خانه / ***خطبه ها شرح و ترجمه میر حبیب الله خوئی / نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۱/۶ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)قسمت ششم ادامه خلقت حضرت آدم ومبعث پیامبران ومبعث حضرت رسول اکرم صل الله علیه وآله

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۱/۶ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)قسمت ششم ادامه خلقت حضرت آدم ومبعث پیامبران ومبعث حضرت رسول اکرم صل الله علیه وآله

خطبه ۱ صبحی صالح

۱- و من خطبه له ( علیه ‏السلام ) یذکر فیها ابتداء خلق السماء و الأرض و خلق آدم و فیها ذکر الحج و تحتوی على حمد الله و خلق العالم و خلق الملائکه و اختیار الأنبیاء و مبعث النبی و القرآن و الأحکام الشرعیه

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَا یَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ وَ لَا یُحْصِی نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ وَ لَا یُؤَدِّی حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ الَّذِی لَا یُدْرِکُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ وَ لَا یَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ الَّذِی لَیْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ وَ لَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ وَ لَا وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَ لَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ فَطَرَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ وَ نَشَرَ الرِّیَاحَ بِرَحْمَتِهِ وَ وَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَیَدَانَ أَرْضِهِ:

أَوَّلُ الدِّینِ مَعْرِفَتُهُ وَ کَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِیقُ بِهِ وَ کَمَالُ التَّصْدِیقِ بِهِ تَوْحِیدُهُ وَ کَمَالُ تَوْحِیدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ وَ کَمَالُ الْإِخْلَاصِ لَهُ نَفْیُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَهِ کُلِّ صِفَهٍ أَنَّهَا غَیْرُ الْمَوْصُوفِ وَ شَهَادَهِ کُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَیْرُ الصِّفَهِ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُوَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ وَ مَنْ‏جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَیْهِ وَ مَنْ أَشَارَ إِلَیْهِ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَ مَنْ قَالَ فِیمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُوَ مَنْ قَالَ عَلَا مَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ:

کَائِنٌ لَا عَنْ حَدَثٍ مَوْجُودٌ لَا عَنْ عَدَمٍ مَعَ کُلِّ شَیْ‏ءٍ لَا بِمُقَارَنَهٍ وَ غَیْرُ کُلِّ شَیْ‏ءٍ لَا بِمُزَایَلَهٍ فَاعِلٌ لَا بِمَعْنَى الْحَرَکَاتِ وَ الْآلَهِ بَصِیرٌ إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَیْهِ مِنْ خَلْقِهِ مُتَوَحِّدٌ إِذْ لَا سَکَنَ یَسْتَأْنِسُ بِهِ وَ لَا یَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ

خلق العالم‏

أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاءً وَ ابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً بِلَا رَوِیَّهٍ أَجَالَهَا وَ لَا تَجْرِبَهٍ اسْتَفَادَهَا وَ لَا حَرَکَهٍ أَحْدَثَهَا وَ لَا هَمَامَهِ نَفْسٍ اضْطَرَبَ فِیهَا أَحَالَ الْأَشْیَاءَ لِأَوْقَاتِهَا وَ لَأَمَ بَیْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا وَ غَرَّزَ غَرَائِزَهَا وَ أَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا مُحِیطاً بِحُدُودِهَا وَ انْتِهَائِهَا عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وَ أَحْنَائِهَا:
ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الْأَجْوَاءِ وَ شَقَّ الْأَرْجَاءِ وَ سَکَائِکَ الْهَوَاءِ فَأَجْرَى فِیهَا مَاءً مُتَلَاطِماً تَیَّارُهُ مُتَرَاکِماً زَخَّارُهُ حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّیحِ الْعَاصِفَهِ وَ الزَّعْزَعِ الْقَاصِفَهِ فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ وَ سَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ وَ قَرَنَهَا إِلَى حَدِّهِ الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِهَا فَتِیقٌ وَ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِیقٌ ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِیحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا وَ أَدَامَ مُرَبَّهَا وَ أَعْصَفَ مَجْرَاهَا وَ أَبْعَدَ مَنْشَأَهَا فَأَمَرَهَا بِتَصْفِیقِ الْمَاءِ الزَّخَّارِ وَ إِثَارَهِ مَوْجِ الْبِحَارِ فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ‏السِّقَاءِ
وَ عَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ تَرُدُّ أَوَّلَهُ إِلَى آخِرِهِ وَ سَاجِیَهُ إِلَى مَائِرِهِ حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ وَ رَمَى بِالزَّبَدِ رُکَامُهُ فَرَفَعَهُ فِی هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ وَ جَوٍّ مُنْفَهِقٍ فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ جَعَلَ سُفْلَاهُنَّ مَوْجاً مَکْفُوفاً وَ عُلْیَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ سَمْکاً مَرْفُوعاً بِغَیْرِ عَمَدٍ یَدْعَمُهَا وَ لَا دِسَارٍ یَنْظِمُهَا
ثُمَّ زَیَّنَهَا بِزِینَهِ الْکَوَاکِبِ وَ ضِیَاءِ الثَّوَاقِبِ وَ أَجْرَى فِیهَا سِرَاجاً مُسْتَطِیراً وَ قَمَراً مُنِیراً فِی فَلَکٍ دَائِرٍ وَ سَقْفٍ سَائِرٍ وَ رَقِیمٍ مَائِرٍ.

خلق الملائکه

ثُمَّ فَتَقَ مَا بَیْنَ السَّمَوَاتِ الْعُلَا فَمَلَأَهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلَائِکَتِهِ مِنْهُمْ سُجُودٌ لَا یَرْکَعُونَ وَ رُکُوعٌ لَا یَنْتَصِبُونَ وَ صَافُّونَ لَا یَتَزَایَلُونَ وَ مُسَبِّحُونَ لَا یَسْأَمُونَ لَا یَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُیُونِ وَ لَا سَهْوُ الْعُقُولِ وَ لَا فَتْرَهُ الْأَبْدَانِ وَ لَا غَفْلَهُ النِّسْیَانِ وَ مِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْیِهِ وَ أَلْسِنَهٌ إِلَى رُسُلِهِ وَ مُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَ أَمْرِهِ وَ مِنْهُمُ الْحَفَظَهُ لِعِبَادِهِ وَ السَّدَنَهُ لِأَبْوَابِ جِنَانِهِ وَ مِنْهُمُ الثَّابِتَهُ فِی الْأَرَضِینَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ وَ الْمَارِقَهُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْیَا أَعْنَاقُهُمْ وَ الْخَارِجَهُ مِنَ الْأَقْطَارِ أَرْکَانُهُمْ وَ الْمُنَاسِبَهُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَکْتَافُهُمْ نَاکِسَهٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ مَضْرُوبَهٌ بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّهِ وَ أَسْتَارُ الْقُدْرَهِ لَا یَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِیرِوَ لَا یُجْرُونَ عَلَیْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِینَ وَ لَا یَحُدُّونَهُ بِالْأَمَاکِنِ
وَ لَا یُشِیرُونَ إِلَیْهِ بِالنَّظَائِرِ

صفه خلق آدم ( علیه ‏السلام )

ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ وَ سَهْلِهَا وَ عَذْبِهَا وَ سَبَخِهَا تُرْبَهً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ وَ لَاطَهَا بِالْبَلَّهِ حَتَّى لَزَبَتْ فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَهً ذَاتَ أَحْنَاءٍ وَ وُصُولٍ وَ أَعْضَاءٍ وَ فُصُولٍ أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَکَتْ وَ أَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ وَ أَمَدٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ نَفَخَ فِیهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانٍ یُجِیلُهَا وَ فِکَرٍ یَتَصَرَّفُ بِهَا وَ جَوَارِحَ یَخْتَدِمُهَا وَ أَدَوَاتٍ یُقَلِّبُهَا وَ مَعْرِفَهٍ یَفْرُقُ بِهَا بَیْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ وَ الْأَذْوَاقِ وَ الْمَشَامِّ وَ الْأَلْوَانِ وَ الْأَجْنَاسِ مَعْجُوناً بِطِینَهِ الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَهِ وَ الْأَشْبَاهِ الْمُؤْتَلِفَهِ وَ الْأَضْدَادِ الْمُتَعَادِیَهِ وَ الْأَخْلَاطِ الْمُتَبَایِنَهِ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ الْبَلَّهِ وَ الْجُمُودِ وَ اسْتَأْدَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَلَائِکَهَ وَدِیعَتَهُ لَدَیْهِمْ وَ عَهْدَ وَصِیَّتِهِ إِلَیْهِمْ فِی الْإِذْعَانِ بِالسُّجُودِ لَهُ وَ الْخُنُوعِ لِتَکْرِمَتِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِیسَ‏  اعْتَرَتْهُ الْحَمِیَّهُ وَ غَلَبَتْ عَلَیْهِ الشِّقْوَهُ وَ تَعَزَّزَ بِخِلْقَهِ النَّارِ وَ اسْتَوْهَنَ خَلْقَ الصَّلْصَالِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ النَّظِرَهَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَهِ وَ اسْتِتْمَاماً لِلْبَلِیَّهِ وَ إِنْجَازاً لِلْعِدَهِ فَقَالَ فَإِنَّکَ مِنَ الْمُنْظَرِینَ إِلى‏ یَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏ ثُمَّ أَسْکَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِیهَا عَیْشَهُ وَ آمَنَ فِیهَا مَحَلَّتَهُ وَ حَذَّرَهُ إِبْلِیسَ وَ عَدَاوَتَهُ فَاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَهً عَلَیْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ وَ مُرَافَقَهِ الْأَبْرَارِ فَبَاعَ الْیَقِینَ بِشَکِّهِ وَ الْعَزِیمَهَ بِوَهْنِهِ وَ اسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلًا وَ بِالِاغْتِرَارِ نَدَماًثُمَّ بَسَطَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِی تَوْبَتِهِ وَ لَقَّاهُ کَلِمَهَ رَحْمَتِهِ وَ وَعَدَهُ الْمَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ وَ أَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ الْبَلِیَّهِ وَ تَنَاسُلِ الذُّرِّیَّهِ

اختیار الأنبیاء

وَ اصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِیَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْیِ مِیثَاقَهُمْ وَ عَلَى تَبْلِیغِ الرِّسَالَهِ أَمَانَتَهُمْ لَمَّا بَدَّلَ أَکْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللَّهِ إِلَیْهِمْ فَجَهِلُوا حَقَّهُ وَ اتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ وَ اجْتَالَتْهُمُ الشَّیَاطِینُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَ اقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ فَبَعَثَ فِیهِمْ رُسُلَهُ وَ وَاتَرَ إِلَیْهِمْ أَنْبِیَاءَهُ لِیَسْتَأْدُوهُمْ مِیثَاقَ فِطْرَتِهِ وَ یُذَکِّرُوهُمْ مَنْسِیَّ نِعْمَتِهِ وَ یَحْتَجُّوا عَلَیْهِمْ بِالتَّبْلِیغِ وَ یُثِیرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ وَ یُرُوهُمْ آیَاتِ الْمَقْدِرَهِ مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ وَ مِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ وَ مَعَایِشَ تُحْیِیهِمْ وَ آجَالٍ تُفْنِیهِمْ وَ أَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ وَ أَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَیْهِمْ وَ لَمْ یُخْلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِیٍّ مُرْسَلٍ أَوْ کِتَابٍ مُنْزَلٍ أَوْ حُجَّهٍ لَازِمَهٍ أَوْ مَحَجَّهٍ قَائِمَهٍ رُسُلٌ لَا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّهُ عَدَدِهِمْ وَ لَا کَثْرَهُ الْمُکَذِّبِینَ لَهُمْ مِنْ سَابِقٍ سُمِّیَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ‏ أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى ذَلِکَ نَسَلَتِ الْقُرُونُ وَ مَضَتِ الدُّهُورُ وَ سَلَفَتِ الْآبَاءُ وَ خَلَفَتِ الْأَبْنَاءُ

مبعث النبی‏

إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رَسُولَ اللَّهِ ( صلى‏ الله ‏علیه ‏وآله ‏وسلم )لِإِنْجَازِ عِدَتِهِ وَ إِتْمَامِ نُبُوَّتِهِ مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِیِّینَ مِیثَاقُهُ مَشْهُورَهً سِمَاتُهُ کَرِیماً مِیلَادُهُ وَ أَهْلُ الْأَرْضِ یَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَهٌ وَ أَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَهٌ وَ طَرَائِقُ مُتَشَتِّتَهٌ بَیْنَ مُشَبِّهٍ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ أَوْ مُلْحِدٍ فِی اسْمِهِ أَوْ مُشِیرٍ إِلَى غَیْرِهِ فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلَالَهِ وَ أَنْقَذَهُمْ بِمَکَانِهِ مِنَ الْجَهَالَهِ ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمَّدٍ ( صلى‏ الله ‏علیه ‏وسلم )لِقَاءَهُ وَ رَضِیَ لَهُ مَا عِنْدَهُوَ أَکْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْیَا وَ رَغِبَ بِهِ عَنْ مَقَامِ الْبَلْوَى فَقَبَضَهُ إِلَیْهِ کَرِیماً ( صلى‏ الله ‏علیه ‏وآله )وَ خَلَّفَ فِیکُمْ مَا خَلَّفَتِ الْأَنْبِیَاءُ فِی أُمَمِهَاإِذْ لَمْ یَتْرُکُوهُمْ هَمَلًا بِغَیْرِ طَرِیقٍ وَاضِحٍ وَ لَا عَلَمٍ قَائِمٍ

القرآن و الأحکام الشرعیه

کِتَابَ رَبِّکُمْ فِیکُمْ مُبَیِّناً حَلَالَهُ وَ حَرَامَهُ وَ فَرَائِضَهُ وَ فَضَائِلَهُ وَ نَاسِخَهُ وَ مَنْسُوخَهُ وَ رُخَصَهُ وَ عَزَائِمَهُ وَ خَاصَّهُ وَ عَامَّهُ وَ عِبَرَهُ وَ أَمْثَالَهُ وَ مُرْسَلَهُ وَ مَحْدُودَهُ وَ مُحْکَمَهُ وَ مُتَشَابِهَهُ مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ وَ مُبَیِّناً غَوَامِضَهُ بَیْنَ مَأْخُوذٍ مِیثَاقُ عِلْمِهِ وَ مُوَسَّعٍ‏عَلَى الْعِبَادِ فِی جَهْلِهِ وَ بَیْنَ مُثْبَتٍ فِی الْکِتَابِ فَرْضُهُ وَ مَعْلُومٍ فِی السُّنَّهِ نَسْخُهُ وَ وَاجِبٍ فِی السُّنَّهِ أَخْذُهُ وَ مُرَخَّصٍ فِی الْکِتَابِ تَرْکُهُ وَ بَیْنَ وَاجِبٍ بِوَقْتِهِ وَ زَائِلٍ فِی مُسْتَقْبَلِهِ
وَ مُبَایَنٌ بَیْنَ مَحَارِمِهِ مِنْ کَبِیرٍ أَوْعَدَ عَلَیْهِ نِیرَانَهُ أَوْ صَغِیرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ وَ بَیْنَ مَقْبُولٍ فِی أَدْنَاهُ مُوَسَّعٍ فِی أَقْصَاهُ 

و منها فی ذکر الحج‏

وَ فَرَضَ عَلَیْکُمْ حَجَّ بَیْتِهِ الْحَرَامِ الَّذِی جَعَلَهُ قِبْلَهً لِلْأَنَامِ یَرِدُونَهُ وُرُودَ الْأَنْعَامِ وَ یَأْلَهُونَ إِلَیْهِ وُلُوهَ الْحَمَامِ وَ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلَامَهً لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ وَ إِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ وَ اخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَیْهِ دَعْوَتَهُ وَ صَدَّقُوا کَلِمَتَهُ وَ وَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِیَائِهِ وَ تَشَبَّهُوا بِمَلَائِکَتِهِ الْمُطِیفِینَ بِعَرْشِهِ یُحْرِزُونَ الْأَرْبَاحَ فِی مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ وَ یَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لِلْإِسْلَامِ عَلَماً وَ لِلْعَائِذِینَ حَرَماً فَرَضَ حَقَّهُ وَ أَوْجَبَ حَجَّهُ وَ کَتَبَ عَلَیْکُمْ وِفَادَتَهُ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلًا وَ مَنْ کَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِیٌّ عَنِ الْعالَمِینَ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج۲  

الفصل الرابع عشر

فأهبطه إلى دار البلیّه و تناسل الذّرّیّه، و اصطفى من ولده أنبیاء أخذ على الوحى میثاقهم، و على تبلغ الرّساله أمانتهم، لمّا بدّل أکثر خلقه عهد اللّه إلیهم، فجهلوا حقّه، و اتّخذوا الأنداد معه، و اجتالتهم‏الشّیاطین عن معرفته، و اقتطعتهم عن عبادته، فبعث فیهم رسله، و واتر إلیهم أنبیائه، لیستأدوهم میثاق فطرته، و یذکّروهم منسیّ نعمته، و یحتجّوا علیهم بالتّبلغ، و یثیروا لهم دفاین العقول، و یروهم آیات المقدره من سقف فوقهم مرفوع، و مهاد تحتهم موضوع، و معایش تحییهم، و اجال تفنیهم، و أوصاب تهرمهم، و أحداث تتتابع علیهم.

