهَا إِلَى حَدِّهِ الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِهَا فَتِیقٌ وَ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِیقٌ ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِیحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا وَ أَدَامَ مُرَبَّهَا وَ أَعْصَفَ مَجْرَاهَا وَ أَبْعَدَ مَنْشَأَهَا فَأَمَرَهَا بِتَصْفِیقِ الْمَاءِ الزَّخَّارِ وَ إِثَارَهِ مَوْجِ الْبِحَارِ فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ‏السِّقَاءِ
وَ عَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ تَرُدُّ أَوَّلَهُ إِلَى آخِرِهِ وَ سَاجِیَهُ إِلَى مَائِرِهِ حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ وَ رَمَى بِالزَّبَدِ رُکَامُهُ فَرَفَعَهُ فِی هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ وَ جَوٍّ مُنْفَهِقٍ فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ جَعَلَ سُفْلَاهُنَّ مَوْجاً مَکْفُوفاً وَ عُلْیَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ سَمْکاً مَرْفُوعاً بِغَیْرِ عَمَدٍ یَدْعَمُهَا وَ لَا دِسَارٍ یَنْظِمُهَا
ثُمَّ زَیَّنَهَا بِزِینَهِ الْکَوَاکِبِ وَ ضِیَاءِ الثَّوَاقِبِ وَ أَجْرَى فِیهَا سِرَاجاً مُسْتَطِیراً وَ قَمَراً مُنِیراً فِی فَلَکٍ دَائِرٍ وَ سَقْفٍ سَائِرٍ وَ رَقِیمٍ مَائِرٍ.

خلق الملائکه

ثُمَّ فَتَقَ مَا بَیْنَ السَّمَوَاتِ الْعُلَا فَمَلَأَهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلَائِکَتِهِ مِنْهُمْ سُجُودٌ لَا یَرْکَعُونَ وَ رُکُوعٌ لَا یَنْتَصِبُونَ وَ صَافُّونَ لَا یَتَزَایَلُونَ وَ مُسَبِّحُونَ لَا یَسْأَمُونَ لَا یَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُیُونِ وَ لَا سَهْوُ الْعُقُولِ وَ لَا فَتْرَهُ الْأَبْدَانِ وَ لَا غَفْلَهُ النِّسْیَانِ وَ مِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْیِهِ وَ أَلْسِنَهٌ إِلَى رُسُلِهِ وَ مُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَ أَمْرِهِ وَ مِنْهُمُ الْحَفَظَهُ لِعِبَادِهِ وَ السَّدَنَهُ لِأَبْوَابِ جِنَانِهِ وَ مِنْهُمُ الثَّابِتَهُ فِی الْأَرَضِینَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ وَ الْمَارِقَهُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْیَا أَعْنَاقُهُمْ وَ الْخَارِجَهُ مِنَ الْأَقْطَارِ أَرْکَانُهُمْ وَ الْمُنَاسِبَهُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَکْتَافُهُمْ نَاکِسَهٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ مَضْرُوبَهٌ بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّهِ وَ أَسْتَارُ الْقُدْرَهِ لَا یَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِیرِوَ لَا یُجْرُونَ عَلَیْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِینَ وَ لَا یَحُدُّونَهُ بِالْأَمَاکِنِ
وَ لَا یُشِیرُونَ إِلَیْهِ بِالنَّظَائِرِ

صفه خلق آدم ( علیه ‏السلام )

ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ وَ سَهْلِهَا وَ عَذْبِهَا وَ سَبَخِهَا تُرْبَهً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ وَ لَاطَهَا بِالْبَلَّهِ حَتَّى لَزَبَتْ فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَهً ذَاتَ أَحْنَاءٍ وَ وُصُولٍ وَ أَعْضَاءٍ وَ فُصُولٍ أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَکَتْ وَ أَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ وَ أَمَدٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ نَفَخَ فِیهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانٍ یُجِیلُهَا وَ فِکَرٍ یَتَصَرَّفُ بِهَا وَ جَوَارِحَ یَخْتَدِمُهَا وَ أَدَوَاتٍ یُقَلِّبُهَا وَ مَعْرِفَهٍ یَفْرُقُ بِهَا بَیْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ وَ الْأَذْوَاقِ وَ الْمَشَامِّ وَ الْأَلْوَانِ وَ الْأَجْنَاسِ مَعْجُوناً بِطِینَهِ الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَهِ وَ الْأَشْبَاهِ الْمُؤْتَلِفَهِ وَ الْأَضْدَادِ الْمُتَعَادِیَهِ وَ الْأَخْلَاطِ الْمُتَبَایِنَهِ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ الْبَلَّهِ وَ الْجُمُودِ وَ اسْتَأْدَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَلَائِکَهَ وَدِیعَتَهُ لَدَیْهِمْ وَ عَهْدَ وَصِیَّتِهِ إِلَیْهِمْ فِی الْإِذْعَانِ بِالسُّجُودِ لَهُ وَ الْخُنُوعِ لِتَکْرِمَتِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِیسَ‏  اعْتَرَتْهُ الْحَمِیَّهُ وَ غَلَبَتْ عَلَیْهِ الشِّقْوَهُ وَ تَعَزَّزَ بِخِلْقَهِ النَّارِ وَ اسْتَوْهَنَ خَلْقَ الصَّلْصَالِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ النَّظِرَهَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَهِ وَ اسْتِتْمَاماً لِلْبَلِیَّهِ وَ إِنْجَازاً لِلْعِدَهِ فَقَالَ فَإِنَّکَ مِنَ الْمُنْظَرِینَ إِلى‏ یَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏ ثُمَّ أَسْکَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِیهَا عَیْشَهُ وَ آمَنَ فِیهَا مَحَلَّتَهُ وَ حَذَّرَهُ إِبْلِیسَ وَ عَدَاوَتَهُ فَاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَهً عَلَیْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ وَ مُرَافَقَهِ الْأَبْرَارِ فَبَاعَ الْیَقِینَ بِشَکِّهِ وَ الْعَزِیمَهَ بِوَهْنِهِ وَ اسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلًا وَ بِالِاغْتِرَارِ نَدَماًثُمَّ بَسَطَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِی تَوْبَتِهِ وَ لَقَّاهُ کَلِمَهَ رَحْمَتِهِ وَ وَعَدَهُ الْمَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ وَ أَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ الْبَلِیَّهِ وَ تَنَاسُلِ الذُّرِّیَّهِ

اختیار الأنبیاء

وَ اصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِیَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْیِ مِیثَاقَهُمْ وَ عَلَى تَبْلِیغِ الرِّسَالَهِ أَمَانَتَهُمْ لَمَّا بَدَّلَ أَکْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللَّهِ إِلَیْهِمْ فَجَهِلُوا حَقَّهُ وَ اتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ وَ اجْتَالَتْهُمُ الشَّیَاطِینُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَ اقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ فَبَعَثَ فِیهِمْ رُسُلَهُ وَ وَاتَرَ إِلَیْهِمْ أَنْبِیَاءَهُ لِیَسْتَأْدُوهُمْ مِیثَاقَ فِطْرَتِهِ وَ یُذَکِّرُوهُمْ مَنْسِیَّ نِعْمَتِهِ وَ یَحْتَجُّوا عَلَیْهِمْ بِالتَّبْلِیغِ وَ یُثِیرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ وَ یُرُوهُمْ آیَاتِ الْمَقْدِرَهِ مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ وَ مِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ وَ مَعَایِشَ تُحْیِیهِمْ وَ آجَالٍ تُفْنِیهِمْ وَ أَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ وَ أَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَیْهِمْ وَ لَمْ یُخْلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِیٍّ مُرْسَلٍ أَوْ کِتَابٍ مُنْزَلٍ أَوْ حُجَّهٍ لَازِمَهٍ أَوْ مَحَجَّهٍ قَائِمَهٍ رُسُلٌ لَا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّهُ عَدَدِهِمْ وَ لَا کَثْرَهُ الْمُکَذِّبِینَ لَهُمْ مِنْ سَابِقٍ سُمِّیَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ‏ أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى ذَلِکَ نَسَلَتِ الْقُرُونُ وَ مَضَتِ الدُّهُورُ وَ سَلَفَتِ الْآبَاءُ وَ خَلَفَتِ الْأَبْنَاءُ

مبعث النبی‏

إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رَسُولَ اللَّهِ ( صلى‏ الله ‏علیه ‏وآله ‏وسلم )لِإِنْجَازِ عِدَتِهِ وَ إِتْمَامِ نُبُوَّتِهِ مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِیِّینَ مِیثَاقُهُ مَشْهُورَهً سِمَاتُهُ کَرِیماً مِیلَادُهُ وَ أَهْلُ الْأَرْضِ یَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَهٌ وَ أَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَهٌ وَ طَرَائِقُ مُتَشَتِّتَهٌ بَیْنَ مُشَبِّهٍ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ أَوْ مُلْحِدٍ فِی اسْمِهِ أَوْ مُشِیرٍ إِلَى غَیْرِهِ فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلَالَهِ وَ أَنْقَذَهُمْ بِمَکَانِهِ مِنَ الْجَهَالَهِ ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمَّدٍ ( صلى‏ الله ‏علیه ‏وسلم )لِقَاءَهُ وَ رَضِیَ لَهُ مَا عِنْدَهُوَ أَکْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْیَا وَ رَغِبَ بِهِ عَنْ مَقَامِ الْبَلْوَى فَقَبَضَهُ إِلَیْهِ کَرِیماً ( صلى‏ الله ‏علیه ‏وآله )وَ خَلَّفَ فِیکُمْ مَا خَلَّفَتِ الْأَنْبِیَاءُ فِی أُمَمِهَاإِذْ لَمْ یَتْرُکُوهُمْ هَمَلًا بِغَیْرِ طَرِیقٍ وَاضِحٍ وَ لَا عَلَمٍ قَائِمٍ

القرآن و الأحکام الشرعیه

کِتَابَ رَبِّکُمْ فِیکُمْ مُبَیِّناً حَلَالَهُ وَ حَرَامَهُ وَ فَرَائِضَهُ وَ فَضَائِلَهُ وَ نَاسِخَهُ وَ مَنْسُوخَهُ وَ رُخَصَهُ وَ عَزَائِمَهُ وَ خَاصَّهُ وَ عَامَّهُ وَ عِبَرَهُ وَ أَمْثَالَهُ وَ مُرْسَلَهُ وَ مَحْدُودَهُ وَ مُحْکَمَهُ وَ مُتَشَابِهَهُ مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ وَ مُبَیِّناً غَوَامِضَهُ بَیْنَ مَأْخُوذٍ مِیثَاقُ عِلْمِهِ وَ مُوَسَّعٍ‏عَلَى الْعِبَادِ فِی جَهْلِهِ وَ بَیْنَ مُثْبَتٍ فِی الْکِتَابِ فَرْضُهُ وَ مَعْلُومٍ فِی السُّنَّهِ نَسْخُهُ وَ وَاجِبٍ فِی السُّنَّهِ أَخْذُهُ وَ مُرَخَّصٍ فِی الْکِتَابِ تَرْکُهُ وَ بَیْنَ وَاجِبٍ بِوَقْتِهِ وَ زَائِلٍ فِی مُسْتَقْبَلِهِ وَ مُبَایَنٌ بَیْنَ مَحَارِمِهِ مِنْ کَبِیرٍ أَوْعَدَ عَلَیْهِ نِیرَانَهُ أَوْ صَغِیرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ وَ بَیْنَ مَقْبُولٍ فِی أَدْنَاهُ مُوَسَّعٍ فِی أَقْصَاهُ 

و منها فی ذکر الحج‏

وَ فَرَضَ عَلَیْکُمْ حَجَّ بَیْتِهِ الْحَرَامِ الَّذِی جَعَلَهُ قِبْلَهً لِلْأَنَامِ یَرِدُونَهُ وُرُودَ الْأَنْعَامِ وَ یَأْلَهُونَ إِلَیْهِ وُلُوهَ الْحَمَامِ وَ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلَامَهً لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ وَ إِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ وَ اخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَیْهِ دَعْوَتَهُ وَ صَدَّقُوا کَلِمَتَهُ وَ وَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِیَائِهِ وَ تَشَبَّهُوا بِمَلَائِکَتِهِ الْمُطِیفِینَ بِعَرْشِهِ یُحْرِزُونَ الْأَرْبَاحَ فِی مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ وَ یَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لِلْإِسْلَامِ عَلَماً وَ لِلْعَائِذِینَ حَرَماً فَرَضَ حَقَّهُ وَ أَوْجَبَ حَجَّهُ وَ کَتَبَ عَلَیْکُمْ وِفَادَتَهُ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلًا وَ مَنْ کَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِیٌّ عَنِ الْعالَمِینَ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج۲  

الفصل السابع عشر

ثمّ اختار سبحانه لمحمّد صلّى اللّه علیه و آله لقائه، و رضی له ما عنده فأکرمه عن دار الدّنیا، و رغب به عن مقارنه (مقام خ‏ل) البلوى، فقبضه إلیه‏ کریما صلّى اللّه علیه و آله، و خلّف فیکم ما خلّفت الانبیاء فی أممها، إذ لم یترکوهم هملا بغیر طریق واضح، و لا علم قائم، کتاب ربّکم مبیّنا حلاله و حرامه، و فضائله و فرائضه، و ناسخه و منسوخه، و رخصه و عزائمه، و خاصّه و عامّه، و عبره و أمثاله، و مرسله و محدوده، و محکمه و متشابهه، مفسّرا جمله، و مبیّنا غوامضه، بین مأخوذ میثاق علمه، و موسّع على العباد فی جهله، و بین مثبت فی الکتاب فرضه، و معلوم فی السّنّه نسخه، و واجب فی السّنّه أخذه، و مرخّص فی الکتاب ترکه، و بین واجب لوقته، و زایل فی مستقبله، و مباین بین محارمه، من کبیر أوعد علیه نیرانه، أو صغیر أرصد له غفرانه، و بین مقبول فی أدناه، و موسّع فی أقصاه.

اللغه

(رغب) بالکسر من باب تعب إذا تعدى بکلمه فی فبمعنى الاراده و المیل، و إذا عدّى بعن فبمعنى الاعراض و العدول، یقال: رغب فیه رغبا و رغبه إذا أراده و رغب عنه إذا لم یرده و أعرض عنه و (البلوى) و البلاء بمعنى واحد و (خلّفوا) أثقالهم تخلیفا خلّوها وراء ظهورهم و (الهمل) محرکه مصدر همل کضرب یقال: ترکت الابل و الغنم و نحوهما هملا، أى سدى یرعى بعیر راع لیلا و نهارا، و الهمل أیضا جمع هامل مثل همّل و همال و زان رکع و کتاب، یقال: بغیر هامل أى راع و لا راعی له و (العلم) هو العلامه و ما ینصب فی الطریق لاهتداء النّاس به من المیل و المنار و (الفضایل) جمع الفضیله و هو الخیر، و هو خلاف النقیصه و (الفرائض) جمع الفریضه بمعنى المفروضه، و هی الأحکام الواجبه یقال: فرض اللّه الأحکام أى أوجبها و (النّسخ)إزاله ما کان ثابتا و (الرّخص) جمع الرّخصه کغرف و غرفه و هو التّسهیل فی الأمر و التّیسیر یقال: رخص الشّرع لنا فی کذا ترخیصا و ارخص إرخاصا إذا یسّره و سهله و (العزائم) جمع العزیمه و فسرها أهل اللغه بالفریضه و الظاهر بقرینه المقابله بالرّخص إراده الفرائض المشتمله على الجدّ و الضّیق و (العبر) جمع عبره و هو الاعتبار و الاتعاظ بما مضى و (المحکم) من اللّفظ ما اتّضح دلالته و (المتشابه) خلافه و (غمض) الحقّ غموضا من باب قعد خفى و نسب غامض لا یعرف و (المباین) بفتح الیاء مفعول من باین بمعنى المفاصل و (ارصد له) أى أعدله.

الاعراب

کریما حال من مفعول قبضه، و کلمه ما مفعول لقوله خلف مجازا، و الاصل مثل ما خلّفت، و إذ لم یترکوهم تعلیل لتخلیف الأنبیاء، و کتاب منصوب على أنّه عطف بیان لما، و مبیّنا حال من فاعل خلّف، و هو العامل فیه، و مفسّرا حال بعد حال، و الضّمایر کلها راجعه إلى الکتاب المشتمل على الأحکام المذکوره، و بین مأخوذ متعلق بمقدّر حال من الکتاب، أى حال کون ذلک الکتاب دائرا بین مأخوذ، و مباین بالجرّ عطف على سابقه أى بین مباین بین محارمه.

و ما توهّمه الشّارح المعتزلی و تبعه غیره من أنّ الواجب کونه بالرّفع لا بالجرّ نظرا إلى أنّه لیس معطوفا على ما قبله، بدلیل أنّ جمیع ما قبله یستدعی الشی‏ء و ضدّه، أو الشی‏ء و نقیضه و قوله و مباین بین محارمه لا نقیض و لا ضدّ له، لأنّه لیس القرآن العزیز على قسمین أحدهما مباین بین محارمه، و الآخر غیر مباین، فانّ ذلک لا یجوز، فوجب رفع مباین و أن یکون خبر مبتدأ محذوف فیه أنّه إن أراد أنّ کلمه بین یستدعی الاضافه إلى اثنین فصاعدا نقیضا کان أحدهما للآخر أو ضدّا نظرا إلى عدم تمامیّه المعنى بدونهما، ففیه منع ذلک، لما قد عرفت فی الفصل السّابق من تجویزهم إضافته إلى شی‏ء واحد یقوم مقام شیئین کما فی قوله تعالى: عوان بین ذلک، و قول امرء القیس: بین الدّخول فحومل، حیث‏ ردّوا من جوّز العطف بعدها بالفاء، استدلالا بالبیت المذکور بأنّ الدّخول اسم لمواضع شتى.

