خانه / ***خطبه ها شرح و ترجمه میر حبیب الله خوئی / نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۱/۵ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)قسمت پنجم ادامه خلقت حضرت آدم

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۱/۵ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)قسمت پنجم ادامه خلقت حضرت آدم

خطبه ۱ صبحی صالح

۱- و من خطبه له ( علیه ‏السلام ) یذکر فیها ابتداء خلق السماء و الأرض و خلق آدم و فیها ذکر الحج و تحتوی على حمد الله و خلق العالم و خلق الملائکه و اختیار الأنبیاء و مبعث النبی و القرآن و الأحکام الشرعیه

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَا یَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ وَ لَا یُحْصِی نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ وَ لَا یُؤَدِّی حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ الَّذِی لَا یُدْرِکُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ وَ لَا یَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ الَّذِی لَیْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ وَ لَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ وَ لَا وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَ لَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ فَطَرَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ وَ نَشَرَ الرِّیَاحَ بِرَحْمَتِهِ وَ وَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَیَدَانَ أَرْضِهِ:

أَوَّلُ الدِّینِ مَعْرِفَتُهُ وَ کَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِیقُ بِهِ وَ کَمَالُ التَّصْدِیقِ بِهِ تَوْحِیدُهُ وَ کَمَالُ تَوْحِیدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ وَ کَمَالُ الْإِخْلَاصِ لَهُ نَفْیُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَهِ کُلِّ صِفَهٍ أَنَّهَا غَیْرُ الْمَوْصُوفِ وَ شَهَادَهِ کُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَیْرُ الصِّفَهِ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُوَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ وَ مَنْ‏جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَیْهِ وَ مَنْ أَشَارَ إِلَیْهِ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَ مَنْ قَالَ فِیمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُوَ مَنْ قَالَ عَلَا مَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ:

کَائِنٌ لَا عَنْ حَدَثٍ مَوْجُودٌ لَا عَنْ عَدَمٍ مَعَ کُلِّ شَیْ‏ءٍ لَا بِمُقَارَنَهٍ وَ غَیْرُ کُلِّ شَیْ‏ءٍ لَا بِمُزَایَلَهٍ فَاعِلٌ لَا بِمَعْنَى الْحَرَکَاتِ وَ الْآلَهِ بَصِیرٌ إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَیْهِ مِنْ خَلْقِهِ مُتَوَحِّدٌ إِذْ لَا سَکَنَ یَسْتَأْنِسُ بِهِ وَ لَا یَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ

خلق العالم‏

أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاءً وَ ابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً بِلَا رَوِیَّهٍ أَجَالَهَا وَ لَا تَجْرِبَهٍ اسْتَفَادَهَا وَ لَا حَرَکَهٍ أَحْدَثَهَا وَ لَا هَمَامَهِ نَفْسٍ اضْطَرَبَ فِیهَا أَحَالَ الْأَشْیَاءَ لِأَوْقَاتِهَا وَ لَأَمَ بَیْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا وَ غَرَّزَ غَرَائِزَهَا وَ أَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا مُحِیطاً بِحُدُودِهَا وَ انْتِهَائِهَا عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وَ أَحْنَائِهَا:
ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الْأَجْوَاءِ وَ شَقَّ الْأَرْجَاءِ وَ سَکَائِکَ الْهَوَاءِ فَأَجْرَى فِیهَا مَاءً مُتَلَاطِماً تَیَّارُهُ مُتَرَاکِماً زَخَّارُهُ حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّیحِ الْعَاصِفَهِ وَ الزَّعْزَعِ الْقَاصِفَهِ فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ وَ سَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ وَ قَرَنَهَا إِلَى حَدِّهِ الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِهَا فَتِیقٌ وَ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِیقٌ ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِیحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا وَ أَدَامَ مُرَبَّهَا وَ أَعْصَفَ مَجْرَاهَا وَ أَبْعَدَ مَنْشَأَهَا فَأَمَرَهَا بِتَصْفِیقِ الْمَاءِ الزَّخَّارِ وَ إِثَارَهِ مَوْجِ الْبِحَارِ فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ‏السِّقَاءِ
وَ عَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ تَرُدُّ أَوَّلَهُ إِلَى آخِرِهِ وَ سَاجِیَهُ إِلَى مَائِرِهِ حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ وَ رَمَى بِالزَّبَدِ رُکَامُهُ فَرَفَعَهُ فِی هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ وَ جَوٍّ مُنْفَهِقٍ فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ جَعَلَ سُفْلَاهُنَّ مَوْجاً مَکْفُوفاً وَ عُلْیَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ سَمْکاً مَرْفُوعاً بِغَیْرِ عَمَدٍ یَدْعَمُهَا وَ لَا دِسَارٍ یَنْظِمُهَا
ثُمَّ زَیَّنَهَا بِزِینَهِ الْکَوَاکِبِ وَ ضِیَاءِ الثَّوَاقِبِ وَ أَجْرَى فِیهَا سِرَاجاً مُسْتَطِیراً وَ قَمَراً مُنِیراً فِی فَلَکٍ دَائِرٍ وَ سَقْفٍ سَائِرٍ وَ رَقِیمٍ مَائِرٍ.

خلق الملائکه

ثُمَّ فَتَقَ مَا بَیْنَ السَّمَوَاتِ الْعُلَا فَمَلَأَهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلَائِکَتِهِ مِنْهُمْ سُجُودٌ لَا یَرْکَعُونَ وَ رُکُوعٌ لَا یَنْتَصِبُونَ وَ صَافُّونَ لَا یَتَزَایَلُونَ وَ مُسَبِّحُونَ لَا یَسْأَمُونَ لَا یَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُیُونِ وَ لَا سَهْوُ الْعُقُولِ وَ لَا فَتْرَهُ الْأَبْدَانِ وَ لَا غَفْلَهُ النِّسْیَانِ وَ مِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْیِهِ وَ أَلْسِنَهٌ إِلَى رُسُلِهِ وَ مُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَ أَمْرِهِ وَ مِنْهُمُ الْحَفَظَهُ لِعِبَادِهِ وَ السَّدَنَهُ لِأَبْوَابِ جِنَانِهِ وَ مِنْهُمُ الثَّابِتَهُ فِی الْأَرَضِینَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ وَ الْمَارِقَهُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْیَا أَعْنَاقُهُمْ وَ الْخَارِجَهُ مِنَ الْأَقْطَارِ أَرْکَانُهُمْ وَ الْمُنَاسِبَهُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَکْتَافُهُمْ نَاکِسَهٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ مَضْرُوبَهٌ بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّهِ وَ أَسْتَارُ الْقُدْرَهِ لَا یَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِیرِوَ لَا یُجْرُونَ عَلَیْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِینَ وَ لَا یَحُدُّونَهُ بِالْأَمَاکِنِ
وَ لَا یُشِیرُونَ إِلَیْهِ بِالنَّظَائِرِ

صفه خلق آدم ( علیه ‏السلام )

ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ وَ سَهْلِهَا وَ عَذْبِهَا وَ سَبَخِهَا تُرْبَهً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ وَ لَاطَهَا بِالْبَلَّهِ حَتَّى لَزَبَتْ فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَهً ذَاتَ أَحْنَاءٍ وَ وُصُولٍ وَ أَعْضَاءٍ وَ فُصُولٍ أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَکَتْ وَ أَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ وَ أَمَدٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ نَفَخَ فِیهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانٍ یُجِیلُهَا وَ فِکَرٍ یَتَصَرَّفُ بِهَا وَ جَوَارِحَ یَخْتَدِمُهَا وَ أَدَوَاتٍ یُقَلِّبُهَا وَ مَعْرِفَهٍ یَفْرُقُ بِهَا بَیْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ وَ الْأَذْوَاقِ وَ الْمَشَامِّ وَ الْأَلْوَانِ وَ الْأَجْنَاسِ مَعْجُوناً بِطِینَهِ الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَهِ وَ الْأَشْبَاهِ الْمُؤْتَلِفَهِ وَ الْأَضْدَادِ الْمُتَعَادِیَهِ وَ الْأَخْلَاطِ الْمُتَبَایِنَهِ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ الْبَلَّهِ وَ الْجُمُودِ وَ اسْتَأْدَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَلَائِکَهَ وَدِیعَتَهُ لَدَیْهِمْ وَ عَهْدَ وَصِیَّتِهِ إِلَیْهِمْ فِی الْإِذْعَانِ بِالسُّجُودِ لَهُ وَ الْخُنُوعِ لِتَکْرِمَتِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِیسَ‏  اعْتَرَتْهُ الْحَمِیَّهُ وَ غَلَبَتْ عَلَیْهِ الشِّقْوَهُ وَ تَعَزَّزَ بِخِلْقَهِ النَّارِ وَ اسْتَوْهَنَ خَلْقَ الصَّلْصَالِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ النَّظِرَهَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَهِ وَ اسْتِتْمَاماً لِلْبَلِیَّهِ وَ إِنْجَازاً لِلْعِدَهِ فَقَالَ فَإِنَّکَ مِنَ الْمُنْظَرِینَ إِلى‏ یَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏ ثُمَّ أَسْکَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِیهَا عَیْشَهُ وَ آمَنَ فِیهَا مَحَلَّتَهُ وَ حَذَّرَهُ إِبْلِیسَ وَ عَدَاوَتَهُ فَاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَهً عَلَیْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ وَ مُرَافَقَهِ الْأَبْرَارِ فَبَاعَ الْیَقِینَ بِشَکِّهِ وَ الْعَزِیمَهَ بِوَهْنِهِ وَ اسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلًا وَ بِالِاغْتِرَارِ نَدَماًثُمَّ بَسَطَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِی تَوْبَتِهِ وَ لَقَّاهُ کَلِمَهَ رَحْمَتِهِ وَ وَعَدَهُ الْمَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ وَ أَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ الْبَلِیَّهِ وَ تَنَاسُلِ الذُّرِّیَّهِ

اختیار الأنبیاء

وَ اصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِیَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْیِ مِیثَاقَهُمْ وَ عَلَى تَبْلِیغِ الرِّسَالَهِ أَمَانَتَهُمْ لَمَّا بَدَّلَ أَکْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللَّهِ إِلَیْهِمْ فَجَهِلُوا حَقَّهُ وَ اتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ وَ اجْتَالَتْهُمُ الشَّیَاطِینُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَ اقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ فَبَعَثَ فِیهِمْ رُسُلَهُ وَ وَاتَرَ إِلَیْهِمْ أَنْبِیَاءَهُ لِیَسْتَأْدُوهُمْ مِیثَاقَ فِطْرَتِهِ وَ یُذَکِّرُوهُمْ مَنْسِیَّ نِعْمَتِهِ وَ یَحْتَجُّوا عَلَیْهِمْ بِالتَّبْلِیغِ وَ یُثِیرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ وَ یُرُوهُمْ آیَاتِ الْمَقْدِرَهِ مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ وَ مِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ وَ مَعَایِشَ تُحْیِیهِمْ وَ آجَالٍ تُفْنِیهِمْ وَ أَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ وَ أَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَیْهِمْ وَ لَمْ یُخْلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِیٍّ مُرْسَلٍ أَوْ کِتَابٍ مُنْزَلٍ أَوْ حُجَّهٍ لَازِمَهٍ أَوْ مَحَجَّهٍ قَائِمَهٍ رُسُلٌ لَا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّهُ عَدَدِهِمْ وَ لَا کَثْرَهُ الْمُکَذِّبِینَ لَهُمْ مِنْ سَابِقٍ سُمِّیَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ‏ أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى ذَلِکَ نَسَلَتِ الْقُرُونُ وَ مَضَتِ الدُّهُورُ وَ سَلَفَتِ الْآبَاءُ وَ خَلَفَتِ الْأَبْنَاءُ

مبعث النبی‏

إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رَسُولَ اللَّهِ ( صلى‏ الله ‏علیه ‏وآله ‏وسلم )لِإِنْجَازِ عِدَتِهِ وَ إِتْمَامِ نُبُوَّتِهِ مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِیِّینَ مِیثَاقُهُ مَشْهُورَهً سِمَاتُهُ کَرِیماً مِیلَادُهُ وَ أَهْلُ الْأَرْضِ یَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَهٌ وَ أَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَهٌ وَ طَرَائِقُ مُتَشَتِّتَهٌ بَیْنَ مُشَبِّهٍ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ أَوْ مُلْحِدٍ فِی اسْمِهِ أَوْ مُشِیرٍ إِلَى غَیْرِهِ فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلَالَهِ وَ أَنْقَذَهُمْ بِمَکَانِهِ مِنَ الْجَهَالَهِ ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمَّدٍ ( صلى‏ الله ‏علیه ‏وسلم )لِقَاءَهُ وَ رَضِیَ لَهُ مَا عِنْدَهُوَ أَکْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْیَا وَ رَغِبَ بِهِ عَنْ مَقَامِ الْبَلْوَى فَقَبَضَهُ إِلَیْهِ کَرِیماً ( صلى‏ الله ‏علیه ‏وآله )وَ خَلَّفَ فِیکُمْ مَا خَلَّفَتِ الْأَنْبِیَاءُ فِی أُمَمِهَاإِذْ لَمْ یَتْرُکُوهُمْ هَمَلًا بِغَیْرِ طَرِیقٍ وَاضِحٍ وَ لَا عَلَمٍ قَائِمٍ

القرآن و الأحکام الشرعیه

کِتَابَ رَبِّکُمْ فِیکُمْ مُبَیِّناً حَلَالَهُ وَ حَرَامَهُ وَ فَرَائِضَهُ وَ فَضَائِلَهُ وَ نَاسِخَهُ وَ مَنْسُوخَهُ وَ رُخَصَهُ وَ عَزَائِمَهُ وَ خَاصَّهُ وَ عَامَّهُ وَ عِبَرَهُ وَ أَمْثَالَهُ وَ مُرْسَلَهُ وَ مَحْدُودَهُ وَ مُحْکَمَهُ وَ مُتَشَابِهَهُ مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ وَ مُبَیِّناً غَوَامِضَهُ بَیْنَ مَأْخُوذٍ مِیثَاقُ عِلْمِهِ وَ مُوَسَّعٍ‏عَلَى الْعِبَادِ فِی جَهْلِهِ وَ بَیْنَ مُثْبَتٍ فِی الْکِتَابِ فَرْضُهُ وَ مَعْلُومٍ فِی السُّنَّهِ نَسْخُهُ وَ وَاجِبٍ فِی السُّنَّهِ أَخْذُهُ وَ مُرَخَّصٍ فِی الْکِتَابِ تَرْکُهُ وَ بَیْنَ وَاجِبٍ بِوَقْتِهِ وَ زَائِلٍ فِی مُسْتَقْبَلِهِ
وَ مُبَایَنٌ بَیْنَ مَحَارِمِهِ مِنْ کَبِیرٍ أَوْعَدَ عَلَیْهِ نِیرَانَهُ أَوْ صَغِیرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ وَ بَیْنَ مَقْبُولٍ فِی أَدْنَاهُ مُوَسَّعٍ فِی أَقْصَاهُ 

و منها فی ذکر الحج‏

وَ فَرَضَ عَلَیْکُمْ حَجَّ بَیْتِهِ الْحَرَامِ الَّذِی جَعَلَهُ قِبْلَهً لِلْأَنَامِ یَرِدُونَهُ وُرُودَ الْأَنْعَامِ وَ یَأْلَهُونَ إِلَیْهِ وُلُوهَ الْحَمَامِ وَ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلَامَهً لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ وَ إِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ وَ اخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَیْهِ دَعْوَتَهُ وَ صَدَّقُوا کَلِمَتَهُ وَ وَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِیَائِهِ وَ تَشَبَّهُوا بِمَلَائِکَتِهِ الْمُطِیفِینَ بِعَرْشِهِ یُحْرِزُونَ الْأَرْبَاحَ فِی مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ وَ یَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لِلْإِسْلَامِ عَلَماً وَ لِلْعَائِذِینَ حَرَماً فَرَضَ حَقَّهُ وَ أَوْجَبَ حَجَّهُ وَ کَتَبَ عَلَیْکُمْ وِفَادَتَهُ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلًا وَ مَنْ کَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِیٌّ عَنِ الْعالَمِینَ

الفصل الثانی عشر

ثمّ أسکن آدم دارا أرغد فیها عیشته، و آمن فیها محلّته، و حذّره إبلیس و عداوته، فاغترّه عدوّه نفاسه علیه بدار المقام و مرافقه الأبرار، فباع الیقین بشکّه و العزیمه بوهنه، و استبدل بالجذل و جلا، و بالاعتزاز ندما.

