خانه / ***خطبه ها شرح و ترجمه میر حبیب الله خوئی / نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۸۲/۴ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)«الخطبه الغراء»

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۸۲/۴ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)«الخطبه الغراء»

خطبه ۸۳ صبحی صالح

۸۳- و من خطبه له ( علیه‏ السلام ) و هی الخطبه العجیبه تسمى «الغراء»
و فیها نعوت اللّه جل شأنه،
ثم الوصیه بتقواه
ثم التنفیر من الدنیا،
ثم ما یلحق من دخول القیامه،
ثم تنبیه الخلق إلى ما هم فیه من الأعراض،
ثم فضله ( علیه ‏السلام ) فی التذکیر

صفته جل شأنه‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی عَلَا بِحَوْلِهِ
وَ دَنَا بِطَوْلِهِ
مَانِحِ کُلِّ غَنِیمَهٍ وَ فَضْلٍ
وَ کَاشِفِ کُلِّ عَظِیمَهٍ وَ أَزْلٍ
أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ کَرَمِهِ
وَ سَوَابِغِ نِعَمِهِ
وَ أُومِنُ بِهِ أَوَّلًا بَادِیاً
وَ أَسْتَهْدِیهِ قَرِیباً هَادِیاً
وَ أَسْتَعِینُهُ قَاهِراً قَادِراً
وَ أَتَوَکَّلُ عَلَیْهِ کَافِیاً نَاصِراً
وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً ( صلى ‏الله ‏علیه‏ وآله )عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ
أَرْسَلَهُ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ
وَ إِنْهَاءِ عُذْرِهِ
وَ تَقْدِیمِ نُذُرِهِ

الوصیه بالتقوى‏

أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِی ضَرَبَ الْأَمْثَالَ
وَ وَقَّتَ لَکُمُ الْآجَالَ
وَ أَلْبَسَکُمُ الرِّیَاشَ
وَ أَرْفَغَ لَکُمُ الْمَعَاشَ
وَ أَحَاطَ بِکُمُ الْإِحْصَاءَ
وَ أَرْصَدَ لَکُمُ الْجَزَاءَ
وَ آثَرَکُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِغِ

وَ الرِّفَدِ الرَّوَافِغِ
وَ أَنْذَرَکُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ
فَأَحْصَاکُمْ عَدَداً
وَ وَظَّفَ لَکُمْ مُدَداً
فِی قَرَارِ خِبْرَهٍ
وَ دَارِ عِبْرَهٍ
أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِیهَا
وَ مُحَاسَبُونَ عَلَیْهَا
التنفیر من الدنیا
فَإِنَّ الدُّنْیَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا
رَدِغٌ مَشْرَعُهَا
یُونِقُ مَنْظَرُهَا
وَ یُوبِقُ مَخْبَرُهَا
غُرُورٌ حَائِلٌ
وَ ضَوْءٌ آفِلٌ
وَ ظِلٌّ زَائِلٌ
وَ سِنَادٌ مَائِلٌ
حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا
وَ اطْمَأَنَّ نَاکِرُهَا
قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا
وَ قَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا
وَ أَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا
وَ أَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِیَّهِ
قَائِدَهً لَهُ إِلَى ضَنْکِ الْمَضْجَعِ
وَ وَحْشَهِ الْمَرْجِعِ
وَ مُعَایَنَهِ الْمَحَلِّ
وَ ثَوَابِ الْعَمَلِ.
وَ کَذَلِکَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ
لَا تُقْلِعُ الْمَنِیَّهُ اخْتِرَاماً
وَ لَا یَرْعَوِی الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً
یَحْتَذُونَ مِثَالًا
وَ یَمْضُونَ أَرْسَالًا
إِلَى غَایَهِ الِانْتِهَاءِ وَ صَیُّورِ الْفَنَاءِ