و إن أراد أنّ جمیع ما ذکره علیه السّلام قبل قوله و مباین ممّا اقحم فیه کلمه بین قد ذکر علیه السّلام فیه الشی‏ء و ضدّه أو الشی‏ء و نقیضه، و مباین لو کان مجرورا بالعطف للزم أن یذکر له ضدّا و نقیض و لیس فلیس، ففیه أنّ کون ما قبله على النّسق المذکور لا یستدعی کون ذلک على ذلک النّسق أیضا، ألا ترى إلى قوله علیه السّلام بعد ذلک بین محارمه حیث لم یذکر له ضدّ و لا نقیض فان قلت: إنّ المحارم لما لم تکن شیئا واحدا بل بعضها من قبیل الکبائر و بعضها من قبیل الصّغائر کما بینها بقوله علیه السّلام: من کبیر أوعد علیه نیرانه أو صغیراه لا جرم حسن الاکتفاء بها فی مقام الاضافه قلت: أوّلا إنّ هذا هدم لما أسّسته، و ثانیا أنّ المباین لیس أیضا شیئا واحدا شخصیّا، بل هو مثل المحارم، و بعباره اخرى الحرمه المباینه بین المحارم تابعه للمحارم فی تعدّد الأفراد فافهم جیّدا و أمّا قوله: لأنّ القرآن العزیز لیس على قسمین، أحدهما مباین، و الآخر غیر مباین، ففیه ان ذلک مما تضحک منه الثکلى، ضروره أنّ الکتاب لیس منحصرا فی المباین، بل بعضه جدل و بعضه قصص و بعضه مثل و بعضه أحکام و بعضه ترغیب و بعضه ترهیب، کما أنّ بعضه مباین بین محارمه إلى غیر ذلک ممّا اشتمل علیه، و بالجمله فقد تلخص ممّا ذکرنا کله أنّ مباین مجرور معطوف على ما قبله و لیس بمرفوع على أنّه خبر مبتدأ محذوف، مضافا إلى أن جعله مرفوعا خلاف ما یستفاد«» من سیاق کلامه علیه السّلام سابقا و لاحقا.

المعنى

(ثمّ) إنّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله لمّا بلّغ الرّساله و أدّى الأمانه و أکمل الدّین و أتمّ النّعمه و هدى الأمّه من الضّلاله و أنقذها من الجهاله (اختار) اللّه (سبحانه) عند ذلک له أى (لمحمّد صلّى اللّه علیه و آله لقائه، و رضى له ما عنده) ممّا لا عین رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر (فأکرمه) و أعزّه (عن) اللبث و البقاء فی (دار الدّنیا، و رغب به) و صرفه (عن) اقامه (مقام) المحنه و (البلوى فقبضه) أى قبض روحه الشّریف (إلیه) أى إلى قربه الروحانى حالکونه (کریما) شریفا (صلّى اللّه علیه و آله) و کان قبضه صلّى اللّه علیه و آله لاثنتى عشره لیله مضت من ربیع الأوّل یوم الاثنین، و هو ابن ثلاث و ستّین سنه على ما فی الکافی، و الاشهر أنّه للیلتین بقیتا من صفر، و لم یمض صلّى اللّه علیه و آله حتّى بین للناس معالم دینهم، و أوضح لهم سبیلهم، و لم یترکهم بعده سدى و هملا، بل خلف فیهم الثقلین على ما دلّ علیه الحدیث المتواتر بین الفریقین و یأتی إنشاء اللّه فی شرح المختار السّادس و الثّمانین و غیره من المقام اللایق و المناسب و من جمله طرقه الصّدوق: قال: حدّثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا الحسن بن علیّ بن الحسین السکری عن محمّد بن زکریا الجوهری عن جعفر بن محمّد ابن عماره عن أبیه عن الصّادق جعفر بن محمّد عن أبیه محمّد بن علی عن أبیه علیّ بن الحسین عن أبیه الحسین عن أبیه علیّ بن أبی طالب سلام اللّه علیهم، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: إنّی مخلف فیکم الثقلین: کتاب اللّه و عترتی أهل بیتی، و أنّهما لن یفترقا حتّى یردا علىّ الحوض کهاتین، و ضمّ بین سبّابتیه، فقام إلیه جابر بن عبد اللّه، فقال: یا رسول اللّه من عترتک قال صلّى اللّه علیه و آله: علیّ و الحسن و الحسین و الأئمه من ولد الحسین علیهم السّلام إلى یوم القیامه.

و إلى ذلک المعنى أشار علیه السّلام بقوله: (و خلف فیکم) أى خلّى وراء ظهره مثل (ما خلفت الأنبیاء) السّابقه و الرّسل السّالفه (فی اممها) من آثار النّبوه و اعلام الرّساله (إذ لم یترکوهم هملا) أى لم یترکوا اممهم یفعلون ما یشاءون کالابل التی رعت حیث تشاء و لا راعى لها لیلا و نهارا، و یحتمل الجمع على ما مرّ أى لم‏ یترکوهم هاملین (بغیر طریق واضح) یوصل إلى مقام القرب و الزلفى (و لا علم قائم) بینهم ینجی بهم عن ورطه الهلاکه و الرّدى أقول: قد عرفت فی الفصل السّادس عشر أنّ بعث الأنبیاء و الحجج علیهم السّلام إنّما هو لأن یدعوا الخلق إلى الحقّ بالحکمه و الموعظه الحسنه، و لیکونوا سببا لانتظام أمر معاشهم و معادهم، لمکان ما جاءوا به من القانون العدل و الشّرع السّواء، و لأجل ذلک مست الحاجه على أن یأتوا من عنده سبحانه بکتاب باق و علم قائم بعد انقراض قرن النبی المبعوث إلى زمن مجی‏ء بعث النبیّ الاخر، لیکون تذکره لهم، وکیلا یندرس آثار النبوّه من الأرض و لا تنقطع بفقدانهم، و لا یکون الخلق ینسون ما ذکروا به و غافلین و کالهمل من الحیوان یعملون ما یشتهون، أو کالهمج الرّعاع لکلّ ناعق یصغون، و لمّا کان شرع نبینا صلّى اللّه علیه و آله مستمرّا إلى یوم القیامه وجب له أن یخلّف لمن یلیه ما یکون ذکرى و تذکره فی هذه المدّه المتطاوله و قد خلّف الثقل الأکبر مضافا إلى الثقل الاصغر و هو حبل ممدود من السماء إلى الارض ینجى به من المهالک و من فارقه فهالک و بیّن فیه الحلال و الحرام و الحدود و الأحکام و جمیع ما یحتاج إلیه النّاس کملا، و کما جعله اللّه سبحانه خاتما للأنبیاء فقد جعل کتابه خاتما للکتب، فلا کتاب بعده أحلّ فیه حلالا و حرّم حراما، فحلاله حلال إلى یوم القیامه و حرامه حرام إلى یوم القیامه فیه شرعکم و خبر من قبلکم و خبر من بعدکم و هو (کتاب ربّکم) و جعله النبی صلّى اللّه علیه و آله علما باقیا و طریقا قائما بین امّته حالکونه (مبیّنا حلاله و حرامه) کما قال تعالى: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَیْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا» و قد یجعل الحلال أعمّ من المباح و المکروه لیکون ذلک مع قوله علیه السّلام: (و فضائله و فرائضه) إشاره إلى الأحکام الخمسه التی علیها مدار الفقه، لیکون الفضائل إشاره إلى المندوبات، و الفرائض إشاره إلى الواجبات، و ذلک مثل قوله سبحانه: «فَإِذا قَضَیْتُمُ الصَّلاهَ فَاذْکُرُوا اللَّهَ قِیاماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِکُمْ‏ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِیمُوا الصَّلاهَ إِنَّ الصَّلاهَ کانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ کِتاباً مَوْقُوتاً» فانّ ذکر اللّه سبحانه بعد قضاء الصّلاه و فعلها داخل فی المندوبات، و إقامه الصّلاه بعد الاطمینان موقوته مفروضه (و ناسخه و منسوخه) و المراد بالأوّل الحکم الرّافع للحکم الثّابت بالنصّ المتقدّم، و یسمّى الثّانی و هو الحکم المرفوع منسوخا، و مثال ذلک قوله تعالى: «وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِینَ أُوتُوا الْکِتابَ مِنْ قَبْلِکُمْ»«» فانّه منسوخ بقوله تعالى: « وَ لا تَنْکِحُوا الْمُشْرِکاتِ» و بقوله: «وَ لا تُمْسِکُوا بِعِصَمِ الْکَوافِرِ» کما یدلّ علیه ما رواه فی الکافی عن الحسن بن الجهم قال: قال لى أبو الحسن الرّضا علیه السّلام: یا با محمّد ما تقول فی رجل یتزوّج نصرانیّه على مسلمه قلت جعلت فداک و ما قولی بین یدک، قال: لتقولنّ فانّ ذلک تعلم به قولی، قلت: لا یجوز تزویج نصرانیه على مسلمه و لا على غیر مسلمه، قال: و لم قلت: یقول اللّه عزّ و جلّ «وَ لا تَنْکِحُوا الْمُشْرِکاتِ حَتَّى یُؤْمِنَّ» قال: فما تقول فی هذه الآیه «وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِینَ أُوتُوا الْکِتابَ مِنْ قَبْلِکُمْ» قلت: فقوله: و لا تنکحوا المشرکات نسخت هذه الآیه فتبسّم علیه السّلام ثمّ سکت (و رخصه و عزائمه) الظاهر أنّ المراد بالعزائم الاحکام التی لا یجوز مخالفتها بحال من الأحوال، مثل وجوب الاعتقاد و الاقرار بالتّوحید کما قال تعالى:

 «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» و بالرّخص ما یجوز مخالفته و اذن فی ترکه فی بعض الأحیان لقیام الدّاعی إلى المخالفه کأکل المیته فی حال المخمصه على ما یدلّ علیه الآیه الشّریفه «إِنَّما حَرَّمَ عَلَیْکُمُ الْمَیْتَهَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِیرِ وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَیْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَیْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَیْهِ» و قریب منه ما قیل: من انّ الرّخص ما اذن فی فعله مع قیام السّبب المحرّم لضروره أو غیرها، و العزائم ما کان من الاحکام الشّرعیّه جاریا على وفق سببه الشّرعى أقول: و ذلک مثل صوم شهر رمضان، فانّه رخصه بمعنى أنّه یجوز ترکه فی حقّ الحامل المقرب و المرضعه القلیله اللّبن و الشیخ و الشیخه، و یجب ترکه فی حقّ المریض و المسافر، فیکون الافطار عزیمه لهما و «الصوم ظ» عزیمه فی حقّ غیرهم من الجامعین لشرائط الوجوب، قال تعالى: «یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا کُتِبَ عَلَیْکُمُ الصِّیامُ کَما کُتِبَ عَلَى الَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ، أَیَّاماً مَعْدُوداتٍ، فَمَنْ کانَ مِنْکُمْ مَرِیضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّهٌ مِنْ أَیَّامٍ أُخَرَ، وَ عَلَى الَّذِینَ یُطِیقُونَهُ فِدْیَهٌ طَعامُ مِسْکِینٍ، فَمَنْ تَطَوَّعَ خَیْراً فَهُوَ خَیْرٌ لَهُ، وَ أَنْ تَصُومُوا خَیْرٌ لَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» فانّ الصّیام عزیمه فی حقّ المؤمنین، و رخص فی ترکه لمن کان مریضا أو على سفر فیجب له الافطار کما رخص جوازا فی حقّ الذین لهم طاقه و لیس لهم وسع من الحامل المقرب و نحوها ممّن ذکرناه، و إلیه الاشاره بقوله: و على الذین یطیقونه، فانهم مرخّصون فی الافطار مخیرون بین الصّوم و الفدیه و ان یصوموا خیر لهم إن کانوا یعلمون (و خاصّه و عامّه) العام هو اللّفظ الموضوع للدلاله على استغراق أجزائه أو جزئیاته، و الخاص خلافه و الأوّل مثل قوله تعالى:

«أَقِیمُوا الصَّلاهَ وَ آتُوا الزَّکاهَ» و قوله: «أُحِلَّ لَکُمُ الطَّیِّباتُ» و الثّانی مثل قوله: «وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِینَهِ» و یحتمل أن یکون المراد بالعام ما لفظه موضوع للعموم و ارید منه ذلک أیضا: کقوله تعالى: «وَ اللَّهُ بِکُلِّ شَیْ‏ءٍ عَلِیمٌ» و بالخاص ما لم یرد به ذلک و إن کان اللفظ موضوعا له، مثل قوله تعالى حکایه عن بلقیس: «وَ أُوتِیَتْ مِنْ کُلِّ شَیْ‏ءٍ» فانّ لفظه عامّ و معناه خاصّ، لأنّها لم تؤت شیئا کثیرا منها الذکر و اللحیه و قوله: «یا بَنِی إِسْرائِیلَ اذْکُرُوا نِعْمَتِیَ الَّتِی أَنْعَمْتُ عَلَیْکُمْ وَ أَنِّی فَضَّلْتُکُمْ عَلَى الْعالَمِینَ» لأنّ معناه خاصّ، لأنّهم إنّما فضلوا على أهل زمانهم بأشیاء خصّهم بها (و عبره و امثاله) العبر جمع العبره مأخوذه من العبور الذی هو انتقال الجسم من مکان إلى آخر، و معناها انتقال ذهن الانسان من شی‏ء إلى آخر بسبب من الأسباب، کانتقاله من المصائب و الآلام الواقعه على الغیر إلى نفسه فیقدّرها کانّها نازله به، فیحصل له بذلک رغبه عن الدنیا و میل إلى العقبى، قال تعالى: «فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَکالَ الْآخِرَهِ وَ الْأُولى‏، إِنَّ فِی ذلِکَ لَعِبْرَهً لِمَنْ یَخْشى‏»«» و هذا أکثر مواقع استعمالها، و قد یستعمل فی الانتقال من آثار الصّنع و القدره إلى وجود الصّانع و صفات کماله، قال سبحانه: «یُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّیْلَ وَ النَّهارَ إِنَّ فِی ذلِکَ لَعِبْرَهً لِأُولِی الْأَبْصارِ»

و قال أیضا: «وَ إِنَّ لَکُمْ فِی الْأَنْعامِ لَعِبْرَهً نُسْقِیکُمْ مِمَّا فِی بُطُونِهِ مِنْ بَیْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِینَ» و أمّا الأمثال فکقوله عزّ من قائل: «مَثَلُ الَّذِینَ حُمِّلُوا التَّوْراهَ ثُمَّ لَمْ یَحْمِلُوها کَمَثَلِ الْحِمارِ یَحْمِلُ أَسْفاراً» و قوله: «مَثَلُ الَّذِینَ یُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ کَمَثَلِ حَبَّهٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِی کُلِّ سُنْبُلَهٍ مِائَهُ حَبَّهٍ».

(و مرسله و محدوده) المراد بالمرسل هو المطلق، و هو على ما عرفه أکثر الأصولیّین اللفظ الدّالّ على شایع فی جنسه، و فرق الشّهید فی التّمهید بینه و بین العام، بأن المطلق هو الماهیّه لا بشرط شی‏ء و العام هو الماهیّه بشرط الکثره المستغرقه، و التّفصیل فی ذلک موکول إلى الأصول، و المراد بالمحدود هو المقید مثال الأوّل قوله تعالى: «وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ یَأْمُرُکُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَهً» و مثال الثّانی قوله: «قالَ إِنَّهُ یَقُولُ إِنَّها بَقَرَهٌ لا ذَلُولٌ تُثِیرُ الْأَرْضَ وَ لا تَسْقِی الْحَرْثَ مُسَلَّمَهٌ لا شِیَهَ فِیها-  الآیه» (و محکمه و متشابهه) قال تعالى: «هُوَ الَّذِی أَنْزَلَ عَلَیْکَ الْکِتابَ مِنْهُ آیاتٌ مُحْکَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْکِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمْ زَیْغٌ فَیَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَهِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِیلِهِ» و المحکم مأخوذ من حاکمت و أحکمت بمعنى رددت و منعت، و الحاکم یمنع‏ الظّالم من الظلم، و بناء محکم أى وثیق یمنع من تعرّض له، و سمّیت الحکمه حکمه لمنعها عمّا لا ینبغی، و التّشابه أن یکون أحد الشّیئین شبیها بالاخر بحیث یعجز الذّهن عن التّمیز بینهما، قال تعالى: «إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَیْنا» و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: حلال بیّن و حرام بیّن و شبهات بین ذلک، و لما کان من شأن المتشابهین عجز الانسان عن التّمیز بینهما سمّی کلّ ما لا یهتدى الانسان إلیه بالمتشابه إطلاقا لاسم السّبب على المسبّب هذا.

و عرّفهما المحقّقون من العامه و الخاصّه بأنّ اللفظ الموضوع لمعنى إمّا أن یحتمل غیر ذلک أم لا، الثّانی النّص، و على الأوّل فإمّا أن یکون أحدهما راجحا و الآخر مرجوحا أم لا، بل یکون احتماله لهما على السّواء، فعلى الأوّل الرّاجح الظاهر، و المرجوح المأوّل، و الثّانی المشترک أو المجمل، و القدر المشترک بین النّص و الظاهر هو المحکم، و بین المجمل و المأوّل هو المتشابه.

