خانه / ***خطبه ها شرح و ترجمه میر حبیب الله خوئی / نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۱/۲ (شرح میرزاحبیب الله خوئی«میرحبیب الله خوئی»)قسمت دوم (خلقت عالم)

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۱/۲ (شرح میرزاحبیب الله خوئی«میرحبیب الله خوئی»)قسمت دوم (خلقت عالم)

خطبه ۱ صبحی صالح

۱- و من خطبه له ( علیه ‏السلام ) یذکر فیها ابتداء خلق السماء و الأرض و خلق آدم و فیها ذکر الحج و تحتوی على حمد الله و خلق العالم و خلق الملائکه و اختیار الأنبیاء و مبعث النبی و القرآن و الأحکام الشرعیه

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَا یَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ وَ لَا یُحْصِی نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ وَ لَا یُؤَدِّی حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ الَّذِی لَا یُدْرِکُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ وَ لَا یَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ الَّذِی لَیْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ وَ لَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ وَ لَا وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَ لَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ فَطَرَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ وَ نَشَرَ الرِّیَاحَ بِرَحْمَتِهِ وَ وَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَیَدَانَ أَرْضِهِ:

أَوَّلُ الدِّینِ مَعْرِفَتُهُ وَ کَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِیقُ بِهِ وَ کَمَالُ التَّصْدِیقِ بِهِ تَوْحِیدُهُ وَ کَمَالُ تَوْحِیدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ وَ کَمَالُ الْإِخْلَاصِ لَهُ نَفْیُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَهِ کُلِّ صِفَهٍ أَنَّهَا غَیْرُ الْمَوْصُوفِ وَ شَهَادَهِ کُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَیْرُ الصِّفَهِ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُوَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ وَ مَنْ‏جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَیْهِ وَ مَنْ أَشَارَ إِلَیْهِ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَ مَنْ قَالَ فِیمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُوَ مَنْ قَالَ عَلَا مَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ:

کَائِنٌ لَا عَنْ حَدَثٍ مَوْجُودٌ لَا عَنْ عَدَمٍ مَعَ کُلِّ شَیْ‏ءٍ لَا بِمُقَارَنَهٍ وَ غَیْرُ کُلِّ شَیْ‏ءٍ لَا بِمُزَایَلَهٍ فَاعِلٌ لَا بِمَعْنَى الْحَرَکَاتِ وَ الْآلَهِ بَصِیرٌ إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَیْهِ مِنْ خَلْقِهِ مُتَوَحِّدٌ إِذْ لَا سَکَنَ یَسْتَأْنِسُ بِهِ وَ لَا یَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ

خلق العالم‏

أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاءً وَ ابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً بِلَا رَوِیَّهٍ أَجَالَهَا وَ لَا تَجْرِبَهٍ اسْتَفَادَهَا وَ لَا حَرَکَهٍ أَحْدَثَهَا وَ لَا هَمَامَهِ نَفْسٍ اضْطَرَبَ فِیهَا أَحَالَ الْأَشْیَاءَ لِأَوْقَاتِهَا وَ لَأَمَ بَیْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا وَ غَرَّزَ غَرَائِزَهَا وَ أَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا مُحِیطاً بِحُدُودِهَا وَ انْتِهَائِهَا عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وَ أَحْنَائِهَا:

ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الْأَجْوَاءِ وَ شَقَّ الْأَرْجَاءِ وَ سَکَائِکَ الْهَوَاءِ فَأَجْرَى فِیهَا مَاءً مُتَلَاطِماً تَیَّارُهُ مُتَرَاکِماً زَخَّارُهُ حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّیحِ الْعَاصِفَهِ وَ الزَّعْزَعِ الْقَاصِفَهِ فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ وَ سَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ وَ قَرَنَهَا إِلَى حَدِّهِ الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِهَا فَتِیقٌ وَ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِیقٌ ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِیحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا وَ أَدَامَ مُرَبَّهَا وَ أَعْصَفَ مَجْرَاهَا وَ أَبْعَدَ مَنْشَأَهَا فَأَمَرَهَا بِتَصْفِیقِ الْمَاءِ الزَّخَّارِ وَ إِثَارَهِ مَوْجِ الْبِحَارِ فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ‏السِّقَاءِوَ عَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ تَرُدُّ أَوَّلَهُ إِلَى آخِرِهِ وَ سَاجِیَهُ إِلَى مَائِرِهِ حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ وَ رَمَى بِالزَّبَدِ رُکَامُهُ فَرَفَعَهُ فِی هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ وَ جَوٍّ مُنْفَهِقٍ فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ جَعَلَ سُفْلَاهُنَّ مَوْجاً مَکْفُوفاً وَ عُلْیَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ سَمْکاً مَرْفُوعاً بِغَیْرِ عَمَدٍ یَدْعَمُهَا وَ لَا دِسَارٍ یَنْظِمُهَاثُمَّ زَیَّنَهَا بِزِینَهِ الْکَوَاکِبِ وَ ضِیَاءِ الثَّوَاقِبِ وَ أَجْرَى فِیهَا سِرَاجاً مُسْتَطِیراً وَ قَمَراً مُنِیراً فِی فَلَکٍ دَائِرٍ وَ سَقْفٍ سَائِرٍ وَ رَقِیمٍ مَائِرٍ.

خلق الملائکه

ثُمَّ فَتَقَ مَا بَیْنَ السَّمَوَاتِ الْعُلَا فَمَلَأَهُنَّ أَطْوَاراً مِنْ مَلَائِکَتِهِ مِنْهُمْ سُجُودٌ لَا یَرْکَعُونَ وَ رُکُوعٌ لَا یَنْتَصِبُونَ وَ صَافُّونَ لَا یَتَزَایَلُونَ وَ مُسَبِّحُونَ لَا یَسْأَمُونَ لَا یَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُیُونِ وَ لَا سَهْوُ الْعُقُولِ وَ لَا فَتْرَهُ الْأَبْدَانِ وَ لَا غَفْلَهُ النِّسْیَانِ وَ مِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْیِهِ وَ أَلْسِنَهٌ إِلَى رُسُلِهِ وَ مُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَ أَمْرِهِ وَ مِنْهُمُ الْحَفَظَهُ لِعِبَادِهِ وَ السَّدَنَهُ لِأَبْوَابِ جِنَانِهِ وَ مِنْهُمُ الثَّابِتَهُ فِی الْأَرَضِینَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ وَ الْمَارِقَهُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْیَا أَعْنَاقُهُمْ وَ الْخَارِجَهُ مِنَ الْأَقْطَارِ أَرْکَانُهُمْ وَ الْمُنَاسِبَهُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَکْتَافُهُمْ نَاکِسَهٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ مَضْرُوبَهٌ بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّهِ وَ أَسْتَارُ الْقُدْرَهِ لَا یَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِیرِوَ لَا یُجْرُونَ عَلَیْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِینَ وَ لَا یَحُدُّونَهُ بِالْأَمَاکِنِ
وَ لَا یُشِیرُونَ إِلَیْهِ بِالنَّظَائِرِ

صفه خلق آدم ( علیه ‏السلام )

ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ وَ سَهْلِهَا وَ عَذْبِهَا وَ سَبَخِهَا تُرْبَهً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ وَ لَاطَهَا بِالْبَلَّهِ حَتَّى لَزَبَتْ فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَهً ذَاتَ أَحْنَاءٍ وَ وُصُولٍ وَ أَعْضَاءٍ وَ فُصُولٍ أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَکَتْ وَ أَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ وَ أَمَدٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ نَفَخَ فِیهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانٍ یُجِیلُهَا وَ فِکَرٍ یَتَصَرَّفُ بِهَا وَ جَوَارِحَ یَخْتَدِمُهَا وَ أَدَوَاتٍ یُقَلِّبُهَا وَ مَعْرِفَهٍ یَفْرُقُ بِهَا بَیْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ وَ الْأَذْوَاقِ وَ الْمَشَامِّ وَ الْأَلْوَانِ وَ الْأَجْنَاسِ مَعْجُوناً بِطِینَهِ الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَهِ وَ الْأَشْبَاهِ الْمُؤْتَلِفَهِ وَ الْأَضْدَادِ الْمُتَعَادِیَهِ وَ الْأَخْلَاطِ الْمُتَبَایِنَهِ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ الْبَلَّهِ وَ الْجُمُودِ وَ اسْتَأْدَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَلَائِکَهَ وَدِیعَتَهُ لَدَیْهِمْ وَ عَهْدَ وَصِیَّتِهِ إِلَیْهِمْ فِی الْإِذْعَانِ بِالسُّجُودِ لَهُ وَ الْخُنُوعِ لِتَکْرِمَتِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِیسَ‏  اعْتَرَتْهُ الْحَمِیَّهُ وَ غَلَبَتْ عَلَیْهِ الشِّقْوَهُ وَ تَعَزَّزَ بِخِلْقَهِ النَّارِ وَ اسْتَوْهَنَ خَلْقَ الصَّلْصَالِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ النَّظِرَهَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَهِ وَ اسْتِتْمَاماً لِلْبَلِیَّهِ وَ إِنْجَازاً لِلْعِدَهِ فَقَالَ فَإِنَّکَ مِنَ الْمُنْظَرِینَ إِلى‏ یَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏ ثُمَّ أَسْکَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِیهَا عَیْشَهُ وَ آمَنَ فِیهَا مَحَلَّتَهُ وَ حَذَّرَهُ إِبْلِیسَ وَ عَدَاوَتَهُ فَاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَهً عَلَیْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ وَ مُرَافَقَهِ الْأَبْرَارِ فَبَاعَ الْیَقِینَ بِشَکِّهِ وَ الْعَزِیمَهَ بِوَهْنِهِ وَ اسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلًا وَ بِالِاغْتِرَارِ نَدَماًثُمَّ بَسَطَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِی تَوْبَتِهِ وَ لَقَّاهُ کَلِمَهَ رَحْمَتِهِ وَ وَعَدَهُ الْمَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ
وَ أَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ الْبَلِیَّهِ وَ تَنَاسُلِ الذُّرِّیَّهِ

اختیار الأنبیاء

وَ اصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِیَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْیِ مِیثَاقَهُمْ وَ عَلَى تَبْلِیغِ الرِّسَالَهِ أَمَانَتَهُمْ لَمَّا بَدَّلَ أَکْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللَّهِ إِلَیْهِمْ فَجَهِلُوا حَقَّهُ وَ اتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ وَ اجْتَالَتْهُمُ الشَّیَاطِینُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَ اقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ فَبَعَثَ فِیهِمْ رُسُلَهُ وَ وَاتَرَ إِلَیْهِمْ أَنْبِیَاءَهُ لِیَسْتَأْدُوهُمْ مِیثَاقَ فِطْرَتِهِ وَ یُذَکِّرُوهُمْ مَنْسِیَّ نِعْمَتِهِ وَ یَحْتَجُّوا عَلَیْهِمْ بِالتَّبْلِیغِ وَ یُثِیرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ وَ یُرُوهُمْ آیَاتِ الْمَقْدِرَهِ مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ وَ مِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ وَ مَعَایِشَ تُحْیِیهِمْ وَ آجَالٍ تُفْنِیهِمْ وَ أَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ وَ أَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَیْهِمْ وَ لَمْ یُخْلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِیٍّ مُرْسَلٍ أَوْ کِتَابٍ مُنْزَلٍ أَوْ حُجَّهٍ لَازِمَهٍ أَوْ مَحَجَّهٍ قَائِمَهٍ رُسُلٌ لَا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّهُ عَدَدِهِمْ وَ لَا کَثْرَهُ الْمُکَذِّبِینَ لَهُمْ مِنْ سَابِقٍ سُمِّیَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ‏ أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى ذَلِکَ نَسَلَتِ الْقُرُونُ وَ مَضَتِ الدُّهُورُ وَ سَلَفَتِ الْآبَاءُ وَ خَلَفَتِ الْأَبْنَاءُ

مبعث النبی‏

إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رَسُولَ اللَّهِ ( صلى‏ الله ‏علیه ‏وآله ‏وسلم )لِإِنْجَازِ عِدَتِهِ وَ إِتْمَامِ نُبُوَّتِهِ مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِیِّینَ مِیثَاقُهُ مَشْهُورَهً سِمَاتُهُ کَرِیماً مِیلَادُهُ وَ أَهْلُ الْأَرْضِ یَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَهٌ وَ أَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَهٌ وَ طَرَائِقُ مُتَشَتِّتَهٌ بَیْنَ مُشَبِّهٍ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ أَوْ مُلْحِدٍ فِی اسْمِهِ أَوْ مُشِیرٍ إِلَى غَیْرِهِ فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلَالَهِ وَ أَنْقَذَهُمْ بِمَکَانِهِ مِنَ الْجَهَالَهِ ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمَّدٍ ( صلى‏ الله ‏علیه ‏وسلم )لِقَاءَهُ وَ رَضِیَ لَهُ مَا عِنْدَهُوَ أَکْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْیَا وَ رَغِبَ بِهِ عَنْ مَقَامِ الْبَلْوَى فَقَبَضَهُ إِلَیْهِ کَرِیماً ( صلى‏ الله ‏علیه ‏وآله )وَ خَلَّفَ فِیکُمْ مَا خَلَّفَتِ الْأَنْبِیَاءُ فِی أُمَمِهَاإِذْ لَمْ یَتْرُکُوهُمْ هَمَلًا بِغَیْرِ طَرِیقٍ وَاضِحٍ وَ لَا عَلَمٍ قَائِمٍ

القرآن و الأحکام الشرعیه

کِتَابَ رَبِّکُمْ فِیکُمْ مُبَیِّناً حَلَالَهُ وَ حَرَامَهُ وَ فَرَائِضَهُ وَ فَضَائِلَهُ وَ نَاسِخَهُ وَ مَنْسُوخَهُ وَ رُخَصَهُ وَ عَزَائِمَهُ وَ خَاصَّهُ وَ عَامَّهُ وَ عِبَرَهُ وَ أَمْثَالَهُ وَ مُرْسَلَهُ وَ مَحْدُودَهُ وَ مُحْکَمَهُ وَ مُتَشَابِهَهُ مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ وَ مُبَیِّناً غَوَامِضَهُ بَیْنَ مَأْخُوذٍ مِیثَاقُ عِلْمِهِ وَ مُوَسَّعٍ‏عَلَى الْعِبَادِ فِی جَهْلِهِ وَ بَیْنَ مُثْبَتٍ فِی الْکِتَابِ فَرْضُهُ وَ مَعْلُومٍ فِی السُّنَّهِ نَسْخُهُ وَ وَاجِبٍ فِی السُّنَّهِ أَخْذُهُ وَ مُرَخَّصٍ فِی الْکِتَابِ تَرْکُهُ وَ بَیْنَ وَاجِبٍ بِوَقْتِهِ وَ زَائِلٍ فِی مُسْتَقْبَلِهِ
وَ مُبَایَنٌ بَیْنَ مَحَارِمِهِ مِنْ کَبِیرٍ أَوْعَدَ عَلَیْهِ نِیرَانَهُ أَوْ صَغِیرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ وَ بَیْنَ مَقْبُولٍ فِی أَدْنَاهُ مُوَسَّعٍ فِی أَقْصَاهُ 

و منها فی ذکر الحج‏

وَ فَرَضَ عَلَیْکُمْ حَجَّ بَیْتِهِ الْحَرَامِ الَّذِی جَعَلَهُ قِبْلَهً لِلْأَنَامِ یَرِدُونَهُ وُرُودَ الْأَنْعَامِ وَ یَأْلَهُونَ إِلَیْهِ وُلُوهَ الْحَمَامِ وَ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلَامَهً لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ وَ إِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ وَ اخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَیْهِ دَعْوَتَهُ وَ صَدَّقُوا کَلِمَتَهُ وَ وَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِیَائِهِ وَ تَشَبَّهُوا بِمَلَائِکَتِهِ الْمُطِیفِینَ بِعَرْشِهِ یُحْرِزُونَ الْأَرْبَاحَ فِی مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ وَ یَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لِلْإِسْلَامِ عَلَماً وَ لِلْعَائِذِینَ حَرَماً فَرَضَ حَقَّهُ وَ أَوْجَبَ حَجَّهُ وَ کَتَبَ عَلَیْکُمْ وِفَادَتَهُ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلًا وَ مَنْ کَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِیٌّ عَنِ الْعالَمِینَ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج۱

الفصل السابع

أنشأ الخلق إنشاء و ابتدئه ابتداء، بلا رویه أجالها و لا تجربه استفادها و لا حرکه أحدثها و لا همامه نفس اضطرب فیها، أجال الأشیاء لأوقاتها و لائم بین مختلفاتها و غرّز غرایزها و ألزمها أشباحها عالما بها قبل ابتدائها محیطا بحدودها و انتهائها عارفا بقرائنها و أحنائها.

اللغه

(الانشاء و الابتداء) لغه بمعنى واحد قال سبحانه: هُوَ الَّذِی أَنْشَأَکُمْ أى ابتدئکم و خلقکم، و کلّ من ابتدء شیئا فقد أنشأه، قال الفیومی: نشأ الشّی‏ء نشاء مهموز من باب نفع: حدث و تجدّد و أنشأته أحدثته هذا.

و قد یفرّق بینهما حیث اجتمعا صونا للکلام عن التکرار تاره بأنّ الانشاء هو الایجاد لا عن مادّه، و الابتداء هو الایجاد لا لعلّه، ففی الأوّل إشاره إلى نفى العلّه المادیه، و فی الثّانی إشاره إلى نفى العله الغائیه فی فعله سبحانه و اخرى بأن الانشاء هو الایجاد الذی لم یسبق غیر الموجد إلى ایجاد مثله، و الابتداء هو الایجاد الذی لم یوجد الموجد قبله مثله و ثالثه بأن الانشاء هو الایجاد من غیر مثال سابق، و الابتداء هو الایجاد من غیر صور الهامیّه فائضه على الموجد (و الرویه) الفکر و التّدبر، قال فی المصباح: و هی کلمه جرت على ألسنتهم بغیر همز تخفیفا، و هی من روأت فی الأمر بالهمز إذا نظرت فیه (و الاجاله) من الجولان یقال: أجاله و أجال به إذا أداره، کما یقال: جال یجول جولا و جولانا إذا ذهب و جاء، و منه الجولان فی الحرب، و فی بعض النّسخ أحالها بالمهمله، و هو من الاحاله بمعنى النّقل و الصّرف (و التّجربه) على وزن التّکمله و التّبصره، بمعنى الاختبار یقال جرّبه تجریبا و تجربه أى اختبره مرّه بعد اخرى (و الحرکه) محرکه اسم من التحریک بمعنى الانتقال، و هو خلاف السّکون و هی عند المتکلمین حصول الجسم فی مکان بعد حصوله فی مکان اخرى، یعنى أنّها عباره عن مجموع الحصولین، و عند الحکماء هی الخروج من القوّه إلى الفعل على سبیل التّدریج (و الهمامه) بهذه الهیئه لم أجدها فی کتب اللغه إلّا المجمع، قال: و الهمامه التردّد، و الموجود فی کتب اللغه همام، قال فی الاوقیانوس: لا همام بحرف النّفى على وزن قطام اسم فعل بمعنى لا اهم یقال لا همام أى لا اهم و لا أفعله.

قال بعض شراح الکافی«» عند شرح قول الامام علیه السلام: مرید لا بهمامه: أى مرید للأشیاء لا بهمامه النّفس و هی اهتمامها بالامور و تردید عزمها مع الهمّ و الغم بسبب فوتها، مأخوذ من الهمهمه و هی تردید الصّوت الخفی و هو سبحانه منزّه عنها.

و بنحوه فسّره الشّارح البحرانی فی شرح الخطبه هذه، و قریب منه عباره الرّاوندی على ما حکی عنه، قال: یقال: ما له فی الأمر همّه و لا همامه أى لا یهتم به، و الهمامه التردّد کالعزم انتهى.

و قال الشّارح المعتزلی: قوله علیه السلام: و لا همامه نفس اه فیه ردّ على المجوس و الثّنویه القائلین بالهمامه، و لهم فیها خبط طویل یذکره أصحاب المقالات، و قال أیضا: و لهم فی الهمامه کلام مشهور، و هی لفظه اصطلحوا علیها، و اللغه العربیه ما عرفنا فیها استعمال الهمامه بمعنى الهمّه، إلى أن قال: و لکنها لفظه اصطلاحیّه مشهوره عند أهلها انتهى.

(و أجال) إن کان بالجیم المعجمه فمن الجولان، و إن کان بالحاء کما فی بعض النّسخ فمن الاحاله بمعنى التّحویل و الصّرف، أو بمعنى الایثاب، یقال: حال فی ظهر دابّته إذا وثب و استوى، و أحاله غیره أو ثبه.

قال الشّارح المعتزلی کانّه سبحانه لما أقرّ الأشیاء فی أحیانها و أوقاتها، صار کمن أحال غیره على فرسه هذا، و لا یخلو ارادته عن بعد فافهم.

و فی بعض النّسخ أجل بالجیم، أی وقت، و فی بعضها أحلّ بالحاء من الحلول یقال: أحلّه المکان و بالمکان إذا جعله یحلّ به (و لائم) ملائمه إذا أصلح (و الغریزه) الطبیعه المجبوله یقال: هو حسن الغریزه أى الطبیعه (و الاشباح) جمع الشبح بمعنى الشّخص (و الاحاطه) بالشّی‏ء الاستداره به من جوانبه، یقال: أحاط القوم بالبلد إذا أحد قوابه و استداروا بجوانبه، ثم استعمل تاره فی شمول الحفظ، و تاره فی شمول العلم، و تاره فی استیلاء القدره و شمولها (و القرائن)جمع القرینه، و المراد بها هنا النّفس النّاطقه کالقرونه قال فی الاقیانوس: یقال: أسمحت قرینه و قرینته و قرونه و قرونته أى ذلت نفسه، و منه یعلم ما فی کلام الشّارح المعتزلی حیث جعلها جمع قرونه من الضّعف و الفساد (و الاحناء) جمع حنو بمعنى الجانب کما فی المجمع، و فی الاوقیانوس أنّه یقال: على العضو المعوج، کالحاجب و نحوه، و على کلّ شی‏ء معوج من الشّجر و غیره، و لم یذکر مجیئه بمعنى الجانب، و إراده کلّ من المعنیین صحیحه فی المقام، و لا بأس بهما.