اللغه

(السّکون) هو الاطمینان و المسکن المنزل و (الرغد) النفع الواسع الکثیر الذی لیس فیه عناء، قال ابن درید: الرّغد السعه فی العیش و (العیشه) بکسر العین کالعیش بالفتح مصدر عاش یعیش و هو الحیاه و ما یعاش به من الرزق و الطعام و الخبز و (محلّه) القوم منزلهم (فاغترّه) من الغرّه بالکسر و هو الغفله و (نفس) الشی‏ء بالضم نفاسه کرم و نفست به مثل ضننت به لنفاسته لفظا و معنى و (المقام) بالفتح اسم مکان من قام بمعنى انتصب و بالضمّ اسم مکان من أقام و کلاهما صحیحان و عزم (عزیمه) و عزمه اجتهد وجد فی أمره و (الجذل) بفتحتین مصدر جذل إذا فرح و (اعتزّ) بفلان عدّ نفسه عزیزه به

الاعراب

کلمه ثمّ فی قوله علیه السّلام ثمّ أسکن حرف عطف مفیده للتّعقیب فتفید أنّ الاسکان‏ فی الجنّه بعد أمر الملائکه بالسجود و سجودهم و هو الظاهر من الترتیب الذکری فی الآیه الشریفه فی سوره البقره حیث قال سبحانه: «وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِکَهِ اسْجُدُوا لِآدَمَ» ثم قال: «وَ قُلْنا یا آدَمُ اسْکُنْ أَنْتَ». الآیه إلّا أنّ المستفاد من الأخبار و ظاهر بعض«» الآیات و التفاسیر کون السجود حین السّکون فی الجنّه و یمکن الجواب بانّ المراد بالسّکنى فی الایه الشریفه و فی قول الامام علیه السّلام هو المقام مع اللّبث و الاستقرار و هو لا ینافی کون آدم علیه السّلام فی الجنّه قبل ذلک أیضا و کون سجود الملائکه له حین ما کان هو فیه کما هو ظاهر لا یخفى، و نصب إبلیس فی قوله و حذّره إبلیس على نزع الخافض، و نفاسه منصوب على المفعول له، و الباء فی قوله: بدار المقام للسّببیه، و فی قوله بشکّه باء الأثمان و هی الدّاخله على الأعواض مثل بعت الکتاب بدرهم، و قد یطلق علیها باء المقابله، و فی قوله علیه السّلام: بالجذل و بالاعتزاز کذلک«»، و یحتمل کونها هنا بمعنى من بناء على کون الاستبدال بمعنى التبدل یقال تبدّله و تبدّل منه إذا اتخذه منه بدلا.

المعنى

(ثمّ) إنّه سبحانه بعد ما أمر الملائکه بالسّجود لآدم فسجدوا إلّا إبلیس فجعله رجیما و أخرجه من جواره و (أسکن آدم) و أقرّه (دارا) أى فی دار (أرغد فیها عیشته) أى جعله فیها فی عیشه واسعه کما قال سبحانه فی سوره البقره: «وَ قُلْنا یا آدَمُ اسْکُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُکَ الْجَنَّهَ وَ کُلا مِنْها رَغَداً حَیْثُ شِئْتُما».

(و آمن فیها محلّته) نسبه الأمن إلى المحلّ من قبیل المجاز العقلی أى جعله‏ فیها فی أمن من الآفات و سلامه من المکاره و الصدمات، و هذه من صفات الجنّه لأنّ من دخلها کان آمنا کما قال سبحانه: «ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِینَ».«» و هذا لاغبار علیه و إنّما الکلام فی أنّ الجنه التی أسکنه اللّه فیها هل هی جنّه الدنیا.

و تفصیل ذلک ما ذکره الفخر الرّازی، قال: اختلفوا فی أنّ الجنّه المذکوره فی الآیه هل کانت فی الأرض أو فی السّماء و بتقدیر أنّها کانت فی السّماء فهل هی الجنّه التی هی دار الثّواب أو جنّه الخلد أو جنّه أخرى.

فقال أبو القاسم البلخی و أبو مسلم الاصفهانی: هذه الجنّه کانت فی الأرض و حملا الاهباط«» على الانتقال من بقعه إلى بقعه، کما فی قوله تعالى: «وَ إِذْ» و احتجا علیه بوجوه.

أحدها أنّ هذه الجنّه لو کانت هی دار الثواب لکانت جنّه الخلد، و لو کان آدم فی جنّه الخلد لما لحقه الغرور من إبلیس بقوله: «هَلْ أَدُلُّکَ عَلى‏ شَجَرَهِ الْخُلْدِ وَ مُلْکٍ لا یَبْلى‏» و لما صحّ قوله: «ما نَهاکُما رَبُّکُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَهِ إِلَّا أَنْ تَکُونا مَلَکَیْنِ أَوْ تَکُونا مِنَ الْخالِدِینَ».

و ثانیها أنّ من دخل هذه الجنّه لا یخرج منها، لقوله تعالى: «وَ ما هُمْ بِخارِجِینَ مِنْها».

و ثالثها أنّ إبلیس لما امتنع من السّجود لعن، فما کان یقدر مع غضب اللّه‏ على أن یصل إلى جنّه الخلد.

و رابعها أنّ الجنّه التی هى دار الثواب لا یفنى نعیمها، لقوله تعالى: «أُکُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها» و لقوله تعالى: (وَ أَمَّا الَّذِینَ سُعِدُوا فَفِی الْجَنَّهِ خالِدِینَ فِیها) الى أن قال: (عَطاءً غَیْرَ مَجْذُوذٍ).

أى غیر مقطوع، فهذه الجنّه لو کانت هی التی دخلها آدم لما فنیت، لکنها تفنى لقوله تعالى: (کُلُّ شَیْ‏ءٍ هالِکٌ إِلَّا وَجْهَهُ).

و لما خرج منها آدم و انقطعت تلک الرّاحات و خامسها أنّه لا یجوز فی حکمته تعالى أن یبتدء الخلق فی جنّه یخلدهم فیها و لا تکلیف لأنّه لا یعطى جزاء العاملین من لیس بعامل، و لأنّه تعالى لا یهمل عباده بل لا بدّ من ترغیب و ترهیب و وعد و وعید.

و سادسها لا نزاع فی أنّ اللّه تعالى خلق آدم فی الأرض و لم یذکر فی هذه القصّه أنّه نقله إلى السّماء. و لو کان تعالى قد نقله إلى السّماء کان ذلک أولى بالذّکر، لأنّ نقله من الأرض إلى السّماء من أعظم النّعم، فدلّ ذلک على أنّه لم یحصل، و ذلک یوجب أنّ المراد من الجنّه التی قال اللّه له (اسْکُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُکَ الْجَنَّهَ).

جنّه اخرى غیر جنّه الخلد.

القول الثّانی و هو قول الجبائی أنّ تلک الجنّه کانت فی السّماء السّابعه، و الدلیل علیه قوله تعالى: اهبطوا منها، ثم انّ الاهباط الأوّل کان من السّماء السّابعه إلى السّماء الاولى، و الاهباط الثّانی کان من السّماء إلى الأرض.

القول الثالث و هو قول جمهور أصحابنا إن هذه الجنّه هی دار الثواب و الدّلیل علیه أنّ الألف و اللّام فی لفظ الجنّه لا یفید العموم، لأنّ سکون جمیع الجنان‏ محال، فلا بدّ من صرفها إلى المعهود السّابق، و الجنّه التی هی المعهوده المعلومه بین المسلمین هی دار الثواب فوجب صرف اللّفظ إلیها.

القول الرّابع إن الکلّ ممکن و الأدله النّقلیه ضعیفه و متعارضه، فوجب التوقّف و ترک القطع و اللّه أعلم انتهى.

أقول: و الأظهر من هذه الأقوال هو القول الأوّل، لقوّه أدلّته و إن کان یمکن تطرّق النّظر إلیها.

أمّا الأوّل و الثّانی فلا مکان أن یقال: إنّ الخلود فیها و عدم الخروج إنّما یکون بعد استقرار أهل الجنّه فیها للثّواب، و هو المستفاد من أدلّه الخلود، و أمّا قبل ذلک فلا دلیل علیه.

و أمّا الثّالث فلما قیل: من أنّ إبلیس لم یدخل فی الجنّه بل وسوس لهما من وراء جدار الجنّه أو من الأرض.

و فیه نظر لأنّ المستفاد من ظاهر الآیات کون مخاطبته معهما مشافهه، کما أنّ الموجود فی أخبارنا دخوله إلیها بوسیله الحیّه حسبما یأتی الاشاره إلیها.

و الأولى أن یقال: هذا الدّلیل على تقدیر تسلیمه جار على غیر هذا القول أیضا و ذلک، لأنّ غضب اللّه سبحانه کما هو مانع من دخول جنّه الخلد فکذلک مانع من دخول مطلق الجنّه و إن لم تکن دار خلد، لأنّ الجنّتین کلتیهما مشترکتان فی کونهما دار رحمه و قرب، فلا یستحقّهما من غضب اللّه علیه و لعنه و طرده بقوله: (فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّکَ رَجِیمٌ).

فان قیل: فکیف التّوجیه بین ذلک و بین ما استظهرت من الآیات و دلت علیه الأخبار من دخوله فی الجنّه بتوسط الحیّه.

قلت: یمکن التّوجیه بأن یقال: إنّه کان ممنوعا من دخولها بارزا بحیث یعرف، و قد دخلها مخفیّا لیدلیهما بغرور، و قد ورد ذلک فی بعض الأخبار، أو یقال: إنّ دخوله فیه على وجه التّقرب و التنعّم مناف لکونه مغضوبا علیه، و أمّا الدّخول‏ للتّدلیس و الازلال بعد اقتضاء الحکمه له فلا منافاه له معه کما لا یخفى.

و أمّا الرّابع فلما مر فی الأولین.

و أمّا الخامس فلجواز أن یکون ذلک تفضّلا منه سبحانه، و لیست فی ذلک منافاه للحکمه کما توهّم.

و أمّا السّادس فظاهر لأنّه استبعاد محض، هذا کلّه ما یقتضیه التصرّفات الفکریه و دقّه النّظر فی الأدله و القاطع للکلام إنّما هو الأخبار المأثوره عن العتره الطاهره.

فقد روى فی الکافى و العلل عن الصّادق علیه السّلام أنّها کانت من جنان الدّنیا یطلع فیها الشّمس و القمر و لو کان من جنان الخلد ما خرج منها أبدا.

و مثلهما«» علیّ بن ابراهیم القمی فی تفسیره عن أبیه رفعه إلیه علیه السّلام و قوله: (و حذّره ابلیس و عداوته) إشاره إلى ما حکاه سبحانه فی سوره طه بقوله: (وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِکَهِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِیسَ أَبى‏ فَقُلْنا یا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَکَ وَ لِزَوْجِکَ فَلا یُخْرِجَنَّکُما مِنَ الْجَنَّهِ فَتَشْقى‏) فوسوس الیه الشّیطان و قال: (یا آدَمُ هَلْ أَدُلُّکَ عَلى‏ شَجَرَهِ الْخُلْدِ وَ مُلْکٍ لا یَبْلى‏).

و (اغترّه عدوه نفاسه) و بخلا (علیه بدار المقام و مرافقه الأبرار) من الروحانیین و الملائکه المقرّبین.

 (فَأَکَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ طَفِقا یَخْصِفانِ عَلَیْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّهِ وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏).

و أمّا کیفیه الاغترار فقد یأتی تفصیلا (فباع الیقین بشکه) قیل: إنّ بیع الیقین بالشک مثل قدیم للعرب لمن عمل عملا لا یفیده و ترک ما ینبغی له أن یفعله، تمثل به أمیر-  المؤمنین علیه السّلام هاهنا و لم یرد أنّ آدم شکّ فی أمر اللّه.

أقول: و یمکن اجراء الکلام على ظاهره بأن یراد بالیقین الیقین بعداوه إبلیس و بالشّک الشّک فیها، و المراد ببیعه به تبدیله به و ذلک لأنّ إبلیس لمّا أبى و استکبر عن السّجود و أظهر الفضیله و الانیّه و جعل مطرودا تیقّن آدم بعداوته له، و قد أعلمه اللّه سبحانه به حینئذ أیضا کما قال: (فَقُلْنا یا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَکَ وَ لِزَوْجِکَ فَلا یُخْرِجَنَّکُما مِنَ الْجَنَّهِ فَتَشْقى‏).

و لمّا وسوس الیهما الشیطان: (وَ قاسَمَهُما إِنِّی لَکُما لَمِنَ النَّاصِحِینَ).

و لم یکن آدم و حوّا شاهدا قبل ذلک من یحلف باللّه کاذبا، و ثقا بقوله و شکّا فی عداوته لمکان ذلک، و یمکن استنباط ذلک من روایه العیون و الاحتجاج الاتیه«» للرّضا علیه السّلام مع المأمون، و لیس فی ذلک منافاه لمرتبه الرّساله کما توهّم، لأنّ ذلک لیس بأعظم من أکل الشجره و ستعرف تحقیقه فی مقامه إنشاء اللّه و قوله: (و العزیمه بوهنه) أى العزیمه التی کانت له فی عدم القرب من الشّجره و الأکل منها بالوهن الذی حصل له من النّسیان، قال سبحانه: (وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِیَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً).

قال فی الکشّاف: و العزم التّصمیم و المضیّ على ترک الأکل و أن یتصلّب فی ذلک تصلّبا یؤیس الشّیطان من التّسویل له، و قال: فان قلت: ما المراد بالنّسیان قلت: لا یجوز أن یراد النّسیان الذی هو نقیض الذکر و أنّه لم یعن«»بالوصیّه العنایه الصادقه و لم یستوثق منها بعقد القلب علیها و ضبط النّفس حتّى تولد من ذلک النّسیان، و أن یراد التّرک و انه ترک ما وصّی به من الاحتراس عن الشجره و أکل ثمرتها انتهى.