اللغه

(هبط) الماء و غیره هبطا من باب ضرب نزل و فی لغه قلیله یهبط هبوطا من باب قعد و هبطته أنزلته یتعدى و لا یتعدى و (البلیّه) کالبلاء و البلوى اسم من الابتلاء بمعنى الامتحان و (التّناسل) التّوالد و (الذّریّه) و النّسل و الولد نظائر و تکون الذّریه واحدا و جمعا و فیها ثلاث لغات أفصحها ضمّ الذّال و بها قرء السّبعه فی الآیات القرآنیه، و الثّانیه کسرها، و یروى عن زید بن ثابت، و الثّالثه فتح الذّال مع تخفیف الرّاء وزان کریمه و بها قرء أبان بن عثمان و تجمع على ذرّیات و الذّراری و فی أصلها أربعه مذاهب: من الذّرء بالهمز من ذرء اللّه الخلق، و من الذّر و الذّرو و الذّری، فعلى الأوّل وزنها فعیله أبدلت الهمزه یاء کبریّه، و على الثّانی وزنها فعلیه کقمریّه أو فعّیله نحو ذرّیره، فلمّا کثرت الرّاآت أبدلت الأخیره یاء و ادغم الیاء الاولى فیها، نحو سریّه فیمن أخذها من السرّ، و هو النّکاح، أو فعّوله نحو ذروره فابدلوا الرّاء الأخیره لما ذکرناه فصار ذرویه ثمّ ادغمت الواو فی الیاء فصار ذریّه، و على الثالث فوزنها فعوله، و على الرّابع فعیله و (الأنداد) جمع النّد و هو المثل و (اجتالتهم) من الجولان أى ادارتهم و (الشّیاطین) جمع الشّیطان من الشّطن و هو البعد، قال الزمخشری فی محکى کلامه: قد جعل سیبویه نون الشّیطان فی موضع من کتابه أصلیّه و فی آخر زائده، و الدّلیل على أصالتها قولهم: تشیطن، و اشتقاقه من شطن اذا بعد لبعده عن الصّلاح و الخیر، و من شاط إذا بطل‏إذا جعلت نونه زائده و (واتر) من المواتره و هی المتابعه، قیل: و لا یکون المواتره بین الأشیاء إلّا إذا وقعت بینها فتره، و إلّا فهی مدارکه و مواصله و (أثار) الغبار یثیره هیجه و أثاروا الأرض فی الایه الشریفه أى قلّبوها للزّراعه و (المقدره) بفتح المیم و حرکات الدّال کالقدره مصدر من قدر علیه إذا قوى و (المهاد) الفراش و البساط و (الأوصاب) جمع الوصب و هو المرض و الوجع و (أهرمه) إذا أضعفه من هرم هرما من باب تعب کبر و ضعف و رجل هرم ککتف و امراه هرمه و (الاحداث) جمع الحدث بفتحتین و هو الامور الحادثه، و خصّت فی العرف بالنّوایب المتجدده و المصایب الحادثه

الاعراب

و تناسل الذّریّه بالجرّ عطف على البلیّه، و جمله أخذ على الوحى اه فی محلّ النّصب على الحالیّه من فاعل أخذ أو مفعوله، و لما فی قوله علیه السّلام: لمّا بدّل، ظرفیّه بمعنى حین أو بمعنى إذ و تختصّ بالماضی و بالاضافه إلى الجمله فتقتضی جملتین وجدت ثانیتهما عند وجود اولیهما و تقدیر الکلام: لمّا بدل أکثر خلقه عهد اللّه اصطفى من ولده أنبیاء، و العامل فیها الجواب المقدّم، و آیات المقدره بالاضافه و فی بعض النّسخ الایات المقدره بالتّوصیف، و من سقف بیان للایات

المعنى

ثمّ انّ آدم لمّا أکل من الشّجره أخرجه اللّه سبحانه من الجنّه (فاهبطه) أى أنزله (إلى دار البلیّه) و المراد بالاهباط على تقدیر کون آدم علیه السّلام فی جنّه السّماء واضح، و أمّا على تقدیر کونه فی جنّه الدّنیا کما هو الأظهر لما قد مرّ، فالمراد بالاهباط هو الانتقال من بقعه إلى بقعه کما فی قوله تعالى: اهبطوا مصرا، و المراد بدار البلیّه هو دار الدّنیا، لأنّ اللّه سبحانه قد جعل فیه البلاء أدبا للظالم و امتحانا للمؤمن و درجه للأنبیاء و کرامه للأولیاء على ما ورد فی الخبر ثمّ إنّ أوّل بقعه هبط إلیها آدم هی الصّفا على ما مرّ فى الأخبار، و فی بعض الأخبار هی جبل سراندیب کما مرّ أیضا و هو جبل بأعلى الصّین فی أرض الهند یراه البحریّون من مسافه أیّام، و فیه على ما نقل أثر قدم آدم مغموسه، و نقل أنّ الیاقوت الأحمر موجود فی هذا الجبل تحدرها السیول و الأمطار من ذروته الى الحضیض و به یوجد الماس أیضا و یوجد العود.

و قد کان هبوط آدم بعد غروب الشّمس على ما رواه علیّ بن ابراهیم عن أبیه عن الحسن بن محبوب عن أبی جعفر علیه السّلام، قال: کان عمر آدم علیه السّلام من یوم خلقه اللّه إلى یوم قبضه تسعمائه و ثلاثین سنه، و دفن بمکه و نفخ فیه یوم الجمعه بعد الزّوال، ثم برء زوجه من أسفل أضلاعه«» و أسکنه جنّته من یومه ذلک، فما استقرّ فیها إلّا ست ساعات من یومه ذلک حتى عصى اللّه و أخرجهما من الجنّه بعد غروب الشّمس و ما بات فیها.

و فی الفقیه عن الحسین بن العلاء عن ابی عبد اللّه علیه السّلام قال: إنّه لمّا اهبط آدم من الجنّه ظهرت به شامه سوداء«» من قرنه إلى قدمه فطال حزنه و بکاؤه لما ظهر به فأتاه جبرئیل فقال: له ما یبکیک یا آدم فقال: لهذه الشّامه التی ظهرت بی قال: قم یا آدم فصلّ فهذا وقت الصّلاه الاولى، فقام فصلّى فانحطت الشّامه إلى عنقه، فجائه فی الصّلاه الثّانیه فقال: یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاه الثّانیه، فقام فصلّى فانحطت الشّامه إلى سرّته، فجائه فی الصّلاه الثّالثه فقال: یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاه الثّالثه، فقام فصلّى فانحطت الشّامه إلى رکبتیه، فجائه فی الصّلاه الرّابعه فقال: یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاه الرّابعه، فقام فصلّى فانحطت الشّامه إلى قدمیه، فجائه فی الصّلاه الخامسه فقال: یا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاه الخامسه، فقام فصلّى فخرج منها، فحمد اللّه و أثنى علیه فقال جبرئیل: یا آدم مثل ولدک فی هذه الصّلاه کمثلک فی هذه الشّامه، من صلّى من ولدک فی کلّ یوم و لیله خمس صلوات خرج من ذنوبه کما خرجت من هذه الشّامه.

و فی الوسائل فی باب تحریم العصیر العنبی باسناده عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال:

إنّ اللّه لما أهبط آدم أمره بالحرث و الزّرع و طرح غرسا علیه من غرس الجنّه فأعطاه النّخل و العنب و الزّیتون و الرّمان فغرسها لعقبه و ذرّیته، فأکل هو من ثمارها فقال إبلیس: ائذن لی ان آکل منه شیئا فأبى أن یطعمه فجاء عند آخر عمر آدم، فقال لحوّاء: قد أجهدنی الجوع و العطش اریدان تذیقنی من هذه الثّمار، فقالت له: إنّ آدم عهد إلىّ أن لا أطعمک شیئا من هذا الغرس و أنّه من الجنّه و لا ینبغی لک أن تأکل منه، فقال لها: فاعصری منه فی کفی شیئا، فأبت علیه، فقال: ذرینی أمصّه و لا آکله، فأخذت عنقودا من عنب فأعطته فمصّه و لم یأکل منه لما کانت حوّاء قد اکدت علیه، فلمّا ذهب یعض علیه اجتذبته حوّاء من فیه، فأوحى اللّه إلى آدم إنّ العنب قد مصّه عدوّی و عدوّک إبلیس و قد حرّمت علیک من عصیره الخمر ما خالطه نفس ابلیس فحرمت الخمر، لأنّ عدوّ اللّه إبلیس مکر بحواء حتّى أمصّته العنبه، و لو أکلها لحرّمت الکرمه من أوّلها إلى آخرها و جمیع ثمارها و ما یخرج منه، ثم إنّه قال لحوّاء: لو أمصصتنی شیئا من التمر کما أمصصتنی من العنب، فأعطته تمره فمصّها إلى أن قال«» ثم إن ابلیس ذهب بعد وفاه آدم فبال فی أصل الکرمه و النّخله، فجرى الماء فی عودهما ببول عدوّ اللّه، فمن ثم یختمر العنب و الکرم، فحرّم اللّه على ذرّیه آدم کل مسکر، لأنّ الماء جرى ببول عدوّ اللّه فی النّخله و العنب و صار کلّ مختمر خمرا لأنّ الماء اختمرت فی النّخله و الکرمه من رائحه بول عدوّ اللّه هذا.

و قد استطرفت هذه الأخبار لکونها غیر خالیه عن المناسبه للمقام مع ما فیها من الاشاره إلى بعض ما ابتلى به آدم علیه السّلام بعد إهباطه إلى دار البلیه.

و من أعظم ما ابتلی به قتل هابیل و لقد رثى له بما رواه فی العیون باسناده عن الرّضا عن آبائه علیهم السّلام فی حدیث الشّامی مع أمیر المؤمنین علیه السّلام و سأله عن أوّل من قال الشّعر: فقال علیه السّلام: آدم علیه السّلام، فقال: و ما کان شعره قال علیه السّلام:

لمّا انزل من السّماء إلى الأرض فرأى تربتها و سعتها و هواها، و قتل قابیل هابیل قال آدم علیه السّلام:

تغیّرت البلاد و من علیها
فوجه الارض مغبّر قبیح‏

تغیّر کل ذی لون و طعم‏
و قلّ بشاشه الوجه الملیح‏

و ما لی لا اجود بسکب دمع
و هابیل تضمّنه الضّریح‏

ارى طول الحیاه علىّ غما
و هل انا من حیاتی مستریح‏

قتل قابیل هابیل أخاه
فوا حزنا لقد فقد الملیح‏

فأجابه ابلیس لعنه اللّه

تنحّ عن البلاد و ساکنیها
فبی فی الخلد ضاق بک الفسیح‏

و کنت بها و زوجک فی قرار
و قلبک من أذى الدّنیا مریح‏

فلم تنفکّ من کیدی و مکری
الى ان فاتک الثّمن الربیح‏

و بدّل أهلها أثلا و خمطا
بجنّات و أبواب متیح‏

«» فلو لا رحمه الجبار أضحى
بکفّک من جنان الخلد ریح‏

هذا و قوله علیه السّلام (و تناسل الذرّیه) أى أهبطه إلى دار توالد الاولاد من البنات و البنین.

و قد اختلف فی ابتداء التّناسل فذهب المجوس المجوّزون لنکاح المحارم إلى أنّ آدم زوّج البنات للبنین فحصل التّناسل و کثر الخلق.

و فی الآثار أنّهم کان لهم ملک فسکر لیله فوقع على اخته و امّه فلما أفاق ندم و شقّ ذلک علیه و أراد رفع التّعییر عنه، فقال للنّاس: هذا حلال، فامتنعوا علیه فجعل یقتلهم و حفر لهم الاخدود.

و فی خبر آخر عن امیر المؤمنین علیه السّلام یأتی فی شرح الخطبه الثّانیه و التّسعین أنه احتجّ لهم على جوازه بتزویج أولاد آدم و أنّهم قد کانوا ینکحون أخواتهم فقبله جماعه و بقوا علیه إلى الآن.

و وافقهم على ذلک الاعتقاد الفاسد جمهور المخالفین، فانّهم قالوا: إنّ حواء امرأه آدم کانت تلد فی کلّ بطن غلاما و جاریه، فولدت أوّل بطن قابیل و توأمته اقلیمیا، و البطن الثّانی هابیل و توأمته لیوذا، فلما أدرکوا جمیعا أمر اللّه تعالى أن ینکح قابیل اخت هابیل و هابیل اخت قابیل، فرضی هابیل و أبى قابیل، لأنّ اخته کانت حسناء، و قال: ما أمر اللّه سبحانه بهذا و لکن هذا من رأیک فأمرهما آدم أن یقربا قربانا فرضیا بذلک، فانطلق هابیل إلى أفضل کبش من غنمه و قربه التماسا لوجه اللّه تعالى و مرضاه أبیه، و أمّا قابیل فانّه قرّب الزّوان الذی یبقى فی البیدر الذی لا یستطیع أن یدسه، فقرّب ضغثا منه لا یرید به وجه اللّه و لا مرضاه أبیه، فقبل اللّه قربان هابیل و أتت نار بیضاء من السّماء فأخذته، ورد على قابیل قربانه، فقال ابلیس لعنه اللّه لقابیل: إنّه یکون لهابیل عقب یفتخرون على عقبک، بأن قبل قربان أبیهم فاقتله حتّى لا یکون له عقب، فقتله، و هذا مقاله المخالفین الموافقه لمذهب المجوس لعنهم اللّه.

و أمّا الحقّ الحقیق الذی ینبغی أن یدان به فهو ما ذهب إلیه أصحابنا أخذا عن الأخبار المأثوره عن أهل بیت العصمه و الطهاره سلام اللّه علیهم.

منها ما رواه الصّدوق فی الفقیه عن زراره عن أبی عبد اللّه علیه السّلام إنّ آدم ولد له شیث و أنّ اسمه هبه اللّه، و هو أوّل وصی اللّه من الادمیین فی الأرض، ثم ولد له بعد شیث یافث، فلمّا أدرکا أراد اللّه أن یبدء بالنّسل ما ترون و أن یکون ما قد جرى به القلم من تحریم ما حرّم اللّه عزّ و جلّ من الاخوات على الاخوه، أنزل بعد العصر فی یوم الخمیس حوراء من الجنّه اسمها نزله، فأمر اللّه عزّ و جلّ أن یزوجها من شیث، فزوجها منه، ثم أنزل بعد العصر من الغد حوراء من الجنّه اسمها منزله فأمر اللّه عزّ و جلّ أن یزوجها من یافث، فزوّجها منه، فولد لشیث غلام، و ولد لیافث جاریه، فأمر اللّه عزّ و جلّ آدم علیه السّلام حین أدرکا أن یزوّج ابنه یافث من ابن شیث، ففعل، فولد الصّفوه من النّبیین و المرسلین من نسلهما، و معاذ اللّه أن یکون ذلک على‏ ما قالوا من أمر الاخوه و الأخوات.