فقد ظهر من ذلک أنّ المحکم ما اتّضح دلالته، و المتشابه خلافه و قد حقّقنا الکلام فیهما بما لا مزید علیه فی حواشینا على القوانین مثال الأوّل قوله: «إِنَّ اللَّهَ لا یَظْلِمُ النَّاسَ شَیْئاً، وَ لا یَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّهٍ» و مثال المتشابه قوله: «وَ الْمُطَلَّقاتُ یَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَهَ قُرُوءٍ» و قوله: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏» و التشابه فی الاولى من جهه الاشتراک، و فی الثّانیه من تعذّر الحقیقه و اختفاء قرینه المجاز، و من المتشابه الحروف المقطعه فی أوائل السّور مثل الم و حم و طه و نحوها و قوله علیه السّلام (مفسرا جمله) المراد بالجمل الألفاظ المجمله المحتمله المحتاجه إلى التّفسیر و البیان، مثل ثلاثه قروء فی الآیه السّابقه المردّده بین الطهر و الحیض، و منه على مذهب البعض قوله:

 «حُرِّمَتْ عَلَیْکُمْ أُمَّهاتُکُمْ، و حُرِّمَتْ عَلَیْکُمُ الْمَیْتَهُ وَ الدَّمُ، وَ أُحِلَّتْ لَکُمْ بَهِیمَهُ الْأَنْعامِ» و أمثالها ممّا اضیف فیه التحلیل و التّحریم إلى الأعیان«» فانّ إراده الحقیقه فیها غیر ممکنه، و المجازات متعدّده، و اللفظ مجمل بالنّسبه إلیها و محتمل لکلّ منها (و مبینا غوامضه) أى معضلاته و مشکلاته.

ثمّ أشار علیه السّلام إلى تقسیم الکتاب بنحو آخر بقوله: (بین مأخوذ میثاق علمه) أی على کلّ أحد لا یقبل العذر فیه، و ذلک مثل معرفه الصّانع و توحیده قال تعالى: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّکَ مِنْ بَنِی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّکُمْ قالُوا بَلى‏-  الآیه» (و) بین (موسّع على العباد فی جهله) کالمتشابهات التی جعل علمها مخصوصا بالرّاسخین فی العلم، و غیرهم منها فی سعه کما قال: (وَ ما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ) (و بین مثبت فی الکتاب فرضه، و معلوم فی السنه نسخه) هذا الکلام نصّ و صریح فی وقوع نسخ الکتاب بالسنّه المتواتره، فیدلّ على جوازه بطریق أولى، لأنّ الوقوع أخصّ من الامکان، و هو مذهب أصحابنا رضی اللّه عنهم و المتکلمین من المعتزله و الأشاعره، و إلیه ذهب أصحاب أبی حنیفه و مالک، و خالف فیه الشافعی و أکثر الظاهریّه على المحکى عنهم فی النّهایه و الحنبلى فی إحدى الرّوایتین عنه، و المسأله معنونه فی الاصول و یشهد بوقوعه قوله:

 (وَ اللَّاتِی یَأْتِینَ الْفاحِشَهَ مِنْ نِسائِکُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَیْهِنَّ أَرْبَعَهً مِنْکُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِکُوهُنَّ فِی الْبُیُوتِ حَتَّى یَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ یَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِیلًا، وَ الَّذانِ یَأْتِیانِها مِنْکُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ کانَ تَوَّاباً رَحِیماً) فانّ مفاد الآیه الاولى حبس الفواحش من النّساء فی البیوت إلى حین الممات، کما أنّ مفاد الثّانیه وجوب ایذاء الآتین للفاحشه، ثمّ نسخ ذلک أى الحبس و الایذاء بالجلد الثابت لغیر المحصن و المحصنه بالکتاب أعنی قوله: (الزَّانِیَهُ وَ الزَّانِی فَاجْلِدُوا کُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَهَ جَلْدَهٍ) و بالرّجم الثابت لهما بالسنه النبویّه و أمّا ما قیل: من أنّ الآیه الاولى منسوخه بآیه الجلد و الرّجم الثّابت بالسنه مضاف إلى الجلد زیاده و لیس نسخا له، و أنّ الآیه الثانیه باقیه بحالها غیر منسوخه إذ الزّانی المستحق للحدّ یذمّ أوّلا و یعنف، ثمّ یحدّ فلیست الآیتان منسوختین بالسنه ففیه منع اضافه الجلد إلى الرّجم دائما کمنع إضافه الرّجم إلیه کذلک، بل بعض الفاحشات مستحقّه للجلد فقط و بعضها للرّجم فقط و بعضها یجمع لها بین الحدّین على ما فصل فی الکتب الفقهیه و أمّا ما قاله الشّارح البحرانی فی تقریر الاستشهاد بهما على المدّعى: من أنّه کانت الثیب إذا زنت فی بدء الاسلام تمسک فی البیوت إلى الممات، و البکر تؤذى بالکلام و نحوه بمقتضى هاتین الآیتین، ثمّ نسخ فی حقّ الثّیب بالرّجم و فی حقّ البکر بالجلد و التعزیر بحکم السّنه ففیه أوّلا أن الآیه الأولى غیر مختصّه بالثّیب بل شامله لها و للبکر، اللهمّ إلّا أن یقال باستفاده الثّیبوبه من الاضافه، لأنّه سبحانه أضافهن إضافه زوجیّه إذ لو أراد غیر الزوجات لقال: من النّساء، و لم یقل: من نسائکم، فالبکر تکون خارجه عنها 

و ثانیا أنّ السنّه لم تقم على الرجم فی حقّ الثیب مطلقا بل فی حقّ المحصنه منها فاللازم تبدیل لفظ الثّیب فی قوله: ثمّ نسخ، فی حقّ الثّیب بالمحصنه و ثالثا أنّ ثبوت الجلد للبکر إنّما هو بالکتاب لا بحکم السنّه، لا یقال إنّ غایه ما یستفاد من الکتاب هو جلد الزّانیه مأئه جلده، و کون المراد بها هی البکر الغیر المحصنه ممّا استفید من السّنه، فثبوت الجلد فی حقّها قد کان بحکم السنّه فکان النّاسخ هو السنّه دون الکتاب، لأنا نقول: إنّ النّاسخ هو الکتاب، و السنّه بیان لما هو المراد بالنّاسخ فافهم و رابعا أنّ المستفاد من کلامه (ره) أنّ الآیه الاولى وارده فی حقّ الثیب و الآیه الثّانیه فی حقّ البکر و هو خلاف ما یستفاد من الأخبار، فانّ المستفاد منها أن الأولى وارده فی حقّ النّساء، و الثّانیه فی حقّ الرّجال قال علیّ بن إبراهیم القمیّ (ره) عند تفسیر الآیتین: فانّ فی الجاهلیّه إذا زنى الرّجل یؤذى و المرأه تحبس فی بیت إلى أن تموت، ثمّ نسخ ذلک بقوله: الزّانیه و الزّانی فاجلدوا کلّ واحد منهما مأئه جلده.

و روى فی الوسائل عن رساله المحکم و المتشابه للمرتضى، نقلا من تفسیر النّعمانی بإسناده عن إسماعیل بن جابر عن أبی عبد اللّه عن آبائه عن أمیر المؤمنین علیهم السّلام فی حدیث النّاسخ و المنسوخ، قال: کان من شریعتهم فی الجاهلیّه أنّ المرأه إذا زنت حبست فی البیت و اقیم بادوها حتّى یأتیها الموت، و إذا زنى الرّجل نفوه عن مجالسهم و شتموه و آذوه و عیّروه و لم یکونوا یعرفون غیر هذا، قال اللّه تعالى فی أوّل الاسلام و اللّاتی یأتین الفاحشه إلى آخر الآیتین، فلمّا کثر المسلمون و قوى الاسلام و استوحشوا امور الجاهلیّه أنزل اللّه تعالى: الزّانیه و الزّانی، الایه، فنسخت هذه آیه الحبس و الأذى أقول: و لعلّ مراده علیه السّلام نسخ هذه الآیه لتلک الآیتین فی حقّ غیر المحصن و المحصنه فلا ینافی ما قرّرناه فی مقام الاستشهاد کما لا یخفى (و) بین (واجب فی السنّه أخذه، و مرخّص فی الکتاب ترکه) هذا الکلام کسابقه صریح فی عکس‏ سابقه، و هو وقوع نسخ السنّه بالکتاب، فیدلّ على الجواز بالأولویّه حسبما مرّ و هو مذهب الامامیّه و الأشاعره و المعتزله و جمیع فقهاء العامّه، و المخالف منحصر فی الشّافعی على ما حکى عنه، و الشّاهد على وقوعه أنّ التّوجّه إلى بیت المقدّس کان واجبا فی ابتداء الاسلام بالسنّه خاصّه، لعدم دلیل فی الکتاب علیه ثمّ نسخ بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَکَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) و أنّ مباشره النّساء فی اللّیل کانت محرّمه على الصّائمین بالسنّه أیضا، و قد نسخ بقوله تعالى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما کَتَبَ اللَّهُ لَکُمْ) و أنّ صوم عاشوراء کان واجبا بالسنّه، ثمّ نسخ بصوم شهر رمضان بقوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْکُمُ الشَّهْرَ فَلْیَصُمْهُ) کما رواه فی الوسائل عن الحارث العطار، قال: سألت أبا جعفر علیه السّلام عن صوم عاشوراء فقال صوم متروک بنزول شهر رمضان، و المتروک بدعه، و فیه أیضا عن زراره بن أعین و محمّد بن مسلم جمیعا أنّهما سألا أبا جعفر الباقر علیه السّلام عن صوم یوم عاشور، فقال: کان صومه قبل شهر رمضان، فلمّا نزل شهر رمضان ترک (و بین واجب لوقته و زایل فی مستقبله) کالنّذر و العهد و الیمین الموقت بوقت معیّن، قال تعالى: (وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ کانَ مَسْؤُلًا) و قال أیضا: (وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الْأَیْمانَ بَعْدَ تَوْکِیدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَیْکُمْ کَفِیلًا) و تمثیل الشّارح البحرانی له بالحجّ الواجب فی العمر مرّه لا معنى له، إذ الحجّ و إن کان واجبا فی العمر مرّه إلّا أنّه لا یزول وجوبه فی المستقبل، مع عدم الاتیان،بل یجب فی العام القابل و یجب قضاؤه مع عدم الاتیان به دوام العمر فان قیل: لعلّ مراده علیه السّلام بقوله: و زایل فی مستقبله، هو زوال الوجوب بعد الاتیان بالواجب، و على ذلک فیصحّ التّمثیل قلت: لو بنى على ذلک لاستوى فیه جمیع الواجبات سواء کان وجوبه فی العمر مرّه أو غیر مرّه ضروره أنّ کلّا منها مع الاتیان یوجب سقوط التکلیف، فلا یبقى بعد الاتیان و الامتثال وجوب کما هو ظاهر لا یقال کیف یمکن إنکار الفرق بین الحجّ و بین صلاه الظهر و أمثالها من الواجبات المکرّره، مع أنّ الحجّ إذا اتى به مرّه یزول التکلیف به بعده، بخلاف الظهر فان الاتیان به فی ذلک الیوم لا یوجب سقوط الوجوب فی الغد لأنّا نقول: إن أردت من عدم سقوط الوجوب فی الغد عدم سقوط وجوب الظهر المأتی به فی ذلک الیوم، ففیه انّه ساقط قطعا إذ لا معنى للامتثال عقیب الامتثال و إن أردت عدم سقوط وجوب الظهر الواجب عند زوال الغد، ففیه أنّه واجب مستقبل لا منافاه بین وجوبه و سقوط وجوب ظهر الیوم بعد الاتیان به فی وقته فافهم جیّدا و من العجب جعله الحجّ من الموقتات مع أنّه لا وقت له فلو بدّله بصلاه الجمعه و مثل بها کما فعله الشّارح المعتزلی لکان له وجه (و) بین حکم (مباین بین محارمه) جمع محرم کمقعد، و المراد بها المحرّمات التی هی محل الحرمه، و المراد بالحکم المباین أى المفاصل هو الحرمه، و المعنى و بین حرمه مفاصله بین محال الحرمه، اى مفرقه بین محرّمات الکتاب بالشدّه و الضّعف کما بیّنه بقوله: (من کبیر أوعد علیه نیرانه، أو صغیر أرصد له غفرانه) فرّق بین الکبیر و الصغیر بأنّ الأوّل ما توعّد علیه بالنّیران، و الثانی ما اعدّ له الغفران و بهذا صرّح فی جمع من الأخبار، مثل ما رواه المفید عن عباد بن کثیر قال سألت أبا جعفر علیه السّلام عن الکبائر، فقال کلّ ما أوعد اللّه علیه النّار و فی الوسائل عن علیّ بن جعفر فی کتابه عن أخیه موسى بن جعفر علیهما السّلام قال: سألته عن الکبائر التی قال اللّه عزّ و جلّ:

 «إِنْ تَجْتَنِبُوا کَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ» قال: التی أوجب اللّه علیه النار، و بمعناهما أخبار اخر و فی بعض الأخبار أنّها سبع، و هو ما رواه فی الکافی عن ابن محبوب، قال کتب معی بعض أصحابنا إلى أبی الحسن علیه السّلام یسأله عن الکبائر کم هی و ما هی فکتب علیه السّلام: الکبائر من اجتنب ما أوعد اللّه علیه النّار کفّر عنه سیئاته إذا کان مؤمنا و السّبع الموجبات قتل النّفس الحرام و عقوق الوالدین و أکل الرّبوا و التعرب بعد الهجره و قذف المحصنه و أکل مال الیتیم و الفرار من الزّحف.

و مثله فی تعیین السّبع المذکور روایه ثواب الأعمال باسناده عن أحمد بن عمر الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام، و زید فی بعض الأخبار على السّبع، و نقص فی اخرى و اختلف الحاصر لها فی السّبع أیضا فی تعیینها، و بالجمله الأخبار کالأقوال فی المقام مختلفه جدّا و قد جمعوا بینها بحمل الکبیره على ما هو کذلک بالنسبه إلى ما هو أصغر منه و الصّغیره على ما هو کذلک بالنسبه إلى ما هو أکبر منه، فالقبله صغیره بالنسبه إلى الزّنا، و کبیره بالنسبه إلى النّظر و هکذا قال الصّدوق: الأخبار فی الکبائر لیست مختلفه، لأن کلّ ذنب بعد الشّرک کبیر بالنّسبه ألی ما هو أصغر منه، و کلّ کبیر صغیر بالنّسبه إلى الشّرک باللّه و فی مجمع البیان عند تفسیر قوله تعالى: «إِنْ تَجْتَنِبُوا کَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُکَفِّرْ عَنْکُمْ سَیِّئاتِکُمْ» قال: اختلف فی معنى الکبیره، فقیل: کلّ ما أعد اللّه علیه فی الاخره عقابا و أوجب علیه فی الدّنیا حدّا فهو کبیره، و هو المرویّ عن سعید بن جبیر و مجاهد، و قیل: کلّ ما نهى اللّه عنه فهو کبیره، عن ابن عباس و إلى هذا ذهب أصحابنا، فانّهم قالوا: المعاصی کلّها کبیره من حیث کانت قبایح لکن بعضها أکبر من بعض، و لیس فی الذّنوب صغیره و إنّما تکون بالاضافه إلى ما هو أکبر منه و یستحق العقاب علیه أکثر هذا و أکثر الأخبار جمعا و احتواء لها، ما رواه الصّدوق باسناده، و الطبرسی فی‏ مجمع البیان جمیعا عن عبد العظیم بن عبد اللّه الحسنی، قال حدثنی أبو جعفر الثانی علیه السّلام قال سمعت أبی یقول: سمعت أبی موسى بن جعفر علیه السّلام یقول: دخل عمرو بن عبید على أبی عبد اللّه علیه السّلام فلمّا سلم و جلس تلا هذه الآیه: «الَّذِینَ یَجْتَنِبُونَ کَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ» ثمّ امسک، فقال له أبو عبد اللّه علیه السّلام ما أسکتک قال أحبّ أن أعرف الکبائر من کتاب اللّه، فقال علیه السّلام: نعم یا عمرو أکبر الکبائر الاشراک باللّه یقول اللّه: «مَنْ یُشْرِکْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَیْهِ الْجَنَّهَ» و بعده الایاس من روح اللّه، لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول: «لا یَیْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْکافِرُونَ» ثمّ الأمن من مکر اللّه، لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول: «فَلا یَأْمَنُ مَکْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» و منها عقوق الوالدین، لأنّ اللّه سبحانه جعل العاق جبّارا شقیّا، و قتل النفس التی حرّم اللّه إلّا بالحقّ لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول: «فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِیها» إلى آخر الآیه، و قذف المحصنه لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول: «لُعِنُوا فِی الدُّنْیا وَ الْآخِرَهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِیمٌ» و أکل مال الیتیم، لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول: «إِنَّما یَأْکُلُونَ فِی بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَیَصْلَوْنَ سَعِیراً» و الفرار من الزحف، لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول: «وَ مَنْ یُوَلِّهِمْ یَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَیِّزاً إِلى‏ فِئَهٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِیرُ»

و أکل الرّبوا لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول: «الَّذِینَ یَأْکُلُونَ الرِّبا لا یَقُومُونَ إِلَّا کَما یَقُومُ الَّذِی یَتَخَبَّطُهُ الشَّیْطانُ مِنَ الْمَسِّ» و السّحر لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول: «وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِی الْآخِرَهِ مِنْ خَلاقٍ» و الزّنا، لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول: «وَ مَنْ یَفْعَلْ ذلِکَ یَلْقَ أَثاماً، یُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ یَوْمَ الْقِیامَهِ وَ یَخْلُدْ فِیهِ مُهاناً» و الیمین الغموس الفاجره لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول: «الَّذِینَ یَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَیْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِیلًا أُولئِکَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِی الْآخِرَهِ» و الغلول لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول: «وَ مَنْ یَغْلُلْ یَأْتِ بِما غَلَّ یَوْمَ الْقِیامَهِ» و منع الزّکاه المفروضه، لأنّ اللّه عزّ و جل یقول: (فَتُکْوى‏ بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ) و شهاده الزّور و کتمان الشّهاده، لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول: (وَ مَنْ یَکْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) و شرب الخمر، لأنّ اللّه عزّ و جلّ نهى عنها کما نهى عن عباده الأوثان، و ترک‏ الصّلاه متعمّدا أو شیئا ممّا فرض اللّه عزّ و جلّ، لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال: من ترک الصّلاه متعمّدا فقد برء من ذمه اللّه و ذمّه رسوله، و نقض العهد و قطیعه الرّحم لأنّ اللّه عزّ و جلّ یقول: (لَهُمُ اللَّعْنَهُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) قال: فخرج عمرو و له صراخ من بکائه و یقول: هلک من قال برأیه و نازعکم فی الفضل و العلم (و بین مقبول فی أدناه و موسّع فی أقصاه) کالقیام إلى صلاه اللّیل، فانّ قلیله مقبول و الکثیر منه موسّع، قال تعالى: (یا أَیُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّیْلَ إِلَّا قَلِیلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِیلًا أَوْ زِدْ عَلَیْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِیلًا) و قال أیضا: (إِنَّ رَبَّکَ یَعْلَمُ أَنَّکَ تَقُومُ أَدْنى‏ مِنْ ثُلُثَیِ اللَّیْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طائِفَهٌ مِنَ الَّذِینَ مَعَکَ، وَ اللَّهُ یُقَدِّرُ اللَّیْلَ وَ النَّهارَ، عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَیْکُمْ فَاقْرَؤُا ما تَیَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) أى صلّوا ما تیسّر من الصلاه فی اللّیل، عبّر عن الصّلاه بالقرآن، لأنّها تتضمّنه و کقرائه القرآن، فانّه مرغوب فیها و من القربات المستحبه قلیلها مقبول و النّاس من الکثیر منها فی سعه، و بها فسّرت الآیه الأخیره فی أحد التّفسیرین، و روى فی مجمع البیان عن الرّضا عن أبیه عن جدّه علیهم السّلام قال: ما تیسّر منه أى من القرآن لکم فیه خشوع القلب و صفاء السّر هذا.