بعد الموت البعث‏

حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الْأُمُورُ
وَ تَقَضَّتِ الدُّهُورُ
وَ أَزِفَ النُّشُورُ
أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ
وَ أَوْکَارِ الطُّیُورِ
وَ أَوْجِرَهِ السِّبَاعِ
وَ مَطَارِحِ الْمَهَالِکِ
سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ
مُهْطِعِینَ إِلَى مَعَادِهِ
رَعِیلًا صُمُوتاً
قِیَاماً صُفُوفاً
یَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ
وَ یُسْمِعُهُمُ‏ الدَّاعِی
عَلَیْهِمْ لَبُوسُ الِاسْتِکَانَهِ وَ ضَرَعُ الِاسْتِسْلَامِ وَ الذِّلَّهِ
قَدْ ضَلَّتِ الْحِیَلُ وَ انْقَطَعَ الْأَمَلُ وَ هَوَتِ الْأَفْئِدَهُ کَاظِمَهً
وَ خَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ مُهَیْنِمَهً
وَ أَلْجَمَ الْعَرَقُ
وَ عَظُمَ الشَّفَقُ
وَ أُرْعِدَتِ الْأَسْمَاعُ لِزَبْرَهِ الدَّاعِی
إِلَى فَصْلِ الْخِطَابِ
وَ مُقَایَضَهِ الْجَزَاءِ
وَ نَکَالِ الْعِقَابِ
وَ نَوَالِ الثَّوَابِ

تنبیه الخلق‏

عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً
وَ مَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً
وَ مَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً
وَ مُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً
وَ کَائِنُونَ رُفَاتاً
وَ مَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً
وَ مَدِینُونَ جَزَاءً
وَ مُمَیَّزُونَ حِسَاباً
قَدْ أُمْهِلُوا فِی طَلَبِ الْمَخْرَجِ وَ هُدُوا سَبِیلَ الْمَنْهَجِ
وَ عُمِّرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتِبِ
وَ کُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّیَبِ
وَ خُلُّوا لِمِضْمَارِ الْجِیَادِ
وَ رَوِیَّهِ الِارْتِیَادِ
وَ أَنَاهِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ فِی مُدَّهِ الْأَجَلِ وَ مُضْطَرَبِ الْمَهَلِ

فضل التذکیر

فَیَا لَهَا أَمْثَالًا صَائِبَهً
وَ مَوَاعِظَ شَافِیَهً
لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاکِیَهً
وَ أَسْمَاعاً وَاعِیَهً
وَ آرَاءً عَازِمَهً
وَ أَلْبَاباً حَازِمَهً
فَاتَّقُوا اللَّهَ تَقِیَّهَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ
وَ اقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ
وَ وَجِلَ فَعَمِلَ
وَ حَاذَرَ فَبَادَرَ
وَ أَیْقَنَ فَأَحْسَنَ
وَ عُبِّرَ فَاعْتَبَرَ
وَ حُذِّرَ فَحَذِرَ
وَ زُجِرَ فَازْدَجَرَ
وَ أَجَابَ فَأَنَابَ
وَ رَاجَعَ فَتَابَ
وَ اقْتَدَى‏فَاحْتَذَى
وَ أُرِیَ فَرَأَى
فَأَسْرَعَ طَالِباً
وَ نَجَا هَارِباً فَأَفَادَ ذَخِیرَهً
وَ أَطَابَ سَرِیرَهً
وَ عَمَّرَ مَعَاداً
وَ اسْتَظْهَرَ زَاداً لِیَوْمِ رَحِیلِهِ وَ وَجْهِ سَبِیلِهِ
وَ حَالِ حَاجَتِهِ وَ مَوْطِنِ فَاقَتِهِ
وَ قَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ جِهَهَ مَا خَلَقَکُمْ لَهُ
وَ احْذَرُوا مِنْهُ کُنْهَ مَا حَذَّرَکُمْ مِنْ نَفْسِهِ
وَ اسْتَحِقُّوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَکُمْ بِالتَّنَجُّزِ لِصِدْقِ مِیعَادِهِ
وَ الْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ

التذکیر بضروب النعم‏

و منهاجَعَلَ لَکُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِیَ مَا عَنَاهَا
وَ أَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا
وَ أَشْلَاءً جَامِعَهً لِأَعْضَائِهَا
مُلَائِمَهً لِأَحْنَائِهَا فِی تَرْکِیبِ صُوَرِهَا وَ مُدَدِ عُمُرِهَا
بِأَبْدَانٍ قَائِمَهٍ بِأَرْفَاقِهَا
وَ قُلُوبٍ رَائِدَهٍ لِأَرْزَاقِهَا