و قال الطبرسی (ره) معناه أمرناه و أوصینا إلیه أن لا یقرب الشّجره و لا یأکل منها، فترک الأمر عن ابن عبّاس و لم نجد له عقدا ثابتا، و قیل معناه: فنسی من النّسیان هو السّهو و لم نجد له عزما على الذّنب، لأنّه أخطأ و لم یتعمد عن ابن زید و جماعه، و قیل: و لم نجد له حفظا لما امر به عن عطیّه، و قیل: صبرا عن قتاده قال الشّارح البحرانی: و حاصل هذه الأقوال یعود إلى أنّه لم یکن له قوّه على حفظه ما أمر اللّه سبحانه أنتهى.

و فی الکافی عن علیّ بن إبراهیم باسناده عن أبی جعفر علیه السّلام قال: إنّ اللّه تبارک و تعالى عهد إلى آدم أن لا یقرب هذه الشّجره، فلمّا بلغ الوقت الذی کان فی علم اللّه أن یأکل منها نسی فأکل منها، و هو قول اللّه تبارک و تعالى: (وَ لَقَدْ عَهِدْنا) الآیه و فیه أیضا عن الصّادق علیه السّلام، قال فی قوله تعالى: (وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ).

کلمات فی محمّد و علیّ و فاطمه و الحسن و الحسین و الأئمه من ذرّیتهم علیهم السّلام فنسی هکذا و اللّه انزلت على محمّد صلّى اللّه علیه و آله.

أقول: و الظاهر أنّ المراد بتلک الکلمات حسبما یستفاد من الأخبار التی یأتی بعضها«» هو إقرار آدم بفضیله محمّد و آله المعصومین علیهم السّلام و اعتقاده لشرافتهم و عدم تمنّیه منزلتهم، فنسی تلک الکلمات و تمنى منزلتهم فأخرجه اللّه سبحانه من الجنّه (و استبدل بالجذل) و السّرور خوفا و (وجلا و بالاعتزاز) أى العزّه التی طلبها من أکل الشّجره بتدلیس ابلیس و قوله لهما:

 (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّیْطانُ لِیُبْدِیَ لَهُما ما وُورِیَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَ قالَ ما نَهاکُما).

(ندما) و خیبه، و لذلک: (قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَکُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِینَ).

تذنیبات

الاول لقائل أن یقول: کیف تمکّن ابلیس من وسوسه آدم مع کونه خارج الجنّه و کون آدم فی الجنّه

فنقول: قد اختلفوا فیه على أقوال.

أحدها ما حکی عن القصاص و هو الذی روی عن ابن عبّاس انه لما اراد إبلیس أن یدخل الجنّه منعته الخزنه فأتى الحیه و هی دابه لها أربع قوائم کأنّها البختیّه و هی کأحسن الدّواب بعد ما عرض نفسه على سایر الحیوانات، فما قبله واحد منها فابتلعته الحیّه و أدخلته الجنّه خفیّه من الخزنه، فلمّا دخلت الحیّه الجنّه خرج إبلیس من فمها و اشتغل بالوسوسه فلا جرم لعنت الحیّه و سقطت قوائمها و صارت تمشى على بطنها و جعل رزقها فی التّراب و عدوا لبنی آدم.

و ثانیها أنّه دخل الجنّه فی صوره دابه.

و ثالثها ما قاله بعض الأصولیّین: إنّ آدم و حوّاء لعلّهما کانا یخرجان إلى باب الجنّه و إبلیس کان یقرب و یوسوس إلیهما.

و رابعها أنّ إبلیس کان فی الأرض و أوصل الوسوسه إلیهما فی الجنّه.

أقول: و الأظهر هو القول الأوّل، لبعد الرّابع من حیث إنّ الوسوسه عباره عن الکلام الخفی و الکلام الخفی لا یمکنه ایصاله من بعد، و الثّالث و الثّانی لم یرد بهما خبر، و الموجود فی أخبارنا أنّ ایقاع الشّیطان لهما فیما نهیا عنه قد کان بسبب الحیّه، و ذلک على ما حکاه المفسر الفیض فی الصّافی و المحدّث الجزائری فی الأنوارهو أنّ الشّیطان لمّا اخرج من الجنّه لم یقدر على الدّخول إلیها بنفسه فأتی إلى جدار الجنّه و رأى الحیّه على أعلى الجدار، فقال لها ادخلینى الجنّه و أعلّمک الاسم الأعظم، فقالت له: الملائکه تحرس الجنّه فیرونک، فقال لها: ادخل فی فمک و اطبقى علىّ حتّى أدخل، ففعلت، و من ثم صار السمّ فی أنیابها و فی فمها لمکان جلوس ابلیس فیه، فلمّا أدخلته قالت له: أین الاسم الأعظم فقال لها: لو کنت أعلمه لما احتجت إلیک فی الدّخول، فأتى إلى آدم و بدء به فقال: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّیْطانُ لِیُبْدِیَ لَهُما ما وُورِیَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما).

ان تناولتما منها تعلمان الغیب و تقدران على ما یقدر علیه من خصّه اللّه بالقدره.

 (أَوْ تَکُونا مِنَ الْخالِدِینَ) لا تموتان أبدا (وَ قاسَمَهُما) حلف لهما (إِنِّی لَکُما لَمِنَ النَّاصِحِینَ).

و کان إبلیس بین لحیی الحیّه و کان آدم یظنّ أنّ الحیه هی الّتی تخاطبه و لم یعلم أنّ ابلیس قد اختبی بین لحیی الحیّه فردّ آدم على الحیّه أنّ هذا من غرور إبلیس کیف یخوننا ربّنا أم کیف تعظمین اللّه بالقسم به و أنت تنسبینه إلى الخیانه و سوء الظنّ و هو أکرم الأکرمین أم کیف أروم التّوصل إلى ما منعنی منه ربی و أتعاطاه بغیر حکمه، فلمّا آیس إبلیس من قبول آدم فأتى إلى حوّاء و خاطبها من حیث یوهمها هی التی تخاطبها«»، و قال: یا حواء أرأیت هذه الشّجره التی کان اللّه عزّ و جلّ حرّمها علیکما فقد أحلّها لکما بعد تحریمها، لما عرف من حسن طاعتکما له و توقیر کما إیّاه و ذلک أنّ الملائکه الموکلین بالشّجره الذین معهم الحراب یدفعون عنها سایر حیوانات الجنّه لا یدفعک عنها إذ رمتها فاعلمی بذلک أنّه قد أحلّ لک و ابشری بأنک إن تناولتها قبل آدم کنت أنت المسلطه علیه الآمره النّاهیه فوقها، فقالت حوّاء سوف اجرّب هذا فرامت فأرادت الملائکه أن یدفعوها عنها بحرابها، فأوحى اللّه‏إلیهم إنّما تدفعون بحرابکم من لا عقل له بزجره، فأمّا من جعلته ممکنا ممیّزا فکلوه إلى عقله الذی جعلته حجّه علیه فان أطاع استحقّ ثوابی و جزائی، فترکوها و لم یتعرضوا لها بعد ما همّوا بمنعها بحرابهم، فظنت أنّ اللّه ما نهیهم، لأنّه قد أحلّها بعد ما حرمها، فقالت صدقت الحیّه و ظنّت أنّ المخاطب بها الحیّه، فتناولت منها و لم تنکر من نفسها شیئا، فاتت حواء إلى آدم فصارت عونا للشّیطان علیه، و قالت ألم تعلم أنّ الشّجره المحرّمه علینا قد ابیحت لنا تناولتها و لم یمنعنی منه أملاکها و لم انکر شیئا من حالی، و لذلک اغترّ آدم فقام آدم معها إلى الأکل من الشجره فکانت أوّل قدم مشت إلى الخطیئه، فلما مدّ أیدیهما إلیها تطایر ما علیهما من الحلیّ و الحلل و بقیا عریانین فأخذا من ورق التین فوضعاه على عورتیهما، فتطایر الورق فوضع آدم یده على عورته و الأخرى على رأسه کما هو شأن العراه.

و یستفاد من بعض الاخبار أنّ هذا هو العلّه فی وجوب الوضوء، و هو ما رواه الصّدوق طاب ثراه فی الفقیه قال: جاء نفر من الیهود إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فسألوه عن مسائل و کان فیما سألوه أخبرنا یا محمّد لأیّ علّه توضّأ هذه الجوارح الأربع و هی أنظف المواضع فی الجسد قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله: لمّا أن وسوس الشّیطان إلى آدم علیه السّلام دنا من الشّجره فنظر إلیها فذهب ماء وجهه، ثمّ قام و مشى الیها و هی أوّل قدم مشت إلى الخطیئه، ثمّ تناول بیده منها ما علیها فأکل فطار الحلّی و الحلل عن جسده، فوضع آدم یده على امّ رأسه و بکى فلمّا تاب اللّه عزّ و جلّ علیه فرض علیه و على ذریّته تطهیر هذه الجوارح الأربع، فأمر اللّه بغسل الوجه لما نظر إلى الشجره، و أمره بغسل الیدین إلى المرفقین لما تناول بهما، و أمره بمسح الرّأس لما وضع یده على أمّ رأسه و أمره بمسح القدمین لما مشى بهما إلى الخطیئه و قد ذکر فیه علّه اخرى له رواها عن أبی الحسن علیّ بن موسى الرّضا علیهما السّلام و لا ربط لها بالمقام، و لا یذهب علیک أن توارد العلل المتعدده على معلول واحد فی العناوین الشّرعیه لا ضیر فیه، لأنّها من قبیل المعرفات و لیست عللا حقیقیه کما هو ظاهر

الثانی قد اختلف الأخبار کالأقوال فی الشّجره المنهیه

ففی روایه أنّها شجره الحسد، و فی اخرى أنّها شجره الکافور، و فی ثالثه أنّها شجره الحنطه و عن تفسیر الامام أنها شجره علم محمّد و آل محمّد علیهم السّلام آثرهم اللّه بها دون سایر خلقه لا یتناول منها بأمر اللّه إلّا هم، و منها ما کان یتناوله النبیّ و علیّ و فاطمه و الحسن و الحسین علیهم السلام بعد إطعامهم المسکین و الیتیم و الأسیر حتّى لم یحسوا بجوع و لا عطش و لا تعب و لا نصب، و هی شجره تمیّزت من بین سایر الأشجار بأنّ کلا منها إنّما یحمل نوعا من الثمار، و کانت هذه الشجره و جنسها تحمل البرّ و العنب و التّین و العنّاب و سایر أنواع الثمار و الفواکه و الأطعمه فلذلک اختلف الحاکون بذکرها، فقال بعضهم: برّه، و قال آخرون: هی عنبه، و قال آخرون: هی عنابه و هی الشجره التی من تناول منها باذن اللّه الهم علم الأوّلین و الآخرین من غیر تعلّم، و من تناول بغیر اذن اللّه خاب مراده و عصى ربّه و عن العیون باسناده إلى عبد السّلام بن صالح الهروى قال: قلت للرّضا علیه السّلام یابن رسول اللّه أخبرنى عن الشجره التی أکل منها آدم و حوّاء ما کانت فقد اختلف النّاس فیها، فمنهم من یروی أنّها الحنطه، و منهم من یروی أنّها العنب، و منهم من یروى أنّها شجره الحسد، فقال علیه السّلام: کلّ ذلک حقّ قلت: فما معنى الوجوه على اختلافها فقال: یا أبا الصّلت إنّ شجره الجنّه تحمل أنواعا، و کانت شجره الحنطه و فیها عنب لیست کشجره الدّنیا، و إنّ آدم لما أکرمه اللّه تعالى ذکره باسجاده ملائکته و بادخاله الجنّه قال فی نفسه: هل خلق اللّه بشرا أفضل منی فعلم اللّه عزّ و جلّ ما وقع فی نفسه فناداه ارفع رأسک یا آدم و انظر إلى ساق عرشی، فرفع رأسه فنظر إلى ساق العرش فوجد علیه مکتوبا: لا إله الا اللّه محمّد رسول اللّه علیّ بن أبى طالب أمیر المؤمنین و زوجته فاطمه سیّده نساء العالمین و الحسن و الحسین سیّد اشباب أهل الجنّه، فقال آدم: یا ربّ، من هؤلاء فقال عزّ و جلّ: هؤلاء من ذرّیتک، و هم خیر منک و من جمیع خلقى و لولاهم ماخلقتک و لا خلقت الجنّه و النّار و لا السّماء و لا الأرض فایّاک أن تنظر إلیهم بعین الحسد فاخرجک عن جواری فنظر إلیهم بعین الحسد و تمنى منزلتهم فتسلط علیه الشّیطان حتى أکل من الشّجره التی نهى عنها و تسلط على حواء لنظرها إلى فاطمه بعین الحسد حتّى أکلت من الشّجره کما أکل آدم، فأخرجهما اللّه عن جنّته و أهبطهما عن جواره إلى الارض هذا.

و قال بعض العارفین«»: کما أنّ لبدن الانسان غذاء من الحبوب و الفواکه، کذلک لروحه غذاء من العلوم و المعارف، و کما أنّ لغذاء بدنه أشجارا تثمرها، فکذلک لروحه أشجار تثمرها و لکلّ صنف منه ما یلیق به من الغذاء، فانّ من الانسان من یغلب فیه حکم البدن على الرّوح، و منهم من هو بالعکس، و لهم فی ذلک درجات یتفاضل بها بعضهم على بعض، و لأهل الدّرجه العلیا کل ما لأهل الدرجه السّفلى و زیاده، و لکلّ فاکهه فی العالم الجسمانی مثال فی العالم الرّوحانی مناسب لها، و لهذا فسّرت الشّجره تاره بشجره الفواکه، و اخرى بشجره العلوم، و کان شجره علم محمّد إشاره إلى المحبوبیّه الکامله المثمره لجمیع الکمالات الانسانیه المقتضیه للتوحید المحمدی الذی هو الفناء فی اللّه و البقاء باللّه المشار إلیه بقوله صلّى اللّه علیه و آله: لی مع اللّه وقت لا یسعنی فیه ملک مقرّب و لا نبیّ مرسل، فان فیها من ثمار المعارف کلّها، و شجره الکافور إشاره إلى برد الیقین الموجب للطمأنینه الکامله المستلزمه للخلق العظیم الذی کان لنبیّنا صلّى اللّه علیه و آله و دونه لأهل بیته، فلا منافاه بین الرّوایات و لا بینها و بین ما قالها أهل التأویل إنّها شجره الهوى و الطبیعه لأنّ قربها إنّما یکون بالهوى و الشهوه الطبیعیه، و هذا معنى ما ورد أنّها شجره الحسد: فانّ الحسد إنّما ینشأ منها، انتهى.

و قد تلخّص منه و من الرّوایات السّالفه أنّ آدم کما أکل من الشّجره المنهیه التی هی شجره الفاکهه فی عالم الظاهر، فکذلک أکل فی عالم الباطن و الحقیقه من الشجرهالمختصه بآل محمّد علیهم السّلام التی غرسها اللّه لهم بید قدرته، فطابق ظاهره و باطنه فی ارتکاب الخطیئه و کان ذلک سببا لاهباطه إلى دار البلیّه.