و ینبغی تذییل هذا الفصل بامور مهمه مفیده لزیاده البصیره

الاول فی الاشاره إلى فائده إنزال القرآن و نعته بلسان الرّمز و الاشارهو بیان‏ جمله من القابه و أسمائه.

فاقول: اعلم هداک اللّه إلى الصّراط المستقیم، و ثبّتک على المنهج القویم، أنّ القرآن لما کان اصله مکتوبا: «فِی کِتابٍ مَکْنُونٍ لا یَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» بلا صحائف و لا أوراق، لکونه قبل وجود الأنفس و الآفاق، و کنا فی ابتداء وجودنا ضعفاء العقول، ضعفاء الأبصار و لم یکن تصل قوه أنظارنا إلى أطراف هذه الأرقام، و أکناف هذه الکلمات العظام، لتعاظم حروفها، و تعالى کلماتها، و تباعد أطرافها و حافاتها، لا جرم تضرعنا إلیه سبحانه بلسان احتیاجنا و استعدادنا، و قلنا: إلهنا ارحم على قصورنا، و لا تؤیسنا عن روحک و رحماتک، و اهدنا سبیلا إلى مطالعه کلماتک، و وصولا إلى رضوانک و جنّاتک، فتلطف سبحانه بنا بمقتضى عنایته الشّامله، و حکمته الکامله و رحمته الواسعه، و قدرته البالغه، فاعطى لنا نسخه مختصره من أسرار کتبه الجامعه، و أنموذجا وجیزا من معانی کلماته التّامه و هو القرآن الکریم و الصّراط المستقیم، و التّنزیل من العزیز الرّحیم، نزّله على النّبی الأمین، لانجاء العباد من سلاسل تعلّقات النّفس، و وساوس الشّیطان اللّعین، فلو کشف نقاب العزّه عن وجهه، و رفع جلباب العظمه و الکبریاء عن سرّه، لشفى کلّ علیل، و روى کلّ غلیل، و داوى کلّ مریض القلب بعلل الأخلاق الذمیمه، و أسقام الجهالات المهلکه، و أنجى المقیدین بسلاسل التعلّقات، و المزیّنین بحبّ الأهل و الأولاد و الشّهوات، و هو مع عظمه قدره و علوّ منزلته و سموّ مکانه، قد تلبّس بلباس الحروف و الأصوات، و اکتسى بکسوه الألفاظ و العبارات، رحمه منه سبحانه على العباد، و شفقه على خلقه و تقریبا إلى أفهامهم و مداراه معهم، و منازله إلى اذواقهم، و إلّا فما للتّراب و ربّ الأرباب، ففی کلّ حرف منه ألف رمز و إشاره، و فیکلّ لفظ ألف سرّ و کنایه.

و لذلک قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیما رواه فی الکافی باسناده إلى الصّادق علیه السّلام عن‏ آبائه، عنه صلّى اللّه علیه و آله: أیّها النّاس إنّکم فی دار هدنه و أنتم على ظهر سفر«» و السّیر بکم سریع و قد رأیتم اللّیل و النّهار و الشّمس و القمر یبلیان«» کلّ جدید و یقربان کلّ بعید و یأتیان بکل موعود، فأعدّوا الجهاز«» لبعد المجاز قال: فقام المقداد بن الأسود، فقال یا رسول اللّه: و ما دار الهدنه قال: دار بلاغ و انقطاع فاذا التبست علیکم الفتن کقطع اللّیل المظلم فعلیکم بالقرآن، فانّه شافع مشفّع و ماحل«» مصدق من جعله أمامه قاده إلى الجنّه و من جعله خلفه ساقه إلى النار و هو الدّلیل یدلّ على خیر سبیل و هو کتاب فیه تفصیل و بیان و تحصیل، و هو الفصل«» لیس«» بالهزل، و له ظهر و بطن، فظاهره حکم، و باطنه علم، ظاهره أنیق«» و باطنه عمیق له تخوم«» و على تخومه تخوم«»، لا تحصى عجائبه، و لا تبلى غرائبه، فیه مصابیح الهدى و منار الحکمه، و دلیل على المعرفه لمن عرف الصّفه، فلیجل«» جال بصره، و لیبلغ الصّفه نظره، ینج من عطب و یتخلص من نشب«» فانّ التفکر حیاه قلب البصیر کما یمشى المستنیر فی الظلمات بالنّور، فعلیکم بحسن التخلص و قله التربص هذا.

و لغایه عظمته و منتهى جلالته سمّی بأسماء مختلفه و لقّب بألقاب کثیره،لأنّ الشی‏ء کلما ازداد جلاله و رفعه ازداد نعتا و وصفا: فمنها الکتاب قال تعالى: «ذلِکَ الْکِتابُ لا رَیْبَ فِیهِ» و منها القرآن: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ کَرِیمٌ» و منها الفرقان لکونه فارقا بین الحقّ و الباطل، قال سبحانه: «وَ بَیِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ» و منها النّور، لأنّه نور عقلیّ ینکشف به أحوال المبدأ و المعاد و یترا أى منه حقائق الأشیاء، و یهتدى به فی ظلمات برّ الاجسام و بحر النفوس و یظهر به للسالکین إلى الدار الاخرى طریق الجنه و طریق النار، قال تعالى: «قَدْ جاءَکُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ کِتابٌ مُبِینٌ یَهْدِی بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ یُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ».

و منها الحکمه، قال تعالى: «وَ یُعَلِّمُهُمُ الْکِتابَ وَ الْحِکْمَهَ» و هی عباره عن أفضل علم بأحکم معلوم و لا یوصف بها إلّا المتجرّدون عن جلباب البشریّه، و المنسلخون عن لباس هذا الوجود الکونی و لذلک قال سبحانه بعد قوله: و یعلّمهم الکتاب و الحکمه: «ذلِکَ فَضْلُ اللَّهِ یُؤْتِیهِ مَنْ یَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِیمِ» و منها الرّوح، قال تعالى: «رَفِیعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ یُلْقِی الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ یَشاءُ مِنْ» و منها الحقّ، لأنّه ثابت لا یتغیّر أبدا من حقّ الأمر إذا ثبت، و لأنّه صادق مطابق للواقع لا یعتریه شکّ و ریب، قال تعالى.

 «بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّکَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِیرٍ»و منها الهدى، لأنّه یهدى إلى الصّراط المستقیم، قال تعالى: «هُدىً لِلْمُتَّقِینَ، و ذلِکَ هُدَى اللَّهِ یَهْدِی بِهِ مَنْ یَشاءُ» و منها الذّکر، «إِنَّهُ لَذِکْرٌ لَکَ وَ لِقَوْمِکَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ» سمّی به لأنّه یتذکر به امور الآخره و أحوال المبدأ و المعاد.

و منها النّبأ العظیم، لأنّه یخبر عن عالم الغیب و المغیبات، قال: «قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِیمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ» و منها الشّفاء، لأنّه یقع به الشّفاء على الأمراض النّفسانیّه و الأسقام الباطنیه قال تعالى: «قُلْ هُوَ لِلَّذِینَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفاءٌ» و منها الرّحمه، قال تعالى: «وَ ما أَنْزَلْنا عَلَیْکَ الْکِتابَ إِلَّا لِتُبَیِّنَ لَهُمُ الَّذِی اخْتَلَفُوا فِیهِ وَ هُدىً وَ رَحْمَهً لِقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ» و منها العلیّ الحکیم، قال تعالى: «وَ إِنَّهُ فِی أُمِّ الْکِتابِ لَدَیْنا لَعَلِیٌّ حَکِیمٌ» أمّا کونه علیّا فلأنّ أصله من العالم العلوی، و أمّا کونه حکیما فواضح.

و منها التّنزیل و منها البشیر النّذیر و منها العزیز و منها الموعظه الحسنه و منها المجید إلى غیر ذلک من الألقاب و الأسماء و لا شکّ أنّ کثره الأسامى و الأوصاف تدلّ على عظم شأن المسمّى و الموصوف، و اللّه العالم بجلاله شأن کلامه و رفعه مرتبه کتابه و مقامه.

الثانی أنّه لا بدّ أن یعلم أنّ القرآن الذی نزل به الرّوح الأمین على سیّد المرسلین صلوات اللّه علیه و آله أجمعین هل هو ما بین الدّفتین و ما وصل إلینا و تناولته أیدینا أم لا بل الواصل إلینا بعض القرآن و أنّ القرآن الأصیل الذی نزل به جبرئیل‏ قد حرّف و بدّل و زید علیه و نقص عنه، اختلف فیه الأصحاب.

فالذی ذهب إلیه أکثر الأخباریّین على ما حکى عنهم السّید الجزایری فی رساله منبع الحیاه و کتاب الأنوار هو وقوع التحریف و الزّیاده و النّقصان.

و إلیه ذهب علیّ بن إبراهیم القمیّ، و تلمیذه محمّد بن یعقوب الکلینی، و الشّیخ أحمد بن أبی طالب الطبرسی، و المحدّث العلامه المجلسی قدّس اللّه روحهم.

و ذهب المرتضى على ما حکی عنه، و الصدوق فی اعتقاداته، و الشّیخ فی التّبیان و الطبرسی فی مجمع البیان إلى عدمه، و عزى ذلک إلى جمهور المجتهدین بل الظاهر من الصّدوق قیام الاجماع علیه حیث قال فی اعتقاداته: إنّ اعتقادنا أنّ القرآن الذی أنزل اللّه على نبیّه محمّد صلّى اللّه علیه و آله هو ما بین الدّفتین، و هو ما فی أیدی النّاس لیس بأکثر من ذلک إلى أن قال و من نسب إلینا انّا نقول: إنّه أکثر من ذلک فهو کاذب انتهى.

و مثله الشّیخ، حیث ادّعى قیامه على عدم الزّیاده، قال فی محکی کلامه: و أمّا الکلام فی زیادته و نقصانه فممّا لا یلیق به، لأنّ الزّیاده فیه مجمع على بطلانه، و أمّا النّقصان منه فالظاهر أیضا من مذهب المسلمین خلافه، و هو الألیق بالصّحیح من مذهبنا، و هو الذی نصره المرتضى (ره)، و هو الظاهر من الرّوایات، غیر أنّه رویت روایات کثیره من جهه الخاصّه و العامّه بنقصان کثیر من آى القرآن طریقها الآحاد لا توجب علما، فالأولى الاعراض و ترک التشاغل بها، لأنّها یمکن تأویلها انتهى.

و مثله الطبرسی فی مجمع البیان حیث قال: فأمّا الزّیاده فیه فمجمع على بطلانه و أمّا النّقصان فیه فقد روى جماعه من أصحابنا و جماعه من حشویّه العامه، أنّ فی القرآن تغییرا و نقصانا، و الصّحیح من مذهب أصحابنا خلافه.

قال: و هو الذی نصره المرتضى و استوفى الکلام فیه غایه الاستیفاء فی جواب المسائل الطرابلسیّات، و ذکر فی مواضع أنّ العلم بصحّه نقل القرآن کالعلم بالبلدان و الحوادث الکبار و الوقایع العظام و الکتب المشهوره و أشعار العرب‏ المسطوره، فانّ العنایه اشتدت و الدّواعی توفّرت على نقله و حراسته، و بلغت إلى حدّ لم تبلغه فیما ذکرناه لأنّ القرآن معجزه النّبوه و مأخذ العلوم الشّرعیه، و الأحکام الدّینیّه، و علماء المسلمین قد بلغوا فی حفظه و حمایته الغایه، حتّى عرّفوا کلّ شی‏ء اختلفوا فیه من إعرابه و قراءه حروفه و آیاته، فکیف یجوز أن یکون مغیّرا أو منقوصا مع العنایه الصادقه و الضّبط الشّدید.

و قال«» أیضا قدّس سرّه: و إنّ العلم بتفصیل القرآن و أبعاضه فی صحّه نقله کالعلم بجملته و جرى ذلک مجرى ما علم ضروره من الکتب المصنّفه، ککتاب سیبویه و المزنى فان أهل العنایه بهذا الشّان یعلمون من تفصیلهما ما یعلمونه من جملتهما حتّى لو أنّ مدخلا أدخل فی کتاب سیبویه بابا فی النّحو لیس من الکتاب لعرف و میّز و علم أنّه ملحق، و لیس من أصل الکتاب، و کذلک القول فی کتاب المزنى، و معلوم أنّ العنایه بنقل القرآن و ضبطه أضبط من العنایه بضبط کتاب سیبویه و دواوین الشّعراء.

ثم قال الطبرسیّ: و ذکر أى المرتضى أنّ من خالف فی ذلک من الامامیّه و الحشویّه لا یعتدّ بخلافهم، فانّ الخلاف فی ذلک مضاف إلى قوم من أصحاب الحدیث نقلوا أخبارا ضعیفه ظنوا صحتها لا یرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته انتهى ما ذکره فی مجمع البیان.

و هذه العبارات منه و ممّن سبق ذکره کما ترى مطبقه فی صحّه نقل ما بین الدّفتین و عدم وقوع تغیر فیه بوجه من الوجوه، و إنّما اختلفت فی دعوى الاجماع.

فالظاهر من الصّدوق کما عرفت قیامه على عدم التغیر بوجه، حیث نسب ذلک إلى اعتقاد الامامیّه.

و عباره الشّیخ و الطبرسی حسبما حکیناها صریحه فی قیامه على عدم الزّیاده و تبعهما على ذلک من متأخری المتأخّرین السیّد المحقق الکاظمی فی شرح الوافیه حیث، قال: اتّفق الکلّ لا تمانع بینهم على عدم الزّیاده، و نطقت به الأخبار، و المرتضى رضی اللّه عنه و إن لم یدّع الاجماع علیه إلّا أنّه (ره) حسبما عرفت أشد نکیرا منهم لدعواه العلم الضّروریّ به.

إذا عرفت ذلک فأقول: المختار عندی هو وقوع النّقصان فیه دون الزّیاده، و لا بأس بذکر أدلّه الطرفین و ما یمکن الاستدلال به عنهم حتّى یتّضح الحقّ من البین، و لنقدّم أدله النّافین لکون قولهم مطابقا للأصل، ثمّ نتبعها بأدله المثبتین فنقول:

احتج النّافون القائلون بالعدم بوجوه

بعضها دالّ على عدم التغییر مطلقا و بعضها مختص بنفى الزّیاده.

الاول الاجماع

المستفاد من کلام الصّدوق السّابق و المنقول فی کلام الشیخ و الطبرسی صریحا حسبما تقدم.

و فیه بعد الغضّ عن حجّیه الاجماع المنقول فی نفسه أنّ حجیّته إنّما هو من جهه افادته الظنّ و هو لا یکافؤ القطع الحاصل من الأخبار المتواتره المفیده للنقیصه حسبما تعرفها إنشاء اللّه، نعم هو حجّه على مدّعی الزّیاده، لأنّ الظنّ الحاصل من أدلتها لا یقاوم الظنّ الحاصل منه.

الثانی ما ظهر من کلام المرتضى من توفّر الدّواعی و اشتداد العنایات على حفظه و ضبطه،

لکونه معجزه النّبوه و مأخذ العلوم الشّرعیّه و مدرک الأحکام الدّینیه.

و فیه منع توفر الدّواعی على الحفظ و الضبط لو لم یقم على التّضییع و التّحریف.