الاعراب

کلمه لا فی قوله علیه السلام بلا رویّه نافیه معترضه بین الخافض و المخفوض، على حدّ قولهم جئت بلا زاد، و غضب من لا شی‏ء، و اختلف علماء الأدبیّه فی أنّها هل هی اسم أو حرف.

فذهب الکوفیون إلى أنّها اسم، و الجار داخل علیها نفسها، و جرّ ما بعدها بها نفسها لکونها بمعنى غیر.

و غیرهم إلى أنّها حرف، و یسمونها زائده، و الظاهر أنّهم أرادوا بالزّیاده الزّیاده من حیث اللفظ من أجل اعتراضها بین شیئین متطالبین، و إلّا فلا یصحّ المعنى باسقاطها، لأنّ حذف لا فی الأمثله المذکوره یوجب فوات المعنى المقصود من الکلام، أعنی النّفى، و ذلک مثل تسمیتهم لاء المقترنه بالعاطف فی نحو ما جائنی زید و لا عمرو، زائده، مع أنّ إسقاطها یوجب اختلال المعنى، لانک إذا قلت: ما جائنی زید و عمرو، احتمل نفى اجتماعهما فی المجی‏ء، کما احتمل نفى مجی‏ء کلّ منهما على کلّ حال، و إذا قلت: ما جائنی زید و لا عمرو، کان نصّا فی الثّانی.

و ممّا ذکرنا ظهر حکم لا فی الجملات المتعاطفه: من قوله علیه السلام: و لا تجربه استفادها، و لا حرکه أحدثها اه، و اللام فی قوله علیه السلام لأوقاتها على روایه أجال بالجیم بمعنى إلى، کما فی قوله تعالى: أَوْحى‏ لَهاو کذلک على روایته بالحاء و جعله بمعنى التّحویل و الصّرف، و على جعله بمعنى الایثاب فبمعنى على کما فی قوله تعالى: وَ تَلَّهُ لِلْجَبِینِ أى علیه، و أمّا على روایه أجل بالجیم فللتعلیل، و بالحاء فبمعنى فی، على حدّ قوله سبحانه: وَ نَضَعُ الْمَوازِینَ الْقِسْطَ لِیَوْمِ الْقِیامَهِ و الضمیران فی قوله علیه السلام و ألزمها أشباحها راجعان إلى الغرایر، و یحتمل رجوعهما إلى الأشیاء و انتصاب عالما، و محیطا، و عارفا، على الحالیّه من الفاعل، و العامل فیها: ألزم إعمالا للأقرب على ما هو مذهب البصریین.

المعنى

اعلم أنّه علیه السلام لما ذکر فی الفصل السّابق جمله من نعوت الجلال و الجمال، عقّبه بهذا الفصل، و نبّه فیه على کیفیّه خلقه تعالى للأشیاء، و على جمله من صفات فعله و کماله، فقال: (أنشأ الخلق إنشاء) أى خلقهم خلقا من غیر مادّه، أو من غیر سبق موجد غیره سبحانه إلى ایجاد مثله، أو بلا مثال سابق (و ابتدئهم ابتداء) أى أوجدهم ایجاد الا لعلّه غائیه، کالاستیناس بهم و الوحشه لفقدهم، أو من غیر أن یوجد سبحانه مثلهم، أو من دون إفاضه صوره الهامیّه علیه سبحانه.

ففی هاتین الفقرتین إشاره إلى نفى المشابهه بین صنعه سبحانه و صنع البشر، و ذلک لأن الصّنایع البشریّه إنّما تحصل بعد أن ترسم فی الخیال صوره المصنوع و تلک الصّوره تاره تحصل عن مثال خارجیّ یشاهده الصّانع و یحذو حذوه، و اخرى تحصل بمحض الالهام و الاختراع، فانّه کثیرا ما یفاض على أذهان الأذکیاء صور الأشکال لم یسبقهم إلى تصوّرها غیرهم، فیتصوّرونها و یبرزونها فی الخارج، و کیفیّه صنعه تعالى للعالم منزّهه عن الوقوع بأحد الوجهین.

أمّا الأوّل فلأنّه سبحانه قبل القبل بلا قبل، و کان و لم یکن معه شی‏ء،فلا یکون مصنوعاته مسبوقه بأمثله من صانع آخر عمل هو تعالى بمثل صنع ذلک الصّانع.

و أمّا الثّانی فلأنّ الفاعل على وفق ما الهم به و إن کان مبتدأ فی العرف و مخترعا عندهم، لکنّه مفتقر إلى الملهم و المفیض، و الافتقار محال علیه سبحانه، بل هو غنی فی فعله و صنعه عن غیره، کما أنّه مقدّس عن مشابهه خلقه فی ایجاده و خلقه، حیث إنه خلقهم (بلا رویّه أجالها) و لا فکر أداره أو صرفه إلیهم (و لا تجربه) معینه له على خلق هذه الأجسام (استفادها) أى اکتسبها لنفسه من قبل، بمعنى أن یکون خالقا من قبل أجساما مجرّبا له مرّه بعد اخرى، فحصلت له تلک التّجربه، و یأتی إن شاء اللَّه تحقیق هاتین الفقرتین فی شرح الفصل الثّالث من خطبه الأشباح.

(و لا حرکه أحدثها) کما أنّا نحتاج فی أفعالنا الاختیاریّه بعد التّصور و الشّوق و الاراده إلى إحداث حرکه فی العضلات، لیقع الفعل فی الخارج و هو سبحانه تعالى شأنه عن ذلک، لکون الحرکه من خواصّ الجسم، و هو تعالى منزّه عن الجسمیّه و لواحقها (و لا همامه نفس اضطرب فیها) أى تردّد نفس موجب للاضطراب له تعالى، کالتردّد و الاضطراب الحاصلین لنا عند إقدامنا على فعل من أفعالنا.

و أمّا على ما ذهب إلیه الشّارح المعتزلی من کون الهمامه من الاصطلاحات المخصوصه للمجوس و الثنویّه، ففهم معناها موقوف على نقل ما حکاه عنهم.

قال: حکى زرقان فی کتاب المقالات، و أبو عیسى الورّاق، و الحسن بن موسى، و ذکره شیخنا أبو القاسم البلخی فی کتابه المقالات أیضا عن الثنویّه: أنّ النور الأعظم اضطربت عزائمه و إرادته فی غزو الظلمه و الاغاره علیها، فخرجت من إرادته قطعه و هی الهمامه المضطربه فی نفسه فخالطت الظلمه غازیه لها، فاقتطعتها الظلمه من النّور الأعظم و حالت بینها و بینه، و خرجت همامه الظلمه غازیه للنّور الأعظم، فاقتطعها النّور الأعظم عن الظلمه، و مزجها بأجزائه و امتزجت همامه النّور بأجزاء الظلمه أیضا، ثم ما زالت الهمامتان تتقاربان و تتدانیان و هما ممتزجتان بأجزاء هذا و هذا، حتّى ابتنى منهما هذا العالم المحسوس انتهى.

أقول: الثّنویه أثبتوا أصلین قدیمین مدبرین یقسمان الخیر و الشر، و النفع و الضرّ، و الصّلاح و الفساد، یسمّون أحدهما النّور، و الثّانی الظلمه، و بالفارسیه یزدان و أهرمن، و لهم تفصیل مذهب موکول إلى محلّه، و المجوس قسم منهم إلّا أنّهم قالوا بحدوث الظلمه، و لهم قاعدتان عمدتان.

إحداهما بیان سبب امتزاج النّور بالظلمه، و ذکروا فی ذلک وجوها کثیره یطول الکلام بذکرها، و لا باس بالاشاره إلى واحد منها، و هو أنّ یزدان فکر فی نفسه أنّه لو کان لی منازع کیف یکون، و هذه الفکره کانت ردیّه غیر مناسبه بطبیعه النّور، فحدثت الظلمه من هذه الفکره، و سمّی أهرمن، و کان مطبوعا على الشرّ و الضّرر و الفساد.

و القاعده الثّانیه فی سبب خلاص النّور من الظلمه، و لهم فیها أیضا وجوه کثیره منها أنّه وقعت المحاربه بین عسکر النّور و عسکر الظلمه مدّه کثیره من الوف سنه، ثم یظفر عاقبه الأمر یزدان و جنوده، و عند الظفر و إهلاک جنود أهرمن أجمعین یکون القیامه، فیرتفع هؤلاء إلى عالم النّور و السّماء، و ینحط هؤلاء إلى دار الظلمه و الجحیم و منها أنّ الملائکه و توسّطوا بعد المحاربه إلى أنّ العالم السّفلی لجنود أهرمن، و العالم العلوى خالصا لجنود یزدان، إلى غیر ذلک من الأباطیل و الخرافات التی ذکروها فی سبب الامتزاج و الخلاص، خذ لهم اللَّه أجمعین و لعنهم إلى یوم الدّین.

(أجال الأشیاء لاوقاتها) أى أدارها و نقلها إلیها على وفق ما اقتضاه القضاء اللّازم، و القدر الحتم.

هذا على روایه أجال بالجیم أو بالحاء و جعله من الاحاله بمعنى التّحویل و النّقل، و على المعنى الآخر فالمعنى أنّه أوثب الاشیاء و سواه على أوقاتها بحسب ما تقتضیه الحکمه و المصلحه.

و أمّا على روایه أجل بالجیم فالمعنى أنّه وقّتها لاوقاتها لا تتقدم علیها و لا تتأخّر عنها قال سبحانه: وَ لِکُلِّ أُمَّهٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا یَسْتَأْخِرُونَ و على روایته بالحاء فمعناه أنّه أحلها فی أوقاتها، و على أیّ تقدیر کان، فالمقصود انه سبحانه جعل لکلّ شی‏ء وقتا معیّنا، و زمانا مخصوصا، بحسب اقتضاء النظام الاکمل، و النّظم الاصلح، لا یتقدم علیه و لا یتأخر عنه.

(و لائم بین مختلفاتها) کما أصلح بین العقل الذی هو من عالم الأمر و الغیب و بین البدن الذی هو من عالم الخلق و الشّهاده، مع عدم احتیاجه فی نفسه و فعله إلیه أصلا، و کتوفیقه بین العناصر مع اختلافها و تباینها، و کجمعه بین النار و الثّلج فی بعض الملائکه مع التضاد بینهما و تعاندهما (و غرّز غرایزها) أى جعل غرائز الأشیاء غریزه لها، کما یقال، سبحان من ضوّء الأضواء، و المقصود به أنّ طبیعه کلّ من الأشیاء مجبوله علیه، مطبوعه فیه، کالفطانه للانسان، و البلاده للحمار مثلا (و ألزمها أشباحها) أى جعل غریزه کلّ شی‏ء، و سجیّته لازمه على شبحه، و شخصه، غیر منفکه عنه، کالشّجاعه، لبعض الاشخاص، و الجبن للآخر، و السّخاء لشخص، و البخل لغیره، و کالحراره للعسل، و البروده للکافور، إلى غیر ذلک من الطبایع اللّازمه على الأشخاص الغیر المنفکه عنها، فانّ الشجاع لا یکون جبانا، و لا الجبان شجاعا، و لا البخیل سخیّا، و لا بالعکس.

هذا کله على تقدیر رجوع الضمیرین إلى غرائزها، و أما على تقدیر رجوعهما إلى الاشیاء کما یقتضیه سیاق سوابقهما فالمعنى أنه تعالى ألزم الاشیاء على الأشخاص یعنى أنّ الأشیاء بعد ما کان فی علمه و قضائه سبحانه على نحو العموم و الکلیّه، جعلها لازمه على التشخّصات الجزئیه، و أوجدها فی العین فی ضمن تلک التشخّصات، ضروره أنّ ما لم یتشخص لم یوجد، و إلیه اشیر فی قوله عزّ و جلّ.

وَ إِنْ مِنْ شَیْ‏ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ، وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ هذا و فی بعض النّسخ أشباحها أى اصولها (عالما بها قبل ابتدائها) کما أنّه عالم‏ بها بعد الابتداء و الایجاد، من غیر تفاوت بین الحالتین (محیطا بحدودها و انتهائها) أى بأطرافها و نهایاتها. قال سبحانه فی حم السّجده: أَلا إِنَّهُ بِکُلِّ شَیْ‏ءٍ مُحِیطٌ و فسّره بعضهم بشمول الحفظ، قال الرّاغب أى حافظ له من جمیع جهاته، و بعضهم بشمول العلم، فقال: أى عالم به ظاهرا و باطنا جمله و تفصیلا، و قیل، بل المراد به إحاطته علما و قدره معا.

و أمّا قوله تعالى: أَحاطَ بِکُلِّ شَیْ‏ءٍ عِلْماً فالتمییز بالعلم معیّن، قیل: و الاحاطه بالشّی‏ء علما هو أن یعلم وجوده، و جنسه، و قدره، و کیفیّته، و غرضه المقصود به و بایجاده، و ما یکون هو منه، و لیس ذلک إلّا اللَّه (عارفا بقرائنها و أحنائها) أى نفوسها و جوانبها أو نفوسها و أعضائها و المعرفه هنا مجاز عن العلم، لما قد مرّ فیما سبق من الفرق بینهما، و أنّه لا یجوز اطلاقها فی اللَّه سبحانه، فاذا وقع فی کلام الامام علیه السلام لا بدّ من أن یراد بها معناها المجازی، فیکون عارفا بمعنى عالما، و علاقه التجوز واضحه.

تنبیه و تحقیق

و هو أنّ قوله: عالما بها قبل ابتدائها یفید علمه بجمیع الأشیاء، کلیاتها و جزئیاتها، و فیه ردّ على من نفاه رأسا فضلّ ضلالا بعیدا، و على من نفى علمه بالجزئیات، و خسر خسرانا مبینا، و یفید أیضا علمه بالموجودات قبل ایجادها و تکوینها، و الشّاهد على ذلک مضافا إلى کلامه علیه السلام الآیات و الأخبار المتواتره، و البراهین العقلیّه.

و توضیح المقام و تفصیله یتمّ برسم امور.

الاول فی بیان الأدله النّقلیّه

فمن الکتاب آیات کثیره لا تحصى و لنکتف منها بثلاث آیات قال سبحانه فی سوره البقره:

وَ هُوَ بِکُلِّ شَیْ‏ءٍ عَلِیمٌ و فی سوره النّساء: إِنَّ اللَّهَ کانَ عَلِیماً حَکِیماً و فیها أیضا: وَ کانَ اللَّهُ عَلِیماً حَکِیماً و من السّنه أخبار کثیره بالغه حدّ التّواتر.

فمنها ما فی التّوحید باسناده عن محمّد بن مسلم، عن أبی جعفر علیه السلام، قال: سمعته یقول: کان اللَّه و لا شی‏ء غیره و لم یزل عالما بما کوّنه، فعلمه به قبل کونه کعلمه به بعد ما کوّنه.

و منها ما رواه فیه أیضا عن أیوب بن نوح، أنّه کتب إلى أبی الحسن علیه السلام یسأله عن اللَّه أ کان یعلم الأشیاء قبل أن خلق الأشیاء و کوّنها أو لم یعلم ذلک حتى خلقها و أراد خلقها و تکوینها، فعلم ما خلق عند ما خلق، و ما کوّن عند ما کوّن فوقع علیه السلام بخطه لم یزل اللَّه عالما بالأشیاء قبل أن یخلق الأشیاء، کعلمه بالأشیاء بعد ما خلق الأشیاء.

و منها ما رواه أیضا عن منصور بن حازم، عن أبی عبد اللَّه علیه السلام قال. قلت له: أ رأیت ما کان و ما هو کائن إلى یوم القیامه أ لیس کان فی علم اللَّه قال: فقال: بلى قبل أن یخلق السّماوات و الأرض.

و منها ما رواه عن منصور أیضا، قال سألته: یعنی أبا عبد اللَّه علیه السلام، هل یکون الیوم شی‏ء لم یکن فی علم اللَّه عزّ و جلّ قال علیه السلام لا بل کان فی علمه قبل أن ینشى‏ء السّماوات و الأرض.

و منها ما رواه عن حمّاد بن عیسى، قال سألت أبا عبد اللَّه علیه السلام، فقلت: لم یزل اللَّه یعلم قال: أنّ یکون یعلم و لا معلوم قال: قلت: فلم یزل یسمع قال: أنّى یکون ذلک و لا مسموع قال قلت: فلم یزل یبصر قال: أنّى یکون ذلک و لا مبصر قال ثم قال: لم یزل اللَّه علیما سمیعا بصیرا ذات علّامه سمیعه بصیره.

أقول: لعل ردعه علیه السلام للرّاوی من جهه أنّه علم من حاله أنّه اعتقدان علمه و سمعه و بصره سبحانه، مثل العلم و السمع و البصر الموجود فی غیره سبحانه، بأن‏تکون أوصافا زایده على الذّات، و مستلزمه للمتعلّقات، من حیث کونها امورا نسبیه غیر قائمه إلّا بمتعلقاتها، و یشهد بذلک آخر الرّوایه، و روایه الحسین بن خالد الآتیه و غیرها.

و منها ما رواه عن الحسین بن بشار، عن أبی الحسن علیّ بن موسى الرّضا علیهما السّلام، قال: سألته أ یعلم اللَّه الشّی‏ء الذی لم یکن أن لو کان کیف کان یکون أو لا یعلم إلّا ما یکون فقال: إنّ اللَّه تعالى هو العالم بالأشیاء قبل کون الأشیاء، قال عز و جلّ: إِنَّا کُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ و قال لأهل النار: وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَکاذِبُونَ فقد علم اللَّه عزّ و جلّ بأنّهم لوردّهم لعادوا لما نهوا عنه، و قال للملائکه لما قالت: أَ تَجْعَلُ فِیها مَنْ یُفْسِدُ فِیها وَ یَسْفِکُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِکَ وَ نُقَدِّسُ لَکَ، قالَ إِنِّی أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فلم یزل اللَّه عزّ و جلّ علمه سابقا للأشیاء، قدیما قبل أن یخلقها، فتبارک ربّنا و تعالى علوّا کبیرا، خلق الأشیاء و علمه سابق لها کما شاء کذلک لم یزل ربّنا علیما سمیعا بصیرا.

و منها ما رواه أیضا عن عبد اللَّه بن مسکان، قال: سألت أبا عبد اللَّه علیه السلام عن اللَّه تبارک و تعالى أ کان یعلم المکان قبل أن یخلق المکان أو علمه عند ما خلقه و بعد ما خلقه فقال تعالى اللَّه بل لم یزل عالما بالمکان قبل تکوینه کعلمه به بعد کونه، و کذلک علمه بجمیع الأشیاء کعلمه بالمکان.

و منها ما رواه عن الحسین بن خالد، قال سمعت الرّضا علی بن موسى علیه السلام یقول: لم یزل اللَّه تبارک و تعالى علیما قادرا حیّا قدیما سمیعا بصیرا، فقلت له یا بن رسول اللَّه: إنّ قوما یقولون: إنّه عزّ و جلّ لم یزل عالما بعلم، و قادرا بقدره، و حیّا بحیاه، و قدیما بقدم، و سمیعا بسمع، و بصیرا ببصر، فقال علیه السلام: من قال‏ ذلک و دان به فقد اتّخذ مع اللَّه آلهه اخرى، و لیس من ولایتنا على شی‏ء، ثم قال: لم یزل اللَّه عزّ و جلّ علیما قادرا حیّا قدیما سمیعا بصیرا لذاته، تعالى عمّا یشرکون و یقولون المشبّهون علوّا کبیرا.

و منها ما فی الکافی عن أمیر المؤمنین علیه السلام فی بعض خطبه قال: أحاط بالأشیاء علما قبل کونها، فلم یزدد بکونها علما علمه بها قبل أن یکوّنها، کعلمه بها بعد تکوینها.

و منها ما فیه أیضا کما فی التّوحید عن أبی بصیر قال: سمعت أبا عبد اللَّه علیه السلام یقول: لم یزل اللَّه عزّ و جلّ ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم، و السّمع ذاته و لا مسموع، و البصر ذاته و لا مبصر، و القدره ذاته و لا مقدور، فلما أحدث الأشیاء و کان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم، و السمع على المسموع، و البصر على المبصر، و القدره على المقدور، قال: قلت: فلم یزل اللَّه متکلما قال: إنّ الکلام صفه محدثه، و لیست بأزلیّه، کان اللَّه و لا یتکلّم، إلى غیر ذلک من الأخبار الوارده فی هذا الباب ممّا یقف علیها المتتبع المجدّ.

بیان

قال الفاضل المازندرانی فی شرح الکافی فی شرح الحدیث الأخیر: قوله علیه السلام وقع العلم منه على المعلوم اه، یعنی وقع العلم على ما کان معلوما فی الأزل، و انطبق علیه، لا على أمر یغایره و لو فی الجمله، و المقصود أن علمه قبل الایجاد، هو بعینه علمه بعد الایجاد، و المعلوم قبله هو المعلوم بعینه بعده، من غیر تفاوت و تغیّر فی العلم أصلا، و لیس هناک تفاوت إلّا تحقّق المعلوم فی وقت و عدم تحققه قبله، و لیس المراد بوقوع العلم على المعلوم تعلّقه به تعلقا لم یکن قبل الایجاد، لأنّ علمه متعلّق به قبل الایجاد و بعده، و هذا الذی ذکره علیه السلام هو المذهب الصحیح الذی ذهب إلیه الفرقه النّاجیه الامامیّه و أکثر المخالفین.

قال قطب المحققین فی درّه التّاج: ذهب جمهور مشایخ أهل السّنه و المعتزله-  إلى أن العلم بأنّ الشی‏ء سیوجد نفس العلم بذلک الشّی‏ء إذا وجد، لأنّ من علم‏ علما قطعیّا بأن زیدا یدخل البلد غدا عند طلوع الشّمس مثلا، یعلم بذلک العلم بعینه عند طلوع الشمس أنه دخل البلد، و لو احتاج أحدنا إلى تعلّق علم آخر به فانّما احتاج إلیه بطریان الغفله عن العلم الأول و الغفله على البارى ممتنعه انتهى کلام الفاضل المذکور طاب ثراه.