و منها ما فیه عن القاسم بن عروه عن برید العجلی عن أبی جعفر علیه السّلام، قال: إنّ اللّه تبارک و تعالى انزل على آدم حوراء من الجنّه فزوّجها أحد ابنیه و زوّج الأخر ابنه الجان، فما کان فی النّاس من جمال کثیر أو حسن خلق فهو من الحوراء، و ما کان فیهم من سوء الخلق فهو من ابنه الجانّ و منها ما رواه ابو بکر الحضرمی عن أبی جعفر علیه السّلام قال: قال: لى ما یقول الناس فی تزویج آدم ولده قال: قلت یقولون: إنّ حوّاء کانت تلد لآدم فی کلّ بطن غلاما و جاریه، فتزوّج الغلام الجاریه التی من البطن الآخر الثّانی و تزوّج الجاریه الغلام الذی من البطن الاخر الثّانی حتى توالدوا، فقال أبو جعفر علیه السّلام: و لیس هذا کذاک، أیحجّکم المجوس، و لکنّه لمّا ولد آدم هبه اللّه و کبر سأل اللّه أن یزوّجه، فأنزل اللّه حوراء من الجنّه فزوّجها إیّاه فولدت له أربعه بنین، ثم ولد آدم ابنا آخر فلما کبر أمره فتزوّج إلى الجان فولد أربع بنات فتزوّج بنو هذا بنات هذا، فما کان من جمال فمن قبل الحور، و ما کان من حلم فمن قبل آدم، و ما کان من حقد فمن قبل الجان، فلما توالدوا صعد الحوراء إلى السّماء.

و منها ما رواه الصّدوق أیضا باسناده عن مسمع عن زراره قال: سئل أبو عبد اللّه علیه السّلام عن بدء النّسل من آدم کیف کان هو و عن بدء النّسل من ذرّیه آدم فانّ أناسا عندنا یقولون: إنّ اللّه تبارک و تعالى أوحى إلى آدم أن یزوّج بناته بنیه و انّ هذا کلّه أصله من الاخوه و الأخوات، فقال ابو عبد اللّه علیه السّلام: تعالى اللّه عن ذلک علوّا کبیرا، یقول من قال هذا: بأنّ اللّه عزّ و جلّ خلق صفوه خلقه و أحبّائه و أنبیائه و رسله و المؤمنین و المؤمنات و المسلمین و المسلمات من حرام، و لم یکن له من القدره ما یخلقهم من حلال، و قد أخذ میثاقهم على الحلال الطهر الطاهر الطیب، فو اللّه لقد نبئت (بینت خ) أن بعض البهائم تنکرت له اخته، فلما نزا علیها و نزل کشف له عنها، فعلم أنّها اخته أخرج عزموله ثمّ قبض علیه بأسنانه حتّى قطعه فخر میّتا، و آخر تنکرت له امّه ففعل هذا بعینه، فکیف الانسان فی فضله و علمه، غیر أنّ جیلا من‏ هذا الخلق الذی ترون رغبوا عن علم أهل بیوتات أنبیائهم و أخذوا من حیث لم یؤمروا بأخذه فصاروا إلى ما ترون من الضّلال و الجهل إلى أن قال علیه السّلام: و حقّا أقول: ما أراد من یقول هذا و شبهه إلّا تقویه حجج المجوس، فما لهم قاتلهم اللّه.

ثمّ أنشأ علیه السّلام یحدّثنا کیف بدء النسل من آدم و کیف کان بدء النّسل من ذریته، فقال: إنّ آدم صلوات اللّه علیه ولد له سبعون بطنا فی کلّ بطن غلام و جاریه إلى أن قتل هابیل، فلما قتل هابیل جزع آدم جزعا شدیدا قطعه عن إتیان النّساء فبقى لا یستطیع أن یغشی حوّاء خمسمائه عام، ثم تجلى ما به من الجزع علیه فغشى حوّاء، فوهب اللّه شیثا وحده لیس معه ثان، و اسم شیث هبه اللّه، و هو أوّل ما أوصى إلیه من الآدمیّین فی الأرض، ثمّ ولد له من بعد شیث یافث لیس معه ثان، فلمّا أدرکا و أراد اللّه أن یبلغ النّسل ما ترون و أن یکون ما جرى به القلم من تحریم ما حرم اللّه عزّ و جلّ من الاخوات على الاخوه، أنزل اللّه بعد العصر فی یوم الخمیس حوراء من الجنّه اسمها نزله فأمر اللّه أن یزوّجها من شیث إلى آخر ما مرّ فی الحدیث الأوّل.

و یمکن الجمع بین هذه الأخبار المختلفه ظاهرا بأن یکون لیافث زوجتان: إحداهما حوراء، و الاخرى جنیّه، أو یکون الولد المتزوّج بالجنّیه غیر شیث و یافث هذا.

و لم یستفد من الرّوایات أحوال بنات آدم فلا بدّ إمّا من بقائهن بلا زوج، و إمّا من جواز تزویج العمات دون الأخوات، و هو بعید أیضا و اللّه العالم (و) کیف کان فانّ اللّه سبحانه لمّا أهبط آدم إلى دار الدّنیا و بدء بالنّسل و الأولاد (اصطفى من ولده أنبیاء أخذ على الوحى میثاقهم و على تبلیغ الرّساله أمانتهم) أى أخذ منهم العهد و المیثاق على أداء الوحى الیهم من الاصول و الفروع، و أخذ الأمانه منهم على تبلیغ الرّساله و نشر الشّرایع و الأحکام و ابلاغها إلى امتهم کما قال سبحانه: «وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِیِّینَ مِیثاقَهُمْ وَ مِنْکَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِیمَ‏ وَ مُوسى‏ وَ عِیسَى ابْنِ مَرْیَمَ-  الآیه».

و توضیح هذا الأخذ ما رواه فی الکافی کالبحار من تفسیر العیاشی باسنادهما عن أبی حمزه الثّمالی عن أبی جعفر علیه السّلام قال لمّا أکل آدم من الشّجره اهبط إلى الأرض فولد له هابیل و اخته توام، ثمّ إنّ آدم أمر هابیل و قابیل أن یقرّبا قربانا، و کان هابیل صاحب غنم و کان قابیل صاحب زرع، فقرّب هابیل کبشا من أفاضل غنمه، و قرّب قابیل من زرعه ما لم ینق، فتقبل قربان هابیل و لم یتقبل قربان قابیل و هو قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ اتْلُ عَلَیْهِمْ نَبَأَ ابْنَیْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَ لَمْ یُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ-  الآیه».

و کان القربان تأکله النّار، فعمد قابیل إلى النّار فبنى لها بیتا و هو أوّل من بنى بیوت النّار، فقال: لأعبدنّ هذه النّار حتّى یتقبل منّی قربانی، ثمّ إنّ ابلیس لعنه اللّه أتاه و هو یجری من ابن آدم مجرى الدم فی العروق، فقال له: یا قابیل قد تقبل قربان هابیل و لم یتقبل قربانک، و إنک إن ترکته یکون له عقب یفتخرون على عقبک و یقولون نحن أبناء الذی تقبل قربانه، و أنتم أبناء الذی ترک قربانه، فاقتله کیلا یکون له عقب یفتخرون على عقبک، فقتله، فلما رجع قابیل إلى آدم علیه السّلام قال له: یا قابیل أین هابیل قال: اطلب (اطلبوه خ‏ل) حیث قرّبنا القربان، فانطلق آدم فوجد هابیل مقتولا، فقال آدم: لعنت من أرض«» کما قبلت دم هابیل و بکى آدم صلى اللّه علیه على هابیل أربعین لیله، ثمّ إنّ آدم سأل ربّه ولدا فولد له غلام فسمّاه هبه اللّه لأنّ اللّه عزّ و جلّ وهبه له، و اخته«» توأم فلما انقضت نبوه آدم و استکمل أیّامه أوحى اللّه عزّ و جلّ‏ إلیه یا آدم قد قضیت نبوتک و استکملت أیّامک فاجعل العلم الذی عندک و الایمان و الاسم الأکبر و میراث العلم و آثار علم النبوه فی العقب من ذرّیتک عند هبه اللّه ابنک، فانی لم أقطع العلم و الایمان و الاسم الأکبر و آثار علم النّبوه من العقب من ذرّیتک إلى یوم القیامه و لن أدع الأرض إلّا و فیها عالم یعرف به دینی و یعرف به طاعتی، و یکون نجاه لما یولد فیما بینک و بین نوح.

و بشر آدم بنوح، و قال: إنّ اللّه تبارک و تعالى باعث نبیّا اسمه نوح و أنّه یدعو إلى اللّه عزّ ذکره، و یکذبه قومه، فیهلکهم اللّه بالطوفان، و کان بین آدم و بین نوح عشره آباء أنبیاء و أوصیاء کلهم، و أوصى آدم إلى هبه اللّه أن من أدرکه منکم فلیؤمن به و لیتبعه و لیصدق به فانّه ینجو من الغرق.

ثمّ إنّ آدم مرض المرضه التی مات فیها فأرسل هبه اللّه، و قال له إن لقیت جبرئیل أو من لقیت من الملائکه فاقرأه منی السّلام و قل له: یا جبرئیل إنّ أبی یستهدیک من ثمار الجنّه، فقال له جبرئیل: یا هبه اللّه إن أباک قد قبض و إنا نزلنا للصلاه علیه «و ما نزلنا الا للصّلاه علیه خ»، فارجع، فرجع فوجد آدم قد قبض فأراه جبرئیل کیف یغسله حتّى إذا بلغ للصّلاه قال هبه اللّه: یا جبرئیل تقدّم فصلّ على آدم، فقال له جبرئیل: إن اللّه عزّ و جلّ أمرنا أن نسجد لابیک آدم و هو فی الجنّه فلیس لنا أن نؤمّ شیئا من ولده فتقدم هبه اللّه و صلى على أبیه و جبرئیل خلفه و جنود الملائکه، و کبر علیه ثلاثین تکبیره، فأمره جبرئیل فرفع من ذلک خمسا و عشرین تکبیره و السنه الیوم فینا خمس تکبیرات، و قد کان یکبر على أهل بدر تسعا و سبعا.

ثمّ إن هبه اللّه لمّا دفن آدم أتاه قابیل فقال: یا هبه اللّه إنّی قد رأیت أبی آدم قد خصّک من العلم بما لم اخصّ به أنا، و هو العلم الذی دعا به أخوک هابیل فتقبل به قربانه، و إنّما قتلته لکیلا یکون له عقب فیفتخرون على عقبی فیقولون نحن أبناء الذی تقبّل منه قربانه و أنتم أبناء الذی ترک قربانه، و إنّک إن أظهرت من العلم الذی اختصک به أبوک شیئا قتلتک کما قتلت أخاک هابیل.

فلبث هبه اللّه و العقب من بعده مستخفین بما عندهم من العلم و الایمان و الاسم الاکبر و میراث النّبوه و آثار علم النّبوه حتّى بعث اللّه نوحا، و ظهرت وصیه هبه اللّه حین نظروا فی وصیّه آدم، فوجدوا نوحا نبیّا قد بشّر به أبوهم آدم، فآمنوا به و اتّبعوه و صدّقوه، و قد کان آدم أوصى إلى هبه اللّه أن یتعاهد هذه الوصیه عند رأس کل سنه فیکون یوم عیدهم فیتعاهدون بعث نوح و زمانه الذی یخرج فیه، و کذلک فی وصیه کلّ نبیّ حتّى بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه علیه و آله، و إنّما عرفوا نوحا بالعلم الذی عندهم، و هو قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ-  الآیه» و کان من بین آدم و نوح من الأنبیاء مستخفین، و لذلک خفی ذکرهم فی القرآن فلم یسمّوا کما سمّی من استعلن من الأنبیاء صلوات اللّه علیهم أجمعین، و هو قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ رُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَیْکَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَیْکَ» یعنى لم اسم المستخفین کما سمّیت المستعلنین من الأنبیاء علیهم السّلام، فمکث نوح صلّى اللّه علیه فی قومه ألف سنه إلّا خمسین عاما لم یشارکه فی نبوّته أحد، و لکنه قدم على قوم مکذّبین للأنبیاء علیهم السّلام الذین کانوا بینه و بین آدم صلى اللّه علیه و ذلک قول اللّه عزّ و جلّ: «کَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِینَ» یعنى من کان بینه و بین آدم إلى أن انتهى إلى قوله عزّ و جل: «وَ إِنَّ رَبَّکَ لَهُوَ الْعَزِیزُ الرَّحِیمُ» ثمّ إنّ نوحا لما انقضت نبوّته و استکمل أیّامه، أوحى اللّه عزّ و جلّ إلیه أن یا نوح قد قضیت نبوّتک و استکملت أیّامک فاجعل العلم الذی عندک و الایمان و الاسم الاکبر و میراث العلم و آثار علم النبوّه فی العقب من ذریتک، فانّی لن أقطعها کما لم أقطعها من بیوتات الأنبیاء صلوات اللّه علیهم التی بینک و بین آدم علیه السّلام و لن أدع الأرض إلّا و فیها عالم یعرف به دینی و یعرف به طاعتی و یکون نجاه لمن یولد فیها بین قبض النّبیّ إلى خروج النبیّ الآخر.

و بشّر نوح ساما بهود، فکان فیما بین نوح و هود من الأنبیاء علیهم السّلام و قال نوح: إنّ اللّه باعث نبیا یقال له: هود و انّه یدعو قومه الى اللّه عزّ و جل فیکذّبونه و اللّه عزّ و جلّ مهلکهم بالرّیح، فمن أدرکه منکم فلیؤمن به و لیتبعه فان اللّه عزّ و جلّ ینجیه من عذاب الرّیح. و أمر نوح علیه السّلام ابنه ساما أن یتعاهد هذه الوصیّه عند رأس کلّ سنه، فیکون یومئذ عیدا لهم فیتعاهدون و فیه ما عندهم من العلم و الایمان و الاسم الأکبر و مواریث العلم و آثار علم النّبوه، فوجدوا هودا نبیا و قد بشّر به أبوهم نوح علیه السّلام فآمنوا به و اتّبعوه و صدّقوه فنجوا من عذاب الرّیح، و هو قول اللّه عزّ و جلّ.

«وَ إِلى‏ عادٍ أَخاهُمْ هُوداً» و قوله عزّ و جلّ: «کَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِینَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لا تَتَّقُونَ» و قال تبارک و تعالى: «وَ وَصَّى بِها إِبْراهِیمُ بَنِیهِ وَ یَعْقُوبُ» و قوله: «وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ یَعْقُوبَ کُلًّا هَدَیْنا» لنجعلها فی أهل بیته «وَ نُوحاً هَدَیْنا مِنْ قَبْلُ» لنجعلها فی أهل بیته.

و أمر العقب من ذرّیته الأنبیاء علیهم السّلام من کان قبل ابراهیم لابراهیم علیه السّلام، فکان بین إبراهیم و هود من الأنبیاء صلوات اللّه علیهم و هو قول اللّه عزّ و جلّ.

«وَ ما قَوْمُ لُوطٍ مِنْکُمْ بِبَعِیدٍ» و قوله عز ذکره: «فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قالَ إِنِّی مُهاجِرٌ إِلى‏ رَبِّی» و قوله عزّ و جلّ: «وَ إِبْراهِیمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ ذلِکُمْ خَیْرٌ لَکُمْ»فجرى بین کلّ نبیّین عشره أنبیاء و تسعه و ثمانیه أنبیاء کلهم أنبیاء، و جرى لکل نبیّ کما جرى لنوح علیه السّلام، و کما جرى لآدم و هود و صالح و شعیب و ابراهیم صلوات اللّه علیهم.

حتّى انتهت إلى یوسف بن یعقوب علیه السّلام، ثم صارت من بعد یوسف فی أسباط اخوته.