و ما استدلّ به علیه أولا من کونه متضمنا للتحدّی و الاعجاز، و ثانیا من کونه مدرک الأحکام الشّرعیّه لا ینهض على الاثبات: أما الأول فلأنّه إنّما یتمّ لو انحصر طریق إثبات النّبوه فیه، کانحصار معجزه عیسى علیه السّلام فی الطب و إبراء الأکمه و الأبرص، و معجزه موسى علیه السّلام فی‏ العصا و الید البیضاء، و أمّا مع عدم الانحصار فلا تتوفّر الدّواعی علیه، کأکثر معجزاته لم یتوافر بعد.

فان قلت: سلّمنا عدم انحصار معجزته فیه و لکنّه أظهر المعجزات و أقویها و آکدها فتوفّر الدّواعی علیه.

قلت: إنّ الاعجاز کما یحصل بالجمیع کذلک یحصل بالبعض، إذ المناط فی الاعجاز هو الفصاحه و البلاغه و غرابه الاسلوب و حسن النّظم، و هی باقیه بحالها لم تتغیّر و لم تتبدّل، فلا یخرجه وقوع التّحریف فیه عن کونه دلیلا للنّبوه و الرّساله، بل لو فرض و العیاذ باللّه سقوط جمیع آیاته عن الاعجاز لکفانا فیه قوله: «وَ أَوْحَیْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏ أَنْ أَرْضِعِیهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَیْهِ فَأَلْقِیهِ فِی الْیَمِّ وَ لا تَخافِی وَ لا تَحْزَنِی إِنَّا رَادُّوهُ إِلَیْکِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِینَ» فانّها مع اختصارها و وجازتها مشتمله على أمرین و نهیین و خبرین و بشارتین.

و حکى أن بعضهم سمع بدویّه تنشد أبیاتا، فقال لها: للّه درّک ما أفصحک، فقالت: الفصاحه للّه و ذکرت هذه الآیه، و قوله سبحانه: (وَ قِیلَ یا أَرْضُ ابْلَعِی ماءَکِ وَ یا سَماءُ أَقْلِعِی وَ غِیضَ الْماءُ وَ قُضِیَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِیِّ-  الآیه) لأنّها مشتمله على وجوه عدیده«» من الفصاحه یقطع معها بأنّها خارجه عن‏ وسع البشر.

و قد روی أنّ من تکلّم من قریش بکلام فصیح کان یعلّقه على الکعبه مباهاه و تفاخرا، فلمّا نزل الآیه هذه ذهبوا فی ظلام اللّیل و أخذوا ما علّقوه مخافه الفضاحه و الشّناعه.

و فی مجمع البیان یروی أن کفّار قریش أرادوا أن یتعاطوا معارضه القرآن، فعکفوا على لباب البرّ و لحوم الضأن و سلاف الخمر أربعین یوما لتصفو أذهانهم، فلما أخذوا فیما أرادوا و سمعوا هذه الآیه ترکوا ما اخذوا فیه و افترقوا.

و کیف کان فقد ظهر ممّا ذکرنا أنّ وقوع التّحریف لا یخرجه عن الاعجاز حتّى تبقى النّبوه الخاصّه بلا دلیل، لأنّ الفصاحه باقیه على حالها بل سایر وجوه الاعجاز أیضا موجوده فیه کالصّرفه و اشتماله على القصص و الحکایات، و الاخبار عن المغیبات و عدم الاختلاف فیه مع طوله إلى غیر هذه من الجهات.

و أما الثانی فلأنّ المتیقّن الثّبوت من الأخبار الآتیه هو طروّ التّحریف على الآیات المشتمله على فضائل أهل البیت و فضایح أهل النّفاق، و أمّا طروّه على آیات الأحکام فهو بعد غیر ثابت، فالأدله القطعیه الدّاله على جواز العمل بالظواهر و استنباط الأحکام الشّرعیه منها محکمه، و لم یثبت مانع منها، فلا یرفع الید عن مقتضاها، و مجرّد احتمال وجود المانع لا یکفی فی رفع الید عن اقتضاء المقتضى.

و بالجمله کون القرآن مدرک الأحکام الشّرعیّه إنّما یدلّ على عدم وقوع التّحریف و النّقصان فی آیات الأحکام، و یستلزم توفّر الدّواعی فیها فحسب لا مطلقا.

و هذا کلّه مبنىّ على التّنزل و المماشاه و إلّا فنقول إنّ کونه مدرکا للأحکام و إن کان مقتضیا لتوفر الدّواعی إلّا أنّه إنّما یتمّ إذا لم یمنع منه مانع و لم یمنع المکلفون على أنفسهم اللطف إذ قد یتوفر الدّواعی على تضییعه و کتمانه أکثر منها على ضبطه و إعلانه، نظیر الامام علیه السّلام، فانّ وصیّه النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله بحفظه و إعانته و کونه حجه اللّه على خلقه و بریّته و أصل أحکامه و شریعته، ممّا یوجب توفّر الدّواعی علیه مع‏ أنّ الدّواعی قد توفّرت على حجبه و غیبته، و نعم ما قال فی التّجرید: وجوده لطف و تصرفه لطف آخر، و عدمه منّا.

و بالجمله وقوع التّحریف و النّقصان فی آیات الأحکام على فرض ثبوته لیس بأبعد من غیبه الامام، فکما أنّ المکلفین صاروا سببا لاختفائه و غیبته، و مانعا عن تبلیغه و الرّجوع إلیه مع کونه أساس الأحکام و عماد الاسلام، فکذلک صاروا مانعا عن استنباط الأحکام من القرآن بسبب ما فعلوه فیه من التّحریف و أحدثوه فیه من النّقصان.

الثالث قوله تعالى: (وَ إِنَّهُ لَکِتابٌ عَزیزٌ لا یَأْتیهِ الْباطِلُ مِنْ بَینِ یَدَیْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِه‏)

فانّ ورود التّحریف علیه إتیان الباطل من خلفه، و قد أخبر اللّه سبحانه بعدمه فلابدّ أن یکون سالما محفوظا.

و فیه أنّ المراد بالآیه أنّه لیس فی إخباره عمّا مضى باطل، و لا فی إخباره عمّا یکون فی المستقبل باطل، بل أخباره کلّها موافقه لمخبراتها، رواه الطبرسیّ فی مجمع البیان عن أبی جعفر و أبی عبد اللّه علیهما السّلام، و فی تفسیر القمی عن أبی الجارود عن أبی جعفر علیه السّلام قال: لا یأتیه الباطل من قبل التّوراه و لا من قبل الانجیل و الزّبور، و لا من خلفه لا یأتیه من بعده کتاب یبطله

الرابع قوله تعالى: (إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ)

فانّ اللّه سبحانه قد أخبر بکونه حافظا للقرآن فلا بدّ من کونه محفوظا عن تطرق التغییر، قال الفخر الرّازی فی الآیه دلاله قویّه على کون التسمیه آیه من کلّ سوره، لأنّ اللّه قد وعد بحفظ القرآن و الحفظ لا معنى له إلّا أن یبقى مصونا من الزّیاده و النّقصان، فلو لم تکن التّسمیه من القرآن لما کان القرآن مصونا من التّغییر،و لما کان محفوظا عن الزّیاده.

و فیه أنّ کون أصل القرآن الذی نزل به الرّوح الأمین على خاتم النّبیین صلّى اللّه علیه و آله محفوظا عند الأئمه الذین هم خزّان علم اللّه و کهوف کتبه، یکفی فی صدق الآیه و لا دلاله فیها على کون ما بأیدینا محفوظا کما لا یخفى، مضافا إلى احتمال أن یکون المراد أنّه سبحانه یحفظه إلى آخر الدّهر بأن بعث جماعه یحفظونه و یدرسونه و یشتهرونه بین الخلق، فتحفظه الامه و تناولته الأیدى قرنا بعد قرن إلى یوم القیامه لقیام الحجّه به على الخلق و کونه معجزه النّبوه.

هذا کله بعد الغضّ عن رجوع الضّمیر فی له إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله، و إلّا کما ذهب إلیه الفرّاء فیسقط الاستدلال رأسا، قال ابن الانباری لما ذکر اللّه الانزال و المنزل و المنزل دلّ ذلک على المنزل علیه، فحسنت الکنایه عنه لکونه أمرا معلوما کما فی قوله: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَهِ الْقَدْرِ) فانّ عود الضّمیر إلى القرآن مع عدم تقدّم ذکره لکونه معلوما من المقام

الخامس الأخبار الدّاله على وجوب التّمسّک بالقرآن و الآمره بالرّجوع إلیه کحدیث الثقلین المتواتر بین الفریقین و نحوه، و الأخبار المفیده بعرض الأخبار المتعارضه علیه، مثل مقبوله عمر بن حنظله و فیها: فما وافق حکمه حکم الکتاب و السّنه و خالف العامه فیؤخذ به و یترک ما خالف حکمه حکم الکتاب و السنّه و وافق العامه.

و ما رواه السّکونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: إنّ على کلّ حقّ حقیقه و على کلّ صواب نورا فما وافق کتاب اللّه فخذوه و ما خالف کتاب اللّه فدعوه.

و ما رواه عبد الرّحمن بن أبی عبد اللّه، قال: قال الصّادق علیه السّلام: إذا ورد علیکم حدیثان مختلفان فاعرضوهما على کتاب اللّه، فما وافق کتاب اللّه فخذوه، و ما خالف کتاب اللّه فردّوه إلى غیر هذه ممّا هی قریبه من التواتر أو متواتره.

تقریب الاستدلال أنّ المراد بالکتاب الذی امرنا بالتمسک به و الرّجوع إلیه و عرض الأخبار المتعارضه علیه إن کان هو الکتاب المنزل المحفوظ عن تطرّق السّوانح و طرو الزّیاده و النّقصان الذی هو موجود عند الأئمه علیهم السّلام على قول المدّعین للتّحریف، ففیه أنّ التمسّک به و الرّجوع إلیه ممّا لا یستطاع.

و ان کان المراد به المحرّف المبدّل، فلا وجه له، لأنّه لم یبق فیه حجیه و لیس به وثوق و اطمینان فلا بدّ أن یکون الموجود بأیدینا سالما محفوظا.

قال الشّیخ فی محکی کلامه: و روایاتنا متناصره بالحثّ على قراءته و التمسک بما فیه و ردّ ما یرد من اختلاف الأخبار فی الفروع إلیه و عرضها علیه، فما وافقه عمل علیه و ما خالفه یجنب و لم یلتفت إلیه.

و قد ورد عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله روایه لا یدفعها أحد انّه قال انّی مخلّف فیکم الثّقلین ما إن تمسّکتم بهما لن تضلّوا: کتاب اللّه، و عترتی أهل بیتی، و أنّهما لن یفترقا حتّى یردا علىّ الحوض، و هذا ممّا یدل على أنّه موجود فی کلّ عصر، فانّه لا یجوز أن یأمرنا بالتمسّک بما لا نقدر على التمسّک به، کما أنّ أهل البیت و من یجب اتّباع قوله حاصل فی کلّ وقت انتهى کلامه.

و ملخّصه أنّ ظاهر هذه الأخبار أنّه لم یتطرّق على هذا القرآن الموجود بأیدینا تحریف و تغییر، لأنّ المستفاد منها وجوب الرّجوع إلیه إذ الرّجوع إلى غیره غیر مقدور، فلا بدّ من کونه محفوظا من الخلل و النّقصان، و إلّا لم یبق به وثوق و اطمینان، فلا یکون وجه للأمر بالرّجوع إلیه.

و فیه أوّلا أنّ الأخبار المذکوره إمّا نبویّه کخبر الثّقلین و بعض أخبار العرض، و إمّا مرویّه عن الأئمه علیهم السّلام.

أمّا الطائفه الأولى فلا دلاله فیها على المدّعى أصلا، لأنّه صلّى اللّه علیه و آله قد کان امرنا بالاتباع بالکتاب و العرض علیه و لم یتطرّق علیه تحریف یومئذ، کما امرنا باتباع أهل بیته و عترته و أخذ الأحکام عنهم و الاقتباس من أنوارهم، و إنّما طرئت السوانح‏ بعد ما اختار اللّه سبحانه له صلّى اللّه علیه و آله، لقائه فمنع المکلفون على أنفسهم اللّطف بسوء اختیارهم، و غیّروا کتاب اللّه و نبذوه وراء ظهورهم کما ترکوا العتره و صاروا سببا لاعتزالهم و تشریدهم إلى أن انتهى الأمر إلى الغیبه الکبرى، فکما أنّ غیبه الامام علیه السّلام و اعتزال الأئمه و قصور الید عن التمسّک بهم و أخذ الأحکام عنهم النّاشی من سوء فعل المکلفین لا منافاه له مع أمر النّبی صلّى اللّه علیه و آله بالتمسّک، فکذلک قصور الید عن اتّباع القرآن المنزل على ما هو علیه لا ینافی أمر النّبی صلّى اللّه علیه و آله باتّباعه و التّمسک به، بل نقول: إنّ أمره صلّى اللّه علیه و آله لم یکن إلّا لأجل أن لا یفعلوا فی کتاب اللّه ما فعلوه، و أن لا یقصروا فی حقّ الآل على ما قصّروا.

و أمّا الطائفه الثّانیه فلا دلاله فیها أیضا، لأنا نقول: إنّ الأئمه علیهم السّلام إنّما أمرونا بالرّجوع إلى هذا الکتاب الموجود بأیدینا مع ما هو علیه من التّحریف و النّقصان لأجل التقیه و الخوف على أنفسهم و شیعتهم، فیکون ما استفدناه حکما ظاهریا بالنسبه الینا فافهم«» و ثانیا أن یجاب عنه بما ذکره فی الصّافی، فانّه بعد نقله کلام الشّیخ الذی حکیناه قال: أقول: یکفی فی وجوده فی کلّ عصر وجوده جمیعا کما أنزل اللّه محفوظا عند اللّه و وجود ما احتجنا إلیه منه عندنا و إن لم نقدر على الباقی، کما أن الامام کذلک فان الثقلین سیان فی ذلک انتهى.

و أورد علیه المحقّق الکاظمی (ره) بأنّ التمسّک بهم عباره عن موالاتهم و سلوک طریقتهم، و ذلک ممکن مع الغیبه للعلم بهم، و هذا بخلاف التمسّک بالقرآن فانّه إنّما یتحقّق بالأخذ و الاطلاع علیه، فقد بان الفرق و اتّضح الأمر انتهى أقول: و الانصاف أنّه إن ارید بلفظ تمسّکتم فی الرّوایه، التمسّک التّفصیلی بأن یتمکن من الرّجوع الى المتمسّک به و یؤخذ عنه الأحکام مهما ارید، فهو غیر ممکن فی حال الغیبه الکبرى، لظهور انسداد باب العلم فیه، مع أنّ انفتاحه فی‏ حال ظهور الأئمه علیهم السّلام أیضا محلّ کلام حسبما قرّرناه فی الاصول، و إن ارید به التمسّک الاجمالی بأن نرجع إلیه بقدر الامکان و مع عدم التمکن و القدره نکون فی مقام التّسلیم و الاذعان و العزم على الرجوع مع التمکن و التّوفیق، فالحقّ أنّ الثقلین سیان فیه.

و بالجمله هما فی حال الغیبه الکبرى سیّان فی عدم امکان التمسّک بهما تفصیلا و فی امکانه إجمالا، بأن یصدّقا و یسلّما و یؤخذ عنهما الأحکام بقدر الوسع و الطاقه، و التّفرقه بینهما بحمل التمسّک بالثّقل الأصغر على التمسّک التّفصیلی و التمسّک بالأکبر على التمسّک الاجمالی ممّا لا وجه له.

و ثالثا أنّا نقول: إنّ أهل بیت العصمه سلام اللّه علیهم لعلمهم بعدم طرو التّحریف على آیات الأحکام رخصونا فی الرّجوع و العرض، فبملاحظه ترخیصهم یحصل لنا القطع بکونها محفوظه عن الخلل أو أنهم رخّصونا فی ذلک، لعلمهم بانّه لیس فی السّاقط ما یرجع إلیه أو یعرض علیه إلّا و فی الثّابت ما یقوم مقامه.

هذا تمام الکلام فی أدله النّافین، و قد عرفت أنّها غیر ناهضه على إثبات المدّعى کما لا یخفی.

و حجه القائلین بالتّحریف أیضا وجوه کثیره

بعضها مثبت لوقوع مطلق التّحریف، و بعضها مختص باثبات الزّیاده و النقیصه، و بعضها دالّ على النّقصان فقط فالأدله فی المقام على ثلاثه أقسام.

القسم الاول الأدله الدّاله على مطلق التّحریف و التغییر فیه.

اولها ما ذکره السیّد الجزائری من أنّ القرآن کان ینزل منجما على حسب المصالح و الوقایع،

و کتّاب الوحى کانوا أربعه عشر رجلا من الصّحابه، و کان رئیسهم أمیر المؤمنین علیه السّلام، و قد کانوا فی الأغلب ما یکتبون إلّا ما یتعلّق بالاحکام و إلّا ما یوحى إلیه صلّى اللّه علیه و آله فی المحافل و المجامع، و أمّا الذی کان یکتب ما ینزل علیه فی خلواته و منازله فلیس هو إلّا أمیر المؤمنین علیه السّلام، لأنّه کان یدور معه‏ کیفما دار، فکان مصحفه أجمع من غیره من المصاحف، فلما مضى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله، إلى لقاء حبیبه و تفرّقت الأهواء بعده، جمع أمیر المؤمنین علیه السّلام القرآن کما انزل، و شدّه بردائه و أتى به إلى المسجد، فقال لهم: هذا کتاب ربّکم کما انزل، فقال عمر: لیس لنافیه حاجه هذا عندنا مصحف عثمان، فقال علیه السّلام لن تروه و لن یراه أحد حتّى یظهر القائم علیه السّلام.

أقول: أمّا قوله: فکان مصحفه أجمع من غیره من المصاحف فیشهد به: ما رواه فی الکافی باسناده عن جابر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام، قال: سمعته یقول: ما ادّعى أحد أنّه جمع القرآن کلّه کما انزل إلّا کذاب، و ما جمعه و حفظه کما أنزله اللّه إلّا علیّ بن أبی طالب علیه السّلام و الأئمه من بعده.