و فی بعض الأخبار أنّ ذلک أیضا سبب لوجوب غسل الجنابه و لزیاده حظّ الذّکر من الانثى فی المیراث.

و هو ما رواه الصّدوق فی الفقیه قال: جاء نفر من الیهود إلى النّبی صلّى اللّه علیه و آله فسأله أعلمهم عن مسائل فکان فیما سأله أن قال: لأیّ شی‏ء أمر اللّه تعالى بالاغتسال من الجنابه و لم یأمر بالغسل من الغائط و البول فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: إنّ آدم لمّا أکل من الشّجره دبّ«» ذلک فی عروقه و شعره و بشره، فاذا جامع الرّجل أهله خرج الماء من کلّ عرق و شعره فی جسده، فأوجب اللّه تعالى على ذرّیته الاغتسال من الجنابه إلى یوم القیامه، و البول یخرج من فضله الشّراب الذی یشربه الانسان، و الغایط یخرج من فضله الطعام الذی یأکله الانسان، فعلیه فی ذلک الوضوء، قال الیهودی: صدقت یا محمّد.

و فی العیون باسناده عن الرّضا عن آبائه علیهم السّلام فی حدیث الشّامی مع أمیر المؤمنین علیه السّلام و سأله لم صارت المیراث للذّکر مثل حظّ الانثیین فقال علیه السّلام: من قبل السّنبله کانت علیها ثلاث حبّات، فبادرت إلیها حوّاء فأکلت منها حبّه و أطعمت آدم حبّتین، فلذلک ورث الذّکر مثل حظّ الانثیین.

الثالث اعلم أنّ النّاس اختلفوا فی عصمه الأنبیاء علیهم السّلام على أقوال شتّى و ینبغی أن نشیر أوّلا إلى معنى العصمه.

فنقول: العصمه فی اللّغه اسم من عصمه اللّه من المکروه یعصمه من باب ضرب أى حفظه و وقاه و منعه عنه، و فی الاصطلاح هی ملکه اجتناب المعاصی مع التمکن منها.

و قیل هی ملکه تمنع الفجور و یحصل بها العلم بمعایب المعاصی و مناقب الطاعات.

و قال الرّاغب: هی فیض إلهیّ یقوی بها الانسان على تحرّی الخیر و تجنّب الشّرّ حتّى تصیر کمانع له و ان لم یکن منعا محسوسا.

و قال العلّامه فی الباب الحادی عشر: العصمه لطف خفی یفعل اللّه تعالى بالمکلف بحیث لا یکون له داع إلى ترک الطاعه و ارتکاب المعصیه مع قدرته على ذلک.

و قال المرتضى فی کتاب الدّرر و الغرر: العصمه هی اللّطف یفعله اللّه تعالى فیختار العبد عنده الامتناع من فعل القبیح، فیقال على هذا: إنّ اللّه عصمه بأن فعل له ما اختار عنده العدول عن القبیح، و یقال: إنّ العبد معصوم، لأنّه اختار عند هذا الدّاعی الذی فعل له الامتناع من القبیح، و أصل العصمه فی موضوع اللّغه المنع، یقال: عصمت فلانا من السّوء إذا منعت من حلوله به، غیر أنّ المتکلمین أجروا هذه اللّفظه على من امتنع باختیاره عند اللطف الذی یفعله اللّه تعالى به، لأنّه إذا فعل ما یعلم أنّه یمتنع عنده من فعل القبیح فقد منعه من القبیح فأجروا علیه لفظه المانع قهرا و قسرا و أهل اللغه یتعارفون ذلک أیضا و یستعملونه، لأنّهم یقولون فیمن أشار على غیره برأى فقبله منه مختارا، و احتمى بذلک من ضرر یلحقه و سوء یناله أنّه حماه«» من ذلک الضّرر و منعه و عصمه منه، و إن کان على سبیل الاختیار انتهى.

و قد ظهر ممّا ذکرنا کلّه أنّ العصمه ملکه مانعه عن ارتکاب المعاصی و موجبه لاتیان الطاعات على وجه الاختیار، فما ذهب إلیه بعضهم من أنّ المعصوم مجبول علیهما و أنّه لا یمکنه الاتیان بالمعاصی باطل جدّا و إلّا لما استحقّ مدحا کما هو ظاهر.

إذا عرفت ذلک فاعلم أنّ النّاس اختلفوا فی عصمه الأنبیاء على أقوال کثیره قال الفخر الرّازی و ضبط القول فیه أن یقال: الاختلاف فی هذا الباب یرجع إلى أقسام أربعه:

أحدها ما یقع فى باب الاعتقاد.

و ثانیها ما یقع فی باب التّبلیغ.

و ثالثها فی باب الأحکام و الفتیا.

و رابعها ما یقع على أفعالهم و سیرتهم.

أمّا اعتقادهم الکفر و الضّلال فان ذلک غیر جایز عند أکثر الامّه، و قالت الفضلیه من الخوارج: إنّهم قد وقعت منهم الذّنوب و الذّنب عندهم کفر و شرک فلا جرم قالوا: بوقوع الکفر منهم، و أجازت الامامیّه علیهم إظهار الکفر على سبیل التقیّه.

أمّا النّوع الثّانی و هو ما یقع بالتّبلیغ فقد أجمعت الأمّه على کونهم معصومین عن الکذب و التّحریف فیما یتعلّق بالتّبلیغ، و إلّا لارتفع الوثوق بالأداء، و اتفقوا على أن ذلک کما لا یجوز وقوعه منهم عمدا لا یجوز أیضا سهوا، و من النّاس من جوّز ذلک سهوا قالوا: لأنّ الاحتراز عنه غیر ممکن.

و أمّا النّوع الثّالث و هو ما یتعلّق بالفتیا فأجمعوا على أنّه لا یجوز خطاؤهم فیه على سبیل التّعمد، و أمّا على سبیل السّهو فجوّزه بعضهم، و أباه آخرون.

و أمّا النّوع الرّابع و هو الذی یقع فی أفعالهم فقد اختلفت الامه فیه على أقوال خمسه: أحدها قول من جوّز علیهم الکبائر على جهه العمد و هو قول الحشویّه.

و الثّانی قول من لا یجوّز علیهم الکبائر لکنّه یجوّز علیهم الصّغائر على جهه العمد إلّا ما ینفر کالکذب و التّطفیف، و هذا قول أکثر المعتزله.

القول الثّالث أنّه لا یجوز أن یأتوا بصغیره و لا بکبیره على جهه العمد ألبتّه، بل على جهه التّأویل و هو قول الجبائی.

القول الرّابع أنّه لا یقع منهم الذّنب إلّا على جهه السّهو و الخطاء، و لکنّهم مأخوذون بما یقع منهم على هذه الجهه و ان کان ذلک موضوعا عن امّتهم، و ذلک‏ لأنّ معرفتهم أقوى و دلائلهم أکثر، و أنّهم یقدرون من التحفّظ على ما لا یقدر علیه غیرهم.

القول الخامس أنّه لا یقع منهم الذّنب لا الکبیره و لا الصغیره لا على سبیل القصد و لا على سبیل السهو و لا على سبیل التّأویل و الخطاء و هو مذهب الرّافضه.

و اختلف النّاس فی وقت العصمه على ثلاثه أقوال: أحدها قول من ذهب أنّهم معصومون من وقت مولدهم، و هو قول الرّافضه.

و ثانیها قول من ذهب إلى أنّ وقت عصمتهم وقت بلوغهم و لم یجوزوا منهم ارتکاب الکفر و الکبیره قبل النّبوه، و هو قول کثیر من المعتزله.

و ثالثها قول من ذهب إلى أنّ ذلک وقت النّبوه، أمّا قبل النّبوه فجائز و هو قول أکثر اصحابنا و قول أبی الهذیل و أبی علی من المعتزله، انتهى ما اهمنا نقله من کلامه.

و قد ظهر منه أنّ الشیعه لا یجوّزون علیهم المعاصی مطلقا.

و أمّا ما ذکره من أنّ الامامیّه أجازت علیهم إظهار الکفر على سبیل التقیه فهو افتراء علیهم، و إنّما هو شی‏ء ذکره صاحب المواقف، و کیف یجوّزون إظهار الکفر للأنبیاء و الأئمه مع تأییدهم بالنّفوس القدسیّه و القوى الرّبانیه، و ما هذه النّسبه إلّا فریه بیّنه و بهتان عظیم.

و أمّا ما ذکره من أنّ الشّیعه لا یجوّزون علیهم المعاصی مطلقا فهو حقّ و لهم على ذلک أدله عقلیّه و نقلیّه ذکروها فی کتبهم الکلامیّه و التفاسیر القرآنیه.

منها أنّ متابعه النّبی واجب لقوله: فاتّبعونى، فلو کان عاصیا وجب الاقتداء علیه فی معصیته فیفضی إلى الجمع بین الحرمه و الوجوب و هو محال و إذا ثبت ذلک فی حقّ النّبیّ ثبت فی حقّ سایر الأنبیاء لعدم القول بالفصل.

و منها أنّه لو أقدم على المعصیه لوجب زجره عنها من باب النّهى عن المنکر مع أنّ زجرهم و ایذائهم محرّم لقوله: (إِنَّ الَّذِینَ یُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِی الدُّنْیا وَ الْآخِرَهِ).

و منها أنّه لا شی‏ء أقبح عند العقل من نبی رفع اللّه درجته و ائتمنه على وحیه و جعله خلیفه فی بلاده و عباده یسمع نداء ربه أن لا تفعل کذا فیقدم علیه ترجیحا للذته و غیر ملتفت إلى نهى ربّه و لا منزجر بوعیده هذا معلوم القبح بالضروره.

و منها أنّه لو لم یکونوا معصومین لانتفت فایده البعثه و اللّازم باطل فالملزوم مثله، بیان الملازمه أنّه إذا جازت المعصیه علیهم لم یحصل الوثوق بصحه قولهم لجواز الکذب حینئذ علیهم، و إذا لم یحصل الوثوق لم یحصل الانقیاد لأمرهم و نهیهم فینتفی فائده بعثتهم و هو محال هذا.

و قد ذکروا أدله کثیره وراء ما ذکرنا علیک بمطالبتها من مواقعها.

فان قلت: غایه ما یستفاد من تلک الأدله هو کونهم معصومین بعد البعثه على ما ذهب إلیه الأشاعره و طائفه من المعتزله. و لا دلاله فیها على وجوب العصمه قبلها أیضا کما هو مذهب الشّیعه.

قلنا: إذا تمّت دلالتها على ما بعد البعثه فنقول فیما قبل البعثه: إنّ من الواضح أنّ القلوب تشمئز و لا ینقاد إلى طاعه من عهد منه فی سالف عمره أنواع المعاصی و الکبائر و ما تنفر النّفس عنه، ألا ترى أن عالما لم یکن له مبالاه فی أفعاله و أقواله قبل تحصیله و فی أیّام صغره، لا یکون له وقع فی القلوب بعد ما کمل و بلغ من العلم و الکمال غایته.

إذا مهدت هذا فنقول: ما ورد فی الکتاب العزیز و الأخبار مما یوهم صدور الذّنب عنهم الذی جعله الخصم دلیلا على مذهبه لا بدّ من حمله على ترک الأولى جمعا بینها و بین أدله العصمه العقلیّه و النّقلیّه مع أنّ جمیع الأدله الموهمه لخلاف العصمه قد ذکر له وجوه و محامل فی مواضعه و علیک فی ذلک بمطالعه کتاب تنزیه الأنبیاء الذی رتّبه علم الهدى المرتضى رضی اللّه عنه و غیره من الکتب المعده لذلک، و لو لا خوف الاطاله لذکرنا نبذه منه إلّا أنّه لا بأس بذکر ما یوهم ذلک فی قصهآدم علیه السّلام الذی تمسّک به الخصم و هو سبعه أوجه.

الأوّل أنّه کان عاصیا لقوله: و عصى آدم ربّه، و العاصی صاحب الکبیره لأنّه قد توعد علیه بالعقاب، قال سبحانه: (وَ مَنْ یَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ).

الثّانی أنّه کان غاویا لقوله: فغوى، و الغیّ ضدّ الرّشد یدلّ علیه المقابله فی قوله: (قَدْ تَبَیَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَیِّ).

الثّالث أنّه تائب لقوله: (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَیْهِ).

و التّوبه إنّما هو عن الذّنب.

الرّابع ارتکابه المنهی عنه کما یشهد به توبیخه بقوله: (أَ لَمْ أَنْهَکُما عَنْ تِلْکُمَا الشَّجَرَهِ). و یدلّ علیه قوله: (وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَهَ).

و مرتکب المنهی عنه مذنب.

الخامس أنّه ظالم لقوله: (فَتَکُونا مِنَ الظَّالِمِینَ) و قوله حکایه عنهما (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا).

و الظلم ذنب بالضّروره.

السّادس اعترافه بأنّه لو لا مغفره اللّه إیّاه لکان خاسرا فی قوله: (وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَکُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِینَ).

و الخسران إنّما یکون عن الذّنب: السّابع أنّه أخرج من الجنّه بسبب إطاعته للشّیطان و قبوله لوسوسته و ازلاله و ذلک یقتضی کونه مذنبا هذا.

و الجواب عن الأوّل أنّ کون آدم عاصیا مسلّم، و أمّا أنّ کلّ عاص صاحب کبیره فممنوع، لأنّ المعصیه عباره عن مخالفه الأمر واجبا کان أو مندوبا، فانّهم یقولون أشرت علیه فی أمر ولده فی کذا فعصانی، بل یطلق على مخالفه الاوامر الارشادیّه أیضا کما یقولون: أمرته بشرب الدّواء فعصانی، و قال عمر و بن العاص لمعاویه:

أمرتک أمرا جازما فعصیتنی            و کان من التّوفیق قتل ابن هاشم‏

و قال ابن المنذر لیزید بن المهلب أمیر خراسان:

 أمرتک أمرا جازما فعصیتنی            فأصبحت مسلوب الاماره نادما

إذا عرفت ذلک فنقول: لا یمتنع اطلاق اسم العصیان على فعل آدم علیه السّلام، لا لکونه تارکا للواجب، بل لکونه تارکا للأولى من باب حسنات الأبرار سیئات المقرّبین و أمّا ما قیل فی الاستدلال من أنّ العاصی قد توعد علیه بالعقاب فی قوله: و من یعص اللّه الایه، فنقول: إنّ الآیه و إن کانت مفیده للعموم بدلاله لفظه من إلّا أنّها مخصوصه بالعاصی بترک الأوامر الواجبه، لا مطلق الأوامر ضروره أنّ المندوب لا عقاب على ترکه.

و یشهد بما ذکرنا من عدم کون الأمر فی المقام إلزامیّا أنّه على تقدیر کونه للالزام لزم استحقاق آدم للعقاب بنصّ الآیه الشریفه أعنی قوله: و من یعص اللّه الایه و کیف لأحد أن یجترى و یجسر على هذه الدّعوى و یجیز العقاب على الأنبیاء الذین هم أعلام الهدى و العروه الوثقى إن هذا إلّا بهتان عظیم و افتراء.