و أوضح منه ما ذکره المحدث العلّامه المجلسی قده فی مرآه العقول عند شرح الفقره المذکوره حیث قال: قوله: وقع العلم منه على المعلوم، أى وقع على ما کان معلوما فی الأزل و انطبق علیه و تحقّق مصداقه، و لیس المقصود تعلّقه به تعلقا لم یکن قبل الایجاد، إذ المراد بوقوع العلم على المعلوم: العلم به على أنّه حاضر موجود کان قد تعلّق العلم به قبل ذلک على وجه الغیبه و أنّه سیوجد، و التّغیر یرجع إلى المعلوم لا إلى العلم.

و تحقیق المقام أنّ علمه تعالى بأنّ شیئا وجد هو عین العلم الذی کان له تعالى بأنّه سیوجد، فان العلم بالقضیه إنّما یتغیر بتغیرها، و هو بتغیر موضوعها أو محمولها و المعلوم هاهنا هی القضیّه القائله بأن زیدا موجود فی الوقت الفلانی، و لا یخفى أنّ زیدا لا یتغیّر معناه بحضوره و غیبته، نعم یمکن أن یشار إلیه إشاره خاصّه بالموجود حین وجوده، و لا یمکن فی غیره، و تفاوت الاشاره إلى الموضوع لا یؤثر فی تفاوت العلم بالقضیه، و نفس تفاوت الاشاره راجع إلى تغیّر المعلوم لا العلم.

الثانی

أنّه قد تحقّق من الاخبار السّالفه علمه تعالى بجمیع الاشیاء کلیاتها و جزئیاتها و هذا ممّا اتّفق علیه جمهور العقلاء، و أقام علیه المتکلمون و الحکماء البراهین السّاطعه، و الادله القاطعه، کما أنّهم أقاموا الدّلیل على علمه سبحانه بذاته، و قد خالف فی ذلک جماعه ممّن لا یعبأ بخلافهم، و لا باس بالاشاره إلى بعض البراهین العقلیّه التی أسّسوها فی المقام، اقتفاء بالاعلام، و توضیحا لکلام الامام علیه السلام.

فاقول: قال فی التّجرید: و الاحکام، و التّجرد، و استناد کلّ شی‏ء إلیه، دلایل العلم و الاخیر عام انتهى.

توضیحه أنّ کونه سبحانه فاعلا للأشیاء المحکمه، و مجرّدا فی ذاته عن‏المادّه، و کون جمیع الاشیاء مستندا إلى ذاته المقدّسه، أدله على کون الباری سبحانه عالما، إلا أنّ الاوّل مفید لعلمه بما سواه، و الثّانی لعلمه بذاته، و الثّالث لعلمه بذاته و بما سواه.

أمّا الاوّل فتفصیله أنّه سبحانه فاعل فعلا محکما متقنا، و کلّ من کان کذلک فهو عالم، أمّا الکبرى فضروریّه، و ینبّه علیه أنّ من رأى خطوطا ملیحه، و ألفاظا فصیحه، مشتمله على نکات دقیقه، و أسرار خفیّه، علم علما قاطعا بأنّ موجدها عالم، و أمّا الصّغرى فلما ثبت و تحقّق، من أنّه خالق للأفلاک و العناصر و الأعراض و الجواهر و الأنهار و الأشجار و الأزهار و الأثمار و الحیوان و الانسان على أحسن نظام و أتقن انتظام، بما لا یقدر على ضبطه الدّفاتر و الأقلام، و تحیّر فیه العقول و الأفهام، و کفى بذلک شهیدا صنعه الانسان، حیث خَلَقَهُ مِنْ سُلالَهٍ مِنْ طینٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ نُطْفَهً فی قَرارٍ مَکینٍ، ثُمَّ خَلَقَ النُّطْفَهَ عَلَقَهً، فَخَلَقَ الْعَلَقَهَ مُضْغَهً، فَخَلَقَ الْمُضْغَهَ عِظاماً، فَکَسَا الْعِظامَ لَحْماً، ثُمَّ أَنْشَأَهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَکَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِینَ.

و أمّا الدّلیل الثّانی فتحقیقه یستدعی رسم مقدمات الاولى أنّ واجب الوجود مجرّد غایه التجرّد إذ المراد بغایه التجرّد کون الشی‏ء قائما بذاته، غیر متعلّق الهویه و الوجود بمادّه أو موضوع، و واجب الوجود کذلک«» الثانیه أنّ کلما هو قائم بذاته غیر متعلّق الهویه بشی‏ء آخر، فهو موجود لذاته، حاضر عند ذاته غیر غائبه و لا منفکه ذاته عن ذاته الثالثه أنّ العلم هو حضور المعلوم بعینه أو بصورته عند المجرّد الموجود بالفعل القائم بذاته، و انکشافه لدیه و ثبوته بین یدیه، و هذا أیضا ظاهر و إذا لاحظت هذه المقدمات ظهر لک أنّ واجب الوجود لکونه مجرّدا غایه التجرد، و لکونه قائما بذاته، و موجودا لذاته، و حاضرا عند ذاته، غیر غائب عن ذاته، و منکشفا لذاته غیر محجوب عنها، فهو عالم لذاته بذاته، لا بأمر آخر غیر ذاته، فذاته عقل و عاقل و معقول، و الاختلاف اعتباریّ من جهه التّعبیر و أمّا الدّلیل الثّالث فتقریره أنّ وجود جمیع الموجودات مستند إلى ذاته و هو لیس مستندا إلى شی‏ء من الأشیاء، فهو تعالى لکونه غیر متعلق بشی‏ء من الأشیاء، موجود لذاته، قائم بذاته، و ذاته حاضره عند ذاته، و جمیع الأشیاء لکونه معلوله له تعالى موجوده له حاضره عنده، غیر غائبه، لوجوب کون العلّه موجوده مع المعلول، فان حصول المعلول للعلّه أشد من حصول الصّوره لنا، کما صرّح به المحقّق الطوسی فی شرح الاشارات فقد تحقّق بما ذکرناه علمه بذاته و بما سواه.

و لنعم ما قال المحقّق الشّیرازی فی الأسفار: کیف یسوغ عند ذی فطره عقلیه أن یکون واهب کمال مّا و مفیضه قاصرا عن ذلک الکمال فیکون المستوهب أشرف من الواهب، و المستفید أکرم من المفید، و حیث ثبت استناد جمیع الممکنات إلى ذاته تعالى التی هی وجوب صرف، و فعلیّه محضه، و من جمله ما یستند إلیه هى الذّوات العالمه، و الصّور العلمیّه، و المفیض لکل شی‏ء أو فی بکلّ کمال لئلا یقصر معطی الکمال عنه، فکان الواجب عالما، و علمه غیر زاید على ذاته.

الثالث فی کیفیّه علمه سبحانه بالأشیاء قبل تکوینها و ایجادها

و هذا المقام ممّا زلت فیه أقدام العلماء، و تحیّرت فیه أفهام الحکماء، و لنهایه غموضه و صعوبته اختلفوا فیه على أقوال شتّى، و غایه اشکاله و دقّته تفرقوا فیه أیدى سبا و أیادی سبا.

فمنهم من نفاه رأسا کالاشراقیین تبعا لمعلمهم أفلاطن على ما حکی«» عنهم حیث ذهبوا إلى أنّ علمه بالأشیاء مع الأشیاء، و أنّ إضافه علمه هی بعینها إضافه فاعلیّته، و أنّ معلومیّه الشّی‏ء لیس إلّا حضور ذاته الموجوده عند العالم، و قبل الوجود لا حضور، فلا علم.

و منهم من ذهب إلى إثباته و أنّ علمه بالأشیاء متقدّم علیها، و هم المشّاؤون تبعا لمعلمهم أرسطاطالیس، قالوا: إنّ عالمیّته بالأشیاء بتقرّر صورها العقلیه، و ارتسام رسومها الادراکیه فی ذاته تعالى، و اعتذروا عن ذلک بأنّ تلک الصّوره و إن کانت اعراضا قائمه بذاته: إلّا أنّها لیست بصفاته، و ذاته لا ینفعل عنها، و لا یستکمل بها، لأنّها بعد الذّات و هی من قبیل اللوازم المتأخّره و الآثار، لا من قبیل الصّفات و الاحوال، و أیضا لا تخل کثرتها بوحده الذّات، لأنّها کثره على ترتیب السّببیّه و المسبّبیه، و کترتیب الواحد و الاثنین و الثّلاثه و ما بعدها، فلا تنثلم بها وحده الذّات، کما لا تنثلم وحده الواحد بکونه مبدءا للأعداد الغیر المتناهیه إذ التّرتیب یجمع الکثره فی وحده.

توضیحه ما ذکره الصّدر الشّیرازی فی شرح الهدایه، حیث قال: و اعلم أنّ المصنّف اختار فی علم الواجب بالأشیاء الکلیه و الجزئیه، مذهب الحکماء القائلین بارتسام صور الموجودات فی ذاته تعالى، کالکسیمائیس الملطی و أرسطا طالیس، و هو الظاهر من کلام الشّیخین أبی نصر و أبی علی و تلمیذه بهمنیار، و بالجمله جمهور أتباع المعلّم الأوّل من المشاءین.

و تقریره على ما یستفاد من کتبهم هو، أنّ الصّوره العقلیّه قد تؤخذ عن الصّوره الموجوده کما یستفاد من السّماء بالرّصد و الحس صورتها المعقوله، و قد لا یستفاد الصّوره المعقوله من الموجود، بل ربّما یکون الأمر بالعکس من ذلک، کصوره بیت أبدعها البنّاء أوّلا فی ذهنه، ثم تصیر تلک الصّوره العقوله علّه محرّکه لأعضائه إلى أن یوجدها فی الخارج، فلیست تلک الصّوره وجدت فعقلت بل عقلت فوجدت.

و لمّا کانت نسبه جمیع الأشیاء الممکنه إلى اللَّه تعالى نسبه المصنوع إلى النّفس الصّانعه لو کانت تامّه الفاعلیّه، فقیاس عقل واجب الوجود للأشیاء هو قیاس افکار للعلوم التی نستنبطها ثم نوجدها فی الخارج، من حیث إنّ المعقول منها سبب للموجود و الفرق بین الأمرین أنّنا لکوننا ناقصین فی الفاعلیّه، نحتاج فی أفاعیلنا الاختیاریّه إلى انبعاث شوق، و استخدام قوّه محرّکه، و استعمال آله تحریکیّه من العضلات و الرّباطات و غیرها، ثم إلى انقیاد ماده لقبول تلک الصّوره، و الأول تعالى لکونه تامّ الفاعلیّه لا یحتاج فی فاعلیّته إلى أمر خارج عن ذاته بل إنّما أمره إذا أراد شیئا ان یقول له کن فیکون، فانه یعقل ذاته و ما یوجب ذاته، و یعلم من ذاته کیفیّه الخیریّه فی الکلّ فیتبع صور الموجودات الخارجه الصّور المعقوله عنده على نحو النّظام المعقول عنده و على حذائه، فالعالم الکنائی بازاء العالم الرّبوبی، و العالم الرّبوبی عظیم جدّا.

و أیضا لو کان الباری یعقل الأشیاء من الأشیاء، لکانت وجوداتها متقدّمه على عاقلیته لها، فلا یکون واجب الوجود، و قد سبق أنّه واجب الوجود من جمیع الوجوه، و یکون فی ذاته و قوامه أن یقبل ماهیات الأشیاء، و کان فیه عدمها باعتبار ذاته، فیکون فی ذاته جهه إمکانیه، و لکان لغیره مدخل فی تتمیم ذاته، و هو محال، فیجب أن یکون من ذاته ما هو الأکمل، لا من غیره، فقد بقى أن یکون علمه بالممکنات حاصلا له تعالى قبل وجودها، لا من وجودها، هذا حاصل کلام المشّائین فی علم اللَّه بما سواه انتهى کلامه.

أقول: هذا القول لمّا کان فاسدا جدا شنع علیه المتأخرون و منهم المحقّق الطوسی فی شرح الاشارات حیث قال فی محکی کلامه: لا شک فی أنّ القول بتقریر لوازم الأوّل فی ذاته تعالى، قول بکون الشّی‏ء الواحد فاعلا و قابلا، و قول بکون الأوّل موصوفا بصفات غیر إضافیه و لا سببیّه، و قول بکونه محلا لمعلولاته الممکنه المتکثره، تعالى عن ذلک علوّا کبیرا اه.

و قیل فی المقام أقوال اخر یرتقى إلى ستّه، و لکنّها کلها غیر خالیه عن الفساد، و النّقض و الایراد، و من أراد الاطلاع علیها فلیراجع إلى کتاب المبدأ و المعاد، و السّفر الالهی من الاسفار للصّدر الشیرازی، و باضافه ما اختاره هناک إلیها یرتقى الأقوال إلى سبعه هذا.

و الذی ینبغی أن یصار إلیه هو أن یقال: لمّا ثبت کون الواجب عالما بذاته، لزم کونه عالما بجمیع الموجودات، فانّ ذاته عله موجبه لجمیع ما عداه، و مبدء لفیضان کلّ إدراک حسیّا کان أو عقلیّا، و منشأ لکل ظهور، ذهنیّا کان أو عینیّا، إمّا بدون واسطه، أو بواسطه هی منه، و العلم التّام بالعله الموجبه یستلزم العلم التّام بمعلولها، لأنّ المعلول من لوازم ذات العله التّامه، فیلزم من تعقلها بکنهه، أو بالوجه الذی ینشأ منه المعلول: تعقله، فلزم کونه عالما بجمیع المعلومات، و أما معرفه کنه هذا الحضور و العلم فلا سبیل لنا إلیه کما لا سبیل لنا إلى إدراک ذاته.

و لنعم ما قال المدقق السّابق فی کتاب المبدأ، حیث قال: و أمّا کیفیّه علمه بالأشیاء بحیث لا یلزم منه الاتّحاد، و لا کونه فاعلا و قابلا، و لا کثره فی ذاته بوجه غیر ذلک، تعالى عنه علوّا کبیرا، فاعلم أنّها من أغمض المسائل الحکمیّه، قل من یهتدی إلیه سبیلا، و لم یزل قدمه فیها، حتّى الشّیخ الرّئیس«» أبی علی بن سینا، مع براعته و ذکائه الذی لم یعدل به ذکاء، و الشّیخ الالهی صاحب الاشراق مع صفاء ذهنه و کثره ارتیاضه بالحکمه، و مرتبه کشفه، و غیرهما من الفایقین فی العلم، و إذا کان هذا حال أمثالهم فکیف من دونهم من اسراء عالم الحواس، مع غشّ الطبیعه و مخالطتها.

و لعمرى إن إصابه مثل هذا الأمر الجلیل على الوجه الذی یوافق الاصول الحکمیّه، و یطابق القواعد الدّینیّه، متبرّءا عن المناقشات، و منزّها عن المؤاخذات، فی أعلى طبقات القوى الفکریّه البشریّه، و هو بالحقیقه تمام الحکمه الحقّه الالهیه انتهى.

أقول: و لصعوبه ذلک لم یأتوا علیهم السلام فی الجواب عن هذه المسأله فی الأحادیث السّالفه و غیرها مع کثرتها، إلّا بکلام مجمل من غیر تفصیل، لما رأوا قصور الأفهام و المدارک عن درکها«» تفصیلا، فسبحان من عجز عن إدراک ذاته الأفهام‏ و تحیّر فی بلوغ صفاته عقول الأنام.

الترجمه

ایجاد کرد مخلوقات را ایجاد کردنى، بدون مادّه یا بدون سبق مثال از غیر او یا از خود او، و بیافرید آنها را آفریدنى نه بجهت علت و غرضى از قبیل استیناس و رفع استیحاش، در حالتى که آن آفریدن بى فکرى بود که جولان داده باشد آن را، یا مصروف بدارد آن فکر را به مخلوقات، و بدون تجربه که فایده گرفته باشد از آن، و بدون حرکت ذهنیّه و بدنیّه که احداث نموده باشد آن را، و بى تردّد نفسى که مضطرب بوده باشد در آن، گردانید اشیاء را از براى وقت هاى آنها، و اصلاح کرد در میان مختلفات آنها، و مطبوع نمود طبایع أشیاء را در اشیاء، و لازم غیر منفک گردانید آن طبایع را به اشخاص خود، عالم بود به اشیاء پیش از آفریدن آنها، و احاطه کننده بود به اطراف آن‏ها و نهایات آن‏ها، و دانا بود بنفوس آنها و جوانب آنها.

الفصل الثامن

ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء، و شقّ الأرجاء، و سکائک الهواء، فأجرى فیها ماء متلاطما تیّاره، متراکما زخّاره، حمله على متن الرّیح العاصفه، و الزّعزع القاصفه، فأمرها بردّه، و سلّطها على شدّه، و قرنها إلى حدّه، الهواء من تحتها فتیق، و الماء من فوقها دقیق، ثمّ أنشأ سبحانه ریحا أعقم مهمّا، و أدام مربّها، و أعصف مجریها، و أبعد منشأها، أمرها بتصفیق السماء الزّخار، و إثاره موج البحار، فمخضته مخض السّقاء، و عصفت به عصفها بالفضاء، تردّ أوّله على آخره، و ساجیه على ماثره، حتّى عبّ عبابه، و رمى بالزّید رکامه،فرفعه فی هواء منفتق، و جوّ منفهق، فسوّى منه سبع سموات، جعل سفلاهنّ موجا مکفوفا، و علیاهنّ سقفا محفوظا، و سمکا مرفوعا، بغیر عمد یدعمها، و لا دسار ینتظمها، ثمّ زیّنها بزینه الکواکب، و ضیاء الثّواقب، و أجرى فیها سراجا مستطیرا، و قمرا منیرا، فی فلک دائر، و سقف سائر، و رقیم مآثر.

اللغه

(الفتق) الشّق و الفصل (و الاجواء) جمع جوّ و هو ما بین السّماء و الأرض، و قیل الفضاء الواسع (و الارجاء) جمع رجا بالقصر و هی النّاحیه (و السکائک) جمع سکاکه مثل ذوابه و ذوائب، و هی الهواء الملاقی عنان السّماء کالسّکاک تقول: لا أفعل ذلک و لو نزوت فی السّکاکه، قیل: و فی لسان الحکمه عباره عن الطبقه السّابعه من الهواء، و ربّما فسّرت بالهواء المطلق، و یحتاج حینئذ إلى التّأویل لئلّا یلزم إضافه الشّی‏ء إلى نفسه.

و اصل (اللّطم) الضّرب على الوجه بباطن الرّاحه، و تلاطم الأمواج: ضرب بعضها بعضا کأنّه یلطمه (و التیّار) الموج و قیل: شدّه الجریان، و هو فیعال، أصله تیوار، فاجتمعت الواو و الیاء فادغم بعد القلب، و بعضهم جعله من تیر، فهو فعال، و الرّمل (المتراکم) الذی بعضه فوق بعض (و الزّخار) مبالغه فی الزاخر یوصف به البحر یقال: بحر زاخر أى طام ممتلى (و المتن) الظهر (و العاصفه) الشّدیده الهبوب و ریح (زعزع) و زعزعان و زعزاع إذا کانت تزعزع الاشیاء و تحرّکها بشدّه.

(و القاصفه) من القصف، یقال: قصف الرّعد و غیره قصیفا، إذا اشتدّ صوته (و سلّطته) على الشّی‏ء تسلیطا مکّنته، فتسلط أى تحکم و تمکن (و الدّفیق)المندفق (أعقم مهبّها) أى جعل هبوبها عقیما، و الرّیح العقیم خلاف اللّاقح و هی التی لا تثیر سحابا، و لا تلقح شجرا (و المهبّ) مصدر بمعنى الهبوب، او اسم مکان و (أدام مربّها) أى جعل ملازمتها دائمه، و هو من الأرباب یقال: أربّ بالمکان إذا لزم و أقام به و (أعصف مجریها) أى جریانها، أو اسند إلى المحلّ توسّعا.

(و التّصفیق) من صفقه إذا قلبه أو بمعنى الضّرب الذی له صوت، أو من صفق الشّراب إذا حوله ممزوجا من إناء إلى آخر لیصفوا و (الاثاره) من الثوران و هو الهیجان و (المخض) التّحریک، یقال: مخضت اللّبن إذا حرکته لاستخراج ما فیه من الزّبد و (السّقاء) مثل کساء ما یوضع فیه الماء و اللّبن و نحوهما من جلد الغنم و نحوه لیخرج زبده، و هو قریب من القربه و البحر (السّاجی) السّاکن.

و (مار) الشّی‏ء مورا من باب قال، تحرّک بسرعه و (المآثر) المتحرّک و (عب) الماء ارتفع و (عباب) کغراب معظم الماء و کثرته و طغیانه (و الرّکام) بالضمّ المتراکم و (الجوّ المنفهق) المفتوح الواسع و (المکفوف) الممنوع من السّقوط و السّیلان و (سقف) البیت عرشه و (السّمک) البناء، قال سبحانه: رفع سمکها، أى بنائها.

و (العمد) بفتحتین جمع عماد و هو ما یسند به (و دعم) الشّی‏ء دعما من باب علم إذا مال فأقامه، و منه الدّعامه بالکسر، و ما یستند به الحائط إذا مال یمنعه من السّقوط و (الدسار) ککتاب المسمار و الحبل الذی یشدّ به الأخشاب و یرتّب و (الثواقب) جمع الثاقب، قال سبحانه: النّجم الثاقب، و سیأتی تفسیرها و اختلاف الأقوال فیها.

و (المستطیر) المنتشر یقال: استطار الفجر إذا انتشر ضوئه و (قمرا منیرا) من أنار الشّی‏ء إذا أضاء، و قیل: إن النّور أقوى من الضیاء، لقوله سبحانه:

اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و ربّما یفرق بأن النّور الذاتی یسمّى ضیاء، و ما بالعرض یسمّى نورا اخذا من قوله سبحانه: هُوَ الَّذِی جَعَلَ الشَّمْسَ ضِیاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً (و الرّقیم المائر) هو اللوح المتحرک، کنى به عن الفلک لأنّه مسطّح کاللوح، و فی المجمع: و الرّقیم من أسماء الفلک، سمّی به لرقمه بالکواکب، کالثّوب المنقوش.