و أمّا ما ذکره من اتیان أمیر المؤمنین علیه السّلام بالکتاب إلى المسجد فیدلّ علیه ما رواه الطبرسیّ فی الاحتجاج عن أبی ذر الغفاری أنّه لمّا توفى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله جمع علیّ علیه السّلام القرآن و جاء به إلى المهاجرین و الأنصار و عرضه علیهم لما قد أوصاه بذلک رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله، فلما فتحه ابو بکر خرج فی أوّل صفحه فتحها فضایح القوم، فوثب عمر و قال: یا علی اردده لا حاجه لنا فیه، فأخذه علیّ علیه السّلام و انصرف، ثمّ أحضر زید بن ثابت و کان قاریا للقرآن، فقال له عمر: انّ علیّا جاءنا بالقرآن و فیه فضایح المهاجرین و الأنصار، و قد أردنا ان تؤلف لنا القرآن و تسقط منه ما کان فیه فضیحه و هتک المهاجرین و الأنصار، فأجابه زید إلى ذلک، ثم قال: فان أنا فرغت من القرآن على ما سألتم و أظهر علیّ علیه السّلام القرآن الذی ألفه ألیس قد بطل کلّ ما عملتم قال عمر: فما الحیله قال زید: أنت أعلم بالحیله، فقال عمر: ما الحیله دون أن نقتله و نستریح منه، فدبّر فی قتله على ید خالد بن الولید فلم یقدر على ذلک، فلما استخلف عمر سأل علیّا أن یدفع إلیهم فیحرّفوه فیما بینهم، فقال یا أبا الحسن: إن کنت جئت به إلى أبی بکر فائت به إلینا حتّى نجتمع علیه، فقال علیّ علیه السّلام هیهات (ج ۱۳) لیس إلى ذلک سبیل إنّما جئت به إلى أبی بکر لتقوم الحجّه علیکم و لا تقولوا یوم القیامه إنّا کنّا عن هذا غافلین، أو تقولوا ما جئتنا به، إنّ القرآن الذی عندی لا یمسّه إلّا المطهّرون و الأوصیاء من ولدی، فقال عمر: فهل وقت لاظهاره معلوم قال: نعم إذا قام القائم من ولدی یظهره و یحمل النّاس علیه فتجری السنّه به صلوات اللّه علیه.

الثانی ما رواه الطبرسیّ فی الاحتجاج عن أمیر المؤمنین صلوات اللّه علیه فی جواب سؤال الزّندیق حیث سأله عن تصریح اللّه سبحانه بهفوات الأنبیاء و زلّاتهم مثل قوله: (وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏) و نحوه، و توریته أسماء من اغترّ و فتن خلقه و ضلّ و أضلّ و تعبیره عنهم بالکنایه مثل قوله: (یَوْمَ یَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى‏ یَدَیْهِ) و نحوه، فقال علیه السّلام: إنّ الکنایه عن أسماء ذو الجرائر العظیمه من المنافقین فی القرآن لیست من فعله تعالى، و إنّها من فعل المغیرین و المبدّلین الذین جعلوا القرآن عضین«»، و اعتاضوا الدّنیا من الدّین، و قد بیّن اللّه قصص المغیرین بقوله: (لِلَّذِینَ یَکْتُبُونَ الْکِتابَ بِأَیْدِیهِمْ ثُمَّ یَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِیَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِیلًا) و بقوله: (وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِیقاً یَلْوُونَ«» أَلْسِنَتَهُمْ بِالْکِتابِ) و بقوله: (إِذْ یُبَیِّتُونَ ما لا یَرْضى‏ مِنَ الْقَوْلِ)«»

بعد فقد الرّسول صلّى اللّه علیه و آله، و ما یقیمون«» به اود باطلهم حسب ما فعلته الیهود و النصارى بعد فقد موسى و عیسى علیه السّلام من تغییر التّوراه و الانجیل و تحریف الکلم عن مواضعه و بقوله: (یُرِیدُونَ لِیُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ… وَ یَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ یُتِمَّ نُورَهُ) یعنى أنّهم أثبتوا فی الکتاب ما لم یقله اللّه لیلبسوا على الخلیقه فأعمى اللّه قلوبهم حتّى ترکوا فیه ما دلّ على ما أحدثوه فیه و حرفوا منه، و بیّن عن افکهم و تلبیسهم و کتمان ما علموه منه، و لذلک قال لهم: (لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَکْتُمُونَ الْحَقَّ) و ضرب مثلهم بقوله: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَیَذْهَبُ جُفاءً«» وَ أَمَّا ما یَنْفَعُ النَّاسَ فَیَمْکُثُ فِی الْأَرْضِ) فالزّبد فی هذا الموضع کلام الملحدین الذین أثبتوه فی القرآن، فهو یضمحلّ و یبطل و یتلاشی عند التّحصیل، و الذی ینفع الناس منه فالتّنزیل الحقیقى الذی لا یأتیه الباطل من بین یدیه و لا من خلفه، و القلوب تقبله و الأرض فی هذا الموضع هی محلّ العلم و قراره، و لیس یسوغ مع عموم التقیه التّصریح بأسماء المبدّلین، و لا الزّیاده فی آیاته على ما أنبتوه من تلقائهم فی الکتاب لما فی ذلک من تقویه حجج أهل التعطیل و الکفر و الملل المنحرفه من قبلتنا و إبطال هذا العلم الظاهری الذی قد استکان له الموافق و المخالف بوقوع الاصطلاح على الایتمار«» لهم و الرّضا بهم، و لأنّ أهل الباطل فی القدیم و الحدیث أکثر عددا من أهل الحقّ، و لأن الصّبر على ولاه الأمر مفروض بقول اللّه تعالى لنبیّه صلّى اللّه علیه و آله: (فَاصْبِرْ کَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) و ایجابه مثل ذلک على أولیائه و اهل طاعته بقوله: (لَقَدْ کانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَهٌ حَسَنَهٌ) ثم، قال علیه السّلام فحسبک من الجواب عن هذا الموضع ما سمعت، فانّ شریعه التقیه نحظر بأکثر منه.

الثالث ما رواه علیّ بن إبراهیم القمیّ عن الصّادق علیه السّلام

فی قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ یَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) انّه قال: کیف یحفظ الشّی‏ء من أمر اللّه و کیف یکون العقب من بین یدیه فقیل له کیف ذلک یابن رسول اللّه فقال: إنّما انزلت له معقّبات من خلفه و رقیب من بین یدیه یحفظونه بأمر اللّه.

الرابع ما رواه عنه علیه السّلام أیضا

فی قوله: (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِیِّ وَ الْمُهاجِرِینَ وَ الْأَنْصارِ) أنّ الآیه هکذا نزلت لقد تاب اللّه بالنّبیّ على المهاجرین.

الخامس ما رواه أیضا

قال: إنّه قرء على أبی عبد اللّه علیه السّلام: (الَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّیَّاتِنا قُرَّهَ أَعْیُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِینَ إِماماً) فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام: لقد سألوا اللّه عظیما أن یجعلهم للمتقین اماما، فقیل یابن رسول اللّه کیف ذلک فقال علیه السّلام: إنّما نزلت و اجعل لنا من المتّقین إماما.

السادس ما رواه أیضا عن ابن أبی عمیر عن ابن سنان

قال قرأت على أبی عبد اللّه علیه السّلام: (کُنْتُمْ خَیْرَ أُمَّهٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام خیر امّه یقتلون أمیر المؤمنین و الحسن و الحسین ابنی علیّ علیهم السّلام، فقال القارى: جعلت فداک کیف نزلت فقال علیه السّلام نزلت خیر أئمه اخرجت للنّاس، أ لا ترى مدح اللّه لهم فی آخر الآیه: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)

السابع ما رواه السیّد المعتمد السیّد هاشم البحرانی عن المفید فی کتاب الاختصاص

قال: و روی عن جابر الجعفی قال: کنت لیله من بعض اللّیالی عند أبی جعفر علیه السّلام فقرأت هذه الآیه: (یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِذا نُودِیَ لِلصَّلاهِ مِنْ یَوْمِ الْجُمُعَهِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِکْرِ اللَّهِ) فقال: مه یا جابر کیف قرأت، یا أیها الذین آمنوا إذا نودی للصّلاه من یوم الجمعه فاسعوا إلى ذکر اللّه، قال: قال: قلت فکیف أقرء جعلنی اللّه فداک قال: هذا تحریف یا جابر، قال: فقال علیه السّلام: یا أیها الذین آمنوا إذا نودی للصّلاه فامضوا إلى ذکر اللّه هکذا نزلت یا جابر، لقد کان یکره أن یعدو الرّجل إلى الصّلاه یا جابر لم سمّیت الجمعه یوم الجمعه قال: قلت: تخبرنی جعلنی اللّه فداک، قال: أفلا أخبرک بتأویله الأعظم قال: قلت: بلى جعلنی اللّه فداک، قال: فقال: یا جابر سمّى اللّه الجمعه جمعه لأنّ اللّه عزّ و جلّ جمع فی ذلک الأولین و الآخرین و جمیع ما خلق اللّه من الجنّ و الانس و کلّ شی‏ء خلق ربّنا و السّماوات و الارضین و البحار و الجنّه و النّار و کلّ شی‏ء خلق اللّه فی المیثاق فأخذ المیثاق منهم له بالرّبوبیّه و لمحمّد صلّى اللّه علیه و آله بالنّبوه و لعلیّ علیه السّلام بالولایه، و فی ذلک الیوم قال اللّه للسّماوات و الأرض: (ائْتِیا طَوْعاً أَوْ کَرْهاً قالَتا أَتَیْنا طائِعِینَ) فسمّى اللّه ذلک الیوم الجمعه، لجمعه فیه الأولین و الآخرین، ثمّ قال عزّ و جلّ یا أیّها الذین آمنوا إذا نودی للصّلاه من یوم الجمعه من یومکم هذا الذی جمعکم فیه‏ و الصّلاه أمیر المؤمنین علیه السّلام، یعنی بالصّلاه الولایه، و هی الولایه الکبرى ففی ذلک الیوم أتت الرّسل و الأنبیاء و الملائکه و کلّ شی‏ء خلق اللّه و الثقلان الجنّ و الانس و السّماوات و الأرضون و المؤمنون بالتلبیه للّه عزّ و جلّ، فامضوا إلى ذکر اللّه و ذکر اللّه أمیر المؤمنین علیه السّلام، و ذروا البیع، یعنی الأوّل، ذلکم، یعنی بیعه أمیر المؤمنین و خلافته، خیر لکم من بیعه الأوّل و ولایته، ان کنتم تعلمون، فاذا قضیت الصّلاه یعنی بیعه أمیر المؤمنین، فانتشروا فی الأرض یعنی بالأرض الأوصیاء أمر اللّه بطاعتهم و ولایتهم، کما أمر بطاعه الرّسول و طاعه أمیر المؤمنین کنى اللّه فی ذلک من أسمائهم فسمّاهم بالأرض، و ابتغوا من فضل اللّه، قال جابر: و ابتغوا من فضل اللّه، قال: تحریف هکذا نزلت و ابتغوا من فضل اللّه على الأوصیاء و اذکروا اللّه کثیرا لعلکم تفلحون، ثمّ خاطب اللّه عزّ و جلّ فی ذلک الموقف محمّدا صلّى اللّه علیه و آله، فقال یا محمّد: فاذا رأوا الشّکاک و الجاحدون تجاره، یعنى الأوّل أو لهوا، یعنی الثّانی، انصرفوا إلیها، قال: قلت انفضّوا إلیها قال: تحریف هکذا نزلت، و ترکوک، مع علیّ قائما، قل یا محمّد ما عند اللّه، من ولایه علیّ و الأوصیاء، خیر من اللّهو و التجاره، یعنى بیعه الأوّل و الثّانی للّذین اتقوا، قال: قلت: لیس فیها للّذین اتّقوا، قال: فقال: بلى هکذا نزلت الآیه، و أنتم هم الذین اتّقوا، و اللّه خیر الرّازقین.

الثامن ما رواه الصّدوق فی التوحید

باسناده عن علیّ بن الحسن بن علیّ بن فضّال عن أبیه عن الرّضا علیّ بن موسى علیهما السّلام قال سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: (هَلْ یَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ یَأْتِیَهُمُ اللَّهُ فِی ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِکَهُ) قال: یقول: هل ینظرون إلّا أن یأتیهم اللّه بالملائکه فی ظلل من الغمام، و هکذا نزلت، و العجب من الصّدوق مع روایته ذلک کیف أنکر وقوع التّحریف فیه.

القسم الثانی الأدله الداله على وجود الزیاده و النّقصان.

اولها ما رواه فی الصافی عن العیاشی عن أبی جعفر علیه السّلام قال: لو لا أنّه زید فی کتاب اللّه و نقص ما خفی حقّنا على ذی حجى الثانی ما رواه العیّاشی عنه علیه السّلام أیضا أنّ القرآن قد طرحت منه آى کثیره و لم یزد فیه إلّا حروف أخطأت به الکتبه و توهّمتها الرّجال.

الثالث ما فی تفسیر علیّ بن ابراهیم فی قوله: (وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِیِّینَ مِیثاقَهُمْ وَ مِنْکَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِیمَ وَ مُوسى‏ وَ عِیسَى ابْنِ مَرْیَمَ) قال: هذه الواو زیاده فی قوله و منک، و إنّما هو منک و من نوح.

القسم الثالث الأدله الدّاله على وجود النّقصان فقط،و هی کثیره.

اولها ما رواه فی الکافی عن هشام بن سالم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام، قال: إنّ القرآن الذی جاء به جبرئیل إلى محمّد صلّى اللّه علیه و آله سبعه عشر ألف آیه، و وجه دلالته أنّ الموجود بأیدینا من القرآن لا یزید على سبعه آلاف آیه، و على ما ضبطه الشّیخ الطبرسی ستّه آلاف و مأتا آیه و ستّه و ثلاثون آیه.

الثانی ما رواه الطبرسی فی الاحتجاج عن علیّ علیه السّلام فی جواب الزّندیق الذی احتجّ علیه بتناقض ظواهر بعض الآیات أنّه علیه السّلام قال: و أمّا ظهورک على تناکر قوله: (وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِی الْیَتامى‏ فَانْکِحُوا ما طابَ لَکُمْ مِنَ النِّساءِ) و لیس یشبه القسط فی الیتامى نکاح النّساء و لا کلّ النّساء أیتام، فهو ممّا قدّمت ذکره من إسقاط المنافقین فی القرآن بین القول فی الیتامى و بین نکاح النساء من الخطاب و القصص أکثر من ثلث القرآن، و هذا و ما أشبهه ممّا أظهرت حوادث المنافقین فیه لأهل النّظر و التّأمل و وجد المعطلون و أهل الملل المخالفه للاسلام مساغا إلى القدح فی القرآن، و لو شرحت لک کلما اسقط و حرّف و بدّل ممّا یجرى هذا المجرى لطال و ظهر ما یحظر التّقیه إظهاره من مناقب الأولیاء و مثالب الأعداء.

الثالث ما رواه فی الکافی عن أحمد بن محمّد بن أبی نصر، قال دفع إلىّ أبو الحسن علیه السّلام مصحفا، فقال: لا تنظر فیه، ففتحته و قرأت فیه: لم یکن الذین کفروا، فوجدت فیها اسم سبعین من قریش بأسمائهم و أسماء آبائهم، قال فبعث إلىّ ابعث إلىّ بالمصحف.

الرابع ما رواه أبو عبیده بسنده عن ابن عمر قال: لا یقولنّ أحدکم قد اخذت القرآن کلّه و ما یدریه ما کلّه، قد ذهب منه قرآن کثیر، و لکن لیقل قد أخذت منه ما ظهر.

و بسنده عن عایشه، قال: کانت سوره الأحزاب تقرء فی زمان الرّسول صلّى اللّه علیه و آله مأتی آیه، فلما کتب عثمان المصاحف لم یقدر منها إلّا على ما هو الآن.

و بسنده عن زر بن حبیش، قال: قال لی أبیّ بن کعب: کم تعدّون سوره الأحزاب قلت: اثنتین و ستین آیه أو ثلاثا و ستّین آیه، قال: ان کانت لتعدل سوره البقره.

و فی الکشاف عن زرّ مثله إلّا أنّ فیه قلت ثلاثا و سبعین آیه، قال فو الذی یحلف به أبیّ ابن کعب ان کانت لتعدل سوره البقره أو أطول و لقد قرأنا منها آیه الرّجم، الشّیخ و الشّیخه اذا زنیا فارجموهما البتّه نکالا من اللّه و اللّه عزیز حکیم.

الخامس ما رواه فی کتاب تذکره الأئمه عن تفسیر الکازر، و المولى فتح اللّه عن مصحف ابن مسعود، و هو آیات کثیره فی سور متعدّده.

ففی المائده: (یا أَیُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَیْکَ فی شَأْنِ عَلِیٍّ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) و فی الرّعد و هو قوله تعالى: (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ عَلِیٌّ لِکُلِّ قَوْمٍ هادٍ) و فی الشّعراء: (وَ سَیَعْلَمُ الَّذینَ ظَلَمُوا آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ أَیَّ مُنْقَلَبٍ یَنْقَلِبُونَ، و رواه القمی أیضا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام.

و فی الصّافّات قوله: (وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسؤلُونَ فی وِلایَهِ عَلِیٍّ ما لَکُمْ لا تَناصَرُونَ).