فِی مُجَلِّلَاتِ نِعَمِهِ
وَ مُوجِبَاتِ مِنَنِهِ
وَ حَوَاجِزِ عَافِیَتِهِ
وَ قَدَّرَ لَکُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْکُمْ
وَ خَلَّفَ لَکُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِینَ قَبْلَکُمْ
مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلَاقِهِمْ
وَ مُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ
أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَایَا دُونَ الْآمَالِ
وَ شَذَّبَهُمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الْآجَالِ
لَمْ یَمْهَدُوا فِی سَلَامَهِ الْأَبْدَانِ
وَ لَمْ یَعْتَبِرُوا فِی أُنُفِ الْأَوَانِ
فَهَلْ یَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَهِ الشَّبَابِ إِلَّا حَوَانِیَ الْهَرَمِ
وَ أَهْلُ غَضَارَهِ الصِّحَّهِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ
وَ أَهْلُ مُدَّهِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَهَ الْفَنَاءِ
مَعَ قُرْبِ الزِّیَالِ
وَ أُزُوفِ الِانْتِقَالِ
وَ عَلَزِ الْقَلَقِ
وَ أَلَمِ الْمَضَضِ
وَ غُصَصِ الْجَرَضِ
وَ تَلَفُّتِ‏ الِاسْتِغَاثَهِ بِنُصْرَهِ الْحَفَدَهِ وَ الْأَقْرِبَاءِ وَ الْأَعِزَّهِ وَ الْقُرَنَاءِ
فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ
أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ
وَ قَدْ غُودِرَ فِی مَحَلَّهِ الْأَمْوَاتِ رَهِیناً
وَ فِی ضِیقِ الْمَضْجَعِ وَحِیداً
قَدْ هَتَکَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ
وَ أَبْلَتِ النَّوَاهِکُ جِدَّتَهُ
وَ عَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ
وَ مَحَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ
وَ صَارَتِ الْأَجْسَادُ شَحِبَهً بَعْدَ بَضَّتِهَا
وَ الْعِظَامُ نَخِرَهً بَعْدَ قُوَّتِهَا
وَ الْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَهً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا
مُوقِنَهً بِغَیْبِ أَنْبَائِهَا
لَا تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا
وَ لَا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَیِّئِ زَلَلِهَا
أَ وَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَ الْآبَاءَ وَ إِخْوَانَهُمْ وَ الْأَقْرِبَاءَ
تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ
وَ تَرْکَبُونَ قِدَّتَهُمْ
وَ تَطَئُونَ جَادَّتَهُمْ
فَالْقُلُوبُ قَاسِیَهٌ عَنْ حَظِّهَا
لَاهِیَهٌ عَنْ رُشْدِهَا
سَالِکَهٌ فِی غَیْرِ مِضْمَارِهَا
کَأَنَّ الْمَعْنِیَّ سِوَاهَا
وَ کَأَنَّ الرُّشْدَ فِی إِحْرَازِ دُنْیَاهَا

التحذیر من هول الصراط

وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَکُمْ عَلَى الصِّرَاطِ وَ مَزَالِقِ دَحْضِهِ
وَ أَهَاوِیلِ زَلَلِهِ
وَ تَارَاتِ أَهْوَالِهِ
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ تَقِیَّهَ ذِی لُبٍّ شَغَلَ التَّفَکُّرُ قَلْبَهُ
وَ أَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ
وَ أَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ
وَ أَظْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ یَوْمِهِ
وَ ظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ
وَ أَوْجَفَ الذِّکْرُ بِلِسَانِهِ
وَ قَدَّمَ الْخَوْفَ لِأَمَانِهِ
وَ تَنَکَّبَ الْمَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِیلِ
وَ سَلَکَ أَقْصَدَ الْمَسَالِکِ إِلَى‏النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ
وَ لَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلَاتُ الْغُرُورِ
وَ لَمْ تَعْمَ عَلَیْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُورِ
ظَافِراً بِفَرْحَهِ الْبُشْرَى
وَ رَاحَهِ النُّعْمَى
فِی أَنْعَمِ نَوْمِهِ
وَ آمَنِ یَوْمِهِ
وَ قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَهِ حَمِیداً
وَ قَدَّمَ زَادَ الْآجِلَهِ سَعِیداً
وَ بَادَرَ مِنْ وَجَلٍ
وَ أَکْمَشَ فِی مَهَلٍ
وَ رَغِبَ فِی طَلَبٍ
وَ ذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ
وَ رَاقَبَ فِی یَوْمِهِ غَدَهُ
وَ نَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ
فَکَفَى بِالْجَنَّهِ ثَوَاباً وَ نَوَالًا
وَ کَفَى بِالنَّارِ عِقَاباً وَ وَبَالًا
وَ کَفَى بِاللَّهِ مُنْتَقِماً وَ نَصِیراً
وَ کَفَى بِالْکِتَابِ حَجِیجاً وَ خَصِیماً