و عن الثّانی سلّمنا أنّ الغىّ عباره عن ضدّ الرّشد إلّا أنّ الرّشد هو أن یتوصل بشی‏ء إلى شی‏ء یوصل إلى المقصود، فمن توصّل بشی‏ء إلى شی‏ء فحصل له ضدّ مقصوده کان ذلک غیّا کما قال الشّاعر:

 فمن یلق خیرا یحمد النّاس أمره            و من یغو لم یعدم على الغیّ لائما

و على ذلک فمعنى قوله سبحانه: فغوى، فخاب ممّا کان یطمع فیه بأکل الشّجره من الخلود فی الجنّه و الملک الدّائم.

و عن الثّالث أنّا نمنع من أنّ التّوبه لا یکون إلّا عن ذنب لأنّه عباره عن‏ النّدم على ما مضى فیجوز على ترک المندوب و سیأتی تحقیق له فی الفصل الآتی.

و عن الرّابع المنع من کون مرتکب المنهیّ عنه مذنبا مطلقا و إنّما هو فی ارتکاب المناهی التحریمیّه، و أمّا مخالفه النّهی التّنزیهی فلا یکون ذنبا، و ذلک لأنّ آدم کان مندوبا إلى ترک التّناول من الشّجره و کان بالتّناول منها تارکا نفلا و فضلا و لم یکن فاعلا للقبیح، لأنّ القبیح ما یستحقّ فاعله للعقاب و قد علمت أنّ العقاب منفی عن الأنبیاء، و من أجاز العقاب علیهم فقد أساء علیهم الثّناء و أعظم الفریه على اللّه تعالى.

فان قیل: ألم یکن إخراج آدم و إهباطه إلى الأرض عقوبه له قلت: إنّ آدم لم یکن مخلوقا للجنّه و إنّما خلقه اللّه سبحانه لیکون خلیفه فی الأرض کما یشهد به إخباره سبحانه للملائکه قبل خلق آدم بقوله: (إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَهً).

و إنّما کان إسکانه فی الجنّه من باب التفضّل و الاکرام.

و عن الخامس بأنّ الظالم ربّما یقال على من بخس نفسه الثّواب، فنقول: لا شکّ انّه کان تارکا للأفضل مع القدره على تحصیل الأفضل فکان ذلک ظلما على نفسه فالظلم هو النّقص و بخس الثّواب بترک المندوب.

و عن السّادس بأنّ الخسران عباره عن عدم الرّبح، و من الواضح أنّه لو لم یقدم على أکل الشّجره حصل له الثواب الموعود من اللّه سبحانه من الأکل الرّغید و العیش السّعید، و بالاقدام علیه حصل له الخسران و فوّت المنفعه على نفسه و حاصله منع أنّ الخسران لا یکون إلّا عن ذنب.

و عن السّابع بما ذکرناه سابقا من أنّ آدم خلق لأن یکون خلیفه فی الأرض و لیس فی إهباطه إلى الأرض دلاله على کونه مذنبا، نعم یمکن أن یقال: إنّ ترکه للأولى کان سببا لتعجیل الهبوط، لاحتمال تغیّر المصلحه فی البقاء بحصول الأکل هذا.

و بقی الکلام فی أنّ أکل آدم من الشّجره هل کان على سبیل السّهو و النسیان أو على سبیل العمد و القصد.

المستفاد من بعض الأخبار هو الأوّل، و هو روایه علیّ بن ابراهیم عن أبی جعفر علیه السّلام التی سبقت عند شرح قوله علیه السّلام و العزیمه بوهنه.

و ربّما اورد علیه بأنّه لو کان ناسیا لما عوتب على ذلک الفعل، لعدم القدره على التّرک مع النّسیان و تکلیف الغافل قبیح عقلا.

و فیه أنّ العتاب یحتمل أن یکون على ترک التحفّظ لأنّ استقلال العقل بقبح المؤاخذه على النسیان مطلقا ممنوع لأنّ النّسیان الصّادر عن ترک التحفّظ لا یقبح المؤاخذه علیه، و لذلک صحّ دعاء النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و استیهابه لها من ربّه لیله المعراج بقوله: (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِینا) الآیه.

و هذه المؤاخذه هی التی منّ برفعها على امّه النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و خصّت به من بین الامم کما یدلّ علیه حدیث رفع التّسعه الذی رواه الصّدوق فی الخصال و التّوحید عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله.

و هو أنّه صلّى اللّه علیه و آله قال: رفع عن امّتی تسعه أشیاء: الخطاء، و النّسیان، و ما استکرهوا علیه، و ما لا یعلمون، و ما لا یطیقون، و ما اضطرّوا إلیه، و الحسد، و الطیره، و التفکّر فی الوسوسه فی الخلق ما لم ینطق الانسان بشفه، و بالجمله المؤاخذه على النّیسان مع التحفّظ قبیحه عقلا و اجماعا، و أما مع عدمه فلیس فیها قبح، و لذلک استوهبها النبیّ صلّى اللّه علیه و آله لیله المعراج و منّ اللّه على امّته برفعها منها من باب التفضّل و الانعام.

و أما الثّانی أعنی إقدامه على الأکل مع العمد فقد ذهب إلیه جمع من المفسّرین من العامه و الخاصّه، ثمّ اختلفوا فیه على أقوال أحدها أنّ ذلک النّهی کان نهى تنزیه لا نهى تحریم، و قد علمت أنّه مذهب الامامیّه.

الثانی أنّه کان عمدا من آدم و کان ذلک کبیره و کان آدم نبیّا فی ذلک الوقت و هو مذهب الفضلیه من الخوارج خذلهم اللّه.

الثالث ما عزاه الفخر الرازی إلى أکثر المعتزله، و هو أنّه أقدم على الأکل بسبب اجتهاد أخطأ فیه، و ذلک لا یقتضی کون الذّنب کبیره، بیان الاجتهاد و الخطاء أنّه لمّا قیل له و لا تقربا هذه الشّجره فلفظه هذه قد یراد بها الشّخص، و قد یشار بها إلى النّوع، فلمّا سمع آدم قوله: و لا تقربا هذه الشّجره، ظنّ آدم أنّ المراد بها الشّجره المشخّصه المعینه. فترک الأکل منها و تناول من شجره اخرى من نوعها إلّا انّه کان مخطئا فی ذلک الاجتهاد، لأنّ مراده سبحانه من کلمه هذه کان النّوع لا الشّخص، و الخطاء فی الفروع إذا کان خطاء لا یوجب استحقاق العقاب، لاحتمال کونه صغیره مغفوره کما فی شرعنا أقول: و مثل هذه المقاله قد ورد فی بعض أخبارنا، و هو ما رواه الصّدوق فی العیون کالطبرسی فی الاحتجاج عن علیّ بن محمّد بن الجهم، قال حضرت مجلس المأمون و عنده الرضا علیه السّلام، فقال له المأمون: یابن رسول اللّه ألیس من قولک إنّ الأنبیاء معصومون قال: بلى، فقال: ما معنى قول اللّه عزّ و جلّ: (وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏).

فقال علیه السّلام: إنّ اللّه تبارک و تعالى قال لآدم (وَ قُلْنا یا آدَمُ اسْکُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُکَ الْجَنَّهَ وَ کُلا مِنْها رَغَداً حَیْثُ شِئْتُما وَ).

و أشار لهما إلى شجره الحنطه (فَتَکُونا مِنَ الظَّالِمِینَ).

و لم یقل لهما لا تأکلا من هذه الشّجره و لا ممّا کان من جنسها فلم یقربا تلک الشجره و إنّما أکلا من غیرها لما أن وسوس الشّیطان إلیهما و قال: إنّما نهیکماربّکما عن هذه الشّجره و ما نهیکما أن تقربا غیرها و لم ینهکما عن الأکل منها: (إِلَّا أَنْ تَکُونا مَلَکَیْنِ أَوْ تَکُونا مِنَ الْخالِدِینَ، وَ قاسَمَهُما إِنِّی لَکُما لَمِنَ النَّاصِحِینَ).

و لم یکن آدم و حوّاء شاهدا قبل ذلک من یحلف باللّه کاذبا (فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ… فَأَکَلا مِنْها).

ثقه بیمینه باللّه و کان ذلک من آدم قبل النّبوه و لم یکن ذلک بذنب کبیر استحق دخول النّار به و إنّما کان من الصغائر الموهوبه التی تجوز على الأنبیاء قبل نزول الوحى إلیهم فلمّا اجتبیه اللّه و جعله نبیّا کان معصوما لا یذنب صغیره و لا کبیره قال اللّه: (وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَیْهِ وَ هَدى‏) و قال: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِیمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِینَ) الحدیث أقول: و هذا الحدیث کما ترى مطابق لمذهب المعتزله کما حکیناه عنهم، و مخالف لاصول الامامیّه لتصریح ذیله بجواز صدور الصغیره على الأنبیاء قبل نزول الوحى فلا بدّ إمّا من طرحه لضعف سنده من حیث الارسال کما فی الاحتجاج، أو انتهاء سلسله السند إلى تمیم بن عبد اللّه بن تمیم القرشی کما فی العیون، فانّ السّند فیه حدثنا تمیم بن عبد اللّه بن تمیم القرشی، قال حدثنی أبی عن حمدان بن سلیمان النیسابوری عن علیّ بن محمّد بن الجهم، و قد ضعّفه العلامه فی الخلاصه حیث قال: تمیم بن عبد اللّه بن تمیم القرشی الذی روى عنه أبو جعفر محمّد بن بابویه ضعیف أو حمله على التقیّه و إن بعدت، أو تأویله بما یطابق اصول المذهب، و قد أوّله الطبرسی على ما رأیته فی حاشیه بعض نسخ الاحتجاج بقوله: و لعلّ الرضا علیه السّلام أراد بالصّغایر الموهوبه ترک المندوبه و ارتکاب المکروه من الفعل دون الفعل القبیح‏ و فیه أنّ ما ذکره و إن کان مقتضى أصول المذهب إلّا أنّ تأویل الرّوایه به غیر ممکن، لأنّ الصغائر بالمعنى الذی ذکره لا اختصاص لها بما قبل نزول الوحى حسبما ورد فی الرّوایه، و لا یجب العصمه عنها بعد النبوه أیضا کما یفهمه قوله علیه السّلام: فلمّا اجتبیه اللّه و جعله نبیّا کان معصوما لا یذنب صغیره و مثل هذا الاشکال یلوح على روایه اخرى نظیر تلک الرّوایه، و هی ما رواه فی العیون أیضا باسناده عن أبی الصّلت الهروى قال لمّا جمع المأمون لعلیّ بن موسى الرّضا علیهما السلام أهل المقالات من أهل الاسلام و الدّیانات من الیهود و النّصارى و المجوس و الصّابئین و سایر أهل المقالات، فلم یقم أحد إلا و قد ألزمه حجّته کأنّه ألقمه حجرا، قام إلیه علیّ بن محمّد بن الجهم، فقال له یابن رسول اللّه: أتقول: بعصمه الأنبیاء علیهم السلام قال علیه السّلام: نعم، قال: فما تقول بقول اللّه: (وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏).

إلى أن قال: فقال الرّضا علیه السّلام: ویحک یا علیّ اتّق اللّه و لا تنسب إلى أنبیاء اللّه الفواحش و لا تتأوّل کتاب اللّه برأیک فانّ اللّه عزّ و جل قد قال: (وَ ما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ).

و أمّا قوله عزّ و جلّ فی آدم: و عصى آدم ربه فغوى فانّ اللّه عزّ و جلّ خلق آدم حجّه فی أرضه و خلیفه فی بلاده، لم یخلقه للجنّه و کانت المعصیه من آدم فی الجنّه لا فی الأرض و عصمته یحب أن یکون فی الأرض لیتمّ مقادیر أمر اللّه، فلمّا اهبط إلى الأرض و جعل حجّه و خلیفه عصم بقوله عزّ و جلّ: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِیمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِینَ).

الحدیث، و عسى أن یکون للرّوایتین تأویل عند غیرى و فوق کلّ ذى علم علیم هذا و یلوح على الرّوایه الاولى إشکال آخر و هو أنّه علیه السّلام قد ذکر أنّ المشار إلیها بقوله و لا تقربا هذه الشّجره شجره الحنطه، و لم یقل لهما: لا تأکلا من هذه‏ الشّجره، و لا ممّا کان من جنسها فلم یقربا هذه و إنّما أکلا من غیرها بتدلیس ابلیس.

و حاصل الاشکال أن یقال: المشار إلیها بهذه إمّا أن تکون شخص الشجره، و إمّا أن تکون نوعها، فعلى الأوّل لا یکون أکله من غیرها ممّا هی من نوعها ترکا للأولى على مذهبنا و ذنبا على مذهب غیرنا، فأىّ توبیخ کان من اللّه سبحانه علیه فی فعله ذلک، و على الثّانی کیف یمکن تدلیس الشّیطان لهما بقوله: انّما نهیکما ربّکما عن هذه الشّجره و ما نهیکما أن تقربا غیرها حسبما ورد فی الرّوایه مضافا إلى أنّ اللّازم على اللّه سبحانه نصب القرینه على إراده النّوع، بأن یقول: و لا تقربا هذه الشّجره و لا غیرها ممّا کان من نوعها، لقبح الاغراء بالجهل و تأخیر البیان عن وقت الحاجه.

و یمکن رفع الاشکال بأن یقال: إنّ المنهیّ عنه إنّما کان نوع الشّجره، و کلمه هذه قد یشار بها إلى الشخص، و قد یشار بها إلى النّوع، فقوله: و لا تقربا هذه الشّجره، مع عدم نصب القرینه من قبیل الخطاب بالمجمل لا أنّ الخطاب مجمل بل متعلّق الخطاب أعنی المکلّف به مردّد بین الکلّی و الفرد، و نفس الخطاب أعنی التّکلیف بالاجتناب معلوم، فاللّازم على آدم علیه السّلام حینئذ هو الاحتیاط بالاجتناب عن جمیع الأفراد، و قد دلسه الشّیطان و أوقعه فی خلاف الاحتیاط المقتضی للاجتناب، و قال له إنّ اللّه حیث لم ینصب قرینه على اراده النّوع فقد أباح النّوع إلّا الفرد الخاصّ فأکل من غیر ذلک الفرد و استحقّ التّوبیخ، و هذا لیس من قبیل الاغراء بالجهل، و لا من قبیل تاخیر البیان عن وقت الحاجه، إذ نفس التکلیف قد کان معلوما بالعلم التّفصیلی لا جهاله فیه أصلا، و لا حاجه له إلى البیان غایه الأمر کون المکلف به مجملا مردّدا بین أمرین و العقل حاکم فیه بوجوب الاحتیاط بترک المحتملات، هذا ما نقده الخاطر القاصر فی المقام، و العلم بحقایق الأمور و الأحکام للّه و لاولیائه الکرام علیهم السّلام.