الاعراب

الأصل فی کلمه ثمّ العاطفه أن تکون مفیده للتّشریک و التّرتیب و المهله، و لا یمکن کون ثم فی قوله علیه السلام: ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء، على وفق ذلک الأصل، من حیث استلزامها حینئذ خلق الفضاء و السّماوات بعد خلق کلّ شی‏ء مع التّراخی، کما هو ظاهر، فلا بدّ إمّا من جعلها بمعنى الواو، على حدّ قوله سبحانه: وَ إِنِّی لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏ أو من المصیر إلى ما ذهب إلیه الفرّاء و بعض النّحویین، من تخلّف المهله و التّرتیب عنها أحیانا، مستدلّا بقول العرف: أعجبنی ما صنعت الیوم، ثم ما صنعت امس أعجب، حیث إنّه لا تراخی بین المعطوف و المعطوف علیه، کما لا ترتیب بینهما، و بقوله تعالى: الَّذِی خَلَقَکُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَهٍ وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها و قوله سبحانه: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَهٍ مِنْ طِینٍ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَهً فِی قَرارٍ مَکِینٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَهَ عَلَقَهً حیث لا ترتیب فی الایه الاولى، و لا تراخی فی الثّانیه.

و أجاب الشّارح المعتزلی بأن قوله: ثم هو تعقیب و تراخ، لا فی مخلوقات الباری سبحانه بل فی کلامه علیه السلام، کأنّه یقول: ثم أقول الان بعد قولی المتقدّم: إنّه تعالى أنشأ فتق الأجواء انتهى.

و أنت خبیر بما فیه، ضروره أنّه لا تراخی بین الاخبارین، و الأولى أن یعتذر بذلک عن اشکال افادتها التّرتیب بأن یقول: إنّ ثم فی کلامه لترتیب الاخبار، لا لترتیب الحکم، کما اعتذر به جماعه عن الایه الاولى، و استدلوا علیه بالمثال السّابق، و قالوا: إنّ معناه ثم اخبرک بأن ما صنعت أمس أعجب.

و إضافه الفتق و الشّق و السّکائک إلى تالیاتها، من قبیل الاضافه بمعنى اللّام، و یحتمل کون إضافه الأوّلین من قبیل إضافه الصّفه إلى الموصوف، أى الأجواء الفاتقه بین السّماء و الارض، و الأرجاء الفاصله بینهما، و هو الأقرب معنى، لکن الأوّل أنسب بالقواعد الأدبیّه، کما هو ظاهر.

و قوله علیه السلام: متلاطما و متراکما، صفتان لماء، کما أنّ جمله حمله کذلک أو أنّها استینافیّه بیانیه، و إلى، فی قوله: قرنها الى حدّه، بمعنى اللّام کما فی قولهم و الأمر إلیک.

و قوله علیه السلام: فی فلک دائر، بدل من قوله علیه السلام: فیها، أو حال عن المنصوبین أو ظرف لغو متعلق بقوله منیرا.

المعنى

لما أشار علیه السلام إلى کیفیّه ایجاده سبحانه الخلق فی الفصل السّابق إجمالا، أشار إلى کیفیّه الخلقه تفصیلا، فقال علیه السلام: (ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء، و شق الارجاء، و سکائک الهواء) هذه الجملات الثلاث متّحده المفاد، و جمع الاجواء و الارجاء و السّکائک باعتبار تعدد طبقات الهواء، و قیل: إنّ المراد بالاجواء: هو الفضاء الظاهر على أطراف الأرض، و بالأرجاء: الفضاء المتّصل بأطراف الأرض الذی أدنى من الأوّل، و بالسّکائک الفضاء المرتفع عن الأرض، و کیف کان ففیها دلاله على کون الفضاء مخلوقا، و أمرا موجودا، لأنّ المخلوق لا یکون عدما محضا.

قال الشّارح المعتزلی: و ذلک لیس ببعید، فقد ذهب إلیه قوم من أهل النّظر، و جعلوه جسما لطیفا خارجا عن مشابهه هذه الأجسام، و منهم من جعله مجردا هذا.

و قال العلّامه المجلسی فی البحار: المراد بفتق الأجواء ایجاد الأجسام فی الأمکنه الخالیه، بناء على وجود المکان بمعنى البعد، و جواز الخلاء، أو المراد بالجوّ البعد الموهوم، أو أحد العناصر، بناء على تقدّم خلق الهواء، و قوله علیه السلام: و شقّ الأرجاء کالتّفسیر لفتق الأجواء، أو المراد بالأرجاء الافضیه و الأمکنه، و بالأجواء عنصر الهواء، و قوله علیه السلام: و سکائک الهواء بالنّصب کما فی کثیر من النّسخ، معطوف على فتق الأجواء، أى أنشأ سبحانه سکائک الهواء، و الجرّ کما فی بعض النّسخ أظهر، عطفا على الأجواء، أى أنشأ فتق سکائک الهواء، انتهى کلامه رفع مقامه.

و فی شرح ابن میثم فان قلت: إنّ الأجواء و الأرجاء و السکائک امور عدمیّه، فکیف یصحّ نسبتها إلى الانشاء عن القدره قلت إن هذه الأشیاء عباره عن الخلاء و الأحیاز، و الخلاف فی أنّ الخلاء و الحیّز و المکان هل هی امور وجودیّه أو عدمیّه مشهور، فان کانت وجودیّه کانت نسبتها إلى القدره ظاهره، و یکون معنى فتقها و شقّها شق العدم عنها، و إن کانت عدمیّه کان معنى فتقها و شقّها و نسبتها إلى القدره: تقدیرها، و جعلها أحیازا للماء، و مقرّا، لأنّه لما کان تمییزها عن مطلق الهواء و الخلاء بایجاد اللَّه فیها الماء، صار تعیّنها بسبب قدرته، فتصحّ نسبتها إلى إنشائه، فکانه سبحانه شقّها و فتقها بحصول الجسم فیها و هذا قریب ممّا ذکره المجلسی أوّلا.

و الحاصل أنّه سبحانه أنشأ أحیازا و أمکنه خالیه (فأجرى فیها ماء متلاطما تیّاره) أى موجه و لجّته (متراکما زخاره) أى طمومه و امتلائه، و لمّا خلق سبحانه الماء (حمله على متن الرّیح العاصفه) الشدیده العصف و الهبوب (و الزّعزع‏القاصفه) الشّدیده الصّوت، فاستقلّ الماء علیها و ثبت، و صارت مکانا له، و المراد بهذه الرّیح إمّا المتحرّک من الهواء الذى ذکره علیه السلام أوّلا على ما هو المشهور، أو غیره: کما یستفاد من روایه الاحتجاج، عن هشام بن الحکم، عن الصّادق علیه السلام فی جواب الزّندیق، قال علیه السلام: و الرّیح على الهواء، و الهواء تمسکه القدره، و على هذا فیمکن أن تکون الرّیح مقدّمه فی الخلقه على الهواء، أو متأخّره عنه، أو مقارنه له.

ثم لمّا کان الماء المحمول على الرّیح جاریا فی الهواء على مقتضى طبعه (أمرها) سبحانه (بردّه، و سلطها على شدّه، و قرنها إلى حدّه) أى أمر الرّیح أن تحفظ الماء و تردّه، بالمنع عن الجرى الذی سبقت الاشاره إلیه فی قوله علیه السلام: فأجرى فیها ماء اه، فکان قبل الرد قد خلى و طبعه، ثم أمر الرّیح بردّه، و قوّاها على ضبطه، کالشّی‏ء المشدود، و جعلها مقرونه لحدّه، أى محیطه بنهایته، و عن الکیدری، قوله فأمرها، مجاز، لأن الحکیم لا یأمر الجماد.

و فی البحار و لعلّ المراد بالأمر هنا، الأمر التکوینی، کما فی قوله: کن فیکون، و قوله کونوا قرده.

ثم أشار علیه السلام إلى کمال قدرته سبحانه بقوله: (الهواء من تحتها فتیق) أى مفتوح منبسط من تحت الرّیح الحامله للماء (و الماء من فوقها دفیق) أى مصبوب مندفق.

قال المجلسی: و الغرض أنّه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب بالرّیح الحامله له، کما ضبط الرّیح بالهواء المنبسط، و هو موضع العجب (ثم أنشأ سبحانه) فوق ذلک الماء (ریحا) اخرى (أعقم مهبّها) أى جعل هبوبها عقیما، و فی کثیر من النّسخ اعتقم مهبها، بالتاء، فاللّازم حینئذ رفع مهبها، للزوم الفعل فالمعنى حینئذ صار مهبها عقیما لا یلقح، من العقیم الذی لا یولد له ولد، أو صار مهبّها ضیّقا، لأنّ الاعتقام هو أن تحفر البئر، فاذا قربت من الماء احتفرت بئرا صغیرا بقدر ما تجد طعم الماء، فان کان عذبا حفرت بقیتها، فاستعیر هنا من حیث ضیق المهب کما یحتفر البئر الصّغیر.

و أما ما قیل«» من أنّ معنى اعتقم مهبّها: جعل مهبّها عقیما، ففاسد، لأنّه إنّما یصحّ لو کان اعتقم متعدیا (و أدام مربّها) أى ملازمتها لتحریک الماء، و عن بعض النّسخ مدبها بالدّال، أى حرکتها. (و أعصف مجریها) أى جریانها أو اسند إلى المحلّ مجازا، من قبیل سال المیزاب (و أبعد منشأها) أى جعل مبدئها بعیدا لا یعرف، ثم سلّطها على ذلک الماء.

(فامرها بتصفیق الماء الزّخار) أى تحویله و قلبه و ضرب بعضه ببعض بشدّه (و إثاره موج البحار) و تهییجه (فمخضته) مثل (مخض السّقاء) الذی یمخض فیه اللبن لیخرج ما فیه من الزّبد و التّشبیه للاشاره إلى شدّه التّحریک (و عصفت به) أى بهذا الماء العظیم مثل (عصفها بالفضاء) أى عصفا شدیدا، لأنّ العصف بالفضاء یکون أشدّ من حیث عدم المانع (تردّ أوّله على آخره و ساجیه على ماثره) أى ساکنه على متحرکه (حتّى عب عبابه) أى ارتفع معظمه (و رمى بالزّبد رکامه) أى متراکمه و ما اجتمع منه بعضه فوق بعض.

(فرفعه فی هواء منفتق) أى رفع اللَّه ذلک الزّبد فی هواء مفتوق مفتوح (و جوّ منفهق) أى متّسع و منفتح (فسوّى منه سبع سموات) أى خلقهنّ من الزّبد، و عدلهن مصونه من العوج و التّهافت، و السّبع لا ینافی التسع التی أثبتوها أصحاب الارصاد، إذ الثّامن و التّاسع مسمیان فی لسان الشّرع بالعرش و الکرسی، و سیأتی تحقیق الکلام فیها (جعل سفلاهنّ موجا مکفوفا) أى موجا ممنوعا من السّیلان إمّا بامساکه بقدرته أو بأن خلق حوله و تحته جسما جامدا یمنعه عن السّیلان و الانتشار، أو بأن أجمدها بعد ما کانت سیّاله.

و کون السماء السّفلى موجا إما بعنوان الحقیقه، حسبما اختاره قوم، مستدلا بمشاهده حرکه الکواکب المتحیّره، و کونها مر تعده مضطربه فی مرئى العین.

قالوا فی محکی کلامهم فی شرح المعتزلی إنّ المتحیّره متحرّکه فی أفلاکها و نحن نشاهدها بالحسّ البصرى و بیننا و بینها أجرام الأفلاک الشّفافه، و نشاهدها مر تعده حسب ارتعاد الجسم السّایر فی الماء، و ما ذاک لنا إلّا لأنّ سماء الدّنیا ماء متموّج، فارتعاد الکواکب المشاهده حسّا إنّما هو بحسب ارتعاد أجزاء الفلک الأدنى.

ثم قالوا فأمّا الکواکب الثّابته فانّما لم نشاهدها کذلک، لأنّها لیست بمتحرّکه، و القمر و إن کان فی الدّنیا، إلّا أنّ فلک تدویره من جنس الأجرام الفوقانیّه، و لیس بماء متموّج کالفلک الممثّل التّحتانی، و کذلک القول فی الشّمس.

أقول: و ما ذکروه فی الشّمس و القمر غیر خال عن الاشکال و الفساد، کما هو واضح فافهم.

و إما بعنوان التّشبیه و هو الأظهر، قال الکیدرى: شبّه السّماء الدنیا بالموج لصفائها و ارتفاعها، أو اراد أنها کانت فی الأوّل موجا ثم عقدها، و قال الشّارح البحرانی و استعار لفظ الموج للسّماء، لما بینهما من المشابهه فی العلوّ و الارتفاع، و ما یتوهّم من اللّون، و یأتی فیه وجه آخر من العلامه المجلسی طاب ثراه (و علیاهنّ سقفا محفوظا) عن النقض و الهدم و السّقوط و الخرق إلّا بأمره.

قال البحرانی: أى من الشّیاطین، ثم نقل عن ابن عبّاس کیفیّه حجب الشّیاطین عن السّماوات، و أنّهم کانوا یدخلونها، و یتخبرون أخبارها إلى زمن عیسى علیه السلام، فلمّا ولد منعوا من ثلاث سماوات، فلمّا ولد محمد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم منعوا من جمیعها، إلى آخر ما روى.

و قال المحدث العلّامه المجلسی طاب ثراه بعد أن حکى عن أکثر الشّارحین‏ 

کون الحفظ بالنّسبه إلى الشّیاطین ما لفظه: و هو لا یناسب العلیا، بل السّفلى، فیناسب أن یکون المراد بقوله تعالى: وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً السماء العلیا انتهى أقول: و أنت خبیر بما فیه، لأن محفوظیّه السّفلى إنّما هو بعد ولاده النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم کما دل علیه روایه ابن عبّاس و تظافرت به أخبار أهل البیت علیهم السّلام، و أمّا السّماء العلیا فلما لم یختص محفوظیّتها بوقت دون وقت، بل کانت الشّیاطین ممنوعین منها قبل ولادته صلّى اللَّه علیه و آله و سلم أیضا حسبما یستفاد من الأخبار، فهی أولى و أنسب بأن تتّصف بالحفظ.

و بما ذکرنا ظهر ما فی کلام البحرانی السّابق أیضا، حیث إنّ سوق کلامه یفید أن ذکره لروایه ابن عبّاس للاستشهاد به على مدّعاه من کون الحفظ فی کلامه علیه السلام بالنّسبه إلى الشّیاطین، مع أنّها غیر وافیه به، إذ حاصل الرّوایه أنّ حفظ السّماوات إنّما حصل بعد الولاده، و هذا مما لا نفع فیه، و إنما المثمر إقامه الدّلیل على تخصیصه علیه السلام العلیا بخصوصها بالحفظ کما عرفت، فافهم جیّدا هذا.

و قال المجلسی: یخطر بالبال وجه آخر و هو أن یکون المراد أنه تعالى جعل الجهه السّفلى من کلّ من السّماوات موّاجه متحرّکه واقعا أو فی النّظر، و الجهه العلیا منها سقفا محفوظا تستقرّ علیه الملائکه، و لا یمکن الشّیاطین، خرقها، فیکون ضمیر زینها و سایر الضّمایر راجعه إلى المجموع، فیناسب الایه المتقدّمه و قوله سبحانه: وَ حِفْظاً مِنْ کُلِّ شَیْطانٍ مارِدٍ و قد یمرّ بالخاطر وجه آخر، و هو أنّه علیه السلام شبّه السّماء الدّنیا بالموج المکفوف، لکون الحرکه الخاصّه للقمر أسرع من جمیع الکواکب، فکأنّه دائما فی الموج، و مع ذلک لا تسقط، و وصف العلیا بالمحفوظیّه، لأنّه أبطأها بالحرکه الخاصّه، فکانّها محفوظه ثابته، و على الطریقه السّابقه یمکن أن یکون المراد بالسّفلى من کلّ منها خوارج مراکزها و تداویرها، و بالعلیا منها ممثلاتها، فالاول موّاجه لسرعه حرکتها، و الثّوانی محفوظه لبطوئها، لکن هذان الوجهان بعیدان عن لسان أهل الشّرع و مقاصد أهله انتهى کلامه رفع مقامه.

(و سمکا مرفوعا) أى سقفا أو بناء مرفوعا و یجی‏ء بمعنى الرفع قال الشّاعر: إنّ الذى سمک السماء بنى لنا أى رفعه، و هو غیر مناسب للمقام، و الأنسب ما قلناه، و هو أحد معانیه کما فی القاموس و غیره، و الضّمیران المنصوبان فی قوله علیه السلام: (بغیر عمد یدعمها، و لا دسار ینتظمها) راجعان إلى العلیا بملاحظه القرب، أو الى السّفلى بقرینه الضّمیر الاتی فی قوله: ثم زیّنها، الرّاجع إلیها لما سیأتی، أو إلى السّماوات، و هو الأظهر لیکون أوفق بقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِی رَفَعَ السَّماواتِ بِغَیْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها و اختلف المفسّرون فی أنّه هل هناک عمد غیر مرئی أولا عمد أصلا، فعن ابن عبّاس و الحسن و قتاده و الجبائی و أبی مسلم الثّانی، و أن المراد رفعها بغیر عمد و أنتم ترونها کذلک، قال ابن عبّاس: یعنى لیس من دونها دعامه یدعمها، و لا فوقها علاقه تمسکها، قال الطبرسی و هو الأصحّ، و عن مجاهد و عزی إلى ابن عبّاس أیضا الأوّل: و أن ترونها من نعت العمد بغیر عمد مرئیه.

أقول: و یشهد به ما عن القمّی و العیاشی عن الرضا علیه السلام، قال فثم عمد و لکن لا ترونها.

قال الفخر الرّازی: إنّ العماد ما یعتمد علیه، و قد دللنا على أنّ هذه الأجسام إنّما بقیت واقفه فی الجوّ العالى بقدره اللَّه فحینئذ یکون عمدها هو قدره اللَّه، فصحّ أن یقال: رفع السّماوات بغیر عمد ترونها، أى لها عمد فی الحقیقه إلّا أن تلک العمد هی إمساک اللَّه و حفظه و تدبیره، و إبقائه إیّاها فی الجوّ العالی و أنتم لا ترون‏ ذلک التّدبیر، و لا تعرفون کیفیّه ذلک الامساک انتهى (ثم زیّنها بزینه الکواکب) أى السّماء السّفلى لیکون أوفق بقوله سبحانه: إِنَّا زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِزِینَهٍ الْکَواکِبِ و یحتمل رجوعه إلى السّماوات کما هو الأظهر، و تزیین البعض تزیین الجمیع.

قال فی الکشاف فی تفسیر الایه: الدّنیا القربى منکم، و الزینه مصدر کالنّسبه أو اسم لما یزان به الشّی‏ء کاللیقه لما تلاق به الدّواه، و یحتملهما قوله: بزینه الکواکب، فان أردت المصدر فعلى إضافته إلى الفاعل، أى بان زانتها الکواکب«» و أصله بزینه الکواکب، أو على إضافته إلى المفعول، أى بأن زان اللَّه الکواکب و حسّنها، لانّها إنّما زیّنت السّماء بحسنها فی أنفسها، و أصله بزینه الکواکب و إن أردت الاسم فللاضافه وجهان أن تقع الکواکب بیانا للزینه«»، لأنّ الزینه مبهمه فی الکواکب و غیرها ممّا یزان به، و أن یراد به ما زینت به الکواکب انتهى و کون الکواکب زینه إمّا لضوئها کما عن ابن عبّاس، أو للأشکال المختلفه الحاصله کالشکل الثّریا و بنات النّعش و الجوزاء و غیر ذلک، أو لاختلاف أوضاعها بحرکتها، أو لرؤیه النّاس إیّاها مضیئه فی اللیله الظلماء، و یوضحه قوله تعالى: بمصابیح، فی الموضع الاخر، و إمّا محال الکواکب فستطلع علیه إن شاء اللَّه (و ضیاء الثّواقب) المراد بها إمّا الکواکب فیکون کالتّفسیر لزینه الکواکب و الکواکب ثواقب أى مضیئه کأنّها تثقب الظلمه بضوئها، أو الشّهب التی ترمى بها الشّیاطین، قال سبحانه: النّجم الثّاقب.

قیل: وصف بکونه ثاقبا لوجوه:

أحدها أنّه یثقب الظلام بضوء ینفذ فیه.

و ثانیها أنّه یطلع من المشرق نافذا فی الهواء کالشّی‏ء الذی یثقب الشّی‏ء.

و ثالثها أنّه الذی یرمى به الشّیطان فیثقبه أى ینفذ فیه و یحرقه.

و رابعها قال الفرّاء: هو النجم المرتفع على النّجوم و العرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعا: فقد ثقب.

أقول: و هنا وجه خامس و هو أن وصفه به لکونه مضیئا کأنّه یثقب الأفلاک بضوئه.

و یشهد به ما عن الخصال عن الصّادق علیه السلام، أنّه قال لرجل من أهل الیمن: ما زحل عندکم فی النّجوم فقال الیمانی: نجم نحس، فقال علیه السلام: لا تقولن هذا، فانّه نجم أمیر المؤمنین علیه السلام، و هو نجم الأوصیاء، و هو النّجم الثّاقب الذی قال اللَّه فی کتابه، فقال له الیمانی فما یعنی بالثاقب قال علیه السلام: لأن مطلعه فی السّماء السّابعه، و أنّه ثقب بضوئه حتّى أضاء فی السّماء الدّنیا، فمن ثم سمّاه اللَّه النّجم الثّاقب.

(فأجرى) و فی بعض النّسخ، و أجرى بالواو (فیها سراجا مستطیرا) أى منتشر الضوء (و قمرا منیرا) و المراد بالسّراج الشمس فانّها سراج لمحفل العالم، قال سبحانه فی سوره الفرقان: تَبارَکَ الَّذِی جَعَلَ فِی السَّماءِ بُرُوجاً، وَ جَعَلَ فِیها سِراجاً وَ قَمَراً مُنِیراً و فی سوره نوح أَ لَمْ تَرَوْا کَیْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً، وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِیهِنَّ نُوراً، وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً و تشبیه الشّمس بالسّراج من حیث إنّها تزیل ظلمه اللّیل عن وجه الأرض کما یزیلها السّراج عمّا حوله.