الوصیه بالتقوى‏

أُوصِیکُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِی أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ
وَ احْتَجَّ بِمَا نَهَجَ
وَ حَذَّرَکُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِی الصُّدُورِ خَفِیّاً
وَ نَفَثَ فِی الْآذَانِ نَجِیّاً فَأَضَلَّ وَ أَرْدَى
وَ وَعَدَ فَمَنَّى
وَ زَیَّنَ سَیِّئَاتِ الْجَرَائِمِ
وَ هَوَّنَ مُوبِقَاتِ الْعَظَائِمِ
حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِینَتَهُ
وَ اسْتَغْلَقَ رَهِینَتَهُ
أَنْکَرَ مَا زَیَّنَ
وَ اسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ
وَ حَذَّرَ مَا أَمَّنَ

و منها فی صفه خلق الإنسان‏

أَمْ هَذَا الَّذِی أَنْشَأَهُ فِی ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ
وَ شُغُفِ الْأَسْتَارِ
نُطْفَهً دِهَاقاً
وَ عَلَقَهً مِحَاقاً
وَ جَنِیناً وَ رَاضِعاً وَ وَلِیداً وَ یَافِعاً
ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً
وَ لِسَاناً لَافِظاً
وَ بَصَراً لَاحِظاً
لِیَفْهَمَ مُعْتَبِراً
وَ یُقَصِّرَ مُزْدَجِراً
حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ
وَ اسْتَوَى‏مِثَالُهُ
نَفَرَ مُسْتَکْبِراً
وَ خَبَطَ سَادِراً
مَاتِحاً فِی غَرْبِ هَوَاهُ
کَادِحاً سَعْیاً لِدُنْیَاهُ فِی لَذَّاتِ طَرَبِهِ وَ بَدَوَاتِ أَرَبِهِ
ثُمَّ لَا یَحْتَسِبُ رَزِیَّهً
وَ لَا یَخْشَعُ تَقِیَّهً
فَمَاتَ فِی فِتْنَتِهِ غَرِیراً
وَ عَاشَ فِی هَفْوَتِهِ یَسِیراً
لَمْ یُفِدْ عِوَضاً
وَ لَمْ یَقْضِ مُفْتَرَضاً
دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِیَّهِ فِی غُبَّرِ جِمَاحِهِ
وَ سَنَنِ مِرَاحِهِ
فَظَلَّ سَادِراً
وَ بَاتَ سَاهِراً فِی غَمَرَاتِ الْآلَامِ
وَ طَوَارِقِ الْأَوْجَاعِ وَ الْأَسْقَامِ
بَیْنَ أَخٍ شَقِیقٍ
وَ وَالِدٍ شَفِیقٍ
وَ دَاعِیَهٍ بِالْوَیْلِ جَزَعاً
وَ لَادِمَهٍ لِلصَّدْرِ قَلَقاً
وَ الْمَرْءُ فِی سَکْرَهٍ مُلْهِثَهٍ وَ غَمْرَهٍ کَارِثَهٍ
وَ أَنَّهٍ مُوجِعَهٍ
وَ جَذْبَهٍ مُکْرِبَهٍ
وَ سَوْقَهٍ مُتْعِبَهٍ
ثُمَّ أُدْرِجَ فِی أَکْفَانِهِ مُبْلِساً
وَ جُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً
ثُمَّ أُلْقِیَ عَلَى الْأَعْوَادِ رَجِیعَ وَصَبٍ
وَ نِضْوَ سَقَمٍ
تَحْمِلُهُ حَفَدَهُ الْوِلْدَانِ
وَ حَشَدَهُ الْإِخْوَانِ إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ وَ مُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ وَ مُفْرَدِ وَحْشَتِهِ
حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَیِّعُ
وَ رَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ
أُقْعِدَ فِی حُفْرَتِهِ نَجِیّاً لِبَهْتَهِ السُّؤَالِ
وَ عَثْرَهِ الِامْتِحَانِ
وَ أَعْظَمُ مَا هُنَالِکَ بَلِیَّهً نُزُولُ الْحَمِیمِ
وَ تَصْلِیَهُ الْجَحِیمِ
وَ فَوْرَاتُ السَّعِیرِ
وَ سَوْرَاتُ الزَّفِیرِ
لَا فَتْرَهٌ مُرِیحَهٌ
وَ لَا دَعَهٌ مُزِیحَهٌ
وَ لَا قُوَّهٌ حَاجِزَهٌ
وَ لَا مَوْتَهٌ نَاجِزَهٌ