 

الترجمه

پس از آن ساکن گردانید حق سبحانه و تعالى جناب آدم على نبینا و آله و علیه السلام را در سرائى که وسیع نمود در آن عیش او را، و ایمن ساخت در آن محل او را از مکاره و آفات، و بترسانید او را از ابلیس لعین و دشمنى او، پس فریفته ساخت او را دشمن او بجهت بخل و حسد او بسکون او در سراى اقامت که بهشتست و به رفیق شدن او با نیکوکاران که ملائکه مقربین‏اند، پس بفروخت یقین بعداوت ابلیس را بشک در عداوت بجهت قسم خوردن او بخداوند که من از ناصحین هستم، و بفروخت عزیمت و اهتمامى که داشت در نخوردن از شجره بوهن و سستى خود که عارض شد او را بجهه تدلیس ابلیس، و استبدال کرد و بدل نمود فرح و سرور را بخشیت و ترس، و عزت و بزرگى را بندامت و پریشانى.

الفصل الثالث عشر

ثمّ بسط اللّه له فی توبته، و لقّیه کلمه رحمته، و وعده المردّ إلى جنّته.

اللّغه

(التّوبه) الانابه و أصلها الرّجوع عمّا سلف و النّدم على ما فرط و (لقیه) ألقاه من باب تعب لقیا استقبله و کلّ شی‏ء استقبل شیئا أو صادفه فقد لقیه قال الطبرسی (ره) فی تفسیر: فتلقى آدم من ربه کلمات: التّلقی نظیر التلقن یقال: تلقیت منه أى أخذت و قبلت، و أصله من لقیت خیرا فیعدى إلى مفعول واحد ثم یعدی إلى مفعولین بتضعیف العین، نحو لقّیت زیدا خیرا کقوله تعالى: «وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَهً وَ سُرُوراً» أقول: و مثله قول الامام علیه السّلام: و لقّیه کلمه رحمته، و حکى الفخر الرازى عن القفال قال: أصل التّلقی التعرض للقادم«» یوضع فی موضع الاستقبال للشّی‏ءالجائی، ثم یوضع موضع القبول و الأخذ قال اللّه: (وَ إِنَّکَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَکِیمٍ عَلِیمٍ).

أى تلقّنه، و یقال: تلقینا الحاج أى استقبلناه، و یقال: تلقیت هذه الکلمه من فلان أى أخذتها منه، و إذا کان هذا أصل الکلمه و کان من تلقى رجلا فتلاقیا لقى کلّ واحد صاحبه فاضیف الاجتماع إلیهما معا، صلح أن یشترکا فی الوصف بذلک، فیقال: کلّ ما تلقیته فقد تلقاک، فجاز أن یقال: تلقى آدم کلمات أى أخذها و وعاها و استقبلها بالقبول، و جاز أن یقال تلقى کلمات بالرّفع على معنى جائته عن اللّه کلمات و (المردّ) کالردّ مصدر من ردّه إذا صرفه.

الاعراب

مفعول بسط محذوف، و التّقدیر بسط اللّه له بساط رحمته و کرامته فی توبته، بأن جعلها مقترنه بالقبول، و على ما فی بعض النّسخ من انتفاء کلمه له یجوز جعل بسط بمعنى سرّ یقال: بسط فلانا، أى سره فالمفعول حینئذ الضّمیر المحذوف الرّاجع إلى آدم علیه السّلام.

المعنى

(ثم) إنّ آدم علیه السّلام لمّا اغترّه عدوّه و أکل من الشّجره و ارتکب خلاف الأولى و استبدل الاعتزاز بالندم (بسط اللّه له) بساط رحمته و کرامته (فی توبته) بأن ألهمها إلیه و تقبلها بقبول حسن (و لقّیه) أى لقنه (کلمه رحمته) التی اشیر إلیها فی قوله سبحانه: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ کَلِماتٍ فَتابَ عَلَیْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِیمُ).

(و وعده المردّ) و الرّجوع (الى جنّته) کما قال سبحانه فی سوره البقره: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِیعاً فَإِمَّا یَأْتِیَنَّکُمْ مِنِّی هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدایَ فَلا خَوْفٌ عَلَیْهِمْ) و فی سوره طه (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِیعاً بَعْضُکُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا).

 

تنبیهات

الاول أنّ ظاهر کلام الامام علیه السّلام کون توبه آدم قبل الاهباط من الجنّه

حیث عطف الاهباط على بسط التّوبه، و هو مقتضى التّرتیب الذکری فی الآیه من سوره طه، قال سبحانه: (وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَیْهِ وَ هَدى‏ قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِیعاً). حیث جعل الأمر بالهبوط بعد التوبه قال الشّارح المعتزلی و ذلک أحد قولی المفسرین اه، و لکن الأشهر أنّ التّوبه کانت بعد الهبوط کما ورد فی سوره البقره قال سبحانه: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّیْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا کانا فِیهِ وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُکُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَکُمْ فِی الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِینٍ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ کَلِماتٍ فَتابَ عَلَیْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِیمُ).

و الأقوى عندی کون التّوبه بعد الاهباط على ما ورد فی سوره البقره، فیکون کلام الامام علیه السّلام من قبیل التقدیم و التّأخیر، و التقدیر فاستبدل بالجذل و جلا و بالاعتزاز ندما فأهبطه اللّه إلى دار البلیّه و تناسل الذّریّه، ثمّ بسط فی توبته و لقّیه کلمه رحمته.

فان قلت: مقتضى النّظم حسبما ذکرت فی إحدى الآیتین مخالف للاخرى ظاهرا فما الدّلیل على ترجیح ما یستفاد من آیه البقره ثم على تقدیر وجود الدّلیل ما السّر فی تقدیم التّوبه على الاهباط فی آیه طه قلت: أمّا السّر فیما ذکر فلعلّه هو أنّه سبحانه لما نسب إلى آدم العصیان و الغیّ الظاهرین فی صدور الذّنب الموهمین للافتضاح و سقوطه عن رتبه النّبوه و الاصطفاء کما سبق إلى ذوی الافهام القاصره و العقول النّاقصه من العامه العمیاء (ج ۷)فانّهم و إن لم یقرّوا بذلک إلّا أنّه لازم کلامهم نظرا إلى أنّ المذنب لا یکون نبیّا کما عرفت فی الفصل السّابق، اقتضى«» الحال و المقام أن یعقّبه بما یوجب دفع ذلک التّوهم و ینبه على أنّ صدور ذلک لم یوجب انحطاط رتبته بحیث یسلبه التّوفیق و الألطاف الخفیّه بالکلّیه، و یکون موجبا للخذلان و الحرمان فعقّبه من دون فصل بما أفاد کونه مجتبى و مرتضى، و أن صدور ذلک الفعل لم یسقطه عن الاستعداد و القابلیّه للعنایه الرّبانیه، کما قدم الاجتباء على التّوبه لذلک السر أیضا و هو زیاده إشعاره بدفع ذلک التّوهم فاقتضى الحال تقدیمه و أمّا سوره البقره فقد جرت الحکایه فیها على ما هو الأصل فیها من المطابقه للمحکى، و هذا السّر ممّا لم یسبق إلیه أحد غیرى من العلماء و المفسرین و اللّه العالم.

و أمّا الدّلیل على تقدّم الاهباط على التّوبه فهو الأخبار الکثیره منها ما رواه علیّ بن إبراهیم القمّی فی تفسیره عن الصّادق علیه السّلام قال: فاهبط آدم على الصفا، و إنّما سمیت الصفا لأنّ صفوه اللّه نزل علیها و نزلت الحوّاء على المروه «و انما سمیت المروه ظ» لأنّ المرأه نزلت علیها، فبقی آدم أربعین صباحا ساجدا یبکی على الجنّه فنزل علیه جبرئیل فقال یا آدم: ألم یخلقک اللّه بیده و نفخ فیک من روحه و أسجد لک ملائکته قال: بلى، قال: و أمرک أن لا تأکل من الشّجره فلم عصیته قال: یا جبرئیل إنّ إبلیس حلف لی باللّه انه لی ناصح و ما ظننت أن أحدا من خلقه یحلف باللّه عزّ و جل کاذبا، فقال له جبرئیل: یا آدم تب إلى اللّه.

و منها ما رواه أیضا باسناده عنه علیه السّلام، قال: إنّ آدم بقی على الصّفا أربعین صباحا ساجدا یبکی على الجنّه، و على خروجه من جوار اللّه عزّ و جلّ، فنزل جبرئیل فقال: یا آدم مالک تبکی فقال: یا جبرئیل ما لی لا أبکی و قد أخرجنی اللّه من جواره و أهبطنی إلى الدّنیا، فقال: یا آدم تب إلیه الحدیث و یأتی بتمامه إنشاء اللّه فی أواخر الخطبه«» عند شرح اعلام الحجّ و منها ما رواه فی البحار عن معانی الأخبار عن العجلی عن ابن زکریّا القطان عن ابن حبیب عن ابن بهلول عن محمّد بن سنان عن المفضّل قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام‏ إنّ اللّه تبارک و تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفی عام، فجعل أعلاها و أشرفها أرواح محمّد و علیّ و فاطمه و الحسن و الحسین و الأئمه من بعدهم صلوات اللّه علیهم فعرضها على السّماوات و الأرض و الجبال، فغشیها نورهم فقال اللّه تبارک و تعالى للسماوات و الأرض و الجبال: هؤلاء أحبّائی و أولیائی و حججی على خلقی و أئمه بریّتی، ما خلقت خلقا هو أحبّ إلىّ منهم و لهم و لمن تولّاهم خلقت جنّتی، و لمن خالفهم و عاداهم خلقت ناری، فمن ادّعى منزلتهم منّی و محلّهم من عظمتی عذّبته عذابا لا اعذبه احدا من العالمین، و جعلته مع المشرکین فی أسفل درک من ناری و من أقرّ بولایتهم و لم یدّع منزلتهم منّی و مکانهم من عظمتی جعلته معهم (معى خ‏ل) فی روضات جنانی و کان لهم فیها ما یشاءون عندی، و أبحتهم کرامتی و أحللتهم جواری و شفعتهم فی المذنبین من عبادی و إمائی، فولایتهم أمانه عند خلقی فأیّکم یحملها بأثقالها و یدّعیها لنفسه دون خیرتی فأبت السّماوات و الأرض و الجبال أن یحملنها و أشفقن من ادّعاء منزلتها و تمنّى محلّها من عظمه ربّها، فلمّا أسکن اللّه آدم و زوجته الجنّه قال لهما: (کُلا مِنْها رَغَداً حَیْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَهَ).

یعنی شجره الحنطه (فَتَکُونا مِنَ الظَّالِمِینَ).

فنظرا إلى منزله محمّد و علیّ و فاطمه و الحسن و الحسین و الأئمه من بعدهم علیهم السّلام فوجداها أشرف منازل أهل الجنّه فقالا: یا ربّنا لمن هذه المنزله فقال اللّه جلّ جلاله: ارفعا رؤوسکما إلى ساق عرشی فرفعا رؤوسهما فوجدا اسم محمّد و علیّ و فاطمه و الحسن و الحسین و الأئمه بعدهم صلوات اللّه علیهم مکتوبا على ساق العرش بنور من نور الجبّار جل جلاله، فقالا: یا ربّنا ما أکرم أهل هذه المنزله علیک، و ما أحبّهم إلیک و ما أشرفهم لدیک فقال اللّه جلّ جلاله: لولاهم ما خلقتکما فهؤلاء خزنه علمی و امنائی على سرّی إیّاکما أن تنظرا إلیهم بعین الحسد و تتمنیا منزلتهم‏عندی و محلّهم من کرامتی فتدخلا بذلک فی نهیی و عصیانی فتکونا من الظالمین، قالا ربّنا و من الظالمون قال: المدّعون لمنزلتهم بغیر حقّ، قالا ربّنا فأرنا منازل ظالمیهم حتّى نراها کما رأینا منزلتهم فى جنّتک، فأمر اللّه تبارک و تعالى النّار فأبرزت جمیع ما فیها من ألوان النّکال و العذاب، و قال اللّه عزّ و جلّ مکان الظالمین لهم المدّعین لمنزلتهم فى أسفل درک منها: (کُلَّما أَرادُوا أَنْ یَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِیدُوا فِیها) و کلما نضجت جلودهم بدلوا سواها لیذوقوا العذاب یا آدم و یا حوّاء لا تنظرا إلى أنواری (ابرارى خ‏ل) و حججى بعین الحسد فاهبطکما عن جواری و احل بکما هوانى ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّیْطانُ لِیُبْدِیَ لَهُما ما وُورِیَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَ قالَ ما نَهاکُما رَبُّکُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَهِ إِلَّا أَنْ تَکُونا مَلَکَیْنِ أَوْ تَکُونا مِنَ الْخالِدِینَ وَ قاسَمَهُما إِنِّی لَکُما لَمِنَ النَّاصِحِینَ فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ).

و حملهما على تمنّى منزلتهم فنظرا إلیهم بعین الحسد فخذلا حتّى أکلا من شجره الحنطه فعاد مکان ما اکلا شعیرا فاحمل الحنطه ممّا لم یاکلاه و أصل الشعیر کلّه ممّا عاد مکان ما أکلاه فلمّا أکلا من الشّجره طار الحلّی و الحلل عن اجسادهما و بقیا عریانین (وَ طَفِقا یَخْصِفانِ عَلَیْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّهِ وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَکُما عَنْ تِلْکُمَا الشَّجَرَهِ وَ أَقُلْ لَکُما إِنَّ الشَّیْطانَ لَکُما عَدُوٌّ مُبِینٌ قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَکُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِینَ).

قال اهبطا من جواری فلا یجاورنی فی جنتی من یعصینی فهبطا موکولین إلى أنفسهما فی طلب المعاش، فلمّا أراد اللّه عزّ و جلّ أن یتوب علیهما جاءهما جبرئیل فقال لهما:

 

إنّکما ظلمتما أنفسکما بتمنّی منزله من فضّل علیکما، فجزاؤکما ما قد عوقبتما به من الهبوط من جوار اللّه عزّ و جلّ إلى أرضه فاسألا ربّکما بحقّ الاسماء التی رأیتموها على ساق العرش حتّى یتوب علیکما، فقالا: اللهمّ إنّا نسألک بحقّ الأکرمین علیک: محمّد و علیّ و فاطمه و الحسن و الحسین و الأئمه إلا تبت علینا و رحمتنا، فتاب اللّه علیهما إنّه هو التّواب الرّحیم، فلم تزل أنبیاء اللّه بعد ذلک یحفظون هذه الأمانه و یخبرون بها أوصیائهم و المخلصین من أممهم، فیأبون حملها و یشفقون من ادّعائها و حملها الانسان الذی قد عرف فأصل کلّ ظلم منه إلى یوم القیامه و ذلک قول اللّه عزّ و جلّ: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَهَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَیْنَ أَنْ یَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ کانَ ظَلُوماً جَهُولًا).

قال المجلسی (ره) الانسان الذی عرف هو ابو بکر هذا و الأخبار فی هذا الباب کثیره، و الاستقصاء فیها موجب للاطاله و فیما ذکرناه کفایه إنشاء اللّه.