قیل: کان المیل عباره عن ظل الأرض، و کانت الشّمس سببا لزواله، فکان شبیها بالسّراج فی ارتفاع الظلمه به، و الضمیر فی قوله: فیها، راجع الى السماوات کما هو الأظهر، أو إلى السّفلى کما عزّاه المجلسی طاب ثراه إلى الأکثر، و یحتاج حینئذ إلى نوع تأویل بالنّسبه إلى جریان الشّمس بناء على کونها فی‏ السّماء الرّابعه.

(فی فلک دائر) قال العلّامه المجلسی (قد): الظرف إمّا بدل عن فیها، فیفید حرکه السّفلى أو العلیا أو الجمیع على تقادیر ارجاع الضّمیر بالحرکه الیومیّه أو الخاصه أو الأعمّ، و إمّا فی موضع حال عن المنصوبین فیمکن أن یکون المراد بالفلک الدّائر: الأفلاک الجزئیّه (و سقف سائر و رقیم مائر) قال العلّامه المجلسی: هاتان الفقرتان أیضا تدلّان على حرکه السّماء لکن لا تنافی حرکه الکواکب بنفسها أیضا هذا.

و ینبغی تذییل المقام بامور مهمه

الاول انّه لم یستفد من کلامه علیه السلام أن الصّادر الأوّل ما ذا و قد اختلف فیه کلام العلماء کالأخبار.

فالحکماء یقولون: أوّل المخلوقات العقل الأوّل، ثمّ العقل الأوّل خلق العقل الثّانى و الفلک الأوّل و هکذا إلى أن انتهى إلى العقل العاشر، فهو خلق الفلک التّاسع و هیولى العناصر، و جماعه منهم یقولون: بأنّ تلک العقول وسایط لایجاده تعالى، و لا مؤثر فی الوجود إلّا اللَّه، و کلّ ذلک مخالف للآیات و الأخبار.

و أمّا غیرهم فقیل: أولها الماء، و یدل علیه روایه الرّوضه الآتیه عن أبی جعفر علیه السلام فی جواب الشّامی، و نقل عن تالیس الملطی و هو من مشاهیر الحکماء أنّه بعد أن وحّد الصّانع الأوّل للعالم و نزهه قال: لکنّه أبدع العنصر الذی فیه صور الموجودات و المعلومات کلها و سمّاه المبدع الأوّل، ثم نقل عنه إنّ ذلک العنصر هو الماء، قال: و منه أنواع الجواهر کلها من السّماء و الأرض و ما بینهما، و هو علّه کلّ مبدع، و علّه کلّ مرکب من العنصر الجسمانی، فذکر أنّ من جمود الماء تکوّنت الأرض، و من انحلاله تکوّن الهواء، و من صفوته تکوّنت النّار، و من الدّخان و الأبخره تکوّنت السّماء، قال البحرانی: و قیل إنّه اخذ ذلک من التّوراه، انتهى.

و قیل: أوّل المخلوقات الهواء، و روی عن علیّ بن ابراهیم فی تفسیره، قال المجلسی قده، و الظاهر أنّه أخذه من خبر، و لکنّه لا تکافؤ الأخبار الکثیره المسنده، و مع صحّته یمکن الجمع بحمل أوّلیّه الماء على التّقدم الاضافی بالنّسبه إلى الأجسام المشاهده المحسوسه التی یدرکها جمیع الخلق، فاذا الهواء لیس منها، و لذا أنکر وجوده جماعه.

و قیل: أول المخلوقات النّار و فی بعض الأخبار انّ أوّل ما خلق اللَّه النّور کما فی العیون و العلل فی خبر الشّامی عن الرّضا علیه السلام أنه سأل رجل من أهل الشّام أمیر المؤمنین علیه السلام عن مسائل، فکان فیما سأله ان سأله عن أوّل ما خلق اللَّه قال علیه السلام: خلق النّور، الحدیث.

و فی بعضها نور النّبی صلى اللَّه علیه و آله و سلم، و فی بعضها نوره مع أنوار الائمه علیهم السلام کما فی روایه جابر، قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه علیه و آله و سلم: أوّل ما خلق اللَّه نوری، ففتق منه نور علی علیه السلام ثم خلق العرش و اللوح و الشّمس و ضوء النّهار و نور الأبصار و العقل و المعرفه الخبر.

و فی بعض الأخبار العامیّه أوّل ما خلق اللَّه روحی، و فی بعضها أیضا أوّل ما خلق اللَّه العقل، و فی بعضها أوّل ما خلق اللَّه القلم.

أقول: و یمکن الجمع بینها، بأن تکون أوّلیه الماء بالنّسبه إلى العناصر و الأفلاک، و أوّلیه القلم بالنّسبه إلى جنسه من الملائکه، و باوّلیّه نور النبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم و روحه الأولیّه الحقیقیّه، بل یمکن أن یقال: إنّ المراد بالعقل و النّور و القلم فی تلک الأخبار هو نوره سلام اللَّه علیه.

قال بعض العارفین«» فی شرح الحدیث الأوّل من اصول الکافی و هو ما رواه عن أبی جعفر علیه السلام: قال: لمّا خلق اللَّه العقل استنطقه ثم قال له: أقبل، فأقبل ثم قال له: أدبر، فأدبر الحدیث ما لفظه.«»

اعلموا أیّها الاخوان السّالکون إلى اللَّه بقدم العرفان، أن هذا العقل أول المخلوقات و أقرب المجعولات إلى الحقّ الأوّل و أعظمها، و أتمّها و ثانی الموجودات فی الموجودیّه، و إن کان الأوّل تعالى لا ثانی له فی حقیقته، لأن وحدته لیست عددیّه من جنس الوحدات، و هو المراد فیما ورد فی الأحادیث عنه صلّى اللَّه علیه و آله و سلم من قوله فی روایه: أوّل ما خلق اللَّه العقل، و فی روایه أوّل ما خلق اللَّه نوری، و فی روایه أوّل ما خلق اللَّه روحی، و فی روایه أوّل ما خلق اللَّه القلم، و فی روایه أوّل ما خلق اللَّه ملک کروبیّ، و هذه کلها أوصاف و نعوت لشی‏ء واحد باعتبارات مختلفه، فبحسب کلّ صفه یسمى باسم آخر، فقد کثرت الأسماء و المسمّى واحد ذاتا و وجودا، إلى أن قال: و هذا الموجود حقیقته حقیقه الرّوح الأعظم المشار إلیه بقوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّی و قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ و إنّما سمّی بالقلم لأنّه واسطه الحقّ فی تصویر العلوم و الحقائق على الألواح النّفسانیه القضائیه و القدریّه، و لکونه وجودا خالصا عن ظلمه التّجسم و التحجّب، و عن ظلمات النّقایص و الاعدام یسمّى نورا، إذ النّور هو الوجود، و الظلمه هی العدم، و هو ظاهر لذاته مظهر لغیره. و لکونه أصل حیاه النّفوس العلویه و السّفلیّه یسمّى روحا و هو الحقیقه المحمدیه عند أعاظم الصّوفیّه و محقّقیهم، لکونه کمال وجوده الذی منه یبتدء و إلیه یعود انتهى کلامه ملخصا.

فقد تحقّق ممّا ذکره، و ما ذکرناه أنّ الصّادر الأوّل هو نور النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم و قد استفاض به الأخبار عن النّبی و أهل البیت علیهم السّلام.

فمنها ما فی البحار عن الکافی باسناده عن محمّد بن سنان، قال کنت عند أبی جعفر الثّانی علیه السلام، فاجریت اختلاف الشّیعه، فقال یا محمّد إنّ اللَّه تبارک و تعالى لم یزل متفرّدا بوحدانیّته، ثم خلق محمّدا و علیا و فاطمه فمکثوا ألف دهر، ثم خلق‏ جمیع الأشیاء و أشهدهم خلقها و أجرى طاعتهم علیها و فوّض امورها إلیهم، فهم یحلّون ما یشاءون، و یحرّمون ما یشاءون، و لن یشاءوا إلّا أن یشاء اللَّه تبارک و تعالى، ثمّ قال یا محمّد: هذه الدّیانه التی من تقدّمها مرق، و من تخلّف عنها محق، و من لزمها لحق، خذها إلیک یا محمّد.

و منها ما فی البحار أیضا عن مصباح الأنوار باسناده عن أنس عن النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم، قال: إنّ اللَّه خلقنی و خلق علیّا و فاطمه و الحسن و الحسین قبل أن یخلق آدم، حین لاسماء مبنیّه و لا أرض مدحیّه و لا ظلمه و لا نور و لا شمس و لا قمر و لا جنّه و لا نار، فقال العبّاس: فکیف کان بدو خلقکم یا رسول اللَّه فقال یا عمّ: لمّا أراد اللَّه خلقنا تکلّم بکلمه خلق منها نورا، ثم تکلم بکلمه اخرى فخلق منها روحا، ثم خلط النّور بالرّوح فخلقنی و خلق علیّا و فاطمه و الحسن و الحسین، فکنّا نسبّحه حین لا تسبیح، و نقدّسه حین لا تقدیس.

فلما أراد اللَّه أن ینشأ خلقه فتق نوری فخلق منه العرش، فالعرش من نوری، و نوری من نور اللَّه، و نوری أفضل من نور العرش.

ثم فتق نور أخی علیّ فخلق منه الملائکه، فالملائکه من نور علی، و نور علیّ من نور اللَّه، و علی أفضل من الملائکه.

ثم فتق نور ابنتی فاطمه فخلق منه السّماوات و الأرض، فالسّماوات و الأرض من نور ابنتی فاطمه، و نور ابنتی فاطمه من نور اللَّه، و ابنتی فاطمه أفضل من السّماوات و الأرض.

ثم فتق نور ولدی الحسن، و خلق منه الشّمس و القمر، فالشّمس و القمر من نور ولدی الحسن، و نور الحسن من نور اللَّه، و الحسن أفضل من الشّمس و القمر.

ثم فتق نور ولدی الحسین، فخلق منه الجنّه و الحور العین، فالجنّه و الحور العین من نور ولدی الحسین، و نور ولدی الحسین من نور اللَّه، و ولدی الحسین‏ أفضل من الجنّه و الحور العین.

و منها ما فیه أیضا عن أبی الحسن البکرى استاد الشّهید الثّانی طاب ثراه فی کتاب الأنوار عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنّه قال: کان اللَّه و لا شی‏ء معه، فأوّل ما خلق اللَّه نور حبیبه محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم قبل خلق الماء و العرش و الکرسی و السماوات و الأرض و اللوح و القلم و الجنّه و النّار و الملائکه و آدم و حوّاء بأربعه و عشرین و أربعمائه ألف عام.

فلمّا خلق اللَّه نور نبیّنا محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم بقی ألف عام بین یدی اللَّه عزّ و جلّ واقفا یسبحه و یحمده و الحقّ تبارک و تعالى ینظر إلیه و یقول: یا عبدی أنت المراد و المرید و أنت خیرتی من خلقی و عزّتی و جلالی لولاک ما خلقت الأفلاک، من أحبک أحببته، و من أبغضک أبغضته، فتلأ لا نوره و ارتفع شعاعه فخلق اللَّه منه اثنى عشر حجابا.

اولها حجاب القدره ثم حجاب العظمه ثم حجاب العزّه ثم حجاب الهیبه ثم حجاب الجبروت ثم حجاب الرّحمه ثم حجاب النّبوه ثم حجاب الکبریاء (الکرامه خ) ثم حجاب المنزله ثم حجاب الرّفعه ثم حجاب السّعاده ثم حجاب الشّفاعه، ثم إنّ الله أمر نور رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلم أن یدخل فی حجاب القدره، فدخل و هو یقول: سبحان العلیّ الأعلى، و بقى ذلک اثنا عشر ألف عام.

ثم أمره أن یدخل فی حجاب العظمه، فدخل و هو یقول: سبحان عالم السر و أخفى أحد عشر ألف عام.

ثم دخل فی حجاب العزّه و هو یقول: سبحان الملک المنّان عشره آلاف عام.

ثم دخل فی حجاب الهیبه و هو یقول: سبحان من هو غنی لا یفتقر تسعه آلاف عام.

ثم دخل فی حجاب الجبروت و هو یقول: سبحان الکریم الأکرم ثمانیه آلاف عام.

ثم دخل فی حجاب الرّحمه و هو یقول: سبحان ربّ العرش العظیم سبعه آلاف عام.

ثم دخل فی حجاب النّبوه و هو یقول: سبحان ربّک رب العزّه عمّا یصفون ستّه آلاف عام.

ثم دخل فی حجاب الکبریاء و هو یقول: سبحان العظیم الأعظم خمسه آلاف عام.

ثم دخل فی حجاب المنزله و هو یقول: سبحان العلیم الکریم أربعه آلاف عام.

ثم دخل فی حجاب الرّفعه و هو یقول: سبحان ذی الملک و الملکوت ثلاثه آلاف عام.

ثم دخل فی حجاب السّعاده و هو یقول: سبحان من یزیل الأشیاء و لا یزال ألفی عام.

ثم دخل فی حجاب الشّفاعه و هو یقول: سبحان اللَّه و بحمده سبحان اللَّه العظیم ألف عام.

قال الامام علیّ بن أبی طالب علیه السلام: ثم إنّ اللَّه خلق من نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم عشرین بحرا من نور، فی کلّ بحر علوم لا یعلمها إلّا اللَّه، ثم قال لنور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم: انزل فی بحر العزّ، ثم فی بحر الخشوع، ثم فی بحر التواضع، ثم فی بحر الرّضا، ثم فی بحر الوفاء، ثم فی بحر الحلم، ثم فی بحر التّقى، ثم فی بحر الخشیه، ثم فی بحر الانابه، ثم فی بحر العمل، ثم فی بحر المزید، ثم فی بحر الهدى، ثم فی بحر الصّیام، ثم فی بحر الحیاء، حتّى تقلب فی عشرین بحرا.

فلمّا خرج من ذلک الأبحر قال اللَّه: یا حبیبی و یا سیّد رسلی و یا أول مخلوقاتی و یا آخر رسلی أنت الشّفیع یوم المحشر، فخر النّور ساجدا، فقطرت منه قطرات کان عددها مأئه ألف و أربعه و عشرین ألف قطره، فخلق اللَّه من کلّ قطره من نوره نبیّا من الأنبیاء.

فلمّا تکاملت الأنوار صارت تطوف حول نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم کما تطوف الحجاج‏ حول بیت اللَّه الحرام، و هم یسبحون اللَّه و یحمدونه و یقولون: سبحان من هو عالم لا یجهل، سبحان من هو حلیم لا یعجل، سبحان من هو غنی لا یفتقر.

فناداهم اللَّه تعرفون من أنا فسبق نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم قبل الأنوار، و نادى أنت اللَّه الذی لا إله إلّا أنت وحدک لا شریک لک ربّ الأرباب و ملک الملوک، فاذا بالنّداء من قبل اللَّه الحق أنت صفیّی و أنت حبیبی و خیر خلقی امّتک خیر امه اخرجت للنّاس.

ثم خلق من نور محمّد جوهره و قسّمها قسمین، فنظر إلى القسم الأوّل بعین الهیبه فصار ماء عذبا، و نظر إلى القسم الثّانی بعین الشفقه فخلق منه العرش فاستوى على وجه الماء، فخلق الکرسی من نور العرش، و خلق من نور الکرسی اللّوح، و خلق من نور اللّوح القلم، و قال له اکتب توحیدی فبقى القلم ألف عام سکران من کلام اللَّه، فلمّا أفاق قال: اکتب قال: یا رب و ما أکتب قال: اکتب لا إله الا اللَّه محمّد رسول اللَّه فلمّا سمع القلم اسم محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم خرسا جدا و قال: سبحان الواحد القهار سبحان العظیم الأعظم، ثم رفع رأسه من السّجود و کتب لا إله إلا اللَّه محمّد رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلم، ثم قال: یا ربّ و من محمّد الذی قرنت اسمه باسمک و ذکره بذکرک قال اللَّه تعالى: یا قلم فلولاه ما خلقتک و لا خلقت خلقی إلّا لأجله فهو بشیر و نذیر و سراج منیر و شفیع و حبیب، فعند ذلک انشق القلم من حلاوه ذکر محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم و قال القلم: السّلام علیک یا رسول اللَّه، فقال اللَّه تعالى: و علیک السّلام منّی و رحمه اللَّه و برکاته، فلأجل هذا صار السّلام سنّه و الرّد فریضه.

ثم قال اللَّه تعالى: اکتب قضائی و قدری و ما أنا خالقه إلى یوم القیامه، ثم خلق اللَّه ملائکه یصلّون على محمّد و آل محمّد و یستغفرون لامّته إلى یوم القیامه، ثم خلق الله من نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم الجنّه و زیّنها بأربعه أشیاء: التعظیم، و الجلاله، و السخاء، و الامانه، و جعلها لأولیائه و أهل طاعته.

ثم نظر إلى باقی الجوهره بعین الهیبه، فذابت فخلق من دخانها السّماوات،و من زبدها الأرضین، فلمّا خلق اللَّه تعالى الأرض صارت تموج بأهلها کالسّفینه فخلق اللَّه الجبال فأرساها بها.

ثم خلق ملکا من أعظم ما یکون فی القوّه، فدخل تحت الأرض، ثم لم یکن لقدمی الملک قرار، فخلق اللَّه تعالى صخره عظیمه و جعلها تحت قدمی الملک، ثم لم یکن للصّخره قرار، فخلق لها ثورا عظیما لم یقدر أحد أن ینظر إلیه لعظم خلقته و بریق عیونه، حتّى لو وضعت البحار کلها فی إحدى منخریه ما کانت إلّا کخردله ملقاه فی أرض فلاه، فدخل الثور تحت الصّخره و حملها على ظهره و قرونه و اسم ذلک الثور لهوتا، ثم لم یکن لذلک الثور قرار، فخلق اللَّه حوتا عظیما و اسم ذلک الحوت بهموت، فدخل الحوت تحت قدمی الثّور فاستقرّ الثّور على ظهر الحوت.

فالأرض کلّها على ظهر الملک، و الملک على الصّخره، و الصّخره على الثّور، و الثّور على الحوت، و الحوت على الماء، و الماء على الهواء، و الهواء على الظلمه ثم انقطع علم الخلائق عمّا تحت الظلمه.

ثم خلق اللَّه تعالى العرش من ضیائین: أحدهما الفضل، و الثّانی العدل، ثم أمر الضّیائین فانتفسا بنفسین، فخلق منهما أربعه أشیاء: العقل، و الحلم و العلم، و السّخاء.

ثم خلق من العقل الخوف، و خلق من العلم الرّضا، و من الحلم المودّه، و من السّخاء المحبّه، ثم عجن هذه الاشیاء فی طینه محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم. ثم خلق من بعدهم أرواح المؤمنین من امّه محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم، ثم خلق الشّمس و القمر و النّجوم و اللّیل و النّهار و الضّیاء و الظلام و سایر الملائکه من نور محمّد صلّى اللَّه علیه و آله و سلم.

فلمّا تکاملت الأنوار سکن نور محمّد تحت العرش ثلاثه و سبعین ألف عام، ثم انتقل نوره إلى الجنّه فبقى سبعین ألف عام، ثم انتقل إلى سدره المنتهى فبقى سبعین ألف عام، ثم انتقل نوره إلى السّماء السّابعه، ثم إلى السّماء السادسه، ثم إلى السّماء الخامسه، ثم إلى السّماء الرّابعه، ثم إلى السّماء الثّالثه، ثم إلى السّماء الثّانیه،ثم إلى السّماء الدّنیا، فبقى نوره فی السّماء الدّنیا إلى أن أراد اللَّه أن یخلق آدم الحدیث.

أقول: دلاله هذا الحدیث على کون نور النّبی صلّى اللَّه علیه و آله و سلم أوّل المخلوقات ظاهره، و أمّا الفقرات الباقیه فأکثرها من قبیل المتشابهات، و اللّازم ردّ علم ذلک إلى الائمه علیهم السّلام.

و منها ما رواه أیضا من ریاض الجنان باسناده إلى جابر الجعفی عن أبی جعفر علیه السلام، قال: قال لی یا جابر: کان اللَّه و لا شی‏ء غیره، و لا معلوم و لا مجهول، فأوّل ما ابتدء من خلق خلقه أن خلق محمّدا صلّى اللَّه علیه و آله و سلم، و خلقنا أهل البیت معه من نور عظمته، فأوقفنا أظلّه خضراء بین یدیه حیث لا سماء و لا أرض و لا مکان و لا لیل و لا نهار و لا شمس و لا قمر، یفصل نورنا من نور ربّنا کشعاع الشّمس من الشّمس، نسبّح اللَّه و نقدّسه و نحمده و نعبده حق عبادته.

ثم بدء اللَّه أن یخلق المکان، فخلقه و کتب على المکان: لا إله إلا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، علی أمیر المؤمنین و وصیّه، به أیّدته و نصرته، ثم خلق اللَّه العرش، فکتب على سرادقات العرش مثل ذلک، ثم خلق اللَّه السماوات، فکتب على أطرافها مثل ذلک، ثم خلق اللَّه الجنّه و النّار فکتب علیهما مثل ذلک.

ثم خلق الملائکه و أسکنهم السّماء، ثم خلق الهواء فکتب علیه مثل ذلک ثم خلق الجن و أسکنهم الهواء، ثم خلق الأرض فکتب على أطرافها مثل ذلک، فبذلک یا جابر قامت السّماوات بغیر عمد، و ثبتت الأرض.

ثم خلق اللَّه آدم من أدیم الأرض إلى أن قال علیه السلام: فنحن أول خلق اللَّه و أوّل خلق عبد اللَّه و سبّحه، و نحن سبب الخلق و سبب تسبیحهم و عبادتهم من الملائکه و الادمیین.

و منها ما فیه عنه أیضا عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قلت لرسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلم: أوّل شی‏ءخلق اللَّه ما هو فقال نور نبیّک یا جابر، خلقه اللَّه، ثم خلق منه کلّ خیر الحدیث.