وَ لَا سِنَهٌ مُسَلِّیَهٌ
بَیْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ
وَ عَذَابِ السَّاعَاتِ
إِنَّا بِاللَّهِ عَائِذُونَ
عِبَادَ اللَّهِ أَیْنَ الَّذِینَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا
وَ عُلِّمُوا فَفَهِمُوا
وَ أُنْظِرُوا فَلَهَوْا
وَ سُلِّمُوا فَنَسُوا
أُمْهِلُوا طَوِیلًا
وَ مُنِحُوا جَمِیلًا
وَ حُذِّرُوا أَلِیماً
وَ وُعِدُوا جَسِیماً
احْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُوَرِّطَهَ
وَ الْعُیُوبَ الْمُسْخِطَهَ
أُولِی الْأَبْصَارِ وَ الْأَسْمَاعِ
وَ الْعَافِیَهِ وَ الْمَتَاعِ
هَلْ مِنْ مَنَاصٍ أَوْ خَلَاصٍ
أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلَاذٍ
أَوْ فِرَارٍ أَوْ مَحَارٍ أَمْ لَا
فَأَنَّى تُؤْفَکُونَ‏
أَمْ أَیْنَ تُصْرَفُونَ
أَمْ بِمَا ذَا تَغْتَرُّونَ
وَ إِنَّمَا حَظُّ أَحَدِکُمْ مِنَ الْأَرْضِ ذَاتِ الطُّوْلِ وَ الْعَرْضِ قِیدُ قَدِّهِ
مُتَعَفِّراً عَلَى خَدِّهِ
الْآنَ عِبَادَ اللَّهِ وَ الْخِنَاقُ مُهْمَلٌ
وَ الرُّوحُ مُرْسَلٌ فِی فَیْنَهِ الْإِرْشَادِ
وَ رَاحَهِ الْأَجْسَادِ
وَ بَاحَهِ الِاحْتِشَادِ
وَ مَهَلِ الْبَقِیَّهِ
وَ أُنُفِ الْمَشِیَّهِ
وَ إِنْظَارِ التَّوْبَهِ
وَ انْفِسَاحِ الْحَوْبَهِ
قَبْلَ الضَّنْکِ وَ الْمَضِیقِ وَ الرَّوْعِ وَ الزُّهُوقِ
وَ قَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ الْمُنْتَظَرِ
وَ إِخْذَهِ الْعَزِیزِ الْمُقْتَدِرِ
قال الشریف و فی الخبر أنه لما خطب بهذه الخطبه اقشعرت لها الجلود
و بکت العیون و رجفت القلوب
و من الناس من یسمی هذه الخطبه الغراء

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج۶

 الفصل السابع منها فى صفه خلق الانسان 

أم هذا الّذی أنشأءه فی ظلمات الأرحام و شغف الأستار نطفه دهاقا، و علقه محاقا، و جنینا و راضعا، و ولیدا و یافعا، ثمّ منحه قلبا حافظا، و لسانا لافظا، و بصرا لاحظا، لیفهم معتبرا، و یقصر مزدجرا حتّى إذا قام اعتداله، و استوى مثاله، نفر مستکبرا، و خبط سادرا ماتحا فی غرب هواه، کادحا سعیا لدنیاه، فی لذّات طربه، و بدوات أربه، لا یحتسب رزیّه، و لا یخشع تقیّه، فمات فی فتنته غریرا، و عاش‏ فى هفوته یسیرا، لم یفد عوضا، و لم یقض مفترضا، دهمته فجعات المنیّه فی غبَّر جماحه، و سنن مراحه، فظلّ سادرا، و بات ساهرا، فی غمرات الآلام، و طوارق الأوجاع و الأسقام، بین أخ شقیق، و والد شفیق، و داعیه بالویل جزعا، و لا دمه للصّدر قلقا، و المرء فی سکره ملهثه، و غمره کارثه، و أنّه موجعه، و جذبه مکربه، و سوقه متعبه، ثمّ أدرج فی أکفانه مبلسا، و جذب منقادا سلسا، ثمّ ألقی على الأعواد رجیع و صب، و نضو سقم، تحمله حفده الولدان، و حشده الإخوان، إلى دار غربته، و منقطع زورته، حتّى إذا انصرف المشیِّع، و رجع المتفجّع، أقعد فی حفرته نجیّا لبهته السّؤال، و عثره الامتحان، و أعظم ما هنا لک بلیَّه نزل الحمیم، و تصلیه الجحیم، و فورات السّعیر، و سورات الزّفیر، لا فتره مریحه، و لا دعه مزیحه، و لا قوّه حاجزه، و لا موته ناجزه، و لا سنه مسلیه، بین أطوار الموتات، و عذاب السّاعات، إنّا باللّه عائذون.