حتّى انتهت إلى موسى علیه السّلام فکان بین یوسف و بین موسى من الأنبیاء، فأرسل اللّه موسى و هارون الى فرعون و هامان و قارون، ثم ارسل الرّسل: «تَتْرا کُلَّ ما جاءَ أُمَّهً رَسُولُها کَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَ جَعَلْناهُمْ أَحادِیثَ» و کانت بنو إسرائیل یقتل نبیّ… اثنان قائمان و یقتلون اثنین و أربعه قیام، حتّى أنّه کان ربّما قتلوا فی الیوم الواحد سبعین نبیّا، و یقوم سوق قتلهم آخر النهار، فلمّا نزلت التّوراه على موسى علیه السّلام، بشّر بمحمد صلّى اللّه علیه و آله، و کان بین یوسف و موسى من الأنبیاء، و کان وصیّ موسى یوشع بن نون علیهما السّلام، و هو فتاه الذی ذکره اللّه فی کتابه.

فلم تزل الأنبیاء تبشّر بمحمد صلّى اللّه علیه و آله، حتّى بعث اللّه تبارک و تعالى المسیح عیسى بن مریم فبشر بمحمد صلّى اللّه علیه و آله، و ذلک قوله تعالى «یجدونه» یعنی الیهود و النّصارى «مکتوبا» یعنی صفه محمّد صلّى اللّه علیه و آله «عندهم» یعنی فی التّوراه و الإنجیل «یأمرهم بالمعروف و ینهیهم عن المنکر» و هو قول اللّه عزّ و جلّ یخبر عن عیسى علیه السّلام: «وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ یَأْتِی مِنْ بَعْدِی اسْمُهُ أَحْمَدُ» و بشّر موسى و عیسى بمحمّد صلّى اللّه علیه و آله، کما بشّر الأنبیاء بعضهم ببعض، حتّى بلغت محمّدا.

فلما قضى محمّد صلّى اللّه علیه و آله نبوّته و استکمل أیامه أوحى اللّه تبارک و تعالى إلیه أن یا محمّد قد قضیت نبوتک و استکملت أیّامک، فاجعل العلم الذی عندک و الایمان و الاسم الأکبر و میراث العلم و آثار علم النّبوه فی أهل بیتک، عند علیّ بن أبی طالب علیه السّلام فانّی لم أقطع العلم و الایمان و الاسم الأکبر و میراث العلم و آثار علم النّبوه من العقب من ذریّتک، کما لم أقطعها من بیوتات الأنبیاء الذین کانوا بینک و بین أبیک آدم، و ذلک قول اللّه تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِیمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِینَ ذُرِّیَّهً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ) و انّ اللّه تبارک و تعالى لم یجعل العلم جهلا، و لم یکل أمره إلى أحد من خلقه، لا إلى ملک مقرّب و لا إلى نبیّ مرسل، و لکنّه أرسل رسولا من ملائکته، فقال له: قل کذا و کذا، فأمرهم بما یحبّ و نهیهم عمّا یکره، فقص علیهم امر خلقه بعلم، فعلم ذلک العلم و علم أنبیائه و أصفیائه من الأنبیاء و الأخوان و الذّریه التی بعضها من بعض، فذلک قوله عزّ و جل: (فَقَدْ آتَیْنا آلَ إِبْراهِیمَ الْکِتابَ وَ الْحِکْمَهَ وَ آتَیْناهُمْ مُلْکاً عَظِیماً) فأمّا الکتاب فهو النّبوه، و أمّا الحکمه فهم الحکماء من الأنبیاء من الصفوه و أمّا الملک العظیم فهم الأئمه من الصّفوه، و کلّ هؤلاء من الذریه التی بعضها من بعض، و العلماء الذین جعل فیهم البقیه و فیهم الباقیه و حفظ المیثاق حتّى تنقضی الدّنیا، و العلماء و لولاه الامر استنباط العلم و للهداه فهذا شأن الفضل من الصفوه و الرسل و الأنبیاء و الحکماء و أئمه الهدى و الخلفاء الذین هم ولاه أمر اللّه عز و جل، و استنباط علم اللّه و أهل آثار علم اللّه من الذّریّه التی بعضها من بعض من الصّفوه بعد الأنبیاء علیهم السّلام من الآباء و الاخوان و الذّریّه من الأنبیاء.

فمن اعتصم بالفضل انتهى بعلمهم و نجا بنصرتهم، و من وضع ولاه أمر اللّه تبارک و تعالى فی غیر الصّفوه من بیوتات الأنبیاء صلوات اللّه علیهم، فقد خالف أمر اللّه جلّ و عزّ و جعل الجهّال ولاه أمر اللّه و المتکلّفین بغیر هدى من اللّه عزّ و جلّ، و زعموا أنّهم أهل استنباط علم اللّه، فقد کذّبوا على اللّه تبارک و تعالى و رسوله، و رغبوا عن وصیّته و طاعته، و لم یضعوا فضل اللّه حیث وضعه اللّه تبارک و تعالى، فضلّوا و أضلّوا أتباعهم و لم یکن لهم حجّه یوم القیامه إنّما الحجّه فی آل إبراهیم علیه السّلام، لقول اللّه عزّ ذکره: (فَقَدْ آتَیْنا آلَ إِبْراهِیمَ الْکِتابَ وَ الْحِکْمَهَ وَ آتَیْناهُمْ مُلْکاً عَظِیماً) فالحجّه الأنبیاء صلوات اللّه علیهم و أهل بیوتات الأنبیاء علیهم السّلام حتّى یقوم السّاعه، لأنّ کتاب اللّه ینطق بذلک وصیّه اللّه بعضها من بعض الذی وضعها على النّاس، فقال جلّ و عزّ: (فِی بُیُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) و هی بیوت الأنبیاء و الرّسل و الحکماء و أئمه الهدى، فهذا بیان عروه الایمان التی نجا بها من نجا قبلکم و بها ینجو من یتبع الأئمه، و قال اللّه عزّ و جلّ فی کتابه: (وَ نُوحاً هَدَیْنا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّیَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَیْمانَ وَ أَیُّوبَ وَ یُوسُفَ وَ مُوسى‏ وَ هارُونَ وَ کَذلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ، وَ زَکَرِیَّا وَ یَحْیى‏ وَ عِیسى‏ وَ إِلْیاسَ کُلٌّ مِنَ الصَّالِحِینَ، وَ إِسْماعِیلَ وَ الْیَسَعَ وَ یُونُسَ وَ لُوطاً وَ کلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِینَ، وَ مِنْ آبائِهِمْ وَ ذُرِّیَّاتِهِمْ وَ إِخْوانِهِمْ وَ اجْتَبَیْناهُمْ وَ هَدَیْناهُمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ…، أُولئِکَ الَّذِینَ آتَیْناهُمُ الْکِتابَ وَ الْحُکْمَ‏ وَ النُّبُوَّهَ فَإِنْ یَکْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَکَّلْنا بِها قَوْماً لَیْسُوا بِها بِکافِرِینَ)

فانّه و کل بالفضل من أهل بیته و الأخوان و الذّریه، و هو قول اللّه تبارک و تعالى: إن یکفر به امّتک فقد وکلنا أهل بیتک بالایمان الذی أرسلتک به، فلا یکفرون به أبدا و لا اضیع الایمان الذی أرسلتک به من أهل بیتک من بعدک علماء امّتک و ولاه امرى بعدک و أهل استنباط العلم الذی لیس فیه کذب و لا إثم و لا زور و لا بطر و لا ریاء، فهذا بیان ما ینتهى إلیه أمر هذه الامه إنّ اللّه عزّ و جلّ طهر أهل بیت نبیه صلّى اللّه علیه و آله و سألهم أجر الموده و أجرى لهم الولایه و جعلهم أوصیائه و أحبائه ثانیه بعده فی امّته، فاعتبروا أیّها النّاس فیما قلت: حیث وضع اللّه عزّ و جل ولایته و طاعته و مودته و استنباط علمه و حججه، فایّاه فتقبلوا به، و به فاستمسکوا تنجوا به، و یکون لهم الحجّه یوم القیامه و طریق ربّکم جلّ و عز، لا یصل ولایه إلى اللّه عزّ و جلّ إلا بهم، فمن فعل ذلک کان حقا على اللّه أن یکرمه و لا یعذّبه، و من یأت اللّه عزّ و جلّ بغیر ما أمره کان حقّا على اللّه عزّ و جلّ أن یذله و أن یعذّبه.

أقول: لا یخفى على الفطن العارف ما فی هذه الرّوایه الشریفه من النّکات الرّایقه و الأسرار الفایقه و المطالب المهمه و المسائل المعظمه، و بالغور فیها یمکن استخراج بعض ما تضمنته من کنوز الاسرار، و بالتّوسل بها یمکن الوصول إلى رموز المعارف و حقائق الأنوار، و إنّما ذلک فی حقّ من امتحن قلبه بنور العرفان و الایمان، و صفى ذهنه من کدورات الشبهات و ظلمات الأوهام، و ذلک فضل اللّه یؤتیه من یشاء و اللّه ذو الفضل العظیم و قوله علیه السّلام (لما بدّل أکثر خلقه عهد اللّه الیهم) یعنی إذ بدّل أکثر الخلق عهد اللّه و میثاقه الماخوذ علیهم فی باب التوحید و المعرفه و النّبوه و الولایه حسبما اشیر إلیه فی الایه الشریفه و الأخبار المتواتره قال سبحانه: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّکَ مِنْ بَنِی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّکُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا یَوْمَ الْقِیامَهِ إِنَّا کُنَّا عَنْ‏ هذا غافِلِینَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَکَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ کُنَّا ذُرِّیَّهً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِکُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ».

قال أکثر المفسّرین و أهل الأثر: إنّ اللّه أخرج ذریّه آدم من صلبه کهیئه الذّر«» فعرضهم على آدم و قال: إنّی آخذ على ذریّتک میثاقهم أن یعبدونی و لا یشرکوا بی شیئا و علىّ أرزاقهم، ثمّ قال: أ لست بربّکم قالوا: بلى شهدنا أنّک ربّنا، فقال للملائکه: اشهدوا، فقالوا: شهدنا.

و قیل: إنّ اللّه جعلهم فهماء عقلاء یسمعون خطابه و یفهمونه، ثمّ ردّهم إلى صلب آدم و النّاس محبوسون بأجمعهم حتّى یخرج کلّ من أخرجه فی ذلک الوقت و کلّ من ثبت على الإسلام فهو على الفطره الأولى، و من کفر و جحد فقد تغیّر على الفطره الأولى.

و ردّ المحقّقون هذا التّفسیر بوجوه کثیره تنیف على عشره.

و منهم المرتضى رضی اللّه عنه، و قد شدد النکیر على ذلک فی کتاب الغرر و الدّرر، قال بعد ذکر الآیه: و قد ظن بعض من لا بصیره له و لا فطنه عنده أنّ تأویل هذه الآیه أن اللّه استخرج من ظهر آدم علیه السّلام جمیع ذریته و هم فی خلق الذّر، فقرّرهم بمعرفته و أشهدهم على أنفسهم، و هذا التّأویل مع أنّ العقل یبطله و یحیله، ممّا یشهد ظاهر القرآن بخلافه، لأنّ اللّه قال: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّکَ مِنْ بَنِی آدَمَ».

و لم یقل من آدم، و قال «مِنْ ظُهُورِهِمْ» و لم یقل من ظهره و قال: «ذُرِّیَّتَهُمْ» و لم یقل ذریّته، ثمّ أخبر تعالى بأنّه فعل ذلک لئلّا یقولوا یوم القیامه إنّهم کانوا عن هذا غافلین أو یعتذروا بشرک آبائهم و أنّهم نشأوا على دینهم و سنّتهم و هذا یقتضی أنّ الآیه لم تتناول ولد آدم لصلبه و أنّها تناولت من کان له آباء مشرکون، و هذا یدلّ على اختصاصها ببعض ذریّه آدم، فهذا شهاده الظاهر ببطلان تأویلهم.

فأمّا شهاده العقل فمن حیث لا تخلو هذه الذریّه التّی استخرجت من ظهر آدم فخوطبت و قرّرت من أن تکون کامله العقل مستوفیه الشروط أو لا تکون کذلک.

فان کانت بالصّفه الاولى وجب أن یذکر هؤلاء بعد خلقهم و إنشائهم و إکمال عقولهم ما کانوا علیه فی تلک الحال و ما قرّروا به و استشهدوا علیه لأنّ العاقل لا ینسى ما جرى هذا المجرى و إن بعد العهد و طال الزّمان، و لهذا لا یجوز أن یتصرف أحدنا فی بلد من البلدان و هو عاقل کامل، فینسى مع بعد العهد جمیع تصرّفه المتقدم و سایر أحواله، و لیس أیضا لتخلّل الموت بین الحالین تأثیر لأنّه لو کان تخلّل الموت یزیل الذکر لکان تخلّل النّوم و السّکر و الجنون و الاغماء بین أحوال العقلاء یزیل الذکر، لما مضى من أحوالهم، لأن سایر ما عددناه ممّا ینفی العلوم یجری مجرى الموت فی هذا الباب، و لیس لهم أن یقولوا إذا جاز فی العاقل الکامل أن ینسی ما کان علیه فی حال الطفولیّه جاز ما ذکرناه، و ذلک انّا إنّما أوجبنا ذکر العقلاء لما ادعوه إذا کملت عقولهم من حیث جرى علیهم و هم کاملوا العقل، و لو کانوا بصفه الأطفال فی تلک الحال لم نوجب علیهم ما أوجبناه، على أنّ تجویز النّسیان علیهم ینقض الغرض فی الآیه، و ذلک إنّ اللّه تعالى أخبر بأنّه إنّما قرّرهم و أشهدهم لئلّا یدّعوا یوم القیامه الغفله عن ذلک، و سقوط الحجّه عنهم فیه، فاذا جاز نسیانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجّه عنهم و زوالها.

و إن کانوا على الصّفه الثّانیه من فقد العلم «العقل خ» و شرایط التّکلیف قبح خطابهم و تقریرهم و إشهادهم و صار ذلک عبثا قبیحا تعالى اللّه عنه.

ثمّ قال: فان قیل: قد أبطلتم تأویل مخالفیکم فما تأویلها الصّحیح عندکم‏ قلنا فی الایه وجهان أحدهما أن یکون تعالى إنّما عنى بها جماعه من ذریّه بنی آدم خلقهم و بلغهم و أکمل عقولهم و قرّرهم على ألسن رسله بمعرفته و ما یجب من طاعته، فأقرّوا بذلک و أشهدهم على أنفسهم به لئلا یقولوا یوم القیامه إنا کنا عن هذا غافلین، أو یعتذروا بشرک آبائهم إلى أن قال: و الجواب الثّانی و هو أحسن أنّه تعالى لما خلقهم و رکبهم ترکیبا یدلّ على معرفته و یشهد بقدرته و وجوب عبادته، و أراهم العبر و الایات و الدلایل فی غیرهم و فی أنفسهم، کان بمنزله المستشهد لهم على أنفسهم و کانوا فی مشاهده ذلک و معرفته و ظهوره على الوجه الذی أراد اللّه تعالى و تعذّر امتناعهم منه و انفکاکهم من دلالته بمنزله المقرّ المعترف، و إن لم یکن هناک شهاده و لا اعتراف على الحقیقه إلى آخر ما ذکره، و قد وافقه على الجواب الأخیر الزّمخشری فی الکشّاف و غیره من المفسّرین.

و اقول: أمّا ما ذکره السّید (ره) من عدم انطباق ظاهر الایه بما حملوها علیه من وجود عالم أخذ المیثاق و إخراج ذریّه آدم من صلبه کالذر فمسلّم، لکن یتوجّه علیه أنّ ما ذکره من الوجهین فی تأویل الایه أیضا کذلک، بل مخالفه الظاهر فیهما أزید منها فی الوجه الذی ذکروه مع عدم شاهد على واحد منهما فی شی‏ء من الأخبار.

و أمّا إنکار أصل هذه القضیّه و الحکم باستحالته بما ذکره من دلیل العقل، فلا وجه له و لا یعبأ بالدّلیل المذکور قبال الأخبار المتواتره المفیده لوجود ذلک العالم، بل قد وقع فی الأخبار الکثیره تفسیر الایه به أیضا، و الاستقصاء فیها موجب للاطناب الممل إلّا أنّا نذکر شطرا منها تبرکا و توضیحا و استشهادا.