و فی النّساء قوله تعالى: (أَمْ یَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه‏ فَقَدْ آتَیْنا آلَ إِبْراهیمَ وَ آلَ مُحَمَّدٍ الْکِتابَ وَ الْحِکْمَهَ وَ آتَیْناهُمْ مُلْکاً عَظیماً) و فی الزّمر قوله: (فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِکَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ بِعَلِیِّ بْنِ أَبی طالِبٍ) و رواه الطّبرسی أیضا عن جابر بن عبد اللّه الأنصاری.

و فی طه قوله تعالى: (وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ کَلِماتٍ فی محمّد و علیّ و فاطمه و الحسن و الحسین و التّسعه من ذرّیّه الحسین فَنَسِیَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) و رواه أیضا فی الکافى عن الصّادق علیه السّلام إلّا أنّ فی آخره و الأئمّه من ذرّیتهم بدل قوله و التّسعه، ثم قال هکذا و اللّه نزلت على محمّد صلّى اللّه علیه و آله و فی النّجم قوله تعالى: (وَ أَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِه‏ فی علیّ لَیْلَهَ الْمِعْراجِ ما أَوْحى) و فی آیه الکرسی: (أَللَّهُ لا إِلهَ إِلّا هُوَ الْحَیُّ الْقَیُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَهٌ وَ لا نَوْمٌ لَهُ ما فی السّماواتِ وَ ما فی الْأَرْضِ وَ ما تَحْتَ الثَّرى‏، عالِمُ الْغَیْبِ وَ الشّهادَهِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحیمُ مَنْ ذَا الَّذی‏ یَشْفَعُ عِنْدَهُ) و فی الأحزاب قوله: (وَ کَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنینَ الْقِتالَ بعلیّ بن أبی طالب وَ کانَ اللَّهُ قَوِیّاً عَزیزاً) و منها سوره الولایه: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحیمِ یا أَیُّهَا الَّذینَ‏ آمَنُوا آمِنُوا بِالنَّبِیِّ وَ الْوَلِیِّ اللذَیْنِ بَعَثْناهُما یَهْدِیانِکُمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقیمٍ نَبِیٌّ وَ وَلِیٌّ بَعْضُهُما مِنْ بَعْضٍ، وَ أَنَا الْعَلیمُ الْخَبیرُ، إِنَّ الَّذینَ یُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعیمِ، فَالَّذینَ إِذا تُلِیَتْ عَلَیْهِمْ آیاتُنا کانُوا بِآیاتِنا مُکَذِّبینَ، إِنَّ لَهُمْ فی جَهَنَّمَ مَقامٌ عَظیمٌ، نُودِیَ لَهُمْ یَوْمَ الْقِیمَهِ أَیْنَ الضّالُّونَ الْمُکَذِّبُونَ لِلمُرْسَلینَ، ما خَلَفَهُمُ الْمُرْسَلینَ إِلّا بِالْحَقِّ، وَ ما کانَ اللَّهُ لِیُنْظِرَهُمْ إِلى‏ أَجَلٍ قَریبٍ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّکَ وَ عَلِیٌّ مِنَ الشّاهِدینَ) و منها سوره النّورین، ترکت ذکرها لکونها مع طولها مغلوطه لعدم وجود نسخه مصحّحه عندی یصحّ الرّکون إلیها.

السادس ما رواه علیّ بن إبراهیم القمیّ فی تفسیره و هو أیضا کثیر.

منها قوله تعالى: (وَ مَنْ یُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فی ولایه علیّ و الأئمّه من بعده فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظیماً).

و منها قوله تعالى: وَ لکِنَّ اللَّهَ یَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَیْکَ فی علی أَنْزَلَهُ بِعِلْمِه‏ وَ الْمَلائِکَهُ یَشْهَدُونَ) و منها قوله تعالى: (إِنَّ الَّذینَ کَفرُوا وَ ظَلَمُوا آل محمّد حقّهم لَمْ یَکُنِ اللَّهُ لِیَغْفِرَ لَهُمْ) و منها (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جآؤُکَ یا علیّ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) و منها قوله تعالى: (وَ لَوْ تَرَى الَّذینَ ظَلَمُوا آل محمّد حقّهم فی‏ غَمَراتِ الْمَوْتِ) السابع ما رواه فی الصّافی عن العیّاشی عن الباقر علیه السّلام فی قوله: (وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِیثاقَ النَّبِیِّینَ) أنّها نزلت و إذ أخذ اللّه میثاق أمم النّبیین.

الثامن ما فیه عنه فی قوله: فبدّل الذین اه أنّها نزلت فبدّل الذین ظلموا آل محمّد حقهم غیر الذی قیل لهم، فأنزلنا على الذین ظلموا آل محمّد حقهم رجزا من السّماء بما کانوا یفسقون.

التاسع ما رواه فی الکافی«» عن أبی بصیر مقطوعا فی حدیث طویل، ثمّ أتى الوحى إلى النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فقال: (سَئَلَ سآئِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلکافِرینَ بولایه علیّ لَیْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذی الْمَعارِجِ) قال: قلت: جعلت فداک إنّا لا نقرئها هکذا، فقال: هکذا و اللّه نزل بها جبرئیل على محمّد صلّى اللّه علیه و آله، و هکذا هو و اللّه مثبت فی مصحف فاطمه علیها السّلام، إلى غیر ذلک ممّا یقف علیه المتتبع المجدّ و أکثر التّفاسیر احتواء لذلک تفسیر القمیّ، و فیما ذکرناه کفایه لمن طلب الحقّ، لأنّها على اختلاف مؤدّیاتها متفقه على الدلاله على النقیصه فی الکتاب فیحصل منها العلم الضّروری بها.

و المناقشه فیها بأنّ الزّیادات المذکوره فیها إنّما هی من قبیل الأحادیث القدسیه لا القرآن فبعیده جدّا کما أنّ احتمال أن یکون النّاقصات من قبیل التفاسیر و بیان المعانی کذلک، لما عرفت من التّصریح فی بعضها بأنّها هکذا نزلت، و فی بعضها هکذا و اللّه نزلت، و مع ذلک التّصریح کیف یمکن القول بکون المنقوصات من قبیل التفاسیر کما توهّمه الصّدوق.

و الانصاف أنّ القول بعدم النّقص فیه ممّا یمکن إنکاره بعد ملاحظه الأدله و الأخبار التی قدّمناها، فانّها قد بلغت حدّ التّواتر، مضافا إلى أخبار ورود الامه على الحوض و قولهم بعد سؤال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله عنهم کیف خلّفتمونی فی الثقلین: أمّا الأکبر فحرقناه (فبدلناه خ‏ل) و أمّا الأصغر فقتلناه، و هذه الأخبار أیضا متواتره، و مع التّنزل عن بلوغها حدّ التواتر نقول: إنّه بانضمامها إلى الأخبار الاول لا محاله تکون متواتره مفیده للعلم بثبوت النّقصان، إذ لو کان القرآن الموجود بأیدینا الیوم بعینه القرآن المنزل من السّماء من دون أن یکون فیه تحریف و نقصان، فأىّ داع کان لهم على الطبخ و الاحراق الذی صار من أعظم المطاعن علیهم.

فان قلت: إذا ثبت وقوع التّغییر فی القرآن فکیف یجوز لنا قراءته بل اللازم قراءته على نحو ما انزل فیما اطلعنا علیه.

قلت: إنّ الأئمه علیهم السلام رخّصونا على ما هو الموجود الآن و لم یأذنوا بقراءته على نحو ما انزل.

یدلّ على ذلک ما رواه فی الکافی مرسلا عن سهل بن زیاد عن محمّد بن سلیمان عن بعض أصحابه عن أبی الحسن علیه السّلام قال: قلت له: جعلت فداک إنا نسمع الآیات فی القرآن لیس هی عندنا کما نسمعها و لا نحسن أن نقرأها کما بلغنا عنکم فهل نأثم فقال علیه السّلام: لا، اقرءوا کما تعلّمتم فسیجیئکم من یعلّمکم.

و فیه أیضا باسناده إلى سالم بن سلمه، قال: قرء رجل على أبی عبد اللّه علیه السّلام و أنا أستمع حروفا من القرآن لیس على ما یقرئها النّاس، فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام: مه کفّ عن هذه القرائه و اقرء کما یقرأ النّاس حتّى یقوم القائم علیه السّلام: فاذا قام قرء کتاب اللّه على حدّه و أخرج المصحف الذی کتبه علیّ علیه السّلام.

فان قلت: سلّمنا وجود التّحریف فیه فلم لم یصحّحه أمیر المؤمنین علیه السّلام حیثما جلس على سریر الخلافه مع أنّه لم یکن منه مانع یومئذ.

قلت: إنّه علیه السّلام لم یتمکن منه لوجود التقیه المانعه من حیث کونه مستلزما للتشنیع على من سبقه کما لم یتمکن من إبطال صلاه الضحى، و من إجراء متعتی الحجّ و النّساء، و من عزل شریح عن القضاوه، و معاویه عن الاماره، و قد صرّح بذلک فی روایه الاحتجاج السّابقه فی مکالمته علیه السّلام مع الزّندیق.

مضافا إلى اشتمال عدم التّصحیح على مصلحه لا تخفى، و هو أن یتمّ الحجه فی یوم القیامه على المحرّفین المغیّرین من هذه الجهه أیضا بحیث یظهر شناعه فعلهم لجمیع أهل المحشر، و ذلک بأن یصدر الخطاب من مصدر الرّبوبیّه إلى امّه محمّد صلّى اللّه علیه و آله، و یقال لهم: کیف قرأتم کتابی الذی أنزلته إلیکم فیصدر عنهم الجواب، بأنّا قرأناه کذا و کذا، فیقال لهم: ما أنزلناه هکذا فلم ضیّعتموه و حرّفتموه و نقصتموه فیجیبوا أن یا ربّنا ما قصّرنا فیه و لا ضیّعناه و لا فرطنا، بل هکذا وصل إلینا.

فیخاطب حمله الوحى و یقال لهم: أنتم قصّرتم فی تبلیغ وحیی و أداء أمانتی فیقولوا ربّنا ما فرطنا فی وحیک من شی‏ء و إنّما فرط فیه فلان و فلان بعد مضیّ نبیّهم، فیظهر شناعه فعلهم و فضاحه عملهم لجمیع أهل المحشر و یستحقّوا بذلک الخزى العظیم و العذاب الألیم مضافا إلى استحقاقهم للنّکال و العقاب بتفریطهم فی أمر الرّساله و تقصیرهم فی غصب الخلافه.

فان قلت: سلّمنا أنّ علیّا علیه السّلام لم یتمکن من تصحیحه و أنّ بقائه على التّحریف کان مشتملا على المصلحه التی ذکرتها، و لکن بقی هنا شی‏ء و هو أنّ الأئمه لم لم یدفعوا ما عندهم من الکتاب المنظم المحفوظ السّالم عن التّحریف إلى الامّه و ما کان المانع لهم من ذلک قلت: السّر فی عدم إظهارهم علیهم السلام له وجوه کثیره: منها أنّه لو أظهر ذلک الکتاب مع بقاء هذا الکتاب المحرّف لوقع الاختلاف بین النّاس و یکون ذلک سببا لرجوع النّاس إلى کفرهم الأصلی و أعقابهم القهقرى.

و منها أنّ شوکه النّفاق یومئذ کان أکثر فلو أظهروه لأحدث المنافقون فیه مثل ما أحدثه رئیسهم قبلهم.

و منها أنّه مع إظهاره أیضا لا یکون له رواج، لمکان شهره ذلک المحرّف إلى غیر هذه من الأسرار التی تستفاد من الأخبار.

و کیف کان فقد ظهر و تحقّق ممّا ذکرنا کله أنّ حدوث التّحریف و النّقصان فی القرآن ممّا لا غبار علیه.

و أمّا الزّیاده ففیها تردّد و الأقوى العدم إذ الدّلیل علیها لیس إلّا عدّه روایات و هی لا تقاوم الاجماعات التی ادّعاها الشّیخ و الصّدوق و الطبرسی و المحقّق الکاظمی.

فان قلت: قد ظهر من کلام الصّدوق الاجماع على عدم النقیصه أیضا، فان کان الاجماع المنقول حجّه فهو حجّه فی المقامین کلیهما، و إلّا فلا یعبأ به فی شی‏ء منهما و التّفرقه بینهما بالعمل به فی أحدهما دون الآخر شطط من الکلام.

قلت: الاجماع المنقول إنّما هو معتبر لأجل إفادته الظن، و هو لا یکافؤ القطع الحاصل من الأخبار المتواتره الدّاله على النّقیصه، و لکن لما کان الظنّ الحاصل منه أقوى من الظن الحاصل من أدله الزّیاده لا جرم رجّحناه علیها.

هذا تمام الکلام فی المقام، و قد تکلّمنا فیه بمقتضى أفهامنا، و اللّه العالم بحقایق الامور.

التذییل الثالث

اعلم أنّه قد تواترت الأخبار عن العتره الزّاکیه و أجمعت الأصحاب من الفرقه النّاجیه الامامیّه على أنّ قیم القرآن بعد النّبی صلّى اللّه علیه و آله أى العالم بتفسیر محکماته و تأویل متشابهاته، و الحافظ لأسراره و آیاته و أنوار بیّناته، هو علیّ و الطیّبون من أولاده علیهم السلام، و قد طابق العقل فی ذلک النّقل فکلاهما متطابقان فی علمهم بالقرآن.

أمّا العقل فلأنه قد علمت عند شرح قوله علیه السّلام: و لم یخل اللّه خلقه من نبیّ مرسل أو کتاب منزل أو حجّه لازمه، أنّ الأرض لا تبقى بلا حجّه من بعد النبیّ صلّى اللّه علیه و آله، إذ الحاجه من الخلق ماسّه دائما إلى وجود من یقرّبهم إلى اللّه و یهدیهم‏ إلى سبیل ربّهم بالحکمه و الموعظه الحسنه، فلا بدّ أن یکون ذلک الحجّه عالما بجمیع القرآن، إذ القرآن لا یکون بنفسه حجّه من دون قیّم، ضروره أن القرآن لیس کتابا یقوم بعلمه عامه أهل النّظر من الفضلاء، فضلا عن غیرهم کیف و أکثر أرباب النظر عاجزون عن مطالعه کتب الحکماء و فهمها، ککتب أفلاطن و أرسطو فکیف یمکنهم أن یعلموا القرآن و یفهموه، و هو کتاب الهیّ و کلام ربّانیّ نسبته إلى سایر الکتب کنسبه الرّب تعالى إلى مصنّفی تلک الکتب، و هو مشتمل على رموز و بطون و أسرار و نکات، فلا یهتدى إلى نوره إلّا بتأیید إلهیّ و إلهام ربانی و تعلیم نبویّ، و لم نجد أحدا یقال: إنّه علم القرآن کله، و إنّه قیمه إلّا علیّا و أولاده المعصومین سلام اللّه علیهم أجمعین فهم قیّم القرآن و عارفوه.

و فی روایه الکافی عن منصور بن حازم، قال: قلت: لأبی عبد اللّه علیه السّلام إلى أن قال: و قلت للنّاس: تعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله کان هو الحجه من اللّه على خلقه، قالوا: بلى، قلت: فحین مضى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من کان الحجه على خلقه فقالوا: القرآن، فنظرت فاذا هو یخاصم فیه المرجئی و القدری و الزّندیق الذی لا یؤمن به حتّى یغلب الرّجال بخصومته، فعرفت أن القرآن لا یکون حجه إلّا بقیم، فما قال فیه من شی‏ء کان حقّا، فقلت لهم: من قیم القرآن فقالوا: ابن مسعود قد کان یعلم، و عمر یعلم، و حذیفه یعلم، قلت: کله قالوا: لا فلم أجد أحدا یقال: إنه یعرف ذلک کله إلّا علیّا صلوات اللّه علیه، و إذا کان الشی‏ء بین القوم، فقال هذا: لا ادری، و قال هذا: لا أدری، و قال هذا: لا أدری و قال هذا: أنا أدری فاشهد أنّ علیا علیه السّلام کان قیّم القرآن، و کانت طاعته مفروضه، و کان الحجه بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله، و أنّ ما قال فی القرآن فهو حقّ فقال علیه السّلام«» رحمک اللّه.

و اما النّقل فقد روی عن ابن عبّاس أنّه کان لیله من اللیالی عند أمیر المؤمنین علیه السّلام و هو یفسّر فاتحه الکتاب، فرأى نفسه عنده کجرّه عند بحر عظیم، و هو علیه السّلام قال لو شئت لأوقرت سبعین بعیرا من تفسیر فاتحه الکتاب.

و فی غایه المرام عن محمّد بن الحسن الصّفار باسناده عن الأصبغ بن نباته، قال قال أمیر المؤمنین علیه السّلام: لو کسرت لی و ساده فقعدت علیها لقضیت بین أهل التوراه بتوراتهم، و أهل الانجیل بإنجیلهم و أهل الفرقان بفرقانهم بقضاء یصعد إلى اللّه یزهر و اللّه ما نزلت آیه فی کتاب اللّه فی لیل أو نهار إلّا و قد علمت فیمن انزل، و لا أحد مرّ على رأسه الموسى إلّا و قد نزلت فیه آیه من کتاب اللّه تسوق إلى الجنه أو إلى النار، فقام إلیه رجل، فقال یا أمیر المؤمنین علیه السّلام: ما الآیه التی نزلت فیک قال علیه السّلام له: أما سمعت اللّه یقول: «أَ فَمَنْ کانَ عَلى‏ بَیِّنَهٍ مِنْ رَبِّهِ وَ یَتْلُوهُ شاهِدٌ» فرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على بینه من ربّه، و أنا شاهد له فیه و أتلوه معه.