و بقی الکلام فی مده بکاء آدم على الجنّه و المستفاد من روایتی علیّ بن إبراهیم السالفتین أنّه بکى أربعین صباحا و فی روایه الصّدوق فی العیون عن الرّضا عن آبائه علیهم السّلام فی أسأله الشّامی عن أمیر المؤمنین علیه السّلام بالکوفه، قال: و سأله«» عن بکاء آدم على الجنّه و کم کانت دموعه التی خرجت من عینیه فقال علیه السّلام: بکى مأئه سنه و خرج من عینه الیمنى مثل الدّجله و العین الاخرى مثل الفرات و فی الأنوار للمحدّث الجزائری أخذا عن الأخبار، ثمّ إنّ آدم و حوّاء أنزلا من السّماوات على جبل فی شرقی الهند، یقال له: باسم و فی روایه اخرى یقال له: سر اندیب، و هو فی الاقلیم الأوّل ممّا یلی معدّل النّهار، و قد کانت حوّاء ضفرت رأسها فی الجنّه، فقالت: ما أصنع بهذه الضفیره و أنا مغضوب علىّ، ثمّ إنّها حلّت ضفرتها و فی خبر آخر أنّها حلّت عقیصه واحده فأطارت الرّیح‏ذلک الطیب فی بلاد الهند، فمن ثمّ کان أکثر الطیب منه.

ثمّ أتى جبرئیل فأخذ آدم إلى مکّه لیعلمه المناسک، فطوى له الأرض قصار موضع قدمیه عمران، و ما بینهما خراب فأهبط آدم على الصّفا و به سمی لهبوط صفیّ اللّه علیه و حوّاء على المروه و به سمّیت لنزول المرأه و هی حوّاء علیها، فبکى آدم على ما وقع منه و على فراق الجنّه ثلاثمائه سنه من أیّام الدّنیا و فی«» أیّام الآخره یوم کألف سنه ما بین العصر إلى العشاء، و بکى حتّى صار على خدّیه کالنّهرین، فخرج من عینه الیمنى دموع مثل دجله، و من عینه الیسرى مثل الفرات، ثمّ إنّ آدم رأى حوّاء یوم الثّامن من شهر ذی الحجّه فلم یعرفها ذلک الیوم لشعث أحوالهما و طول أحزانهما، فتروّى و تفکّر ذلک، ثمّ إنّه عرفها یوم التّاسع، فمن ثمّ سمّی یوم الثّامن یوم التّرویه و التّاسع یوم عرفه، و لمّا لم تقبل توبته فی تلک السّنین و الأعوام أتى إلیه جبرائیل، فقال: یا آدم ادع اللّه بالأسماء التی رأیتها مکتوبه على ساق العرش بسطور النّور و قل: اللّهم بحقّ محمّد و علیّ و فاطمه و الحسن و الحسین و الأئمه الطاهرین أن تقبل توبتی و لعلّ المحدّث المذکور قد أخذ تقدیر مدّه البکاء بما ذکره ممّا رواه الصّدوق فی الفقیه فى باب علّه وجوب الصّلاه الخمس عن النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله قال: و أما صلاه العصر فهى السّاعه التی أکل آدم فیها من الشّجره فأخرجه اللّه من الجنّه فأمر اللّه ذریته بهذه الصّلاه إلى یوم القیامه.

و اختارها لامتی فهی من أحب الصّلاه الى اللّه عزّ و جلّ، و أوصانی أن أحفظها من بین الصّلوات، و أمّا صلاه المغرب فهی السّاعه التی تاب اللّه فیها على آدم، و کان ما بین ما أکل من الشجره و بین ما تاب اللّه علیه ثلاثمأه سنه من أیّام الدّنیا، و فی أیام الاخره یوم کألف سنه ما بین العصر إلى العشاء، فصلّى آدم ثلاث رکعات رکعه لخطیئته و رکعه لخطیئه حواء و رکعه لتوبته الحدیث، و یأتی بتمامه انشاء اللّه فی شرح الخطبه المأه و التاسعه هذا.

و لا بأس باختلاف هذه الأخبار فی مدّه أیام البکاء زیاده (الزائد خ) و نقصانا،(الناقص خ) لامکان حمل الأقلّ على الشّدید و الأکثر على الخفیف و المراد بالشدید هو ما یشتمل على النوح، و یقال له: البکاء بالمدّ و الثّانی بالقصر،

الثانی اختلف الأقوال کالأخبار فی الکلمات التی تلقاها آدم من ربّه

التی أشار إلیها الامام علیه السّلام بقوله: و لقاه کلمه رحمته.

فقیل إنّ المراد بها هی قوله: ربّنا ظلمنا أنفسنا الایه.

و قیل هی سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أکبر.

و عن ابن عبّاس إنّ اللّه علّم آدم و حواء أمر الحج و الکلمات التی یقال فیه، فحجا، فلما فرغا أوحى اللّه تعالى إلیهما أنّی قد قبلت توبتکما.

و فی الکافی عن أحدهما علیه السّلام أنّ الکلمات: لا إله إلّا أنت سبحانک اللّهمّ و بحمدک عملت سوء و ظلمت نفسی فاغفر لی و أنت خیر الغافرین، لا إله إلّا أنت سبحانک اللّهمّ و بحمدک عملت سوء و ظلمت نفسی فاغفر لی و ارحمنی إنّک أنت أرحم الرّاحمین، لا إله إلّا أنت سبحانک اللّهمّ و بحمدک عملت سوء و ظلمت نفسی فاغفر لی و تب علىّ إنّک أنت التّوّاب الرّحیم.

و فی أکثر أخبارنا أنّ المراد بها الأسماء المبارکه لمحمد و آل محمّد سلام اللّه علیهم التی توسّل آدم بها إلى اللّه سبحانه فی قبول توبته، و لا منافاه بینها لامکان تلقى الجمیع و إن کان الأقوى الأخیر لقوّه أدلّته عددا و سندا.

فمن تلک الأدله روایه معانی الأخبار السّالفه فى التذییل الأوّل.

و منها ما عن تفسیر الامام علیه السّلام لما زلت من آدم الخطیئه و اعتذر إلى ربّه عزّ و جلّ قال یا ربّ: تب علىّ و اقبل معذرتی فلقد تبین نقص الخطیئهو ذلّها بأعضائى و سایر بدنى، قال اللّه تعالى یا آدم: أما تذکر أمرى إیاک بأن تدعونی بمحمد و آله الطیبین علیهم السلام عند شدائدک و دواهیک و فی النّوازل تبهظک«»، قال آدم یا ربّ بلى، قال اللّه عزّ و جلّ: فهم محمّد و علیّ و فاطمه و الحسن و الحسین علیهم السّلام خصوصا فادعنى أجبک إلى ملتمسک و ازدک فوق مرادک، قال آدم: یا ربّ الهى و قد بلغ عندک من محلّهم أنک بالتّوسل بهم تقبل توبتی و تغفر خطیئتی و أنا الذی أسجدت له ملائکتک و أبحته جنّتک و زوّجته حوّاء أمتک و أخدمته کرام ملائکتک، قال اللّه تعالى: یا آدم إنّما امرت الملائکه بتعظیمک بالسّجود لک إذ کنت وعاء لهذه الأنوار و لو کنت سألتنی بهم قبل خطیئتک أن أعصمک و أن افطنک لدواعی عدوّک إبلیس حتّى تحترز منها لکنت قد جعلت ذلک، و لکن المعلوم فی سابق علمی یجری موافقا لعلمی فالان فبهم فادعنی لاجیبک، فعند ذلک قال آدم: اللّهم بجاه محمّد و علیّ و فاطمه و الحسن و الحسین و الطیبین من آلهم لمّا تفضّلت بقبول توبتی و غفران زلتی و إعادتی من کراماتک إلى مرتبتی، قال اللّه عزّ و جلّ: قد قبلت توبتک و أقبلت برضوانی علیک و صرفت آلائی و نعمائی إلیک و أعدتک إلى مرتبتک من کراماتی و وفرت نصیبک من رحماتی، فذلک قوله عزّ و جلّ «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ کَلِماتٍ فَتابَ عَلَیْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِیمُ» و منها ما فی البحار عن معانی الأخبار باسناده عن المفضّل عن الصّادق جعفر بن محمّد علیهما السّلام، قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جل: «وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِیمَ رَبُّهُ بِکَلِماتٍ».

ما هذه الکلمات قال علیه السّلام: هی الکلمات التی تلقّیها آدم من ربه فتاب علیه و هو أنّه قال: یا ربّ أسألک بحقّ محمّد و علیّ و فاطمه و الحسن و الحسین إلا تبت علىّ، فتاب اللّه علیه إنّه هو التّواب الرّحیم، فقلت: یابن رسول اللّه فما یعنی عزّ و جلّ بقوله أتمهنّ، قال: یعنی أتمّهنّ إلى القائم إثنا عشر إماما، تسعه من ولد الحسین علیه السّلام قال المفضّل: فقلت له: یا بن رسول اللّه، فأخبرنی عن قول اللّه عزّ و جلّ:(وَ جَعَلَها کَلِمَهً باقِیَهً فِی عَقِبِهِ).

قال: یعنی بذلک الامامه جعلها اللّه فی عقب الحسین علیه السّلام إلى یوم القیامه قال: فقلت له: یابن رسول اللّه فکیف صارت الامامه فی ولد الحسین دون الحسن و هما جمیعا ولدا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سبطاه و سیّدا شباب أهل الجنّه فقال: إنّ موسى و هارون کانا نبیّین و مرسلین أخوین، فجعل اللّه النّبوه فی صلب هارون دون صلب موسى و لم یکن لأحد أن یقول: لم فعل اللّه ذلک، فانّ الامامه خلافه اللّه عزّ و جلّ لیس لأحد أن یقول: لم جعلها اللّه فی صلب الحسین دون صلب الحسن علیهما السّلام، لأنّ اللّه هو الحکیم فی أفعاله لا یسأل عمّا یفعل و هم یسألون و منها ما فیه أیضا عن جامع الأخبار و أمالی الصّدوق بالاسناد عن معمر بن راشد، قال: سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول: أتى یهودی النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله، فقام بین یدیه یحدّ النظر إلیه، فقال صلّى اللّه علیه و آله: یا یهودی حاجتک قال: أنت أفضل أم موسى بن عمران النّبیّ کلّمه اللّه و أنزل علیه التّوراه و العصا و فلق له البحر و أظلّه بالغمام فقال له النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله: إنّه یکره للعبد أن یزکی نفسه و لکنّی أقول: إنّ آدم لمّا أصاب الخطیئه کان توبته أن قال: اللهمّ إنّی أسألک بحقّ محمّد و آل محمّد لمّا«» غفرت لی فغفرها اللّه له، و إنّ نوحا لمّا رکب فی السّفینه و خاف الغرق، قال: اللهمّ إنّی أسألک بحقّ محمّد و آل محمّد لمّا أنجیتنی من الغرق فنجاه اللّه، و إنّ إبراهیم لمّا القی فی النّار قال: اللهمّ إنّی أسألک بحقّ محمّد و آل محمّد لمّا أنجیتنی منها فجعلها اللّه علیه بردا و سلاما، و إنّ موسى لمّا ألقى عصاه و أوجس فی نفسه خیفه قال: اللهمّ إنّى أسألک بحقّ محمّد و آل محمّد لمّا أمنتنى، فقال اللّه جلّ جلاله: لا تخف إنّک أنت الأعلى یا یهودی إنّ موسى لو أدرکنى ثمّ لم یؤمن بى و بنبوّتى ما نفعه ایمانه شیئا و لا نفعته النّبوه، یا یهودی و من ذریّتی المهدی علیه السّلام إذا خرج نزل عیسى بن مریم‏لنصرته فقدّمه و صلّى خلفه إلى غیر ذلک من الأخبار الکثیره، ترکناها مخافه الاطناب، و قد عقد المحدث العلامه المجلسى طاب ثراه فى البحار بابا فى أنّ دعاء الأنبیاء استجیب بالتّوسل و الاستشفاع بهم صلوات اللّه علیهم أجمعین

الثالث فى تحقیق توبه الأنبیاء على وجه لا ینافی العصمه

فنقول: قد عرفت فى الفصل السّابق أنّ الأنبیاء علیهم السّلام معصومون من أوّل عمرهم إلى آخره، و أنّه لم یصدر منهم ذنب قطّ لا صغیره و لا کبیره لا فى الصغر و لا فى الکبر و لا قبل البعثه و لا بعد البعثه لا على سبیل العمد و لا على سبیل السّهو و الخطاء، على ما ذهبت الیه أصحابنا رضى اللّه عنهم، و عند ذلک احتاجوا إلى تأویل ما ورد فى الکتاب العزیز من الآیات الدّاله على توبتهم، و کذلک ما ورد فى الأخبار فمن توبه النبی صلّى اللّه علیه و آله مثل ما رواه فى الکافى باسناده عن أبى عبد اللّه علیه السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله کان یتوب إلى اللّه عزّ و جلّ کلّ یوم سبعین مرّه و ما رواه الطبرسى فى مجمع البیان عن أمّ سلمه قالت: کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله باخره لا یقوم و لا یقعد و لا یجی‏ء و لا یذهب إلا قال سبحان اللّه و بحمده أستغفر اللّه و أتوب إلیه فسألناه عن ذلک، فقال إنّى أمرت بها ثمّ قرء (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ).

إلى آخر السّوره و کذلک ما ورد من توبه الأئمه علیهم السلام کما فى الأخبار الکثیره و الأدعیّه المأثوره، و کفاک شاهدا أدعیّه الصّحیفه السّجادیه و لا سیّما دعاء التّوبه و دعاء الاستقاله المتضمنه للاعتراف بالذنوب و المعاصى إذا عرفت ذلک فأقول: قد أجاب عنه أکثر الأصحاب بأنّ ترک المندوب و فعل المکروه ربّما یسمّى ذنبا فیجوز التوبه حینئذ قال الطبرسى (ره): و عندنا یصحّ التوبه إذا کانت من ترک المندوب و یکون‏ذلک على وجه الرّجوع إلى فعله، و على هذا یحمل توبه الأنبیاء فى جمیع ما نطق به القرآن و قد أجیب عن استغفار النّبیّ و الأئمه علیهم السّلام و توبتهم مضافا إلى ما مرّ بوجوه خاصّه أحدها أنّه لتعلیم الأمه و تأدیبهم و تنبیههم على کیفیّه الاقرار و الاعتراف بالتقصیر و الذنوب و الاستغفار و التّوبه الثانی أنّه من قبیل التّواضع و الاعتراف بالعبودیه و أنّ البشر مظنّه التقصیر الثّالث أنّ الاعتراف بالذّنوب و الاستغفار منها إنّما هو على تقدیر وقوعها، و المعنى إن صدر منّی شی‏ء من هذه الامور فاغفره لی، و قد تقرّر أنّه لا یلزم من صدق الشّرطیّه صدق کلّ واحد من جزئیها الرّابع أنّهم یتکلمون على لسان أمّتهم و رعیّتهم، فاعترافهم بالذّنوب اعتراف بذنوب امّتهم، لأنّ کلّ راع مسئول عن رعیّته و إنّما أضافوا الذّنوب إلى أنفسهم المقدسه للاتّصال و السّبب، و لا سبب أوکد ممّا بین الرّسول أو الامام علیه السّلام و بین امّته و رعیّته، ألا ترى أنّ رئیس القوم إذا وقع من قومه هفوه أو تقصیر قام هو فی الاعتذار منهم و نسب ذلک إلى نفسه و إذا ارید عتابهم و توبیخهم وجّه الکلام إلیه دون غیره منهم، و إن لم یفعل هو ذلک بل و لا شهده و هذا فی الاستعمال معروف أقول: و یؤیّد هذا الوجه ما رواه القمّی عن الصّادق علیه السّلام فی قوله تعالى: «لِیَغْفِرَ لَکَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِکَ وَ ما تَأَخَّرَ» قال علیه السّلام: و اللّه ما کان له ذنب و لا همّ بذنب، و لکنّ اللّه حمله ذنوب شیعته ثمّ غفرها و فی المجمع عنه أنّه سئل عنها، فقال علیه السّلام: و اللّه ما کان له ذنب، و لکنّ اللّه سبحانه ضمن له أن یغفر ذنوب شیعه علی ما تقدّم من ذنبهم و ما تأخّر، قال بعض أهل المعرفه: قد ثبت عصمته فلم یبق لاضافه الذّنب إلیه إلّا أن یکون هو المخاطب و المراد امّته کما قیل: إیّاک أدعو و اسمعی یا جارهالخامس ما ذکره الشّیخ علیّ بن عیسى الاربلی (ره) فی کشف الغمّه و استحسنه أکثر من تأخّر عنه کالمحدّث المجلسی (ره) و الشّیخ البهائی فی شرح الأربعین و الطریحى و شارح الصّحیفه السیّد صدر الدین علیّ الحسینی و غیرهم من متصدّی الأخبار قال (ره) فائده سنیه کنت أرى الدّعاء الذی کان یقوله أبو الحسن علیه السّلام فی سجده الشّکر و هو«» «ربّ عصیتک بلسانی و لو شئت و عزّتک لأخرستنی و عصیتک ببصری و لو شئت و عزّتک لأکمهتنی و عصیتک بسمعی و لو شئت و عزّتک لأصممتنی و عصیتک بیدی و لو شئت و عزّتک لکنعتنی و عصیتک بفرجی و لو شئت و عزّتک لعقمتنی و عصیتک برجلی و لو شئت و عزّتک لجذمتنی و عصیتک بجمیع جوارحی الّتی أنعمت بها علیّ و لم یکن هذا جزاک منّی».