منها ما رواه علیّ بن إبراهیم القمی فی تفسیره عن ابن مسکان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قوله: و إذ أخذ ربّک، إلى قوله: قالوا بلى، قلت: معاینه کان هذا قال: نعم، فثبتت المعرفه و نسوا الموقف و سیذکرونه فلولا ذلک لم یدر أحد من خالقه و رازقه، فمنهم من أقرّ بلسانه فی الذّرّ و لم یؤمن بقلبه، فقال اللّه:

«فَما کانُوا لِیُؤْمِنُوا بِما کَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ» و منها ما رواه أیضا عنه علیه السّلام، قال: کان المیثاق مأخوذا علیهم للّه بالرّبوبیه و لرسوله بالنّبوه و لامیر المؤمنین و الأئمه علیهم السّلام بالامامه، فقال: أ لست بربّکم، و محمّد نبیّکم، و علیّ امامکم، و الائمه الهادون أئمتکم فقالوا: بلى.

و منها ما فی البحار عن أمالی الشّیخ عن المفید باسناده عن جابر عن أبی جعفر عن أبیه عن جدّه علیهم السّلام، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال لعلیّ علیه السّلام: أنت الذی احتجّ اللّه بک فی ابتدائه الخلق حیث أقامهم أشباحا، فقال لهم: أ لست بربّکم قالوا: بلى، قال: و محمّد رسول اللّه قالوا: بلى، قال: و علیّ أمیر المؤمنین فأبى الخلق جمیعا استکبارا و عتوّا عن ولایتک إلّا نفر قلیل، و هم أقلّ القلیل و هم أصحاب الیمین.

و منها ما فیه أیضا من بصائر الدّرجات باسناده عن عبد الرّحمان بن کثیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قوله عزّ و جلّ: و إذ اخذ ربک من بنی آدم الایه، قال: أخرج اللّه من ظهر آدم ذریّته إلى یوم القیامه کالذّر فعرفهم نفسه، و لولا ذلک لم یعرف أحد ربّه و قال: أ لست بربّکم قالوا: بلى و أنّ محمّدا رسول اللّه و علیا أمیر المؤمنین و منها ما فیه أیضا من کشف الغمه من کتاب الامامه عن الحسن بن الحسین الأنصاری عن یحیى بن العلا عن معروف بن خربوز المکی عن أبی جعفر علیه السّلام، قال: لو یعلم النّاس متى سمّی علیّ أمیر المؤمنین لم ینکروا حقّه، فقیل له: متى سمّی فقرأ: و إذ أخذ ربّک إلى قوله أ لست بربّکم قالوا: بلى قال: محمّد رسول اللّه و علیّ أمیر المؤمنین.

و منها ما فیه أیضا من تفسیر فرات بن إبراهیم عن ابن القاسم معنعنا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قوله تعالى: و إذ اخذ ربّک من بنی آدم إلى آخر الآیه، قال: أخرج اللّه من ظهر آدم ذریّته إلى یوم القیامه فخرجوا کالذّر و عرّفهم نفسه و أراهم نفسه، و لولا ذلک لم یعرف أحد ربّه، قال: أ لست بربکم قالوا: بلى، قال: فانّ محمّدا عبدی و رسولی و أنّ علیّا أمیر المؤمنین خلیفتی و أمینی، و قال النّبی صلّى اللّه علیه و آله: کل مولود یولد على المعرفه بأنّ اللّه تعالى خالقه، و ذلک قوله تعالى: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَیَقُولُنَّ اللَّهُ» إلى غیر هذه من الأخبار الکثیره، و قد عقد المجلسی طاب ثراه بابا فیها فی مجلّد الامامه من البحار.

و بالجمله فقد تلخص ممّا ذکرنا أنّ المراد من العهد المأخوذ عن الخلق الذی بدّلوه هو المیثاق المأخوذ علیهم للّه بالرّبوبیه و لرسوله صلّى اللّه علیه و آله بالنبوه و للائمه علیهم السّلام بالولایه، و کذلک المراد بالحق فی قوله علیه السّلام (فجهلوا حقّه) هو الحق اللازم على العباد من المعرفه و التّوحید کما یشهد به روایه معاذ بن جبل التی مضت فی ثانی التّذنیبات من رابع فصول الخطبه، قال کنت رفقت النبیّ صلّى اللّه علیه و آله، فقال یا معاذ هل تدری ما حق اللّه على العباد یقولها ثلاثا، قلت: اللّه و رسوله أعلم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حق اللّه عزّ و جل على العباد أن لا یشرکوا به شیئا إلى آخر ما مرّ هناک، و یحتمل أن یکون المراد به«» الاعمّ ممّا ذکرنا و من الفروعات، و یشعر به ثالث الجملات المعطوفه«» من قوله: (و اتخذوا الانداد) أى الأمثال (معه و اجتالتهم) أى أدارتهم و صرفتهم (الشّیاطین عن معرفته، و اقتطعتهم عن عبادته) أى أقطعتهم کما فی بعض النّسخ کذلک، فهم قطاع طریق العباد عن عباده اللّه سبحانه و تعالى (ف) لمّا کان الحال بهذا المنوال (بعث فیهم) أى أرسل إلیهم (رسله، و واتر الیهم أنبیائه) أى أرسلهم متواترا و بین کلّ نبیّین فتره، قال سبحانه: «ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا کُلَّ ما جاءَ أُمَّهً رَسُولُها کَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً«» وَ جَعَلْناهُمْ أَحادِیثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا یُؤْمِنُونَ»

قال الطبرسی فی تفسیر الایه أى متواتره تتبع بعضهم بعضا، عن ابن عبّاس و مجاهد، و قیل متقاربه الأوقات، و أصله الاتّصال و منه الوتر لاتّصاله بمکانه من القوس و منه الوتر، و هو الفرد عن الجمع المتّصل، قال الأصمعی یقال: و اترت الخبر أتبعت بعضه بعضا و بین الخبرین هنیهه انتهى، و قوله: (لیستأدوهم میثاق فطرته) إلى قوله: و یروهم آیات المقدره إشاره إلى الغایه من بعث الرّسل و الثمره المترتبه على ذلک، و هی على ما ذکره علیه السّلام خمس، و المراد من میثاق الفطره هو میثاق التّوحید و النّبوه و الولایه.

کما یشهد به ما رواه الصّدوق فی التّوحید باسناده عن عبد الرّحمان بن کثیر مولى أبی جعفر علیه السّلام عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی قول اللّه عزّ و جلّ: «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِی فَطَرَ النَّاسَ عَلَیْها» قال: التّوحید و محمّد رسول اللّه و علیّ أمیر المؤمنین.

و عن ابن مسکان عن زراره قال: قلت لأبی جعفر علیه السّلام أصلحک اللّه، قول اللّه عزّ و جلّ فی کتابه: «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِی فَطَرَ النَّاسَ عَلَیْها» قال: فطرهم على التّوحید عند المیثاق على معرفته أنّه ربّهم، قلت: و خاطبوه قال: فطأطأ رأسه ثم قال: لو لا ذلک لم یعلموا من ربّهم و لا من رازقهم.

و عن عبد اللّه بن سنان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: فطره اللّه التی فطر النّاس علیها، ما تلک الفطره قال: هی الاسلام، فطرهم اللّه حین أخذ میثاقهم على التّوحید فقال: أ لست بربّکم و فیهم المؤمن و الکافر، و المراد بالنّعمه فی قوله علیه السّلام: (و یذکروهم منسیّ نعمته) إمّا النّعمه التی من بها على العباد فی عالم الذّرّ و المیثاق حسبما مرّ، أو جمیع النّعم المغفول عنها، و الأوّل هو الظاهر نظرا إلى ظاهر لفظ النّسیان (و یحتجّوا علیهم) أى فی یوم القیامه (بالتّبلیغ) أى تبلیغ الأحکام و نشر الشّرایع و الأدیان:

«لِیَهْلِکَ مَنْ هَلَکَ عَنْ بَیِّنَهٍ وَ یَحْیى‏ مَنْ حَیَّ عَنْ بَیِّنَهٍ، وَ لِئَلَّا یَکُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّهٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَ کانَ اللَّهُ عَزِیزاً حَکِیماً» (و یثیروا) أى یهیجوا (لهم دفائن العقول) من شواهد التّوحید و أدله الرّبوبیّه کما قال سبحانه: «إِنَّ فِی خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّیْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْکِ الَّتِی تَجْرِی فِی الْبَحْرِ بِما یَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْیا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِیها مِنْ کُلِّ دَابَّهٍ وَ تَصْرِیفِ الرِّیاحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَیْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآیاتٍ لِقَوْمٍ یَعْقِلُونَ» (و یروهم آیات المقدره) أى علامات القدره و شواهدها حتّى ینظروا إلیها بنظر الدّقه و الاعتبار و إلّا فالامارات المذکوره ممّا هی بمرئى و مسمع من کلّ أحد لا حاجه فیها إلى الارائه کما هو ظاهر.

ثمّ أشار علیه السّلام إلى ستّ آیات من تلک الآیات و بیّنها بقوله: (من سقف فوقهم مرفوع، و مهاد تحتهم موضوع) کما قال سبحانه: «وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ» و قال: «أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً» إلى أن قال: «وَ بَنَیْنا فَوْقَکُمْ سَبْعاً شِداداً» و قد مضى فی التّذییل الثّانی من تذییلات الفصل الثّامن من فصول هذه الخطبه ما یوجب زیاده البصیره فی المقام فتذکر (و معایش تحییهم، و آجال تفنیهم، و أوصاب تهرمهم) نسبه الاحیاء إلى المعایش أى المطعومات و المشروبات التی بها قوام الحیاه، و الافناء إلى الآجال، و الاهرام إلى الأوصاب و الامراض من قبیل الاسناد إلى السبب مجازا على حدّ أنبت الرّبیع البقل (و أحداث) أى نوائب حادثه و مصائب‏ متجدّده (تتتابع علیهم) و فی کلّ واحده من الآیات المذکوره دلاله على أنّ للعالم صانعا قادرا یفعل فیه ما یشاء و یحکم ما یرید، لا رادّ لقضائه و لا دافع عن بلائه.

الترجمه

پس فرو فرستاد او را بسراى محنت و امتحان و بخانه تناسل نسل و زائیدن اولاد، و برگزید او سبحانه از اولاد او پیغمبران را در حالتى که اخذ فرمود بر ابلاغ وحى عهد و پیمان ایشان را، و بر رساندن رسالت أمانت آنها را در حینى که تبدیل کردند بیشتر خلایق پیمان خدا را که بسوى ایشان است، پس جاهل و نادان شدند حقّ او را و فرا گرفتند شریکان و أمثال مر او را، و برگردانیدند ایشان را شیاطین از شناخت او، و بریدند ایشان را از پرستش او، پس مبعوث و برانگیخته فرمود در میان ایشان فرستادگان خود را، و پى در پى فرستاد بسوى ایشان پیغمبران خود را، تا طلب أدا کنند از ایشان عهد فطرت و پیمان خلقت خود را که مخلوق شده بودند بر آن که عبارتست از توحید و معرفت، و تا این که یاد آورى نمایند ایشان را نعمتهاى فراموش شده او را و اتمام حجت بکنند بر ایشان با تبلیغ و رساندن أحکام، و برانگیزانند از براى ایشان دفینه‏ هاى عقلها و خزاین فهمها، و بنمایند ایشان را علامات قدرت خداوندى را که آن امارات قدرت عبارتست از آسمانى که در بالاى ایشان برافراشته و فراشی است که در زیر آنها نگاهداشته، و معیشتهائى است که زنده مى‏دارد ایشان را، و اجل هائى که فانى مى‏ سازد ایشان را، و بیماریهائى که پیر فانى مى‏ گرداند ایشان را، و مصیبت هائی که پى در پى مى‏ آید بر ایشان.

الفصل الخامس عشر

و لم یخل اللّه سبحانه خلقه من نبیّ مرسل، أو کتاب منزل، أو حجّه لازمه، أو محجّه قائمه، رسل لا یقصّر بهم قلّه عددهم، و لا کثره المکذّبین لهم من سابق سمّی له من بعده، أو غابر عرّفه من قبله.

اللغه

(النّبیّ) فعیل بمعنى الفاعل و هو مشتقّ من النّبأ و هو الخبر و نبأ و نبّأ و أنبأ کلّها بمعنى أخبر، و النّبیّ مخبر عن اللّه تعالى، و قلبوا فیه الهمزه کما فی الذریّه حسبما مرّ فی الفصل السّابق.

و عن شارح المقاصد النّبوه هو کون الانسان مبعوثا من الحقّ إلى الخلق، فان کان النّبیّ مأخوذا من النّباوه و هو الارتفاع لعلوّ شأنه و ارتفاع مکانه، أو من النبیّ بمعنى الطریق لکونه وسیله إلى الحقّ، فالنبوّه على الأصل کالابوّه، و إن کان من النّبأ بمعنى الخبر لانبائه عن اللّه تعالى فعلى قلب الهمزه واوا ثمّ الادغام کالمروّه.

و قال فی المحکیّ عنه: النّبیّ هو إنسان بعثه اللّه لتبلیغ ما أوحى إلیه، و کذا الرّسول، و قد یخصّ بمن له شریعه و کتاب فیکون أخصّ من النّبیّ، و اعترض علیه بزیاده عدد الرّسل على الکتب، و ربّما یفرق بأنّ الرّسول من له کتاب أو نسخ لبعض أحکام الشّریعه السّابقه، و النّبی قد یخلو عن ذلک کیوشع علیه السّلام.

و فی کلام بعض المعتزله أنّ الرّسول صاحب الوحى بواسطه الملک، و النّبی هو المخبر عن اللّه بکتاب أو الهام أو تنبیه فی منام، و التّفصیل فی ذلک المقام موکول إلى الکتب الکلامیّه، و من أراد اقتباس النّور فی هذا الباب من کلام الأئمه فعلیه بالرّجوع إلى باب الفرق بین الرّسول و النّبی و المحدّث، و هو ثالث أبواب کتاب الحجّه من الکافی و (الحجّه) بالضمّ ما یحجّ به الانسان غیره أى یغلب به و (المحجه)بفتح المیم جادّه الطریق و (الغابر) هو الباقی و قد یطلق على الماضی فهو من الأضداد.

الاعراب

الظاهر أنّ کلمه أو فی قوله علیه السّلام أو کتاب أو حجّه أو محجّه لمنع الخلوّ إذ الانفصال الحقیقی کمنع الجمع لا یمکن إرادته، و سیاق الکلام هو منع الخلو کما یدلّ علیه قوله: و لم یخل اللّه صریحا، و یمکن جعلها بمعنى الواو نظرا إلى دلاله و لم یخل صراحه على منع الخلوّ، فلا حاجه إلى جعلها لذلک فافهم، و (رسل) مرفوع على الخبریّه، یعنی أنّهم رسل، و الجمله هذه لا محلّ لها من الاعراب، لکونها مستأنفه فکأنّه قیل هؤلاء المرسلون الذین لم یخل الخلق منهم هل بلّغوا ما أرسلوا به أم قصّروا فیه لوجود التّقیه، فقال علیه السّلام: إنّهم رسل لا یقصّر اه، فهی من قبیل الاستیناف البیانی، و متعلق لا یقصّر محذوف، أى لا یقصّر بهم عن أداء الرّساله و إبلاغ التکلیف و کلمه (من) فی قوله علیه السّلام من سابق بیان للرّسل و تفصیل لهم.

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام بعد ما نبّه بخلقه آدم علیه السّلام و تفصیل ما جرى علیه من إسجاد الملائکه له و إسکانه فی الجنّه و اجتنائه من الثمره المنهیّه و إهباطه إلى الأرض و اصطفاء الأنبیاء من ولده لارشاد الخلق و هدایه الأنام، أشار علیه السّلام إلى العنایه الکامله للّه سبحانه بالخلق من عدم إخلائه أمّه منهم من نبیّ هاد لهم إلى المصالح و رادع لهم عن المفاسد، أو کتاب مرشد إلى الخیرات و الحسنات و مانع عن الشّرور و السّیئات، و ذلک کلّه لاکمال اللطف و إتمام العنایه فقال علیه السّلام: (و لم یخل اللّه سبحانه خلقه من نبیّ مرسل أو کتاب منزل) و هذا ممّا لا ریب فیه، و لا بدّ من بیان الحاجه إلى بعث الرّسل و إقامه البرهان على اضطرار النّاس إلیه و أنّه لا بدّ فی کلّ زمان من حجه معصوم عالم بما یحتاج إلیه الخلق، و قد دللوا على ذلک فی الکتب الکلامیّه بالبراهین العقلیه و النقلیه و نحن نذکر منها هنا وجها واحدا لاقتضاء المقام، و ذلک موقوف على رسم مقدمات.