إلى غیر ذلک من الأخبار ممّا یطلع علیها المتتبّع المجدّ و یأتی بعضها فی تضاعیف الکتاب عند شرح بعض الخطب المناسبه لذلک، و اللَّه الموفق.

الثانی

أنّه لم یذکر علیه السلام کیفیه خلقه الأرض و لم یعلم أن خلقها هل هو قبل السّماء أو بعدها، و لعلّ عدم ذکره علیه السلام له نظرا إلى أنّ مقصوده علیه السلام إظهار عظمته سبحانه و بیان رشحات قدرته و کماله.

و لما کان أمر عالم الأمر و الملکوت أظهر فی الدّلاله على ذلک المقصود و أو فی بالنّسبه إلى عالم العناصر و النّاسوت، خصّصها بالذّکر لذلک و إن کان فی عالم العنصر و الشّهاده أیضا فی نفسه من شواهد الرّبوبیّه و أدله القدره ما لا یحیط بها حدّ و لا یضبطها عدّ، بل فی جزئی من جزئیات ذلک العالم من الأسرار الالهیّه ما یعجز عنه إدراک القوى البشریّه قال سبحانه: إِنَّ فِی خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّیْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْکِ الَّتِی تَجْرِی فِی الْبَحْرِ بِما یَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْیا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِیها مِنْ کُلِّ دَابَّهٍ وَ تَصْرِیفِ الرِّیاحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَیْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآیاتٍ لِقَوْمٍ یَعْقِلُونَ و یأتی الاشاره إلى بعض آیات القدره و آثار التّدبیر فی الحکمه فی عالم العناصر من الأرض و غیرها فی شرح خطبه الأشباح، و هی الخطبه التّسعون.

و کیف کان فیشهد بما ذکرنا من عظم ملکوت السّماوات و کونها من أعظم الآیات أنّ الأرض و البحار و الجبال و کلّ جسم من عالم الشّهاده بالاضافه إلى السّماوات کقطره فی بحر، لا بحسب الکمیه و المساحه فقط، بل بحسب الکیفیّه أیضا أعنی شرافه الوجود و قوّه الفعلیّه کما بحسب الکمیّه على النّسبه المذکوره.

و لذلک ذکر الامام علیه السلام أمر السّماوات فی کثیر من کلماته الآتیه، و عظم اللَّه أمرها و أمر النّجوم فی الآیات القرآنیه، فکم من آیه ذکرها اللَّه فیها، بل قیل: ما من سوره من الطوال و أکثر القصار إلّا و یشتمل على تفخیمها فی مواضع، و کم من قسم أقسم اللَّه بها فی القرآن کقوله: وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ، وَ ما أَدْراکَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ و قوله: وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها، وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها و قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْکُنَّسِ،… وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏،… فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِیمٌ فکیف ظنک بما أقسم اللَّه به و أخال الأرزاق إلیها، فقال: وَ فِی السَّماءِ رِزْقُکُمْ وَ ما تُوعَدُونَ و أثنى على المتفکرین فیه فقال: وَ یَتَفَکَّرُونَ فِی خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و أمر بالنظر إلیه و التفکر فیه فی کثیر من الآیات، و ذمّ المعرضین عنه، فقال: وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آیاتِها مُعْرِضُونَ فاىّ نسبه لجمیع البحار و الأرض و الهواء إلى السّمآء، و هذه متغیّرات على القرب و هی صلاب شداد محفوظات إلى أن یبلغ الکتاب أجله، و لذلک سمّاها اللَّه تعالى محفوظا، و قال: وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً و قال: وَ حَفِظْناها مِنْ کُلِّ شَیْطانٍ رَجِیمٍ و قال أیضا: وَ بَنَیْنا فَوْقَکُمْ سَبْعاً شِداداً و قال: أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُثم إنّ اللَّه زیّنها بمصابیح: وَ لَقَدْ زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِمَصابِیحَ و بالقمر وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِیهِنَّ نُوراً و بالشّمس وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً و بالعرش رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِیمِ و بالکرسی وَسِعَ کُرْسِیُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ و باللّوح فِی لَوْحٍ مَحْفُوظٍ و بالقلم ن وَ الْقَلَمِ و بالقضاء فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ و بالقدر وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ و بالوحی و الأمر وَ أَوْحى‏ فِی کُلِّ سَماءٍ أَمْرَها و بالحکمه حیث ذکر أنّ خلقها مشتمل على غایات صحیحه و أغراض عظیمه: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا،… وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَیْنَهُما باطِلًا ذلِکَ ظَنُّ الَّذِینَ کَفَرُوا و جعلها أیضا مصعد الأعمال، و مهبط الأنوار، و قبله الدّعاء، و محل الضّیاء و السّناء، و جعل ألوانها أحسن الألوان، و هو المستنیر، و أشکالها أحسن الأشکال و هو المستدیر، و نجومها رجوما للشّیاطین، و علامات یهتدى فی ظلمات البرّ و البحر.

وَ بِالنَّجْمِ هُمْ یَهْتَدُونَ و قیّض للشّمس طلوعها، فسهّل معه التّقلب بقضاء الأوطار فی الأقطار، و غروبا یصلح معه الهدوّ و القرار فی الأکناف لتحصیل الرّاحه و انبعاث القوّه و تنفیذ الغذاء إلى الاعضاء.

و أیضا لو لا طلوع الشّمس لانجمدت المیاه، و غلبت البروده و الکثافه، فاورثت جمود الحراره الغریزیه، و لو لا الغروب لحمیت الأرض حتّى تحترق کلّ من علیها من إنسان و حیوان، فهی بمنزله سراج واحد یوضع لأهل کلّ بیت بمقدار حاجتهم،ثم یرتفع عنهم لیستقرّوا و یستریحوا، فصار النّور و الظلمه على تضادّهما متظاهرین، على ما فیه صلاح قطان الأرض.

و أمّا ارتفاع الشّمس و انحطاطها، فقد جعله اللَّه سببا لاقامه الفصول الأربعه.

و أمّا القمر فهو تلو الشّمس و خلیفتها، و به یعلم عدد السّنین و الحساب، و یضبط المواقیت الشّرعیه، و منه یحصل النّماء و الرّواء، و قد جعل اللَّه فی طلوعه و غروبه مصلحه، و کذا فی تشکلاته المختلفه و سایر أحواله من الاستقامه و السّرعه و البطوء کما فصّل فی محلّه.

و کیف کان فالمقصود الأصلى فی المقام بیان کیفیّه خلقه الأرض، و أنّها ممّ خلقت، و أنّ ایجادها هل هو قبل السّماء أو بعدها.

اما الاول فالمستفاد من الأخبار أن أصلها زبد الماء الذی خلقه اللَّه فی الهواء، و هو الزّبد الذی أشار إلیه الامام علیه السلام بقوله: فرمى بالزّبد رکامه، و الاخبار فی هذا المعنى کثیره قریبه من التّواتر و یأتی جمله منها فی ذیل المقام.

و یشهد به أیضا ما عن تفسیر الامام علیه السلام قال: قال أمیر المؤمنین علیه السلام: قال: رسول الله صلى اللَّه علیه و آله و سلم فی قوله عزّ و جل: الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ الْأَرْضَ فِراشاً إنّ اللَّه عزّ و جلّ لمّا خلق الماء فجعل عرشه علیه قبل أن یخلق السّماوات و الأرض و ذلک قول اللَّه عزّ و جل: هُوَ الَّذِی خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِی سِتَّهِ أَیَّامٍ وَ کانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ یعنی و کان عرشه على الماء قبل أن یخلق السّماوات و الأرض، فارسل الرّیاح على الماء فبخر (فتبخرخ ل) الماء من امواجه، فارتفع عنه الدّخان و علا فوق الزّبد، فخلق من دخانه السّماوات السّبع، فخلق من زبده الأرضین السّبع، فبسط الأرض على الماء، و جعل الماء على الصّفاء، و الصّفاء على الحوت، و الحوت على الثور، و الثور على‏الصخره التی ذکرها لقمان لابنه، فقال: یا بُنَیَّ إِنَّها إِنْ تَکُ مِثْقالَ حَبَّهٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَکُنْ فِی صَخْرَهٍ أَوْ فِی السَّماواتِ أَوْ فِی الْأَرْضِ یَأْتِ بِهَا اللَّهُ و الصّخره على الثّرى، و لا یعلم ما تحت الثّرى إلا اللَّه.

فلمّا خلق اللَّه الأرض دحاها من تحت الکعبه، ثم بسطها على الماء، فأحاطت بکلّ شی‏ء.

فخرت الأرض، و قالت: أحطت بکلّ شی‏ء فمن یغلبنی و کان فی کلّ اذن من آذان الحوت سلسله من ذهب مقرونه الطرف بالعرش، فأمر اللَّه الحوت فتحرکت، فتکفأت الأرض بأهلها کما تکفى‏ء السّفینه على الماء قد اشتدّت أمواجه، و لم تستطع الأرض الامتناع.

ففخرت الحوت و قالت: غلبت الأرض التی أحاطت بکلّ شی‏ء فمن یغلبنی فخلق اللَّه عزّ و جلّ الجبال، فأرساها و ثقل الأرض بها، فلم تستطع الحوت أن تتحرک.

ففخرت الجبال و قالت: غلبت الحوت التی غلبت الأرض فمن یغلبنی فخلق اللَّه عزّ و جلّ الحدید، فقطعت به الجبال و لم یکن عندها دفاع و لا امتناع.

ففخر الحدید و قال: غلبت الجبال التی غلبت الحوت فمن یغلبنی فخلق اللَّه عزّ و جلّ النّار فألانت الحدید و فرّقت أجزائه و لم یکن عند الحدید دفاع و لا امتناع.

ففخرت النّار و قالت: غلبت الحدید الذی غلبت الجبال فمن یغلبنی فخلق اللَّه عزّ و جلّ الماء فأطفأ النّار و لم یکن عندها دفاع و لا امتناع.

ففخر الماء و قال: غلبت النّار التی غلبت الحدید فمن یغلبنی فخلق اللَّه عزّ و جلّ الرّیح، و غلبت الماء فأیبست الماء.

ففخرت الرّیح و قال: غلبت الماء الذی غلب النّار فمن یغلبنی فخلق اللَّه عزّ و جلّ الانسان، فصرف الرّیح عن مجاریها بالبنیان.

ففخر الانسان و قال: غلبت الرّیح التی غلبت الماء فمن یغلبنی فخلق اللَّه عزّ و جلّ ملک الموت فأمات الانسان.

ففخر ملک الموت و قال: غلبت الانسان الذی غلب الرّیح فمن یغلبنی فقال اللَّه عزّ و جلّ أنا القّهار الغلّاب الوهاب أغلبک و أغلب کلّ شی‏ء فذلک قوله: إِلَیْهِ یُرْجَعُ الْأَمْرُ کُلُّهُ فان قیل: المذکور فی هذه الرّوایه و کذا الرّوایات الآتیه من خلق الأرض من الزّبد ینافی ظاهرا روایه الکافی التی رواها عن محمّد بن مسلم، قال: قال لی أبو جعفر علیه السلام: کان کلّ شی‏ء ماء، و کان عرشه على الماء، فأمر اللَّه عزّ و جلّ الماء فاضطرم نارا، ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان، فخلق اللَّه السّماوات من ذلک الدّخان و خلق الأرض من الرّماد، ثم اختصم الماء و النّار و الرّیح فقال الماء: أنا جند اللَّه الأکبر، و قال الرّیح: أنا جند اللَّه الأکبر، و قالت النّار أنا جند اللَّه الأکبر، فأوحى اللَّه عزّ و جلّ إلى الرّیح أنت جندی الأکبر. فانّ المذکور فی هذه الرّوایه خلقه الأرض من الرّماد.

قلت: یمکن الجمع بینها بما قاله المجلسی و هو أن یکون الرّماد أحد أجزاء الأرض مزج بالزّبد، و وقی الزّبد بذلک المزج و تصلّب، أو یکون المراد بالأرض المخلوق من الرّماد بقیّه الأرض التی حصلت بعد الدّحو، و اللَّه العالم و اما الثانی فالأشهر الأظهر هو أنّ خلق الأرض قبل السّماء، و قیل بالعکس و لا یعبأ به مع دلاله ظواهر الآیات و قیام الاخبار المستفیضه على خلافه.

اما الایات فقد قال تعالى فی سوره البقره: هُوَ الَّذِی خَلَقَ لَکُمْ ما فِی الْأَرْضِ جَمِیعاً ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِکُلِّ شَیْ‏ءٍ عَلِیمٌ و فی سوره السّجده: قُلْ أَ إِنَّکُمْ‏لَتَکْفُرُونَ بِالَّذِی خَلَقَ الْأَرْضَ فِی یَوْمَیْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِکَ رَبُّ الْعالَمِینَ، وَ جَعَلَ فِیها رَواسِیَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَکَ فِیها وَ قَدَّرَ فِیها أَقْواتَها فِی أَرْبَعَهِ أَیَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِینَ، ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِیَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِیا طَوْعاً أَوْ کَرْهاً قالَتا أَتَیْنا طائِعِینَ، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ الآیه.

قال الزّمخشری فی تفسیره: قوله: ثم استوى إلى السّماء و المعنى دعاه داعی الحکمه إلى خلق السّماء بعد خلق الأرض و ما فیها من صارف یصرفه عن ذلک و هی دخان، قیل: کان عرشه قبل خلق السّماوات و الأرض على الماء، فاخرج من الماء دخانا، فارتفع فوق الماء و علا علیه، فأیبس الماء فجعله أرضا واحده ثم فتقها و جعلها أرضین، ثم خلق السّماء من الدّخان المرتفع انتهى.

و روى فی مجمع البیان عن عکرمه، عن ابن عبّاس، عن النّبی صلى اللَّه علیه و آله و سلم قال: إن اللَّه خلق الأرض فی یوم الأحد و الاثنین، و خلق الجبال یوم الثّلثاء، و خلق الشّجر و الماء و العمران و الخراب یوم الأربعاء، فتلک أربعه أیّام، و خلق یوم الخمیس السّماء، و خلق یوم الجمعه الشّمس و القمر و النّجوم و الملائکه و آدم هذا.

و أمّا قوله تعالى فی سوره النّازعات: أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْکَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَیْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِکَ دَحاها فلا یدل على خلقه الأرض بعد السّماء کما توهّمه بعض الملاحده و أورد علیها بأنّها منافیه للآیات السّابقه، إذ المستفاد منها کون دحو الأرض بعد خلق‏السّماء، و هو لا ینافی تقدّم خلق أصل الأرض على السماء.

قال الطبرسی قال ابن عباس: إنّ اللَّه تعالى دحى الأرض بعد السّماء، و إن کانت الأرض خلقت قبل السّماء، و کانت ربوه مجتمعه تحت الکعبه فبسطها و ربّما اجیب بأن کلمه بعد لیست للتأخّر الزّمانی، و إنّما هو على جهه تعداد النّعم و الاذکار لها، کما یقول القائل: أ لیس قد أعطیتک و فعلت بک کذا و کذا، و بعد ذلک وددتک، و ربّما یکون بعض ما تقدّم فی اللّفظ متأخرا بحسب الزّمان، لأنّه لم یکن الغرض الاخبار عن الأوقات و الأمکنه، بل المراد ذکر النّعم و التّنبیه علیها، و ربّما اقتضت الحال ایراد الکلام على هذا الوجه.

و اما الاخبار فهی کثیره منها ما فی البحار عن الکافی باسناده عن سلام بن المستنیر، عن أبی جعفر علیه السلام، قال: إنّ اللَّه عزّ و جلّ خلق الجنّه قبل أن یخلق النّار و خلق الطاعه قبل أن یخلق المعصیه، و خلق الرّحمه قبل الغضب، و خلق الخیر قبل الشّر و خلق الأرض قبل السّماء، و خلق الحیاه قبل الموت، و خلق الشّمس قبل القمر، و خلق النّور قبل أن یخلق الظلمه، قال المجلسی قده بعد ذکر الحدیث: لعلّ المراد بخلق الطاعه تقدیرها، بل الظاهر فی الأکثر ذلک الخلق بمعنى التّقدیر و هو شایع و المراد بخلق الشّر خلق ما یترتّب علیه الشر ظاهرا و إن کان خیره غالبا و وجوده صلاحا.

و منها ما فیه أیضا کالصّافی عن علیّ بن إبراهیم القمیّ عن الصّادق علیه السلام فی جواب الأبرش حیث سأله عن قول اللَّه عزّ و جلّ: أَ وَ لَمْ یَرَ الَّذِینَ کَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ کانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما و قال: أخبرنی فما کان رتقهما و ما کان فتقهما فاجاب علیه السلام بقوله: هو کما وصف نفسه، کان عرشه على الماء و الماء على الهواء، و الهواء لا یحد، و لم یکن یومئذ خلق غیرهما، و الماء یومئذ عذب فرات، فلمّا أراد اللَّه أن یخلق الأرض أمر الرّیاح فضربت الماء حتّى صار موجا، ثم أزبد فصار زبدا واحدا، فجمعه فی‏ موضع البیت، ثم جعله جبلا من زبد، ثم دحى الأرض من تحته، فقال اللَّه تبارک و تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَیْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِی بِبَکَّهَ مُبارَکاً ثمّ مکث الرّب تبارک و تعالى ما شاء، فلمّا أراد أن یخلق السّماء أمر الرّیاح فضربت البحور حتّى أزبدتها، فخرج من ذلک الموج و الزّبد من وسطه دخان ساطع من غیر نار، فخلق اللَّه منه السّماء، و جعل فیها البروج و النّجوم و منازل الشّمس و القمر، و أجراها فی الفلک و کانت السّماء خضراء على لون الماء الأخضر، و کانت الأرض غبراء على لون الماء العذب، و کانتا مرتوقتین لیس لهما أبواب و هو النّبت و لم تمطر السّماء علیها فتنبت، ففتق السّماء بالمطر، و فتق الأرض بالنّبات، و ذلک قوله: أ و لم یر الذین کفروا الآیه، و نسب الشّارح البحرانی هذه الرّوایه إلى الباقر علیه السلام، و لعلّه اطلع على سند آخر عنه علیه السلام لم نقف علیه.

و منها روایه الرّوضه الآتیه.

الثالث

أنّ المستفاد من کلامه علیه السلام أنّ السّماء مخلوقه من الزّبد حیث قال: و رمى بالزّبد رکامه، فسوى منه سبع سماوات اه، لکن المستفاد من آیه السّجده السّالفه و من تفسیر الامام عن أمیر المؤمنین عن النّبی صلوات اللَّه علیهم فی قوله: الذی جعل لکم الأرض فراشا إلى آخر ما مرّ سابقا، و من روایه الکافی عن محمّد بن مسلم التی أسلفناها أیضا، و من سایر الرّوایات الوارده فی باب الخلقه: أنّ السّماء مخلوقه من الدّخان.

و جمع بینهما الشّارح البحرانی بقوله: فنقول: وجه الجمع بین کلامه علیه السلام و بین لفظ القرآن الکریم ما ذکره الباقر علیه السلام، و هو قوله فخرج من ذلک الموج و الزّبد دخان ساطع من وسطه من غیر نار، فخلق منه السّماء، و لا شک أنّ القرآن الکریم لا یرید بلفظ الدّخان حقیقته، لأن ذلک إنّما یکون عن النّار، و اتفق المفسّرون إلى أنّ هذا الدّخان لم یکن عن نار، بل عن تنفّس الماء و تبخیره‏ بسبب تموّجه، فهو إذن استعاره للبخار الصّاعد من الماء و إذا کان کذلک فنقول: إن کلامه علیه السلام مطابق للفظ القرآن، و ذلک أنّ الزّبد بخار یتصاعد على وجه الماء عن حراره حرکته، إلّا أنّه ما دامت الکثافه غالبه علیه و هو باق على وجه الماء لم ینفصل، فانّه یخصّ باسم الزّبد، و ما لطف و غلبت علیه الأجزاء الهوائیه فانفصل خصّ باسم البخار و إذا کان الزّبد بخارا و البخار هو المراد فی القرآن الکریم کان مقصده و مقصد القرآن الکریم واحدا، فکان البخار المنفصل هو الذی تکوّنت عنه السّماوات، و الذی لم ینفصل هو الذی تکوّنت عنه الأرض.

و أمّا وجه المشابهه بین الدّخان و البخار الذی صحت لأجله استعاره لفظه فهو أمر ان احدهما حسّی و هو الصّوره المشاهده من الدّخان و البخار حتّى لا یکاد یفرق بینهما فی الحسّ البصری و الثانی معنویّ و هو کون البخار اجزاء مائیه خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حراره الحرکه، کما أنّ الدّخان کذلک و لکن عن حراره النار، فانّ الدّخان أیضا أجزاء مائیه انفصلت من جرم المحترق بسبب لطافتها عن حرّ النّار، فکان الاختلاف بینهما لیس إلّا بالسّبب، فلذلک صحّ استعاره اسم أحدهما للآخر انتهى کلامه قده.