بخط عمید الرّوساء لعقمتنی و المعروف عقمت«» المراه و عقمت و عقمت و أعقمها اللّه.

فکنت أفکّر فی معناه و أقول: کیف یتنزّل على ما یعقده الشیعه من القول بالعصمه، و ما اتّضح لی ما یدفع التردّد الذی یوجبه، فاجتمعت بالسیّد السّعید النّقیب رضی الدّین ابی الحسن علیّ بن موسى الطاوس الحسنی رحمه اللّه و ألحقه بسلفه الطاهر،فذکرت له ذلک فقال: إنّ الوزیر السّعید مؤید الدین القمی رحمه اللّه سألنی عنه، فقلت: کان یقول هذا لیعلم النّاس، ثم إنی ذکرت بعد ذلک فقلت: هذا کان یقوله فی سجدته فی اللّیل و لیس عنده من یعلّمه، ثم سألنی الوزیر مؤید الدّین محمّد بن العلقمى ره فاخبرته بالسؤال و الجواب الأوّل الذی قلت و الذی أوردته علیه و قلت: ما بقی إلّا أن یکون یقوله على سبیل التّواضع، و ما هذا معناه، فلم یقع منّى هذه الأقوال بموقع و لا حلّت من قلبی فی موضع، و مات السیّد رضی الدّین رحمه اللّه، فهدانی اللّه إلى معناه و وقفنى على فحواه، فکان الوقوف علیه و العلم به و کشف حجابه بعد السنین المتطاوله و الأحوال المجریه و الادوار المکرّره من کرامات الامام موسى علیه السّلام و معجزاته و لتصحّ نسبه العصمه إلیه علیه السّلام و تصدق على آبائه و ابنائه البرره الکرام و تزول الشّبهه التی عرضت من ظاهر هذا الکلام.

و تقریره«» أنّ الأنبیاء و الأئمه علیهم السّلام تکون أوقاتهم مشغوله باللّه تعالى و قلوبهم مملوّه و خواطرهم متعلّقه بالملأ الأعلى، و هم علیهم السلام أبدا فی المراقبه کما قال صلّى اللّه علیه و آله: اعبد اللّه کأنّک تراه فان لم تکن تراه فانّه یراک، فهم أبدا متوجّهون إلیه و مقبلون بکلهم علیه، فمتى انحطوا عن تلک الرّتبه العالیه و المنزله الرّفیعه إلى الاشتغال بالمأکل و المشرب و التّفرغ إلى النّکاح و غیره من المباحات، عدوّه ذنبا و اعتقدوه خطیئه و استغفروا منه.

ألا ترى أنّ بعض عبید أبناء الدّنیا لو قعد و أکل و شرب و نکح و هو یعلم أنّه بمرئى من سیّده و مسمع، لکان ملوما عند النّاس و مقصرا فیما یجب علیه من خدمه سیّده و مالکه، فما ظنک بسیّد السّادات و ملک الاملاک.

و إلى هذا أشار صلّى اللّه علیه و آله: أنّه لیغان«» على قلبی و إنی لأستغفر بالنّهار سبعین مرّه، و لفظه السّبعین إنّما هی لعد الاستغفار لا إلى الرّین«»، و قوله حسنات‏الأبرار سیئات المقرّبین.

و یزیده إیضاحا من لفظه لیکون أبلغ من التّأویل و یظهر من قوله عقمنى و العقیم الذی لا یولد له و الذی یولد من السّفاح لا یکون ولدا، فقد بان بهذه أنّه کان یعدّ اشتغاله فی وقت ما بما هو ضروره للأبدان معصیه و یستغفر اللّه منها.

و على هذا فقس البواقی و کلّما یرد علیک من أمثالها، و هذا معنى شریف یکشف بمدلوله حجاب الشبه و یهدی به اللّه من حسر عن بصره و بصیرته رین العمى و العمه، و لیت السّید (ره) کان حیّا لأهدی هذه العقیله إلیه و أجلو عرایسها علیه، فما أظنّ أنّ هذا المعنى اتّضح من لفظ الدعاء لغیری، و لا أنّ أحدا سار فی ایضاح مشکله و فتح مقفّله مثل سیری. و قد ینتج الخاطر العقیم فیأتی بالعجائب، و قدیما ما قیل: مع الخواطی سهم صائب انتهى کلامه رفع مقامه.

و قد اقتفى أثره القاضى ناصر الدّین البیضاوى فی شرح المصابیح عند شرح قوله صلّى اللّه علیه و آله: إنّه لیغان على قلبی و إنّی لأستغفر اللّه فی الیوم مأئه مرّه، قال: الغین لغه فی الغیم و غان على کذا اى غطى، قال أبو عبیده فی معنى الحدیث أى یتغشى قلبی ما یلبسه، و قد بلغنا عن الاصمعى أنّه سئل عن هذا، فقال للسائل: عن قلب من تروى هذا فقال: عن قلب النّبی صلّى اللّه علیه و آله، فقال: لو کان غیر قلب النبی صلّى اللّه علیه و آله، لکنت افسره لک، قال القاضی و للّه درّ الاصمعى فی انتهاجه منهج الأدب و إجلاله القلب الذی جعله اللّه موقع وحیه و منزل تنزیله.

ثمّ قال: لمّا کان قلب النبی صلّى اللّه علیه و آله أتمّ القلوب صفاء و أکثرها ضیاء و أعرفها عرفانا و کان صلّى اللّه علیه و آله معنیا«» مع ذلک بتأسیس الملّه و تشریع السّنه میسرا غیر معسر، لم یکن له بدّ من النّزول إلى الرّخص و الالتفات إلى حظوظ النّفس مع ما کان ممتحنا به من أحکام البشریه، فکان إذا تعاطى شیئا من ذلک أسرعت کدوره إلى القلب لکمال رقّته و فرط نورانیّته، فانّ الشّی‏ء کلّما کان أرقّ و أصفى کان ورودالمکدّرات علیه أبین و أهدى، فکان إذا أحسّ بشی‏ء من ذلک عدّه على النّفس دنبا فاستغفر منه انتهى ما حکى عنه ملخصا.

و قال المحدّث العلامه المجلسی طاب ثراه فی المجلد السّابع من البحار: اعلم أنّ الامامیّه رضی اللّه عنهم اتفقوا على عصمه الأئمه علیهم السّلام من الذنوب صغیرها و کبیرها فلا یقع منهم ذنب أصلا لا عمدا و لا نسیانا و لا لخطاء فی التّأویل و لا للاسهاء من اللّه سبحانه، و لم یخالف فیه الا الصدوق محمّد بن بابویه و شیخه ابن الولید رحمه اللّه علیهما فانّهما جوزا الاسهاء من اللّه تعالى لمصلحه فی غیر ما یتعلق بالتّبلیغ و بیان الأحکام، لا السهو الذی یکون من الشّیطان، و قد مرت الأخبار و الأدله الداله علیها فی المجلد السّادس و الخامس و أکثر أبواب هذا المجلد مشحونه بما یدلّ علیها، فامّا ما یوهم خلاف ذلک من الأخبار و الأدعیه فمأوله بوجوه.

الأوّل أنّ ترک المستحب و فعل المکروه قد یسمى ذنبا و عصیانا، بل ارتکاب بعض المباحات أیضا بالنسبه إلى رفعه شأنهم و جلالتهم ربّما عبروا عنه بالذّنب، لانحطاط ذلک عن سایر أحوالهم کما مرت الاشاره إلیه فى کلام الاربلى (ره)

الثّانی أنّهم بعد انصرافهم عن بعض الطاعات التی أمروا بها من معاشره الخلق و تکمیلهم و هدایتهم و رجوعهم عنها إلى مقام القرب و الوصال و مناجاه ذی الجلال، ربّما وجدوا أنفسهم لانحطاط تلک الأحوال عن هذه المرتبه العظمى مقصرین، فیتضرّعون لذلک و إن کان بأمره تعالى، کما أنّ أحدا من ملوک الدّنیا إذا بعث واحدا من مقربى حضرته إلى خدمه من خدماته التی یحرم بها من مجلس الحضور و الوصال، فهو بعد رجوعه یبکى و یتضرّع و ینسب نفسه إلى الجرم و التّقصیر، لحرمانه عن هذا المقام الخطیر.

الثالث أن کمالاتهم و فضائلهم و علومهم لما کانت من فضله تعالى، و لو لا ذلک لأمکن أن یصدر منهم أنواع المعاصى، فاذا نظروا إلى تلک الحال أقرّوا بفضل ربّهم و عجز نفسهم بهذه العبارات الموهمه لصدور السیئات، فمفادها إنى أذنبت لو لا توفیقک، و أخطأت لولا هدایتک.

 

الرّابع أنّهم لما کانوا فى مقام التّرقى فى الکمالات و الصّعود على مدارج الترقیات فى کلّ آن من الآنات فى معرفه الرّب تعالى و ما یتبعها من السعادات فاذا نظروا إلى معرفتهم السّابقه و عملهم معها، اعترفوا بالتّقصیر و تابوا منه، و یمکن أن ینزل علیه قول النبی صلّى اللّه علیه و آله: و إنى لأستغفر اللّه فى کلّ یوم سبعین مرّه.

الخامس أنّهم علیهم السلام لما کانوا فى غایه المعرفه لمعبودهم فکلما أتوابه من الأعمال بغایه جهدهم ثم نظروا إلى قصورها عن أن یلیق بجناب ربهم، عدوا طاعاتهم من المعاصى، و استغفروا منها کما یستغفر المذنب العاصى.

و من ذاق من کأس المحبّه جرعه شائقه لا یأبى عن قبول تلک الوجوه الرائقه و العارف المحب الکامل إذا نظر إلى غیر محبوبه أو توجه إلى غیر مطلوبه، یرى نفسه من أعظم الخاطئین، رزقنا اللّه الوصول إلى درجات المحبین.

أقول: هذا ما ذکره علماؤنا البارعون فی التفصّی عن الاشکال المذکور، شکر اللّه سعیهم و أجزل مساعیهم رضوان اللّه علیهم، إلّا أنّ لی فى المقام وجها آخر و هو بحسب الظاهر قریب من بعض الوجوه السّابقه إلا أنّ نسبته إلیها کنسبه الثّریا الى الثّرى کما هى غیر خفیّه على صاحب الذوق السّلیم و الطبع المستقیم و هو أنّک قد عرفت فی التذییل الأوّل من تذییلات الفصل الثّامن من فصول هذه الخطبه، أنّ أوّل ما خلق اللّه سبحانه أنوار النبىّ و آله علیهم السّلام، کما عرفت أنّه سبحانه خلق تلک الأنوار من قبل أن یخلق العالم بالوف من السّنین، و مرّ هناک فى حدیث أبى الحسن البکری أنّه سبحانه خلقها قبل إیجاد العالم بأربعه و عشرین و أربعمائه ألف عام إذا تذکرت ذلک فنقول: إنّهم قد کانوا حینئذ أنوارا بسیطه و جواهر مجرّده عن التّعلق بالأجسام و الجسمانیّات، خالصه عن الکدورات، فارغه عن القیودات و العلاقات، مستغرقه فى تلک المدّه المتطاوله فى شهود جمال الحقّ سبحانه و تعالى مشتغله فى جمیع هذه المدّه بالتّسبیح و التّقدیس و التنزیه، تاره فى حجاب القدرهو اخرى فى حجاب العظمه، و ثالثه فى حجاب العزّه، و رابعه فى حجاب الهیبه إلى غیر هذه من حجب النّور المذکوره فى الحدیث المذکور، ثمّ اقتضت الحکمه الرّبانیّه إهباطهم من عالم التجرّد إلى عالم التقیّد و التعلّق، فتصوّروا بالصّور الانسانیّه هدایه للخلق و إرشادا للامّه، و حصلت لهم فى هذا العالم من القیودات و العلاقات ما هو مقتضى البشریّه و الجسمانیّه، و لمّا لم یتمکّنوا فى هذا العالم من الاستغراق التام و الفراغ الکامل، مثل تمکنهم فى ذلک العالم، لوجود التّعلّقات المانعه هنا و عدمها هناک، استغفروا اللّه سبحانه لذلک، و اعترفوا بالتقصیر اعتراف المذنب المقصر، هذا ما خطر بالخاطر القاصر، و اللّه الهادی إلى المنهج القویم، و الصّراط المستقیم

الترجمه

پس بعد از این که جناب آدم از شجره منهیه اکل نمود، و بعمل خود نادم و پشیمان گشت و چهل شبانه روز و بروایتى یک صد سال و بروایت دیگر سیصد سال گریه و زاری کرد، بسط فرمود خداوند سبحانه و تعالى بجهت او بساط کرامت و رحمت خودش را در توبه او، باین نحو که الهام توبه فرمود بر او و قبول کرد آنرا از او، و تلقین نمود بر او کلمه رحمت خود را که بنا بر اشهر توسّل باسماء مبارکه محمّد و آل محمّد سلام اللّه علیهم است که در ساق عرش دیده بود و وعده فرمود بر او رجوع دادنش را ببهشت عنبر سرشت خود

منهاج ‏البراعه فی ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(الخوئی)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

 

بازدید: ۴۵

حتما ببینید

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۱۰۵ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه ۱۰۶ صبحی صالح ۱۰۶- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  ) و فیها …

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

*

code