الاولى انّ لنا خالقا صانعا قادرا على کلّ شی‏ء.

الثانیه أنّه سبحانه منزّه عن التجسّم و التعلّق بالموادّ و الأجسام و عن أن یکون مبصرا أو محسوسا باحدى الحواس.

الثّالثه أنّه تعالى حکیم عالم بوجوه الخیر و المنفعه فی النظام و سبیل المصلحه للخلایق فی المعیشه و القوام و البقاء و الدّوام الرّابعه أنّ النّاس على کثرتهم محتاجون فی معاشهم و معادهم إلى من یدبّر أمورهم و یعلمهم طریق المعیشه فی الدّنیا و النّجاه من العذاب فی العقبى، و ذلک لأنّ من المعلوم أنّ نوع الانسان مدنی بالطبع، بمعنى أنّه لا بدّ فی بقاء النوع إلى اجتماع کلّ واحد من الأفراد مع الآخر یستغنی به فیما یحتاج إلیه من المآکل و المشارب و الملابس و المساکن و نحوها، فیکون هذا یطحن لهذا، و ذلک یبنی لذلک، و ذلک یخیط لآخر، و هکذا، فمن ذلک احتاجوا إلى بناء البلاد و اجتماع الآحاد، و اضطرّوا إلى عقد المعاملات.

و بالجمله لا بدّ فی بقاء الانسان من الاجتماع و المعاونه، و التّعاون لا یتمّ إلّا بالمعامله و لا بدّ فی المعامله من قانون عدل، إذ لو ترک النّاس و آراؤهم فی ذلک لاختلفوا فیه، فیرى کلّ أحد منهم ماله عدلا ما علیه ظلما و جورا نظرا إلى أنّ کلّ أحد بالذّات و الطبع طالب لجلب المنفعه لنفسه و دفع المضرّه عن نفسه کما هو واضح، فعلم وجه الحاجه فی المعاملات إلى القانون العدل.

و لا بدّ لذلک القانون من مقنّن و معدّل و لا یجوز أن یکون ذلک المعدّل ملکا، بل لا بدّ و أن یکون بشرا، ضروره أنّ الملک لا یمکن رؤیه اکثر النّاس له لأنّ قواهم لا یقوى على رؤیه الملک على صورته الأصلیه، و إنّما رآهم الأفراد من الانبیاء بقوتهم القدسیّه، و لو فرض أن یتشکّل بحیث یراه جمیع الخلق کان ملتبسا علیهم کالبشر کجبرئیل فی صوره دحیه، و لذلک قال سبحانه:

 

 «وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَکاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَیْهِمْ ما یَلْبِسُونَ» و لا بدّ أن یکون المعدّل له خصوصیّه لیست لسایر النّاس حتّى یستشعر النّاس فیه أمرا لا یوجد لهم فیتمیز به منهم، فیکون له المعجزات التی أخبرنا بها، و الحاجه إلى هذا الانسان فی بقاء نوع البشر أشدّ من کثیر من المنافع التی لا ضروره فیها للبقاء، کانبات الشّعر على الحاجبین و تقعیر الأخمص للقدمین و ما یجرى مجراهما من منافع الأعضاء التی بعضها للزّینه و بعضها للسّهوله فی الأفعال و الحرکات، و وجود هذا الانسان الصّالح لأن یشرع و یعدل ممکن، و تأییده بالمعجزات الموجبه لاذعان الخلق له أیضا ممکن، فلا یجوز أن تکون العنایه الاولى تقتضی تلک المنافع و لا تقتضی هذه التی هی أصلها و عمدتها.

فاذا تمهدت هذه المقدّمات فثبت و تبین أنّه واجب أن یوجد نبیّ و أن یکون إنسانا و أن یکون له خصوصیه لیست لسایر النّاس، و هی الامور الخارقه للعادات، و یجب أن یسنّ للناس سننا باذن اللّه و أمره و وحیه و إنزال الملک الیه، و یکون الأصل الأول فیما یسنّه تعریفه إیّاهم أنّ لهم صانعا قادرا واحدا لا شریک له، و أنّ النبیّ عبده و رسوله، و أنّه عالم بالسّر و العلانیه، و أنّه من حقّه أن یطاع أمره، و أنّه قد أعدّ للمطیعین الجنّه و للعاصین النّار حتّى یتلقى الجمهور أحکامه المنزله على لسانه من اللّه و الملائکه بالسّمع و الطاعه.

و الى هذا البرهان أشار الصّادق علیه السّلام فیما رواه فی الکافی باسناده عن هشام بن الحکم عنه علیه السّلام أنّه قال للزّندیق الذی سأله من أین اثبت الأنبیاء و الرّسل قال: إنّا لما أثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا متعالیا عنّا و عن جمیع ما خلق، و کان ذلک الصّانع حکیما متعالیا لم یجز أن یشاهده خلقه و لا یلامسوه فیباشرهم و یباشرونه و یحاجوهم و یحاجونه، ثبت أنّ له سفراء فی خلقه یعبرون عنه إلى خلقه و عباده، و یدلّونهم على مصالحهم و ما به بقاؤهم، و فی ترکه فناؤهم، فثبت الآمرون و الناهون عن الحکیم العلیم فی خلقه، و المعبّرون عنه جلّ و عزّهم الأنبیاء و صفوته من‏ خلقه حکماء مؤدّین بالحکمه مبعوثین بها غیر مشارکین للنّاس على مشارکتهم لهم فی الخلق و الترکیب فی شی‏ء«» من أحوالهم، مؤیّدین عند الحکیم العلیم بالحکمه، ثمّ ثبت ذلک فی کلّ دهر و زمان ممّا أتت به الرّسل و الأنبیاء من الدّلائل و البراهین لکیلا یخلو أرض اللّه من حجه یکون معه علم یدلّ على صدق مقالته و جواز عدالته هذا.

و قال بعض شرّاح الکافی فی شرح قوله علیه السّلام: ثمّ ثبت ذلک فی کلّ دهر و زمان ممّا أتت به الرّسل و الأنبیاء من الدلائل و البراهین: یعنی أنّه ثبت وجود النبیّ فی کلّ وقت من جهه ما أتوابه من المعجزات و خوارق العادات، کأنّ قائلا یقول: إنّ الذی ذکرته من البرهان قد دلّ على حاجه النّاس فی کلّ زمان بوجود النبیّ، و أنّه یجب من اللّه بعثه الرّسل و الأنبیاء و إرسالهم، و لکن من أى سبیل تعلم النّاس النبی و یصدق بنبوّته و رسالته، فأجیب بأنّه ثبت ذلک علیهم بمشاهده ما أتت به الرّسل و النّبیون من الدّلائل و البراهین، یعنی المعجزات الظاهره منهم، و هی المراد هاهنا بالدّلائل و البراهین إذ النّاس لا یذعنون إلّا بما یشاهدونه و قوله علیه السّلام: لکیلا یخلو أرض اللّه من حجه یکون معه علم یدلّ على صدق مقالته و جواز عدالته تعلیل متعلق بقوله: ثمّ ثبت ذلک فیکلّ دهر، و وجه التعلیل أنّ ما دامت الأرض باقیه و النّاس موجودون فیها فلا بدّ لهم من حجّه للّه علیهم یقوم بأمرهم و یهدیهم إلى سبیل الرّشاد و حسن المعاد، و هو الحجه الظاهره و لا بدّ أن یکون معه علم باللّه و آیاته یدل على صدق مقالته و دعوته للنّاس و على جریان حکمه علیهم و جواز عدالته فیهم، و هو الحجه الباطنه انتهى.

و به ظهر الوجه فی عدم إخلائه سبحانه خلقه من نبیّ مرسل على ما صرّح به الامام علیه السّلام، کما ظهر وجه قوله علیه السّلام: (أو حجّه لازمه) أى لازمه على الخلق (أو محجّه قائمه) أى طریقه عدل یقفون علیها و لا یمیلون عنها یمینا و یسارا، و المراد بها هنا هی الشریعه کما قال سبحانه:

 

 «لِکُلٍّ جَعَلْنا مِنْکُمْ شِرْعَهً وَ مِنْهاجاً» و قال: «شَرَعَ لَکُمْ مِنَ الدِّینِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً» ثمّ إنّ الحجه قد تطلق و یراد بها الکتاب، و قد تطلق على الامام المعصوم الذی یکون مقتدى للخلائق یأتمّون به و یتعلّمون منه سبیل الهدى و طریق التقوى، نبیّا کان أو وصیّا، و هو المراد منها فیما رواه فی الکافی باسناده عن أبی اسحاق عمّن یثق به من أصحاب أمیر المؤمنین، أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام قال: اللّهمّ إنّک لا تخلی أرضک من حجّه لک على خلقک، یعنی أنّک بلطفک و جودک على عبادک لا تخلی أرضک من حجّه لک علیهم لیهتدوا به سبیلک، و یسلکوا به سبیل قربک و رحمتک، و ینجو به عن معصیتک و عقابک.

و قد تطلق و یراد بها العقل، فانّه حجه للّه على النّاس فی الباطن کما أن النبی و الامام حجه فی الظاهر، و قد وردت به الأخبار المستفیضه عن أئمّتنا علیهم السلام.

إذا عرفت ذلک فنقول: الظاهر بل المتعین أنّ المراد بهاهنا هو الامام المعصوم أعنی الوصیّ بخصوصه، لعدم إمکان إراده النبیّ و الکتاب لسبق ذکرهما و عدم امکان إراده العقل لأنّ حجّیته منحصره فی المستقلّات العقلیّه لا مجال له فی غیرها، فلا یعرف الحقّ من الباطل فی الامور الّتی عجزت عن إدراکها عقول البشر بأفکارها، و إنّما یعرفها الامام بنور الالهام فلا یتمّ اللّطف منه تعالى على خلقه بعد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله إلّا بوجوده علیه السّلام فیهم.

و بذلک ظهر فساد ما توهّمه الشّارح المعتزلی من جعله الحجه فی العباره حجه العقل حیث قال: و منها أن یقال إلى ما ذا یشیر علیه السّلام بقوله أو حجّه لازمه، هل هو إشاره إلى ما یقوله الامامیّه من أنّه لا بدّ فی کلّ زمان من وجود إمام معصوم، الجواب أنهم یفسرون هذه اللّفظه بذلک، و یمکن أن یکون المراد بها حجه العقل انتهى.

وجه الفساد ما ذکرنا، و نزید توضیحا و نقول: إنّ للّه سبحانه حجّتین:

 

داخلیّه و خارجیّه، و النّاس إمّا أهل بصیره عقلیه أم أهل حجاب، فالحجّه على أهل البصیره إنّما هی عقولهم الکلیه العارفین بها بالمصالح و المفاسد الکامنه الواقعیه، فلا حاجه لهم إلى اتباع الحجه الخارجیه، بل حجّه اللّه علیهم بصیرتهم و نور عقلهم و هداهم، و أما أهل الحجاب و ذو العقول الناقصه فالحجّه علیهم إنّما هی الخارجیّه، لعدم إحاطه عقولهم بالجهات المحسّنه و المقبحه، فلا یکمل اللّطف فی حقهم إلّا بقائد خارجیّ یتبعون به، إذ الأعمى یحتاج فی قطع السّبیل إلى قائد خارجی یتبعه تقلیدا فی کل قدم و هو واضح.

فقد تحصّل ممّا ذکرنا أنّ المراد بالحجّه فی کلامه علیه السّلام هو الامام المعصوم کما قد ظهر ممّا بیّناه هنا و فیما سبق فی شرح قوله من نبیّ مرسل: لزوم وجود الحجّه فی الخلق، لمکان الحاجه، و ملخّص ما ذکرناه هنا و سابقا أنّ نظام الدّنیا و الدّین لا یحصل إلّا بوجود إمام یقتدی به النّاس و یأتمّون به و یتعلّمون منه سبیل هداهم و تقواهم، و الحاجه إلیه فی کلّ عصر و زمان أعظم و أهمّ من الحاجه إلى غذاهم و کساهم و ما یجرى مجراهما من المنافع و الضرورات، فوجب فی العنایه الرّبانیه أن لا یترک الأرض و لا یدع الخلق بغیر إمام نبیّا کان أو وصیّا، و إلّا لزم أحد الامور الثّلاثه: إمّا الجهل و عدم العلم بتلک الحاجه، أو النّقص و عدم القدره على خلقه، أو البخل و الضّنه بوجوده و الکلّ محال على اللّه سبحانه هذا، و یطابق کلام الامام علیه السّلام ما رواه فی الکافی عن علیّ بن إبراهیم عن محمّد ابن عیسى عن محمّد بن الفضیل عن أبی حمزه عن أبی جعفر علیه السّلام قال: قال: و اللّه ما ترک اللّه أرضا منذ قبض اللّه آدم إلا فیها إمام یهتدى به إلى اللّه، و هو حجّه على عباده و لا تبقى الأرض بغیر امام حجّه للّه على عباده، و عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام، قال: إنّ اللّه أجلّ و أعظم من أن یترک الأرض بغیر إمام عادل.

و أیضا عن أبی بصیر عن أحدهما علیه السّلام، قال: قال: إنّ اللّه لم یدع الأرض بغیر عالم، و لو لا ذلک لم یعرف الحقّ من الباطل، یعنی فی الامور التی تعجز عن إدراکها العقول حسبما مرّ سابقا.

و فی الأخبار الکثیره المستفیضه بل القریبه من التواتر المعنوی المرویّه فی الکافی و علل الشّرایع و إکمال الدّین و رجال الکشی و غیرها أنّ الأرض لو بقیت بغیر إمام لساخت، یقال: ساخت الأرض بهم انخسفت، و المراد به فی الأخبار إمّا غوصها فی الماء حقیقه أو کنایه عن هلاک البشر و ذهاب نظامها کما نبّه علیه المحدّث المجلسى طاب ثراه فی مرآه العقول ثمّ إنّه علیه السّلام وصف المرسلین بأنّهم رسل (لا یقصر«» بهم قلّه عددهم) أى عن نشر التکلیف و حمل إعباء الرّساله (و لا کثره المکذّبین لهم) أى عن تبلیغ الأحکام و اداء الامانه، و هذا الکلام صریح فی عدم جواز التقیّه على الأنبیاء.

و منه یظهر فساد ما نسبه الفخر الرّازی إلى الامامیّه من تجویزهم الکفر على الأنبیاء تقیه حسبما مرّ فی تذییلات الفصل الثّانی عشر فی باب عصمه الأنبیاء علیهم السّلام، ضروره أنّ اقتداء الامامیّه رضوان اللّه علیهم إنّما هو على إمامهم علیه السّلام، و مع تصریحه علیه السّلام بما ذکر کیف یمکن لهم المصیر إلى خلاف قوله علیه السّلام هذا.

مضافا إلى ما أوردناه علیه سابقا بل و مع الغضّ عن تصریحه علیه السّلام، بذلک أیضا نقول: کیف یمکن أن یتفوّه ذو عقل بصدور کلمه الکفر عن نبیّ مع أنّ بعث النبی لیس إلّا لحسم ماده الکفر، نعوذ باللّه من هذه الفریه البیّنه و ذلک البهتان العظیم، ثم إنّه علیه السّلام بین الرّسل و میّزهم بقوله: (من سابق سمّی له من بعده أو غابر) أى لاحق (عرفه من قبله) یعنی أنّهم بین سابق سمى«» لنفسه من بعده، بمعنى أنّه عین من یقوم مقامه من بعده، أو أنّ السّابق«» سمّى اللّه له من یأتی‏ بعده و اطلعه علیه، و بین لاحق عرّفه من قبله و بشّر به، کتعریف عیسى علیه السّلام و بشارته بالنبیّ صلّى اللّه علیه و آله کما قال سبحانه حکایه عنه: «وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ یَأْتِی مِنْ بَعْدِی اسْمُهُ أَحْمَدُ».