أقول: هذا التّوجیه وجیه جدا إلّا أنّه ینافیه ما رواه الکلینی فی روضه الکافی باسناده عن محمّد بن عطیه، قال: جاء رجل إلى أبی جعفر علیه السلام من أهل الشّام من علمائهم، فقال: یا أبا جعفر جئت أسألک عن مسأله قد أعیت علىّ أن أجد أحد یفسّرها، و قد سألت عنها ثلاثه أصناف من الناس، فقال کلّ صنف منهم شیئا غیر الذّی قال الصّنف الآخر، فقال له أبو جعفر علیه السلام: ما ذاک قال: فانّی أسألک عن أوّل ما خلق اللَّه من خلقه، فانّ بعض من سألته قال: القدر، و قال بعضهم: القلم و قال بعضهم: الرّوح، فقال أبو جعفر علیه السلام: ما قالوا شیئا اخبرک أنّ اللَّه تبارک و تعالى کان و لا شی‏ء غیره، و کان عزیزا و لا أحد کان قبل عزّه، و ذلک قوله: سُبْحانَ رَبِّکَ رَبِّ الْعِزَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ‏ و کان الخالق قبل المخلوق، و لو کان أوّل ما خلق من خلقه الشّی‏ء من الشّی‏ء إذا لم یکن انقطاع أبدا، و لم یزل اللَّه إذا و معه شی‏ء لیس هو یتقدّمه و لکنّه کان إذ لا شی‏ء غیره، و خلق الشی‏ء الذی جمیع الأشیاء منه و هو الماء الذی خلق الاشیاء منه، فجعل نسب کلّ شی‏ء إلى الماء و لم یجعل للماء نسبا یضاف إلى شی‏ء، و خلق الرّیح من الماء ثم سلط الرّیح على الماء فشققت الرّیح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن یثور، فخلق من ذلک الزّبد أرضا بیضاء نقیّه لیس فیها صدع و لا ثقب و لا صعود و لا هبوط و لا شجره، ثم طواها فوضعها فوق الماء، ثم خلق النّار من الماء فشققت النّار متن الماء حتّى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء اللَّه أن یثور فخلق من ذلک الدّخان سماء صافیه نقیّه لیس فیها صدع و لا ثقب، و ذلک قوله: السَّماءُ بَناها، رَفَعَ سَمْکَها فَسَوَّاها، وَ أَغْطَشَ«» لَیْلَها، وَ أَخْرَجَ ضُحاها.

قال علیه السلام: و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب، ثم طویها فوضعها فوق الماء ثم نسب الخلیقتین«» فرفع السّماء قبل الأرض، فذلک قوله عزّ ذکره: وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِکَ دَحاها یقول: بسطها قال: فقال له الشّامی: یا أبا جعفر قول اللَّه عزّ و جلّ: أَ وَ لَمْ یَرَ الَّذِینَ کَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ کانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما

فقال له أبو جعفر علیه السلام: فلعلک تزعم أنهما کانتا رتقا ملتزقتان ملتصقتان ففتقت احداهما عن الاخرى، فقال: نعم، فقال أبو جعفر علیه السلام: استغفر ربّک، فانّ قول اللَّه عزّ و جل کانتا رتقا یقول کانت السّماء رتقا لا تنزل المطر، و کانت الأرض رتقا لا تنبت الحبّ، فلما خلق اللَّه تبارک و تعالى الخلق و بثّ فیها من کلّ دابه، فتق السّماء بالمطر، و الارض بنبات الحبّ، فقال الشامی: أشهد أنّک من ولد الانبیاء، و أن علمک علمهم علیهم السلام.

فان المستفاد من الرّوایه هذه أنّ الدخان متکون من النّار، و هو المستفاد أیضا من روایه محمّد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السلام التی سبقت، حیث قال فیها: فأمر اللَّه عزّ و جلّ الماء فاضطرم نارا، ثم أمر النّار فخمدت فارتفع من خمودها دخان، فخلق السّماوات من ذلک الدّخان، إلى آخر ما مرّ، فدعوى الشّارح اتّفاق المفسّرین على عدم کون ذلک الدّخان من نار مع قیام الأخبار على خلافه مما لا یلتفت إلیها.

فان قلت: فما تقول فی روایه القمی المتقدّمه عن الصّادق علیه السلام حیث قال فیها: فخرج من ذلک الموج و الزّبد دخان ساطع من وسطه من غیر نار.

قلت: لا بد من تأولیها إمّا بأن یکون المراد بالنّار غیر النّار المتعارفه المسبوقه إلى الأذهان، أو بوجه آخر من وجوه التّأویل حتّى تلایم الرّوایتین، و إلّا فلا بدّ من طرحها، لأنّ الروایتین مضافا إلى کونهما أکثر عددا معتضدتان بالاعتبار العقلی و ظواهر«» آیه السّجده و الأخبار، فلا تکافؤهما الرّوایه المذکوره هذا.

و المقام بعد ذلک محتاج إلى التأمّل لتوجیه الجمع بین کلامه علیه السلام الدّالّ على خلق السّماء من الزّبد، و بین الآیه و الأخبار الاخر، و یمکن التوجیه بارجاع الضّمیر فی قوله علیه السلام فسوّى منه راجعا إلى الماء، لأنّ النّار التی‏ثار منها الدّخان لمّا کانت مخلوقه من الماء حسبما دلت علیه الرّوایتان، حسن استناد تسویه السّماوات إلیه فکان من قبیل استناد الشّی‏ء إلى علّته البعیده، کما اسندت فی غیره إلى الدّخان استنادا الى العلّه القریبه، فتأمّل جیّدا.

الرابع

أنّ المستفاد من قوله علیه السلام: فسوّى منه سبع سماوات کون السماوات سبعا، و هو ممّا لا ریب فیه و لا خلاف، و یطابقه قوله تعالى فی سوره البقره، فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ و فی سوره السّجده فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ و فی سوره النّبأ وَ بَنَیْنا فَوْقَکُمْ سَبْعاً شِداداً.

و إنّما خالف بعض من لا یعبأ به فی الأرض و أنکر کونها سبعا، و هو شاذّ ضعیف لا یلتفت إلیه بعد دلاله ظاهر الآیه على خلافه، قال سبحانه فی سوره الطلاق: اللَّهُ الَّذِی خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ.

و تأویلها بالأقالیم السّبعه لا حاجه إلیه، قال الطبرسی فی تفسیر الآیه: أى و فی الأرض خلق مثلهنّ فی العدد لا فی الکیفیّه، لأنّ کیفیّه السّماء مخالفه لکیفیّه الأرض، و لیس فی القرآن آیه تدلّ على أنّ الأرضین سبع مثل السّماوات إلّا هذه الآیه، و لا خلاف فی السّماوات و أنّها سماء فوق سماء، و أمّا الأرضون فقال قوم: إنّها سبع أرضین طباقا بعضها فوق بعض کالسّماوات، لأنّها لو کانت مصمته لکان أرضا واحده و فی کلّ أرض خلق خلقهم اللَّه کما شاء، و روى أبو صالح عن ابن عبّاس أنّها سبع أرضین لیس بعضها فوق بعض یفرق بینهنّ البحار، و یظل جمیعهن السّماء، و اللَّه أعلم بصحّه ما استأثر بعلمه و خفی على خلقه انتهى، هذا.

و روی فی الأخبار المستفیضه أن غلظ کلّ سماء مسیره خمسمائه عام، و من بین السّماء إلى السّماء کذلک، و من هنا إلى السّماء الدّنیا مثلها، و هذه الأخبار صریحه فی بطلان قول الحکماء بنفی الخلاء و ذهابهم إلى أنّ الأفلاک لیس بینهما فرجه بل مقعّر کلّ فلک مماس لمحدّب الفلک الآخر، لأنّه. إذا کان بین کلّ منهما مسیره خمسمائه عام فکیف یتصوّر الملاصقه و المماسه، فلا یلتفت إلى براهینهم العقلیّه التی أقاموها على ذلک.

و قد مرّ فی روایه الرّوضه قول أبی جعفر علیه السلام للشّامی: استغفر ربّک، فانه لمّا کان معتقدا بمثل ما قاله الحکماء بالأخذ عن کتبهم أمره بالاستغفار، فیدل على تحریم هذا الاعتقاد و أمثاله، فابطل الملاصقه و الالتزاق بینهما.

الخامس

أن قوله علیه السلام: ثُمَّ زَیَّنَها بِزینَهٍ الکَواکِبِ.

قد بیّنا سابقا أن الضّمیر فیه محتمل الرّجوع إلى السّفلى و الرّجوع إلى السّماوات باعتبار أن تزیین البعض تزیین الجمیع، و اللّازم فی المقام تحقیق محلّ الکواکب و تعیینه.

فأقول: الذی ذهب إلیه أصحاب الهیئه بل ادّعی اتفاقهم علیه هو أنّ الثّوابت کلها فی الفلک الثّامن، و أمّا السّیارات فالمشهور أن القمر فی الفلک الذی هو أقرب الینا، ثم عطارد، ثم زهره، ثم الشّمس، ثم المرّیخ، ثم المشتری، ثم زحل، و فوقها فلک الثّوابت المسمّى بلسان الشّرع بالکرسی، ثم فلک الأطلس الذی هو غیر مکوکب و یسمّى فی لسان الشّرع بالعرش، و اختار هذا المذهب فی المقام الشّارح البحرانی.

و ذهب طائفه و منهم السّید الجزایری و الشّارح المعتزلی إلى أنّها فی السّماء الدّنیا، و مال إلیه شیخنا البهائی على ما عزی إلیه، و یظهر من کلام الفخر الرّازی میله إلیه أیضا، و هو الأظهر.

لنا ظاهر قوله سبحانه فی سوره الصّافات: إِنَّا زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِزِینَهٍ الْکَواکِبِ، وَ حِفْظاً مِنْ کُلِّ شَیْطانٍ مارِدٍ و فی سوره السّجده وَ زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِمَصابِیحَ‏ وَ حِفْظاً ذلِکَ تَقْدِیرُ الْعَزِیزِ الْعَلِیمِ و فی سوره الملک وَ لَقَدْ زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِمَصابِیحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّیاطِینِ و أما الأوّلون فقد استدلوا على مذهبهم فی الثّوابت و أنّها فی الفلک الثّامن بما حکاه عنهم الرّازی فی التفسیر، قال عند الکلام على تفسیر الآیه الثّالثه: و اعلم أن أصحاب الهیئه اتفقوا على أنّ هذه الثّوابت مرکوزه فی الفلک الثّامن الذی هو فوق اکر«» السّیارات، و احتجوا علیه بأنّ بعض هذه الثّوابت فی الفلک الثامن فیجب أن تکون کلّها هناک، و إنّما قلنا: إن بعضها فی الفلک الثّامن، و ذلک لأن الثّوابت التی تکون قریبه من المنطقه تنکسف بهذه السّیارات، فوجب أن تکون الثّوابت المنکسفه فوق السّیارات الکاسفه، و إنّما قلنا: إن هذه الثوابت لمّا کانت فی الفلک الثامن وجب أن تکون کلّها هناک، لأنها بأسرها متحرکه حرکه واحده بطیئه فی کل مأئه سنه درجه واحده فلا بدّ و أن تکون مرکوزه فی کره واحده، و على مذهبهم فی السّیارات بأن زحل ینکسف بالمشتری فیکون فوقه، و المشترى ینکسف بالمرّیخ فهو فوقه، و أمّا کون الشّمس تحتها فلأن لها اختلاف منظر دون العلویه، و أمّا الزّهره و عطارد فلا جرم بکونهما تحت الشّمس أو فوقها، إذ لا یکسفها غیر القمر، و لا یدرک کسفها لشی‏ء من الکواکب، لاحتراقها عند مقارنتها، و لا یعرف لهما اختلاف منظر أیضا لأنّهما لا یبعدان عن الشّمس کثیرا و لا یصلان إلى نصف النّهار، و الآله التی یعرف بها اختلاف المنظر إنّما تنصب فی سطح دائره نصف النّهار، فحکموا بکونهما تحت الشّمس استحسانا، لتکون متوسطه بین السته بمنزله شمسه القلاده.

و روی عن الشّیخ و من تقدّمه أنّه رأى الزّهره کشامه على وجه الشّمس و بعضهم ادّعى أنّه رآها و عطارد کشامتین علیها، و سمّیتا سفلیّین لذلک کما یسمّى ما فوق الشّمس علویّه، و الزّهره منها فوق عطارد لانکسافها به، و القمر تحت الکلّ لانکساف الکلّ به.

أقول: أمّا دلیلهم فی الثّوابت فمضافا إلى مخالفته لظواهر الآیات ضعیف فی نفسه قال الرّازى فی تفسیر الآیه الاولى بعد ذکر مذهب الحکماء: إنّا قد بیّنا فی علم الهیئه أنّ الفلاسفه لم یتم لهم دلیل فی بیان أنّ هذه الکواکب مرکوزه فی الفلک الثّامن، و لعلّنا شرحنا هذا الکلام فی تفسیر قوله تعالى: و لقد زینا السّماء الدنیا بمصابیح، و قال عند تفسیره بعد ذکر مذهبهم و دلیلهم الذی حکیناه عنه آنفا: و اعلم أنّ هذا الاستدلال ضعیف، فانّه لا یلزم من کون بعض الثّوابت فوق السّیارات کون کلّها هناک، لأنه لا یبعد وجود کره تحت کره القمر و تکون فی البطؤ مساویه لکره الثّوابت، و تکون الکواکب المرکوزه فیما یقارن القطبین مرکوزه فی هذه الکره السّفلیّه، إذ لا یبعد وجود کرتین مختلفتین بالصّغر و الکبر مع کونهما متشابهتین فی الحرکه، و على هذا التّقدیر لا یمتنع أن تکون هذه المصابیح مرکوزه فی السّماء الدّنیا، فثبت أنّ مذهب الفلاسفه فی هذا الباب ضعیف انتهى.

و انت بعد ما عرفت ضعف دلیلهم فیما ذهبوا إلیه مع عدم قیام برهان عقلی أو نقلی آخر علیه، تعرف أنّه لا وجه لتأویل الآیات الشّریفه على ما یطابق مذهبهم، کما أوّلها الشّارح البحرانی حیث إنه بعد اختیاره مذهب الحکماء و ذکره الاشکال فیه بتنافیه لظاهر الآیه، أجاب بأنه لا تنافی بین ظاهر الآیه و بین ما ذکرناه، و ذلک أنّ السّماء الدنیا لمّا کانت لا تحجب ضوء الکواکب، و کانت أوهام الخلق حاکمه عند النظر إلى السّماء و مشاهده الکواکب بکونها مزیّنه بها، لا جرم صحّ قوله تعالى: إنّا زیّنا السماء الدنیا بزینه الکواکب، لأنّ الزّینه بها إنّما هی بالنّسبه إلى أوهام الخلق للسّماء الدّنیا انتهى کلامه.

و الحاصل أنّ ظواهر الأدله حجه لو لم یقم دلیل على خلافه، و مع عدمه فالظاهر حجّه، و لا وجه لرفع الید عنه، و لذلک قال الشّارح المعتزلی، و الواجب التّصدیق بما فی ظاهر لفظ الکتاب العزیز.

و أمّا دلیلهم فی السّیارات فقد عرفت أنّه غیر واف بتمام مدّعاهم، لما ذکرنا من أنّ التّرتیب الذی ادّعوه فی عطارد و زهره و کونهما سفلیین بالنسبه إلى الشّمس و ما فوقها مستند إلى مجرّد الاستحسان، إلّا أنّه لا بأس به، لعدم قیام دلیل على خلافهم هنا، و إن هو إلّا کسائر أدلتهم المستنده إلى الحدس و الرّیاضه فی أبواب النّجوم و الهیئه، لکن السّید الجزائری ادّعى قیام الأخبار على خلاف ما ادّعوه من التّرتیب، و لکنّا بعد لم نظفر على تلک الأخبار الدّاله على الخلاف صریحا، بل قد مضى فی شرح قوله: و ضیاء الثّواقب، عن الصّادق علیه السلام ما یفید کون زحل فی السّماء السّابعه، نعم فی بعضها تلویح إلى ذلک، و لعله یأتی شطر منها فی مقامها المناسب.

فان قیل: على تقدیر کون کلّ من السّیارات فی کلّ من السّماوات یکون کلّ واحد منها مزیّنه بکوکبها المرکوزه فیها، فما وجه التّخصیص للزّینه بالسّماء الدّنیا فی الآیه قلت: لمّا کان الموجود على هذا التّقدیر فی کلّ واحد منها واحد من الکواکب، و هو نادر فی جنب سایر الکواکب الکثیره الثّابته فی السّماء الدّنیا التی لا یعلم عددها إلّا اللَّه سبحانه، لا جرم حسن تخصیصها بالذکر.

و یمکن الجواب بنحو آخر أولى، و هو أنّ المقصود فی الآیات بیان کون الکواکب زینه و سببا للحفظ من الشیاطین معا، و الحفظ لمّا کان بهذه الکواکب الثّابته فی هذه السّماء، حسن التخصیص، و القول بتأتّی الحفظ بالسّیارات أیضا ممّا یأبى عنه العقول المستقیمه، إذ مع وجود هذه الکواکب على قربها و کثرتها فی هذه السّماء و حصول حفظها بها لا یحکم العقل السّلیم بأن ینقض کوکب من الفلک السّابع مثلا مع بعده و وحدته، فیوجب الحفظ کما هو ظاهر.

فان قیل: المستفاد ممّا ذکرت أنّ الشّهب التی جعلت رجوما للشّیاطین هی تلک الکواکب المزیّنه بها السّماء، و هذا مشکل جدّا لأنّ هذه الشّهب تبطل و تضمحلّ، فلو کانت هذه الشّهب تلک الکواکب الحقیقیه لوجب أن یظهر نقصان کثیر فی أعداد کواکب السّماء، و معلوم أنّ هذا المعنى لم یوجد ألبتّه فانّ أعداد کواکب السّماء باقیه على حاله واحده من غیر تغیر البتّه، و أیضا جعلها رجوما ممّا یوجب وقوع النّقصان فی زینه السّماء، و الجمع بین هذین المقصودین کالجمع بین المتنافیین.

قلنا: لیس معنى رجم الشّیاطین بالکواکب هو أنّهم یرمون بأجرام الکواکب، بل یجوز أن ینفصل من الکواکب شعل ترمى الشّیاطین بها، و تلک الشّعل هی الشّهب، و ما ذاک إلّا کقبس یؤخذ من نار، و النّار باقیه بحالها.

و العجب أنّ الشّارح البحرانی أجاب عن الاشکال المذکور باختیار أنّ الشّهب غیر تلک الثّوابت الباقیه، ثم قال: فأمّا قوله: و زیّنا السّماء الدّنیا بمصابیح و جعلناها رجوما للشّیاطین، فنقول: کلّ مضی‏ء حصل فی الجوّ العالى أو فی السّماء فهو مصباح لأهل الارض، إلّا أن تلک المصابیح منها باقیه على طول الزّمان و هو الثّوابت، و منها متغیّره و هی هذه الشّهب التی یحدثها اللَّه و یجعلها رجوما للشّیاطین، و یصدق علیها أنّها زینه للسّماء أیضا بالنّسبه إلى أوهامنا انتهى، و بمثل هذا أجاب الفخر الرّازی أیضا عند تفسیر الآیه الاولى.

و لکنّک خبیر بمنافاته لظواهر الآیات خصوصا الآیه الثّالثه، حیث إنّ الضّمیر فی قوله: و جعلناها رجوما، راجع إلى المصابیح، و الظاهر من المصابیح هی الکواکب بشهاده الآیتین الاولیین، و لا داعی إلى التّاویل و رفع الید عن الظاهر مع اندفاع الاشکال بما ذکرناه. هذا ما أدّى إلیه الفهم القاصر فی المقام، و تکلمنا على ما یقتضیه عقولنا القاصره، و اللَّه العالم بحقایق ملکوت سمائه.

السادس فی الاشاره إلى بعض ما یتعلّق بالنیرین أعنی الشّمس و القمر

اللّتین أشار علیه السلام إلیهما بقوله: فأجرى فیها سراجا مستطیرا، و قمرا منیرا، فانّ لهما أحوالا کثیره من حیث القطر و الحرکه، و سرعتها و بطؤها، و الخسوف و الکسوف العارضین لهما، و الکلف الحاصل فی وجه القمر، و زیاده نور الشّمس علیه، و الحراره الموجوده لها دون القمر، إلى غیر هذه من الحالات التی بحث عنها علماء الهیئهبحسب ما وصل إلیها أوهامهم القاصره، و مقصودنا فی المقام بیان بعض الأحوال الطاریه علیهما حسب ما یستفاد من الآیات و الأخبار الماثوره عن أهل العصمه و الطهاره سلام اللَّه علیهم.

فنقول: إنّهما من أجل کونهما من أعظم الآیات و لعظم ما یترتّب علیهما من الثّمرات من اصلاح الأثمار و النّباتات و مدخلیّتهما فی ضبط السّنین و الحساب و الأوقات و غیر ذلک من المنافع الحاصله منهما للعنصریات، کرّر اللَّه سبحانه ذکرهما فی کثیر من السّور و الآیات، و ببالی أنّه ینیف على عشرین قال سبحانه فی سوره البقره: یَسْئَلُونَکَ عَنِ الْأَهِلَّهِ قُلْ هِیَ مَواقِیتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ إشاره إلى بعض منافع القمر الحاصله فیه من حیث الزّیاده و النّقصان و الطلوع و الافول، و هو أنّ الحکمه فی ذلک أن یعرف النّاس معالم امورهم، و أوقات عباداتهم الموظفه فی حقّهم، و قال فی سوره یونس: هُوَ الَّذِی جَعَلَ الشَّمْسَ ضِیاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِینَ وَ الْحِسابَ، ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِکَ إِلَّا بِالْحَقِّ، یُفَصِّلُ الْآیاتِ لِقَوْمٍ یَعْلَمُونَ أى قدّر مسیر کلّ واحد منهما منازل، و الضّمیر راجع إلى خصوص القمر، و تخصیصه بالذّکر لسرعه سیره و معاینه منازله و إناطه أحکام الشّرع به، و لذلک علّله بقوله: لتعلموا عدد السّنین و الحساب، أى حساب الأوقات من الأشهر و السّاعات فی التّصرفات و المعاملات.

قیل: إنّ الحساب یبنى على أربع مراتب: السّاعات، و الأیام، و الشهور، و السّنون، فالعدد«» للسّنین، و الحساب لما دون و هی الشّهور، و الأیام،و السّاعات، و بعد هذه المراتب الأربع لا یحصل إلا التکرار، کما أنّهم رتّبوا العدد على أربع مراتب: الآحاد، و العشرات، و المات، و الالوف، و لیس بعدها إلّا التکرار و معنى قوله: ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِکَ إِلَّا بِالْحَقِّ إلّا متلبّسا بالحقّ مراعیا فیه مقتضى الحکمه البالغه: یُفَصِّلُ الْآیاتِ لِقَوْمٍ یَعْلَمُونَ فانّهم المنتفعون بذلک، و قریب منه قوله فی سوره الاسرى: وَ جَعَلْنَا اللَّیْلَ وَ النَّهارَ آیَتَیْنِ فَمَحَوْنا آیَهَ اللَّیْلِ وَ جَعَلْنا آیَهَ النَّهارِ مُبْصِرَهً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّکُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِینَ وَ الْحِسابَ وَ کُلَّ شَیْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِیلًا أى جعلنا اللّیل و النّهار دلالتین یدلّان على القادر الحکیم، فمحونا آیه اللّیل أى الآیه التی هی اللّیل و جعلناها مظلمه، و الاضافه بیانیّه، و جعلنا آیه النّهار مبصره، أى مضیئه أو مبصره للناس من أبصره فبصر، لتبتغوا فضلا من ربکم، أى لتطلبوا فی بیاض النّهار أسباب معاشکم و تتوصلوا به إلى استبانه أعمالکم.