و فی غایه المرام أیضا عن الشّیخ فی أمالیه باسناده عن علیّ علیه السّلام، قال: سلونی عن کتاب اللّه، فو اللّه ما انزلت آیه من کتاب اللّه عزّ و جلّ فی لیل أو نهار و لا مسیر و لا مقام إلّا و قد أقرأنیها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و علّمنی تأویلها، فقام ابن الکوّا، فقال یا أمیر المؤمنین: فما کان ینزل علیه و أنت غائب عنه قال: کان یحفظ علىّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ما کان ینزل علیه من القرآن و أنا عنه غائب حتّى اقدم علیه فیقرئنیه و یقول لی یا علیّ أنزل اللّه علىّ بعدک کذا و کذا، و تأویله کذا و کذا فیعلّمنی تأویله و تنزیله.

و فی البحار عن بصائر الدّرجات باسناده عن إبراهیم بن عبد الحمید عن أبیه عن أبی الحسن الأوّل علیه السّلام، قال: قلت له جعلت فداک: النبی صلّى اللّه علیه و آله ورث علم النّبیین کلهم قال لی: نعم قلت: من لدن آدم إلى أن انتهى إلى نفسه، قال: نعم، قلت ورثهم النّبوه و ما کان فی آبائهم من النّبوه و العلم، قال: ما بعث اللّه نبیّا إلّا و قد کان محمّد صلّى اللّه علیه و آله أعلم منه، قال: قلت: إنّ عیسى بن مریم کان یحیی الموتى باذن اللّه، قال: صدقت، و سلیمان بن داود کان یفهم کلام الطیر، قال: و کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقدر على هذه المنازل، فقال: إن سلیمان بن داود قال للهدهد حین فقده و شکّ فی أمره:

 «ما لِیَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ کانَ مِنَ الْغائِبِینَ» و کانت المرده و الرّیح و النمل و النّاس و الجنّ و الشّیاطین له طائعین، و غضب علیه، فقال: «لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِیداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَیَأْتِیَنِّی بِسُلْطانٍ مُبِینٍ» و إنّما غضب علیه لأنّه کان یدله على الماء فهذا و هو طیر قد أعطى ما لم یعط سلیمان، و إنّما أراد لیدله على الماء فهذا لم یعط سلیمان و کانت المرده له طائعین و لم یکن یعرف الماء تحت الهواء و کانت الطیر تعرفه، إنّ اللّه یقول فی کتابه: «وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُیِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ کُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى‏»«» فقد ورثنا نحن هذا القرآن فعندنا ما تسیر به الجبال و تقطع به البلدان و یحیى به الموتى باذن اللّه، و نحن نعرف ما تحت الهواء و إن کان فی کتاب اللّه لآیات لا یراد بها أمر من الامور التی اعطاها اللّه الماضین النّبیین و المرسلین إلّا و قد جعله اللّه ذلک کله لنا فی امّ الکتاب، إنّ اللّه تبارک و تعالى یقول: «وَ ما مِنْ غائِبَهٍ فِی السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِی کِتابٍ مُبِینٍ» ثمّ قال عزّ و جلّ: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْکِتابَ الَّذِینَ اصْطَفَیْنا مِنْ عِبادِنا» فنحن الذین اصطفانا اللّه، فقد ورثنا علم هذا القرآن الذی فیه تبیان کلّ شی‏ء.

و فی الکافی باسناده عن عبد الرحمن بن کثیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام، قال:«قالَ الَّذِی عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْکِتابِ أَنَا آتِیکَ بِهِ قَبْلَ أَنْ یَرْتَدَّ إِلَیْکَ طَرْفُکَ» قال: ففرّج أبو عبد اللّه علیه السّلام بین أصابعه فوضعها فی صدره، ثم قال و عندنا و اللّه علم الکتاب کله.

و فی تفسیر علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن ابن اذینه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أیضا قال: الذی عنده علم الکتاب، هو أمیر المؤمنین علیه السّلام و سئل عن الذی عنده علم من الکتاب أعلم أم الذی عنده علم الکتاب فقال علیه السّلام ما کان علم الذی عنده علم من الکتاب عند الذی عنده علم الکتاب إلّا بقدر ما تأخذ البعوضه بجناحها من ماء البحر.

و فی غایه المرام عن محمّد بن الحسن الصّفار باسناده عن عبد الأعلى بن أعین قال: سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول: قد ولدنی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أنا أعلم کتاب اللّه، و فیه بدؤ الخلق و ما هو کائن إلى یوم القیامه و فیه خبر السّماء و خبر الأرض و خبر الجنّه و خبر النّار و خبر ما کان و خبر ما هو کائن، أعلم ذلک کانّما أنظر إلى کفّی إنّ اللّه یقول: «فیهِ تِبْیانُ کُلِّ شَیْ‏ءٍ» و قریب منه ما فی الکافی باسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام، قال: سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول: و اللّه إنّی لأعلم کتاب اللّه من أوّله إلى آخره کأنّه فی کفی، فیه خبر السّماء و خبر الأرض و خبر ما کان و خبر ما هو کائن، قال اللّه عزّ و جل فیه تبیان کلّ شی‏ء.

قال بعض المحقّقین: قوله علیه السّلام: کأنّه فی کفّی تنبیه على أنّ علمه بما فی الکتاب شهودی بسیط واحد بالذّات متعلّق بالجمیع، کما أن رؤیه ما فی الکفّ رؤیه واحده متعلقه بجمیع أجزائه، و التّعدد إنّما هو بحسب الاعتبار.

و قوله علیه السّلام: فیه خبر السّماء یعنى من أحوال الأفلاک و حرکاتها و احوال الملائکه و درجاتها و حرکات الکواکب و مداراتها و منافع تلک الحرکات و تاثیراتها إلى غیر ذلک من الامور الکاینه فی العلویات و المنافع المتعلقه بالفلکیات.

و قوله علیه السّلام: و خبر الأرض یعنى من جوهرها و انتهائها و ما فى جوفها و أرجائها و ما فی تحتها و أهوائها و ما فیها من المعدنیات و ما تحت الفلک من البسایط و المرکبات التی یتحیر فی إدراک نبذ منها عقول البشر، و یتحیّر دون بلوغ أدنى مراتبها ظاهر الفکر و النّظر.

و قوله علیه السّلام: و خبر ما کان و خبر ما هو کائن أى من أخبار السّابقین و أخبار اللّاحقین کلیاتها و جزئیاتها و أحوال الجنّه و مقاماتها و تفاوت مراتبها و درجاتها و أخبار المثاب فیها بالانقیاد و الطاعه و المأجور فیها بالعباده و الزّهاده و أهوال النّار و درکاتها و أحوال مراتب العقوبه و مصیباتها، و تفاوت مراتب البرزخ فی النّور و الظلمه، و تفاوت أحوال الخلق فیه بالرّاحه و الشّده، کلّ ذلک بدلیل قوله: فیه تبیان کل شی‏ء، أى کشفه و ایضاحه فلا سبیل إلى إنکاره.

التذییل الرابع

اعلم أنّه قد ورد الأخبار المتظافره فی النّهى عن تفسیر القرآن بالرّأى منها ما فی مجمع البیان، قال: اعلم أنّ الخبر قد صحّ عن النّبیّ و الأئمه القائمین مقامه أنّ تفسیر القرآن لا یجوز إلّا بالأثر الصّحیح و النّص الصّریح، قال: و روى العامّه أنّه صلّى اللّه علیه و آله قال: من فسّر القرآن برأیه فأصاب الحقّ فقد أخطأ و منها ما عن تفسیر العیّاشی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام، قال من فسّر القرآن إن أصاب لم یوجر، و إن أخطأ سقط أبعد من السماء.

و منها ما عن الرّضا عن أبیه عن آبائه عن أمیر المؤمنین علیهم السّلام، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: إنّ «قال ظ» اللّه عزّ و جلّ فی الحدیث القدسی ما آمن بی من فسّر کلامى برأیه، و ما عرفنی من شبّهنی بخلقى، و ما على دینی من استعمل القیاس فی دینی.

و منها ما رواه فی الکافی عن زید الشّحام فی حدیث قتاده مع أبی جعفر علیه السّلام قال: فقال أبو جعفر علیه السّلام: و یحک یا قتاده إن کنت إنّما فسّرت القرآن من تلقاء نفسک فقد هلکت و أهلکت، و إن کنت إنّما أخذته من الرّجال فقد هلکت و أهلکت إلى أن قال: فقال أبو جعفر علیه السّلام ویحک یا قتاده إنّما یعرف القرآن من خوطب به.

إذا عرفت ذلک فنقول: إنّ طائفه من متأخّری أصحابنا و هم الأخباریّون قالوا: بعدم جواز استنباط حکم من الأحکام من القرآن و عدم جواز الاستدلال به على شی‏ء من المسائل إلّا بعد صدور بیانه من الأئمه علیهم السّلام، متمسکا بالأخبار المذکوره، و بأدله أخرى استدلّوا بها على مذهبهم فی محالها، و قد خالفوا فی ذلک جمیع المجتهدین، لاتّفاقهم على جواز العمل بمحکمات الکتاب نصّا کان أو ظاهرا و استدلّوا علیه بأدله وافیه و براهین شافیه تعرّضوا لها فی علم الاصول، و لا حاجه لنا فی المقام إلى إشباع الکلام فی هذه المسأله، و إنّما مقصودنا تحقیق معنى الأخبار المذکوره لیتّضح المراد بها و یظهر أیضا عدم دلالتها على ما رامه الأخباریه فنقول: إنّ التفسیر مأخوذ من الفسر و هو کشف السّتر عن المستور، یقال: فسّر الشّی‏ء فسرا إذا کشف عن غطائه، و قد یقال: إنّه کشف المراد عن اللفظ المشکل، و فی الاوقیانوس انّه فی عرف المفسرین مرادف للتّأویل و فی المصباح فسّرت الشّی‏ء فسرا من باب ضرب بیّنته و اوضحته، و عن الصحاح الفسر البیان، و قد فسرت الشی‏ء افسره بالکسر فسرا و التّفسیر مثله.

اذا عرفت هذا فاعلم انّه إن ارید بالتّفسیر المذکور فی الأخبار المعنیان الأوّلان، فلا یکون فیها دلاله على المنع عن العمل بالظواهر و بالنّصوص بطریق اولى، لظهور انّ التّفسیر على المعنیین المذکورین إنّما یکون فی الألفاظ التی معانیها خفیه مستوره، و الألفاظ التی معانیها مشکله کالمجملات و المتشابهات، و لا ریب انّ المعانی الظاهره من الألفاظ بنفسها لا ستره علیها حتّى یحتاج إلى الکشف، و لا إشکال فیها حتّى یحتاج إلى الفسر.

و امّا على القول بکونه مرادفا للتّاویل فکذلک، إذ نحن لا ننکر عدم جواز تأویل ما یحتاج إلى التّأویل من تلقاء النّفس و نعترف بانحصار علم المتشابهات المحتاجه إلیه فی الأئمه علیهم السّلام، لقوله تعالى: «وَ ما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ» و لکن این ذلک من اتّباع المحکمات من العمل بالظواهر، نعم على القول بأنّ معناه البیان و الایضاح کما حکیناه عن المصباح و الصّحاح یکون للاستدلال بالأخبار المذکوره وجه، لعدم اختصاص التّفسیر على ذلک المعنى بالالفاظ المجمله و المتشابهه إلّا أن یقال: إنّ المراد بالرّأى فی الأخبار المذکوره هو الاعتبار العقلی الظنی الرّاجع إلى الاستحسان، فالمراد من التّفسیر بالرّأى حمل اللفظ على خلاف ظاهره أو أحد احتمالیه، لرجحان ذلک فی نظره القاصر، فلا یشمل حمل ظواهر الکتاب على معانیها اللغویه و العرفیه الظاهره، فالمقصود بهذه الرّوایات ذمّ المخالفین و طردهم من حیث استغنائهم بآرائهم الفاسده عن مراجعه أهل البیت علیهم السلام، و یشعر بذلک ما قاله سبحانه. فی الحدیث القدسی السّالف: و ما على دینی من استعمل القیاس فی دینی، و یرشد إلیه ما روی عن الصّادق علیه السّلام، قال فی حدیث طویل: هلک النّاس فی المتشابه، لأنّهم لم یقفوا على معناه و لم یعرفوا حقیقته فوضعوا له تأویلا من عند أنفسهم بآرائهم فاستغنوا بذلک عن مسأله الأوصیاء، و یمکن أن یراد بالرّأى الهوى و میل الطبع.

توضیحه ما ذکره الغزالی فی إحیاء العلوم و هو أن یکون له فی الشّی‏ء رأى و إلیه میل من طبعه و هواه فیتأوّل القرآن على وفق رایه و هواه لیحتجّ على تصحیح غرضه، و لو لم یکن له ذلک الرّأی و الهوى فکان لا یلوح له من القرآن ذلک المعنى، و هذا تاره یکون مع العلم، کالذی یحتجّ ببعض آیات القرآن على تصحیح بدعته و هو یعلم أنّه لیس المراد بالایه ذلک، و لکن یلبس به على خصمه و تاره یکون له غرض صحیح فیطلب له دلیلا من القرآن و یستدل علیه بما یعلم أنّه ما ارید به کالذی یدعو إلى مجاهده القلب القاسى فیقول قال اللّه عزّ و جلّ: «اذْهَبْ إِلى‏ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏» و یشیر إلى قلبه و یؤمی إلى أنّه المراد بفرعون، و هذا الجنس قد یستعمله بعض الوعّاظ فی المقاصد الصّحیحه، تحسینا للکلام و ترغیبا للمستمع، و قد تستعمله الباطنیه فی المقاصد الفاسده لتغریر النّاس و دعوتهم إلى مذهبهم الباطل فینزلون القرآن على وفق رأیهم و مذهبهم على امور یعلمون قطعا أنّها غیر مراده به انتهى ملخصا.

و قد ظهر و اتّضح ممّا ذکرنا کله أنّ الأخبار المأثوره لا تنهض دلیلا على المنع من استنباط الأحکام من الظواهر و محکمات الکتاب، و لا على المنع من العمل بها إلّا بعد السّماع و النّقل کیف و قد مدح اللّه سبحانه المستنبطین بقوله: لعلمه الذین یستنبطونه، و ورد الأخبار المتواتره بعرض الأخبار المتعارضه على کتاب اللّه و أخذ الموافق له و طرح المخالف، فتدل على أنّ الکتاب حجه و معروض علیه، و لو لم یصحّ فهم معناه إلّا بالنّص کیف یمکن العرض علیه و هو غیر مفهوم المعنى، و تمام الکلام فی ذلک موکول إلى حواشینا على قوانین الاصول هذا.

و قد بقی فی المقام بعض أبحاث قرآنیه من تواتره و تواتر قراءات السّبع و فضائله و فضائل قراءته و سماعه و النّظر فیه و غیر ذلک من المباحث الشّریفه النّفیسه، إلّا أنّا طوینا عنها کشحا لخوف الاطاله و الاطناب، و لعلّنا نشیر إلى بعضها فی المقام المناسب، و اللّه الموفّق و المعین.

الترجمه

پس اختیار کرد و برگزید خداوند سبحانه و تعالى بجهه محمّد خاتم الأنبیاء صلوات اللّه علیه و آله ملاقات روحانى او را و پسندید از براى او آن چیزى را که نزد اوست، پس اکرام فرمود و عزیز شمرد او را از ماندن دار دنیاى فانى و صرف فرمود و بگردانید میل او را از اقامت مقام بلاد محنت، پس قبض فرمود روح شریف او را بسوى خود در حالتى که عزیز و شریف بود و خلیفه گذاشت آن حضرت بعد از خود در میان شما مثل آن چیزى که خلیفه گذاشتند پیغمبران در میان امتان خود، زیرا که ترک نکردند ایشان امتان را سر خود و واگذاشته بى راه روشن و بدون علامت و نشانه ثابت که عبارتست آن خلیفه گذاشته شده از کتاب پروردگار شما در حالتى که بیان کننده بود آن حضرت حلال آنرا و حرام آن را و فضیلتهاى آن را که مندوبات است و فریضه‏ هاى آن را که واجباتست و نسخ کننده آنرا و نسخ کرده شده آن را و رخصتهاى آن را که در حال ضرورت اذن داده شده و عزیمتهاى آن را که در هیچ حال اذن مخالفت آنها داده نشده، و خاصهاى آنرا و عامهاى آن را و عبرت‏هاى آنرا و مثل‏هاى آنرا و مطلقات آنرا و مقیدات آن را و محکمات آنرا که واضح الدلاله هستند و متشابهات آنرا که غیر واضح الدلاله مى باشند در حالتى که آن حضرت تفسیر کننده بود مجمل‏هاى آن را، و بیان کننده بود مشکل‏هاى آنرا، در حالتى که آن کتاب میان چیزى است که اخذ کرده شده است پیمان دانستن آن، و میان چیزیست که وسعت داده شده بر بندگان در جهالت آن، و دیگر میان آن چیزیست که ثبت شده است در کتاب فرض و وجوب آن، و دانسته شده است در سنت نبوى نسخ آن، و دیگر میان آن چیزیست که واجبست در سنت اخذ و فرا گرفتن آن و اذن و رخصت داده شده است در آن کتاب ترک نمودن آن، و دیگر مسائل آن چیزیست که واجبست در وقت خود و زایل است در زمان استقبال خود، و دیگر میان حکمى است که جدا شده است میان محرمات خود با شدت و ضعف، که آن محرمات عبارتست از کبیرى که وعده داده است بر آن آتش سوزان خود را، و از صغیرى که آماده و مهیا فرموده است بجهه آن رحمت و غفران خود را، و دیگر میان چیزیست که مقبول است در مرتبه ادناى خود و موسع است یعنى وسعت داده شده در مرتبه اعلاى خود

منهاج ‏البراعه فی ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(الخوئی)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

بازدید: ۸۱

حتما ببینید

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۱۰۵ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه ۱۰۶ صبحی صالح ۱۰۶- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  ) و فیها …

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

*

code