و قد مرّ فی حدیث الکافی عند شرح قوله: و اصطفى من ولده أنبیاء اه، تفصیل بشاره الأنبیاء السّلف للخلف سلام اللّه علیهم أجمعین فتذکر.

الترجمه

و خالى نگذاشت حق سبحانه و تعالى مخلوقان خود را از پیغمبر مرسلى یا از کتاب منزلى یا برهانى لازم که عبارتست از امام معصوم یا طریقه مستقیمه که عبارتست از شریعت قویمه آنها، رسولانى هستند که قاصر نمى ‏کند یا مقصر نمى‏ کند آنها را کمى عدد ایشان از تبلیغ رسالت، و نه بسیارى تکذیب کنندگان ایشان از اداء وحى و امانت، طایفه از ایشان سابق بودند که نام مى‏ بردند بجهت خود آن کسى را که بعد از اوست، یا این که خداوند عالم نام برد آن کسى را که بعد از او بود، و طایفه دیگر لاحق بودند که تعریف کرده بود او را آن کسى که پیش از او بود

الفصل السادس عشر

على ذلک نسّلت القرون، و مضت الدّهور، و سلفت الآباء، و خلفت الأبناء، إلى أن بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه علیه و آله لإنجاز عدته، و إتمام نبوّته، مأخوذا على النّبیّین میثاقه، مشهوره سماته، کریما میلاده، و أهل الأرض یومئذ ملل متفرّقه، و أهواء منتشره، و طرائق متشتّته، بین مشبّه للّه بخلقه، أو ملحد فی اسمه، أو مشیر إلى غیره، فهدیهم به من الضّلاله، و أنقذهم بمکانه من الجهاله.

 

اللغه

(نسل) نسلا من باب ضرب کثر نسله، و یتعدّى إلى مفعول یقال: نسلته أى ولدته و نسل الماشی ینسل بالضّم و بالکسر نسلا و نسلا و نسلانا أسرع، و نسلت القرون أى ولدت أو أسرعت و (سلف) سلوفا من باب قعد مضى و انقضى و (خلفته) جئت بعده، و الخلف بالتّحریک الولد الصالح، فاذا کان فاسدا أسکنت اللّام و ربّما استعمل کلّ منهما مکان الآخر و (المیثاق) و الموثق کمجلس العهد و (السّمات) جمع السّمه و هی العلامه و (المیلاد) کالمولد وقت الولاده، و لم یستعمل فی الموضع کما توهّمه الشارح البحرانی بل مختص بالزّمان، و المولد یطلق على الوقت و الموضع کما صرّح به الفیومی (و الملل) جمع الملّه و هی الشریعه و الدّین (و الأهواء) جمع هوا بالقصر إراده النّفس (و طرائق متشتّته) أى متفرقه و (الملحد) من الالحاد یقال الحد و لحد إذا حاد عن الطریق و عدل عنه و (الانقاذ) کالنّقذ و الاستنقاذ التّخلیص و (المکان) مصدر بمعنى الکون.

الاعراب

قوله علیه السّلام: على ذلک متعلّق بالفعل الذی یلیه، و اللّام فی قوله لانجاز عدته تعلیل للبعث متعلّق به، و مأخوذا و مشهوره و کریما منصوبات على الحالیه من محمّد صلّى اللّه علیه و آله، کما أنّ محلّ الجمله أعنی قوله علیه السّلام: و أهل الارض اه، کذلک، و ملل و أهواء و طرائق مرفوعات على الخبریّه من أهل الأرض، و إسنادها إلیه من باب التّوسّع، و الأصل ذو ملل متفرقه، و قیل: إنّ المبتدأ محذوف أى مللهم ملل متفرقه، و أهواؤهم أهواء منتشره، و طرائقهم طرائق متشتّته، و بین ظرف متعلّق بقوله: متشتّته، و هو من الظروف المبهمه لا یتبیّن معناه إلّا بالاضافه إلى اثنین فصاعدا أو ما یقوم مقامه کقوله تعالى: عوان بین ذلک، قال الفیومی فی المصباح: و المشهور فی العطف بعدها أن یکون بالواو، لأنّها للجمع المطلق، نحو المال بین زید و عمرو، و أجاز بعضهم بالفاء مستدلّا بقول امرء القیس: بین الدّخول فحومل، و أجیب بأن الدّخول اسم لمواضع شتى،فهو بمنزله قولک المال بین القوم و بها یتمّ المعنى انتهى.

إذا عرفت ذلک فأقول: الظاهر أنّ کلمه أو فی قوله: أو ملحد، أو مشیر، بمعنى الواو إجراء للفظ بین على ما هو الأصل فیه، مضافا إلى عدم معنى الانفصال هاهنا، و قول الشارح البحرانی، إنّ الانفصال هنا لمنع الخلوّ فاسد، ضروره أنّ بعض أهل الأرض عند بعثه النبیّ صلّى اللّه علیه و آله کان من أهل التّوحید حسبما تعرفه و هؤلاء لیس داخلا فی أحد الأصناف الثلاثه فافهم جیّدا، و الباء فی بمکانه سببیّه، أى أنقذهم بسبب کونه و وجوده صلّى اللّه علیه و آله من الجهاله.

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام ساق هذه الخطبه بما اقتضاه التّرتیب الطبیعی، أى من لدن آدم علیه السّلام إلى بعث محمّد صلّى اللّه علیه و آله و هدایه الخلق به و اقتباسهم من أنوار وجوده الذی هو المقصود العمده فی باب البعثه، فقال علیه السّلام (على ذلک) یعنی على هذا الاسلوب الذی ذکرناه من عدم إخلاء الارض و الخلق من الأنبیاء و الحجج (نسّلت القرون) و ولدت أو أسرعت، و هو کنایه عن انقضائها (و مضت الدّهور، و سلفت الآباء) أى تقدّموا و انقضوا (و خلفت الأبناء) أى جاءوا بعد آبائهم و صاروا خلیفه لهم (إلى أن بعث اللّه) النّبیّ الأمّیّ العربیّ القرشیّ الهاشمیّ الابطحیّ التّهامیّ المصطفى من دوحه الرّساله، و المرتضى من شجره الولایه (محمّدا صلّى اللّه علیه و آله لانجاز عدته) التی وعدها لخلقه على ألسنه رسله السّابقین بوجوده علیه السّلام (و لاتمام نبوّته) الظاهر رجوع الضمیر فیه الى اللّه سبحانه، و قیل: برجوعه إلى محمّد صلّى اللّه علیه و آله و لا یخلو عن بعد.

و ینبغی الاشاره إلى الحجج الذین لم یخل اللّه سبحانه خلقه منهم من لدن آدم علیه السّلام إلى بعث نبیّنا صلوات اللّه علیهم أجمعین فنقول: روى الصّدوق فی الأمالى عن ابن المتوکل عن الحمیری عن ابن عیسى عن الحسن بن محبوب عن مقاتل بن سلیمان عن أبی عبد اللّه الصّادق علیه السّلام، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: أنا سیّد النّبیّین، و وصیّی سید الوصیّین، و أوصیائى ساده الأوصیاء، إنّ آدم سأل اللّه عزّ و جلّ ان یجعل له وصیّا صالحا، فاوحى اللّه عزّ و جلّ إلیه إنی أکرمت الأنبیاء بالنّبوه ثمّ اخترت خلقا (خلقى خ‏ل) و جعلت خیارهم الأوصیاء، فقال آدم: یا ربّ اجعل وصیّی خیر الأوصیاء، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلیه یا آدم اوص إلى شیث و هو هبه اللّه بن آدم، و أوصى شیث إلى ابنه شبان«»، و هو ابن نزله الحوراء التی أنزلها اللّه على آدم من الجنّه فزوّجها ابنه شیثا، و أوصى شبان إلى محلث،«» و أوصى محلث إلى محوق«» و أوصى محوق إلى عثمیا«»، و أوصى عثمیا إلى اخنوخ و هو إدریس النّبیّ، و أوصى إدریس إلى ناخور«» و دفعها ناخور إلى نوح النّبیّ و أوصى نوح إلى سام، و أوصى سام إلى عثامر«» و اوصى عثامر إلى برغیثاشا«»، و أوصى برغیثاشا إلى یافث، و أوصى یافث إلى بره، و أوصى بره إلى جفشیه«»، و أوصى جفشیه إلى عمران، و دفعها عمران إلى ابراهیم الخلیل علیه السّلام، و أوصى ابراهیم إلى ابنه اسماعیل، و أوصى اسماعیل إلى إسحاق، و أوصى إسحاق إلى یعقوب، و أوصى یعقوب إلى یوسف، و أوصى یوسف إلى بریثا، و أوصى بریثا إلى شعیب، و دفعها شعیب إلى موسى بن عمران، و أوصى موسى بن عمران إلى یوشع بن نون، و أوصى یوشع بن نون إلى داود، و أوصى داود إلى سلیمان، و أوصى سلیمان إلى آصف بن برخیا و أوصى آصف بن برخیا إلى زکریا، و أوصى (دفعها خ‏ل) زکریّا إلى عیسى بن مریم و أوصى عیسى بن مریم إلى شمعون بن حمون الصّفا، و أوصى شمعون إلى یحیى«»ابن زکریا، و أوصى یحیى بن زکریّا إلى منذر، و أوصى منذر إلى سلیمه، و أوصى سلیمه إلى برده.

ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: و دفعها إلىّ برده، و أنا أدفعها إلیک یا علیّ، و أنت تدفعها إلى وصیّک، و یدفعها وصیّک إلى أوصیائک من ولدک واحدا بعد واحد حتى تدفع إلى خیر أهل الأرض بعدک، و لتکفرنّ بک الامّه، و لتختلفن علیک اختلافا شدیدا الثّابت علیک کالمقیم، و الشّاذ عنک فی النّار، و النّار مثوى للکافرین.

و قد مضى فی شرح قوله علیه السّلام: و اصطفى من ولده أنبیاء أخذ على الوحى میثاقهم، ما یوجب ازدیاد البصیره فی المقام فراجعه و قوله علیه السّلام: (مأخوذا على النبیّین میثاقه).

أقول: قد عرفت فی الفصل الرّابع عشر عند شرح قوله علیه السّلام: لمّا بدّل أکثر خلقه عهد اللّه إلیهم، ما دلّ على أخذ میثاق جمیع الخلق على توحید اللّه تعالى و نبوّه محمّد صلّى اللّه علیه و آله و إمامه الأئمه علیهم السّلام فی عالم المیثاق.

و ینبغی أن نذکر هنا بعض ما یفید أخذ میثاق النبیّین بخصوصهم سلام اللّه علیهم، فأقول: قال سبحانه فی سوره آل عمران: «وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِیثاقَ النَّبِیِّینَ لَما آتَیْتُکُمْ مِنْ کِتابٍ وَ حِکْمَهٍ ثُمَّ جاءَکُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَکُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِکُمْ إِصْرِی، قالُوا أَقْرَرْنا، قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَکُمْ مِنَ الشَّاهِدِینَ».

قال الطبرسیّ عند تفسیر الآیه: و روى عن أمیر المؤمنین علیه السّلام و ابن عبّاس و قتاده أنّ اللّه أخذ المیثاق على الأنبیاء قبل نبیّنا صلّى اللّه علیه و آله أن یخبروا أممهم بمبعثه و رفعته، و یبشّروهم به و یأمروهم بتصدیقه.

و قال أیضا: و قد روی عن علیّ علیه السّلام أنّه قال، لم یبعث اللّه نبیّا آدم و من‏بعده إلّا أخذ علیه العهد لئن بعث اللّه محمّدا و هو حىّ لیؤمننّ به و لینصرنّه، و أمره بأن أخذ العهد بذلک على قوله و فی تفسیر علیّ بن ابراهیم القمیّ قال الصّادق علیه السّلام فی قوله: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّکَ مِنْ بَنِی آدَمَ-  الآیه» کان المیثاق مأخوذا علیهم بالرّبوبیّه و لرسوله صلّى اللّه علیه و آله بالنّبوّه و لأمیر المؤمنین و الأئمه علیهم السّلام بالامامه فقال «أ لست بربّکم» و محمّد نبیّکم و علیّ إمامکم و الأئمه الهادون أئمتکم فقالوا: بلى، فقال اللّه تعالى.

 «أَنْ تَقُولُوا یَوْمَ الْقِیامَهِ» أی لئلّا تقولوا یوم القیامه «إِنَّا کُنَّا عَنْ هذا غافِلِینَ» فأوّل ما أخذ اللّه عزّ و جلّ المیثاق على الأنبیاء بالرّبوبیّه و هو قوله: «وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِیِّینَ مِیثاقَهُمْ» فذکر جمله الأنبیاء ثمّ أبرز أفضلهم بالأسامی فقال: «وَ مِنْکَ» یا محمّد فقدّم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لأنّه أفضلهم «وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِیمَ وَ مُوسى‏ وَ عِیسَى ابْنِ مَرْیَمَ» فهؤلاء الخمسه أفضل الأنبیاء، و رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أفضلهم، ثم أخذ بعد ذلک میثاق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على الأنبیاء بالایمان به و على أن ینصروا أمیر المؤمنین، فقال: «وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِیثاقَ النَّبِیِّینَ لَما آتَیْتُکُمْ مِنْ کِتابٍ وَ حِکْمَهٍ ثُمَّ جاءَکُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَکُمْ» یعنی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله «لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ» یعنى أمیر المؤمنین علیه السّلام تخبروا اممکم بخبره و خبر ولیّه من الأئمه.

و فی البحار عن کشف الغمّه من کتاب بکر بن محمّد الشّامی باسناده عن أبی الصّباح الکنانی عن جعفر بن محمّد علیهما السّلام قال: أتى رجل أمیر المؤمنین علیه السّلام و هو فی مسجد الکوفه قد احتبى بسیفه، قال: یا أمیر المؤمنین إنّ فی القرآن آیه قد أفسدت قلبی و شککتنی فی دینی، قال علیه السّلام له: و ما هی قال: قوله عزّ و جلّ:

 

 «وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِکَ مِنْ رُسُلِنا» هل کان فی ذلک الزّمان نبیا غیره صلّى اللّه علیه و آله یسأله فقال له علیّ علیه السّلام: اجلس اخبرک إنشاء اللّه إنّ اللّه عزّ و جلّ یقول فی کتابه: «سُبْحانَ الَّذِی أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَیْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِی بارَکْنا حَوْلَهُ لِنُرِیَهُ مِنْ آیاتِنا» فکان من آیات اللّه عزّ و جلّ التی أراها محمّدا صلّى اللّه علیه و آله أنّه أتاه جبرئیل فاحتمله من مکه فوافى به بیت المقدّس فی ساعه من اللّیل، ثمّ أتاه بالبراق فرفعه إلى السّماء، ثم إلى البیت المعمور، فتوضّأ جبرئیل و توضّأ النّبی صلّى اللّه علیه و آله کوضوئه، و أذّن جبرئیل و أقام مثنى مثنى، و قال للنّبیّ: تقدم فصلّ و اجهر بصلاتک فانّ خلفک افقا من الملائکه لا یعلم عددهم الّا اللّه، و فی الصّف الأوّل أبوک آدم و نوح و هود و ابراهیم و موسى و کلّ نبیّ أرسله اللّه مذ خلق السّماوات و الأرض إلى أن بعثک یا محمّد، فتقدّم النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله فصلّى بهم غیر هائب و لا محتشم رکعتین، فلمّا انصرف من صلاته أوحى اللّه إلیه اسأل من أرسلنا من قبلک من رسلنا الایه، فالتفت إلیهم النبی صلّى اللّه علیه و آله، فقال بم تشهدون قالوا: نشهد أن لا إله الا اللّه وحده لا شریک له، و أنّک رسول اللّه، و أنّ علیّا أمیر المؤمنین و وصیّک و کلّ نبیّ مات خلّف وصیّا من عصبته غیر هذا، و أشاروا إلى عیسى بن مریم، فانّه لا عصبه له، و کان وصیّه شمعون الصّفا ابن حمون بن عمامه، و نشهد أنّک رسول اللّه سیّد النّبیّین، و أنّ علیّ بن ابی طالب علیه السّلام سیّد الوصیّین، اخذت على ذلک مواثیقنا لکما بالشّهاده، فقال الرّجل أحییت قلبی و فرّجت عنّی یا أمیر المؤمنین.