و قیل: إن المراد بالآیتین الشّمس و القمر، و تقدیر الکلام و جعلنا نیّری اللّیل و النّهار آیتین، و المراد بمحو آیه اللیل التی هی القمر نقص نورها شیئا فشیئا إلى المحاق، أو المراد بمحوها کونها مظلمه فی نفسها مطموسه النّور بما جعل فیها من السّواد.

أقول: و هذا هو الأظهر و یدلّ علیه الأخبار المستفیضه.

فمنها ما فی البحار عن العیون فی خبر یزید بن سلام، أنّه سأل النّبى صلى اللَّه علیه و آله و سلم، ما بال الشّمس و القمر لا یستویان فی الضوء و النّور قال: لمّا خلقهما اللَّه أطاعاو لم یعصیا شیئا، فأمر اللَّه عزّ و جلّ جبرئیل أن یمحو ضوء القمر فمحاه، فأثّر المحو فی القمر خطوطا سودا، و لو أنّ القمر ترک على حاله بمنزله الشّمس لم یمح، لما عرف اللّیل من النّهار، و لا النّهار من اللیل، و لا علم الصّائم کم یصوم، و لا عرف النّاس عدد السّنین، و ذلک قول اللَّه عزّ و جلّ: و جعلنا اللیل و النّهار الآیه، قال: صدقت یا محمّد، فأخبرنی لم سمّی اللیل لیلا قال: لأنّه یلایل«» الرّجال من النّساء، جعله اللَّه عزّ و جلّ الفه و لباسا، و ذلک قول اللَّه عزّ و جل: و جعلنا اللیل لباسا، و جعلنا النّهار معاشا، قال: صدقت یا محمّد. و روى فی الصافی عن العلل مثله إلى قوله و ذلک قول اللَّه و جعلنا اللیل اه.

و منها ما فیه أیضا عن کتاب النّجوم لابن طاوس نقلا من کتاب ابن أبی جمهور باسناده أنّ أمیر المؤمنین علیه السلام لمّا صعد المنبر و قال سلونی قبل أن تفقدونی قال: فقام إلیه رجل فسأله عن السّواد الذی فی وجه القمر، فقال علیه السلام أعمى«» سأل عن عمیاء«»، أما سمعت اللَّه عزّ و جل یقول: فمحونا آیه اللیل و جعلنا آیه النّهار مبصره، و السّواد الذی تراه فی القمر أنّ اللَّه عزّ و جل خلق من نور عرشه شمسین، فأمر جبرئیل، فأمر جناحه الذی سبق من علم اللَّه جلت عظمته لما أراد أن یکون من اختلاف اللیل و النّهار و الشّمس و القمر، و عدد السّاعات و الأیّام و الشّهور، و السّنین و الدّهور، و الارتحال و النّزول، و الاقبال و الادبار، و الحج و العمره، و محلّ الدّین و أجر الأجیر، و عدد أیّام الحبل و المطلقه، و المتوفى عنها زوجها، و ما أشبه ذلک. قال المجلسی قده بعد نقل الحدیث «بیان» الذی أى على الذی سبق فی علم اللَّه أن یکون قمرا، و الظاهر أنه کان هکذا على أحدهما للذی سبق انتهى.

و منها ما رواه أیضا عن العیاشی عن أبی بصیر، عن الصّادق علیه السلام فی قوله‏ تعالى: فمحونا آیه اللیل، قال: هو السّواد الذی فی جوف القمر، إلى غیر ذلک ممّا یقف علیها المتتبع هذا.

و بما ذکرنا عرفت سبب السّواد فی القمر و أنّه من فعل جبرئیل و أمر اللَّه سبحانه، و لیس سببه ما توهمه الفلاسفه، و أرباب الهیئه و اختلفوا فیه على أقوال تبلغ إلى سبعه: الأول أنّه خیال لا حقیقه له، و ردّ بأنّه لو کان کذلک لاختلف فیه النّاظرون، لاستحاله موافقه الکلّ على خیال واحد.

الثّانی أنّه شبه ما ینطبع فیه من السّفلیّات من الجبال و البحار و غیرها، و ردّ بأنّه یلزم حینئذ أن یختلف القمر فی قربه و بعده و انحرافه عمّا ینطبع فیه الثالث أنّه السّواد الکاین فی الوجه الآخر، و ردّ بأنّه یجب على ذلک أن لا یرى هذا متفرقا.

الرّابع أنّ سببه التّأذّی من کره النّار، لقرب ما بینهما، و ردّه الشّیخ الرّئیس بأنّ هذا لا یلایم الاصول الحکمیّه، فانّ الأجسام الفلکیّه لا ینفعل عن الأجسام العنصریّه، و أیضا أنّ الفلک غیر قابل للتسخن عندهم.

الخامس أنّ جزء منه لا یقبل النّور کما یقبله غیره، و ردّ بأنّه یلزم على هذا عدم اطراد القول ببساطه الفلکیّات، و فی هذا هدم لقواعدهم المبنیّه على بساطتها.

السّادس أنّ وجه القمر مصوّره بصوره وجه الانسان، فله عینان و حاجبان و أنف و فم، و ردّ بأنّه یلزم أن یبطل فعل الطبیعه عندهم، و ذلک لأنّ لکلّ عضو طلب نفع و دفع ضرر، فانّ الفم لدخول الغذاء، و الأنف للاستشمام، و الحاجبین لدفع العرق عن العینین، و لیس القمر قابلا لشی‏ء من ذلک، فیلزم التّعطیل الدّائم فیما زعمتم أنه على أحسن النظام و أبلغه.

السابع أنّ هذا السواد أجسام سماویه مختلفه معه فی تدویره غیر قابله للاناره بالتساوی حافظه لوضعها معه دائما. هذه أقوالهم التی حکیت عنهم فی المقام، و قد عرفت فساد الجمیع فی أنفسها، مضافا إلى قیام الأخبار على خلافها،و ظهر لک أنّ السبب فیه أمر القادر المختار المسخر تحت قدرته الشمس و القمر و اللیل و النهار هذا.

و أما ما رواه فی الصافی عن الصادق علیه السلام: لما خلق اللَّه القمر کتب علیه لا إله الا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، علیّ أمیر المؤمنین، و هو السواد الذی ترونه فی القمر، فلا ینافی الأخبار السالفه، لجواز أن یکون المحو الواقع فی الأحادیث السابقه بهذه الکتابه الواقعه فی هذا الحدیث، و تمام هذا الحدیث ما رواه الطبرسی فی الاحتجاج و المحدّث الجزایری (ره) فی الأنوار عن قاسم بن معاویه قال: قلت لأبی عبد اللَّه علیه السلام: هؤلاء یروون حدیثا فی معراجهم أنه لما اسرى برسول اللَّه صلى اللَّه علیه و آله سلم رأى على العرش لا إله الّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، أبو بکر الصدیق، فقال: سبحان اللَّه غیّر و اکلّ شی‏ء حتى هذا قلت: نعم، قال: إنّ اللَّه عزّ و جلّ لما خلق العرش کتب علیه: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، علیّ أمیر المؤمنین، و لما خلق الماء کتب فی مجراه: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، علیّ أمیر المؤمنین، و لما خلق اللَّه عزّ و جلّ الکرسی کتب على قوائمه: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، علیّ أمیر المؤمنین، و لما خلق اللَّه عزّ و جلّ اللوح کتب فیه: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، علیّ أمیر المؤمنین، و لما خلق اللَّه إسرافیل کتب على جبهته: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، علی أمیر المؤمنین، و لما خلق اللَّه السماوات کتب فی أکنافها: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، علیّ أمیر المؤمنین، و لمّا خلق اللَّه الأرضین کتب فی أطباقها: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، علیّ أمیر المؤمنین، و لمّا خلق اللَّه عزّ و جلّ الجبال کتب على رءوسها: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه علیّ أمیر المؤمنین، و لمّا خلق اللَّه عزّ و جلّ الشّمس کتب اللَّه عزّ و جلّ علیها: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، علیّ أمیر المؤمنین، و لما خلق اللَّه عزّ و جلّ القمر کتب علیه: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، علیّ أمیر المؤمنین، و هو السّواد الذی ترونه فی القمر، فاذا قال أحدکم: لا إله إلّا اللَّه، محمّد رسول اللَّه، فلیقل علیّ أمیر المؤمنین.

فان قیل: إنّ الکتابه المکتوبه على وجه القمر، الموجبه للکلف و السّواد فیه على ما دلت علیه الرّوایه، مکتوبه بعینها على الشّمس أیضا، فلم لم توجب السّواد فیها حیث إنّه لو کان فیها سواد لشاهدناه قلت: أجاب عنه الجزایری بأنّ عدم المشاهده لشدّه النّور و زیاده الضّیاء المانع عنها.

و لکنّک خبیر بما فیه لما قد عرفت فی الاخبار السّالفه أنّ نوریهما کانا على حدّ سواء، و کان سبب قلّه نور القمر هو المحو الحاصل بالکتابه، فلم تکن الشّمس فی الأصل أشد نورا حتّى لا یظهر فیها أثر الکتابه، و الأولى أن یجاب بأنّ المقصود لمّا کان تمایز اللّیل و النّهار، و معرفه السّنین و الحساب، کانت الکتابه على وجه القمر بخط جلیّ لحصول ذلک الغرض، بخلاف الشّمس، و العلم عند اللَّه هذا و قد تحقق ممّا ذکرنا سبب اختلاف نوری الشّمس و القمر، بما لا مزید علیه.

و أما سبب اختلافهما فی الحراره، فهو ما بیّنه الامام علیه السلام فی روایه الکافی باسناده عن محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبی جعفر علیه السلام: جعلت فداک لأیّ شی‏ء صارت الشّمس أشدّ حراره من القمر فقال: إنّ اللَّه خلق الشّمس من نور النّار و من صفو الماء طبقا من هذا و طبقا من هذا حتّى إذا کانت سبعه أطباق ألبسها لباسا من نار، فمن ثمّ صارت أشدّ حراره من القمر، قلت جعلت فداک، و القمر، قال: إنّ اللَّه تعالى ذکره خلق القمر من ضوء نور النّار و صفو الماء طبقا من هذا و طبقا من هذا حتّى إذا کانت سبعه أطباق ألبسها لباسا من نار فمن ثم صار القمر أبرد من الشّمس.

و رواه فی البحار عن العلل و الخصال أیضا و قال بعد ذکر الحدیث توضیح قوله: حتّى إذا کانت سبعه أطباق، یحتمل أن یکون المعنى أنّ الطبقه السّابعه فیها من نار، فیکون حرارتها لجهتین، لکون طبقات النّار أکثر بواحده، و کون الطبقه العلیا من النّار، و یحتمل أن یکون لباس النّار طبقه ثامنه، فتکون الحراره للجهه الثّانیه فقط، و کذا فی القمر یحتمل الوجهین، ثم إنّه یحتمل أن یکون خلقهما من النّار و الماء الحقیقتین من صفوهما و ألطفهما، و أن یکون المراد جوهرین لطیفین مشابهین لهما فی الکیفیّه، و لم یثبت امتناع کون العنصریات فی الفلکیّات، و قد دلّ الشّرع على وقوعه فی مواضع شتّى هذا.

و بقی الکلام فی حرکتی الشّمس و القمر.

فأقول: لم نظفر فی الأخبار بما یفید التّعیین، نعم فی بعضها ما یدل على سرعه الحرکه، مثل ما روى عن سؤال النّبی صلى اللَّه علیه و آله سلم عن الرّوح الأمین، من زوال الشّمس و جوابه بقوله: لا، نعم، فقال صلى اللَّه علیه و آله سلم له: کیف تقول: لا، نعم، فقال من حیث قلت: لا، إلى قلت: نعم، سارت الشّمس مسیره خمسمائه عام و ما رواه المجلسی قده عن قصص الرّاوندی باسناده عن الصّدوق، باسناده عن محمّد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السلام قال: إنّ موسى علیه السلام سأل ربه أن یعلمه زوال الشّمس، فوکل اللَّه بها ملکا، فقال یا موسى: قد زالت الشّمس، فقال موسى: متى فقال: حین أخبرتک، و قد سارت خمسمائه عام و عن الکافى عن علیّ بن إبراهیم باسناده عن أبی الصّباح الکنانی، عن الأصبغ بن نباته، قال: قال أمیر المؤمنین علیه السلام: إنّ للشّمس ثلاثمأه و ستین برجا، کلّ برج منها مثل جزیره من جزایر العرب، فتنزل کل یوم على برج منها، فاذا غابت انتهت إلى حدّ بطنان العرش، فلم تزل ساجده إلى الغد، ثم ترد إلى موضع مطلعها و معها ملکان یهتفان معها، و انّ وجهها لأهل السّمآء، و قفاها لأهل الأرض، و لو کان وجهها لأهل الأرض لاحترقت الأرض و من علیها من شده حرّها، و معنى سجودها: ما قال سبحانه و تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ یَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ مَنْ فِی الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ کَثِیرٌ مِنَ النَّاسِ قال المجلسی «ره» بعد روایه الحدیث توضیح-  ثلاثمأه و ستّین برجا-  لعل المراد بالبرج الدرجات التی تنتقل إلیها بحرکتها الخاصّه، أو المدارات التی تنتقل إلى واحد منها کلّ یوم، فیکون هذا العدد مبنیّا على ما هو الشّایع بین النّاس من تقدیر السّنه به، و إن لم یکن مطابقا لشی‏ء من حرکتی الشّمس و القمر-  مثل جزیره من جزایر العرب-  أى نسبتها إلى الفلک مثل نسبه جزیره من الجزائر إلى الأرض، أو الغرض التّشبیه فی أصل العظمه لا خصوص المقدار، و المقصود بیان سرعه حرکتها و إن کانت بطیئه بالنّسبه إلى الحرکه الیومیّه، قال الفیروز آبادی: جزیره العرب ما أحاط به بحر الهند و بحر الشّام ثم دجله و الفرات و ما بین عدن ابین الى اطراف الشّام طولا و من جدّه إلى ریف العراق عرضا-  فاذا غابت-  أى بالحرکه الیومیّه-  إلى حدّ بطنان العرش-  أى وسطه-  و لعل المراد وصولها إلى دائره نصف النّهار من تحت الأرض، فانّها بحذاء أوساط العرش بالنّسبه إلى أکثر المعموره، إذ ورد فی الأخبار أنّ العرش محاذ للکعبه-  فلم تزل ساجده-  أى مطیعه خاضعه منقاده جاریه بأمره تعالى حتى تردّ إلى-  مطلعها-  و المراد بمطلعها ما قدّر أن تطلع منه فی هذا الیوم، أو ما طلعت فیه فی السّنه السّابقه فی مثله و قوله:-  و معنى سجودها-  یحتمل أن یکون من تتمه الخبر لبیان أنّه لیس المراد بالسّجود ما هو المصطلح، و لعل الأظهر أنّه من کلام الکلینی أو غیره انتهى.

هذا فی حرکه الشّمس.

و أمّا القمر فهو أسرع حرکه من الشّمس، کما قال سبحانه: لَا الشَّمْسُ یَنْبَغِی لَها أَنْ تُدْرِکَ الْقَمَرَ أی فی سرعه سیره، لأنّ الشّمس تقطع بروج الفلک فی ثلاثمأه و خمسه و ستّین یوما و شی‏ء، و القمر فی ثمانیه و عشرین یوما.

و فی الصّحیفه السّجادیه على صاحبها أفضل الصلاه و التحیه فی دعائه إذا نظر إلى الهلال: (الخلق المطیع الدّآئب السّریع المتردّد فی منازل التّقدیر المتصرّف فی فلک التّدبیر) قال بعض شرّاح«» الصّحیفه: وصفه علیه السلام القمر بالسّرعه إشاره إلى سرعه حرکته العرضیّه التی تکون بتوسط فلک تدویره، فانّه أسرع عن سایر الکواکب بهذا الاعتبار، أمّا الثّوابت فظاهر، لکون حرکتها من أبطأ الحرکات حتّى أن القدماء لم یدرکوها، فقیل: إنّها تتمّ الدّوره فی ثلاثین ألف سنه، و قیل: فی سته و ثلاثین ألف سنه، و أمّا السّیارات فلأنّ زحل یتمّ الدّوره فی ثلاثین سنه، و المشتری فی اثنتى عشره سنه، و المرّیخ فی سنه و عشره أشهر و نصف شهر، و کلّا من الشّمس و الزّهره و عطارد فی قریب سنه، و أمّا القمر فیتمّ الدّوره فی نحو من ثمانیه و عشرین یوما، فکان أسرعها حرکه، و أمّا حرکته الذاتیه و إن قال بهاجم غفیر من أساطین الحکماء، حیث أثبتوا لجمیع الکواکب حرکه ذاتیه و تدور بها على أنفسها، فهی على تقدیر ثبوتها غیر محسوسه و لا معروفه، فحمل وصف القمر بالسرعه على هذه الحرکه بعید، نعم لا یبعد حمله على حرکته المحسوسه على أنّها ذاتیّه له، کما ذهب إلیه بعضهم من جواز کون بعض حرکات السّیارات فی أفلاکها من قبیل حرکه السابح فی الماء، و یؤیده ظاهر قوله تعالى: وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ کُلٌّ فِی فَلَکٍ یَسْبَحُونَ انتهى و اورد صاحب شرح الاشارات على القول بالحرکه الذّاتیّه، بأنّ هذه تقتضی أن یکون المحو المرئى فی وجه القمر شیئا غیر ثابت فی جرمه و إلّا لتبدّل وضعه.

هذا مجمل الکلام فیما یتعلق بالأجسام العلویّه و عالم الملکوت، و قد تکلمنا فیه بحسب ما ساعدنا الوقت و المجال، و أما تفصیل حالاتها على ما تعرضوا له بحسب الوسع و الطاقه البشریه فلیطلب من مظانه و مواقعه، و العلم عند اللَّه و النبیّ‏ و أوصیائه الکرام علیهم السلام.

الترجمه

یعنى پس از آن انشاء کرد خداوند سبحانه و تعالى گشادن فضاها و شکافتن طرفها و گشادگیهاى هوا را، پس جارى نمود در آن گشادگیها آبى که تلاطم داشت و زننده یکدیگر بود موجهاى او، و تراکم داشت و بالاى همدیگر بود انبوهى او، بار نمود آن آب را بر پشت بادى که تند بود وزیدن او، و سخت جنباننده که شدید بود صداى او، پس امر نمود آن باد را به برگردانیدن آن آب بطرف بالا، و مسلط گردانید آنرا بمحکم بستن آن آب و مقرون و نزدیک نمود آن باد را بنهایت و حدّ آن آب که فاصله نبود میان آنها، هوا از زیر آن گشاده شده، و آب از بالاى آن ریخته گردیده، پس بعد از این بیافرید حق سبحانه و تعالى بادى که عقیم نمود وزیدن او را یا این که عقیم بود وزیدن او یا این که تنک بود جاى وزیدن او، و دایم نمود ملازمت آن باد را بحرکت دادن آب، و شدید و محکم نمود جریان آنرا و دور نمود مهب و منشأ آنرا بحیثیتى که هیچکس را اطلاع نیست بر این که از کجا ناشى مى‏ شود، پس مأمور نمود آنرا بر تحویل و بر هم زدن آب انبوه و بر هم خورده و حرکت دادن و بر انگیختن موج دریاها، پس حرکت داد و بجنبانید آن باد آن آب را مثل جنبانیدن خیک دوغ بجهت گرفتن روغن، و سخت روان شد بآن آب مثل روان شدن آن در جاهاى خالى در حالتى که بر مى‏ گردانید اوّل آن آب را به آخر آن، و ساکن آنرا بمتحرّک آن، حتى این که بلند شد معظم آن، و انداخت کف را تراکم آن، پس بلند نمود آن کف را در هواى مفتوح و فضاى واسع، پس خلق کرد و مستقیم نمود از آن کف یا از آن آب هفت آسمان را در حالتى که گردانید زیرین آن آسمانها را مثل موج در صفا یا از خود موج که ممنوع بود از سیلان، و گردانید بالاتر آنها را سقفى که محفوظ بود از سقوط و انهدام، و بنائی که بلند بود و مرتفع بى ستونى که نکاه بدارد آنرا و بدون مسمار و ریسمانى که منتظم و ملتئم نماید آنرا، پس از آن زینت بخشید آن‏آسمانها را با زینت ستاره‏هاى درخشنده، و با روشنى کوکبها یا شهبهاى جهنده که بنور خود هوا را سوراخ کننده‏اند، و روان گردانید در آن آسمانها چراغى که منتشر بود روشنى او باطراف عالم که عبارتست از آفتاب، و جارى نمود ماهى را که نور دهنده بود و تابان در فلک گردنده و سقف سیر کننده و لوح حرکت کننده و جنبنده.

الى هنا تم الجزء الاول من هذه الطبعه النفیسه القیمه، و قد تصدى لتصحیحه و ترتیبه و تهذیبه العبد: (السید ابراهیم المیانجى) عفى عنه، و ذلک بعد التطبیق و المقابله على النسخه الاصل التی هى بخط المؤلف اعلى الله مقامه، و وقع الفراغ فى الیوم الرابع من الربیع الاول سنه ۱۳۷۸، و یلیه الجزء الثانی و اوله: «الفصل التاسع» و الحمد لله أولا و آخرا.

منهاج ‏البراعه فی ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(الخوئی)//«میرزا حبیب الله خوئی»میر حبیب الله خوئی

بازدید: ۵۳

درباره‌ی .

حتما ببینید

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۴ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه ۴ صبحی صالح ۴- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  )و هی من أفصح …

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

*

code