و فیه أیضا عن بصائر الدّرجات باسناده عن حمران عن أبی جعفر علیه السّلام، قال: إنّ اللّه تبارک و تعالى أخذ المیثاق على اولى العزم أنّی ربّکم و محمّد رسولی و علیّ أمیر المؤمنین و أوصیاؤه من بعده ولاه أمری و خزّان علمی، و أنّ المهدیّ‏ أنتصر به لدینی.

إلى غیر هذه مما یطلع علیه المتتبّع (مشهوره سماته) إى صفاته و علاماته فی الکتب المنزله و الصّحف السّماویه من التّوراه و الزّبور و الانجیل و صحف ابراهیم و دانیال و کتاب زکریا و شعیا و غیرها، قال سبحانه فی سوره البقره: «الَّذِینَ آتَیْناهُمُ الْکِتابَ یَعْرِفُونَهُ کَما یَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ» یعنی یعرفون محمّدا صلّى اللّه علیه و آله بنعته و صفته و مبعثه و مهاجره و صفه أصحابه کما یعرفون أبنائهم فی منازلهم، و قال أیضا فی سوره الأعراف: «الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِیَّ الْأُمِّیَّ الَّذِی یَجِدُونَهُ مَکْتُوباً عِنْدَهُمْ فِی التَّوْراهِ وَ الْإِنْجِیلِ» روى العیاشی عن الباقر علیه السّلام یعنی الیهود و النّصارى صفه محمّد و اسمه.

و فی الصّافی عن المجالس عن أمیر المؤمنین علیه السّلام فی حدیث قال یهودی لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إنّی قرأت نعتک فی التّوراه محمّد بن عبد اللّه، مولده بمکه، و مهاجره بطیبه لیس بفظّ و لا غلیظ و لا سخاب«» و لا مترنن«» بالفحش و لا قول الخنا، و أنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّک رسول اللّه، هذا مالی فاحکم فیه بما انزل اللّه.

و فی الکافی عن الباقر علیه السّلام لما انزلت التّوراه على موسى بشّر بمحمد صلّى اللّه علیه و آله، قال: فلم تزل الأنبیاء تبشّر به حتّى بعث اللّه المسیح عیسى بن مریم علیه السّلام فبشّر بمحمد صلّى اللّه علیه و آله، و ذلک قوله: یجدونه، یعنی الیهود و النّصارى، مکتوبا، یعنی صفه محمّد عندهم، یعنى فی التّوراه و الانجیل، و هو قول اللّه عزّ و جلّ یخبر عن عیسى: «وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ یَأْتِی مِنْ بَعْدِی اسْمُهُ أَحْمَدُ» و قد مضى تمامه عند شرح قوله علیه السّلام: و اصطفى من ولده أنبیاء، أخذ على الوحى میثاقهم اه.

 

و فی الکافی أیضا مرفوعا أنّ موسى علیه السّلام ناجاه ربّه تبارک و تعالى، فقال فی مناجاته: اوصیک یا موسى وصیّه الشّفیق المشفق بابن البتول عیسى بن مریم، و من بعده بصاحب الجمل الأحمر الطیب الطاهر المطهّر، فمثله فی کتابک أنّه مهیمن«» على الکتب کلّها، و أنّه راکع ساجد راغب راهب«»، إخوانه المساکین و أنصاره قوم آخرون (کریما میلاده) أى وقت ولادته صلّى اللّه علیه و آله، فقد تولد و کان طالع ولادته على ما حکاه المجلسی قده عن أبی معشر: الدّرجه العشرون من جدى، و کان زحل و المشتری فی العقرب، و المریخ فی بیته فی الحمل، و الشمس فی الحمل فی الشّرف، و الزهره فی الحوت فی الشّرف، و العطارد أیضا فی الحوت، و القمر فی أوّل المیزان، و الرّأس فی الجوزاء، و الذّنب فی القوس.

و روی أیضا اتّفاق الحکماء على أنّ طالعه صلّى اللّه علیه و آله المشتری و العطارد و الزّهره و المرّیخ، و قالوا إنّ نظر المشتری علامه العلم و الحکمه و الفطنه و الکیاسه و الرّیاسه له صلّى اللّه علیه و آله، و إنّ نظر العطارد کان آیه لطافته و ظرافته و ملاحته و فصاحته و حلاوته صلّى اللّه علیه و آله، و إنّ نظر الزّهره دلیل صباحته و سروره و بشاشته و حسنه و طیبه و بهائه و جماله و دلاله صلّى اللّه علیه و آله، و إنّ نظر المرّیخ علامه شجاعته و جلادته و محاربته و قتاله و قهره و غلبته.

و أمّا تاریخ ولادته صلّى اللّه علیه و آله فقد قال فی الکافی: إنّه ولد صلّى اللّه علیه و آله لاثنتی عشره لیله مضت من شهر ربیع الأوّل فی عام الفیل«» یوم الجمعه مع الزّوال.

و روى أیضا عند طلوع الفجر قبل أن یبعث بأربعین سنه، و حملت به أمّه أیّام التّشریق عند الجمره الوسطى، و کانت فی منزله عبد اللّه بن عبد المطلب و ولدته‏ فی شعب أبی طالب فی دار«» محمّد بن یوسف فی الزّاویه القصوى عن یسارک و انت داخل فی الدّار، و قد اخرجت الخیزران ذلک البیت فصیّروه مسجدا یصلّی النّاس فیه، انتهى کلامه رفع مقامه.

أقول: أمّا ما ذکره من کون تولّده فی ثانی عشر من شهر ربیع الأوّل فهو المشهور بین الجمهور و لعلّه (ره) و افقهم على ذلک تقیّه، و لبعض العامّه قول بکونه فی ثامن ذلک الشّهر، و قول آخر بأنّه فی عاشره و قول شاذّ بکونه فی شهر رمضان.

و المشهور فی أخبارنا و بین أصحابنا بل المدّعى علیه إجماعنا فی جمله من العبایر أنّ تولّده صلّى اللّه علیه و آله فی السّابع عشر.

و أمّا ما ذکره من أنّ أمّه حملت به فی أیام التّشریق عند الجمره الوسطى یستلزم بقائه فی بطن أمّه إمّا ثلاثه أشهر أو سنه و ثلاثه أشهر مع أنّه خلاف ما اتّفق علیه أصحابنا من کون أقلّ مدّه الحمل ستّه أشهر و أکثرها تسعه، و لم یقل أحد أیضا بکون ذلک من خصائصه و لا وردت علیه روایه.

و أجاب عنه جمع من الأصحاب کالمجلسی (ره) و المحدّث الجزایری (ره) و غیرهما بأنّه مبنیّ على النسی‏ء المراد بقوله: «إِنَّمَا النَّسِی‏ءُ زِیادَهٌ فِی الْکُفْرِ» و ذلک أنّ المشرکین کانوا یؤخّرون موسم الحجّ، فمرّه کانوا یحجّون فی صفر و اخرى فی محرّم و هکذا، تبعا لاعتدال الوقت و الهواء و کان حجّهم فی سنه تولّده فی جمادى الآخره.

قال الجزائری و یؤیّده ما رواه ابن طاوس فی کتاب الاقبال أنه صلّى اللّه علیه و آله حملت به امّه فی ثمان عشر مضت من جمادى الآخره، و لمّا فتح النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله مکّه کان‏ حجّهم فی شهر ذی الحجّه فقال الآن دار الزّمان کما کان فلا یجوز لأحد تغییره و لا تبدیله انتهى. 

و کیف کان فقد کان مولده على مذهب الشّیعه الیوم السّابع عشر من شهر ربیع الأوّل و بعث للرّساله یوم السّابع و العشرین من رجب و له حینئذ أربعون سنه (و) قد کان (أهل الأرض یومئذ) أى یوم بعثه و تصدیعه بالرّساله ذی (ملل) و شرایع (متفرّقه و أهواء) أى آراء (منتشره و طرائق) أى مسالک (متشتته) و متفرّقه و مذاهب مختلفه (بین مشبّه للّه بخلقه، او ملحد فی اسمه، أو مشیر إلى غیره).

قال الشّارح المعتزلی: إنّ العلماء یذکرون أنّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله بعث و النّاس أصناف شتّى فی أدیانهم، یهود و نصارى و مجوس و صابئون و عبده أصنام و فلاسفه و زنادقه، فأمّا الامه التی بعث فیها محمّد صلّى اللّه علیه و آله فهم العرب و کانوا أصنافا شتى، فمنهم معطله، و منهم غیر معطله، فأمّا المعطله منهم فبعضهم أنکر الخالق و البعث و الاعاده و قالوا: ما قال القرآن العزیز منهم: «ما هِیَ إِلَّا حَیاتُنَا الدُّنْیا نَمُوتُ وَ نَحْیا وَ ما یُهْلِکُنا إِلَّا الدَّهْرُ» فجعلوا الجامع لهم الطبع و المهلک الدّهر، و بعضهم اعترف بالخالق سبحانه و أنکر البعث، و هم الذین أخبر سبحانه عنهم بقوله: «قالَ مَنْ یُحْیِ الْعِظامَ وَ هِیَ رَمِیمٌ» و منهم من أقرّوا بالخالق و نوع من الاعاده، و أنکروا الرّسل و عبدوا الأصنام و زعموا أنّها شفعاء عند اللّه فی الآخره و حجّوا لها و نحروا لها الهدى و قرّبوا لها القربان و حلّلوا و حرّموا، و هم جمهور العرب، و هم الذین قال اللّه تعالى عنهم: «وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ یَأْکُلُ الطَّعامَ وَ یَمْشِی فِی الْأَسْواقِ» و کانوا فی عباده الأصنام مختلفین، فمنهم من یجعلها مشارکه للباری جلّ اسمه و یطلق علیها لفظ الشّریک، و منهم من لا یطلق علیها لفظ الشّریک و یجعلها وسائل‏ و ذرایع إلى الخالق سبحانه و هم الذین قالوا: «إِنَّما نَعْبُدُهُمْ لِیُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏» و کان فی العرب مشبّهه و مجسّمه، و کان جمهورهم عبده الأصنام فکان ودّ لکلب بدومه«» الجندل، و سواع«» لهذیل و نسر لحمیر، و یغوث لهمدان، و اللّات لسقیف بالطایف، و العزّى لکنانه و قریش و بعض بنی سلیم، و مناه لغسان و الأوس و الخزرج، و کان هبل لقریش خاصّه على ظهر الکعبه، و اساف«» و نائله على الصّفا و المروه، و کان فی العرب من یمیل إلى الیهودیّه، منهم جماعه من التّبابعه«» و بلوک الیمن، و منهم نصارى کبنی تغلب و العبادیین رهط عدیّ بن زید و نصارى نجران، و منهم من کان یمیل إلى الصّابئه«» و یقول بالنجوم و الانواء«»، فامّا الّذین لیسوا بمعطله من العرب فالقلیل منهم و هم المتألهون أصحاب الورع و التّحرج عن القبایح، کعبد اللّه و عبد المطلب و ابى طالب و زید بن عمرو بن نفیل و قس بن ساعده الأیادى، و جماعه غیر هؤلاء، انتهى باختصار منّا.

 

إذا عرفت هذا فأقول: قوله علیه السّلام بین مشبّه للّه بخلقه، إشاره إلى بعض هذه الفرق، و هم المشبّهه الذین شبّهوا اللّه تعالى بالمخلوقات و مثلوه بالحادثات و أثبتوا له صفات الجسم.

فمنهم مشبّهه الحشویّه، قالوا: هو جسم لا کالأجسام، و مرکب من لحم و دم لا کاللّحوم و الدّماء، و له الأعضاء و الجوارح، و یجوز علیه الملامسه و المعانقه و المصافحه للمخلصین.

و منهم الذین قالوا: إنّ اللّه على العرش من جهه العلوّ مماسّ له من الصّفحه العلیا، و یجوز علیه الحرکه و الانتقال، قال امیّه بن ابی الصلت:

 من فوق عرش جالس قد حطّ            رجلیه على کرسیّه المنصوب.

و منهم الیهود و النّصارى الذین قالوا: «نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ، وَ قالَتِ الْیَهُودُ عُزَیْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَ قالَتِ النَّصارى‏ الْمَسِیحُ ابْنُ اللَّهِ» و قالت الیهود: «یَدُ اللَّهِ مَغْلُولَهٌ».

و قد أثبتوا له سبحانه یدا و ولدا إلى غیر هؤلاء من المشبّهه و المجسّمه.

و قوله علیه السّلام: أو ملحد فی اسمه اشاره إلى فرقه اخرى من هذه، و هم الذین یعدلون بأسماء اللّه تعالى عمّا هی عنه فیسمّون بها أصنامهم، و یغیّرونها بالزّیاده و النّقصان، فاشتقّوا اللّات من اللّه، و العزّى من العزیز، و مناه من المنان و هذا المعنى حکاه الطبرسی عن ابن عبّاس و مجاهد فی تفسیر قوله تعالى: «وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فَادْعُوهُ بِها وَ ذَرُوا الَّذِینَ یُلْحِدُونَ فِی أَسْمائِهِ» ثم قال: و قیل: إنّ معنی یلحدون فی أسمائه یصفونه بما لا یلیق به، و یسمّونه بما لا یجوز تسمیته به، و هذا الوجه أعمّ فائده، و یدخل فیه قول الجبائی: أراد تسمیتهم المسیح بأنّه ابن اللّه، ثمّ قال و فی هذا دلاله على أنّه لا یجوز أن یسمّى اللّه إلّا بما سمّى به نفسه.

 

و قوله علیه السّلام: أو مشیر إلى غیره إشاره إلى الدّهریّه و بعض عبده الأصنام ممّن لم یدخل فی القسمین السّابقین.

و الحاصل أنّ النّاس عند بعث النبیّ صلّى اللّه علیه و آله کانوا على مذاهب مختلفه، و آراء متفرّقه من الیهودیّه و النّصرانیّه و المجوسیّه و الدّهریّه و عبده الأصنام و غیرهم (فهداهم اللّه) سبحانه (به) صلّى اللّه علیه و آله أى بنور وجوده (من الضّلاله) و الغوایه (و أنقذهم بمکانه) أى خلصهم و أنجاهم بکونه و وجوده (من) ظلمه (الجهاله) فانجلى به عین قلوب العارفین، و اضمحلّ باطل الشّیطان بما جاء به من الحقّ الیقین.

الترجمه

پس بر این منوال منقضى مى‏ شد قرنها و مى‏ گذشت روزگارها، و از پیش رفتند پدران و از پس در آمدند و خلیفه شدند پسران، تا این که برانگیخت خداوند عالم محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه علیه و آله را بجهت روا کردن وعده خود که بانبیاء گذشته داده بود، و بجهت تمام فرمودن نبوّت خود در حالتى که فرا گرفته بود بر پیغمبران عهد و پیمان او را در حالتى که مشهور و معروف بود علامات و صفات او در کتب سماویّه و صحف منزله، و در حالتى که شریف و عزیز بود وقت ولادت او و حال آنکه اهل زمین در روز بعثت او صاحبان ملل و مذاهب متفرقه بودند، و خداوندان هواها و رأیهاى پراکنده و صاحبان راههاى مختلف در میان، تشبیه کننده حق تعالى بمخلوقات خود و عدول کننده در اسماء حسناى او و إشاره کننده بر غیر او، پس هدایت و راهنمائى فرمود ایشان را بنور وجود او از گمراهى، و خلاص فرمود آنها را بجهت هستى او از جهالت و نادانى.

منهاج ‏البراعه فی ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(الخوئی)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

بازدید: ۲۷

درباره‌ی .

حتما ببینید

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۴ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه ۴ صبحی صالح ۴- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  )و هی من أفصح …

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

*

code