اللغه

(الشّغف) بضمتین جمع شغاف کسحاب و هو غلاف القلب و (الدّهاق) بالدال المهمله من دهق الماء أفرغه إفراغا شدیدا، و فی بعض النّسخ دفاقا من دفق الماء دفقا من باب قتل انصب لشدّه و یقال أیضا دفقت الماء أی صببته یتعدّى فهو دافق و مدفوق، و أنکر الأصمعی استعماله لازما قال: و أمّا قوله تعالى من ماء دافق فهو على اسلوب أهل الحجاز و هو أنّهم یحوّلون المفعول فاعلا إذا کان فی موضع نعت و المعنى من ماء مدفوق، و قال ابن القوطبه ما یوافقه سرّ کاتم أى‏ مکتوم و عارف اى معروف و عاصم اى معصوم.

و (المحاق) بضم المیم و الکسر لغه قال الفیومی: محقه محقا من باب نفع نقصه و أذهب منه برکه، و قیل هو ذهاب الشی‏ء کلّه حتى لا یرى له أثر منه و یمحق اللّه الربا و انمحق الهلال الثلاث لیال فی آخر الشّهر لا یکاد یرى لخفائه و الاسم المحاق بالضم و الکسر لغه. و فی القاموس المحاق مثلّثه آخر الشهر أو ثلاث لیال من آخره أو أن یستتر القمر فلا یرى غدوه و لا عشیه سمّى به لأنه طلع مع الشّمس فمحقته.

و غلام (یافع) و یفع و یفعه مرتفع و (السادر) المتحیر و الذى لا یهتمّ و لا یبالی ما صنع و (الماتح) الذی یستسق الماء من البئر و هو على رأسها و المایح الذی نزل البئر إذا قلّ ماؤها فیملاء الدلاء فالفرق بین المعنیین کالفرق بین النقطتین و (الغرب) الدلو العظیم و (کدح) فی العمل من باب منع سعى و (بدا) بدوا و بدوّا و بداء و بدوءً و بداوه ظهر، و بداوه الشّی‏ء أول ما یبدو منه، و بادى الرأى ظاهره، و بدا له فی الأمر بدوا و بداءه نشأله فیه رأى و هو ذو بدوات.

قال الفیومى و (الارب) بفتحتین و الاربه بالکسر و المأربه بفتح الراء و ضمّها الحاجه، و الجمع المآرب، و الارب فی الأصل مصدر من باب تعب یقال ارب الرّجل إلى الشی‏ء إذا احتاج إلیه فهو ارب على فاعل و (دهمه) الشی‏ء من باب سمع و منع غشیه و (غبّر) الشی‏ء بضم الغین و تشدید الباء بقایاه جمع غابر کرکّع و راکع و (جمح) الفرس جمحا و جماحا بالکسر اغترّ فارسه و غلبه و جمح الرّجل رکب هواه و (سنن) الطریق مثلّثه و بضمّتین نهجه و جهته و (مرح) مرحا من باب فرح نشط و تبختر و المراح ککتاب اسم منه.

و (غمره) الشی‏ء شدّته و مزدحمه و الجمع غمرات و غمار و (لهث) لهثا من باب سمع و لهاثا بالضمّ أخرج لسانه عطشا و تعبا أو اعیاء، و فی بعض النسخ و سکره ملهیه بالباء أى مشغله و (کرثه) الغمّ یکرثه من باب نصر اشدّ علیه و بلغ المشقّه و هو کریث الأمر إذا ضعف و جبن و (أنّ) المریض انا إذا تأوّه‏ و (ابلس) یئس و تحیّر و منه سمّى إبلیس و ناقه (رجع) سفر و رجیع سفر قد رجع فیه مرارا و (الوصب) محرّکه المرض و الوجع.

و (النضو) بالکسر المهزول من الابل و غیره و (السّقم) کالجبل المرض و (الحشده) جمع حاشد من حشدت القوم من باب قتل و ضرب و حشد القوم یعدی و لا یعدى إذا دعوا فأجابوا مسرعین أو اجتمعوا الأمر واحد و حفّوا فى التعاون و (البهت) بالفتح الأخذ بغته و التحیّر و الانقطاع و (النزل) بضمتین طعام النزیل الذى یهیى‏ء له قال سبحانه: هذا نزلهم یوم الدّین.
و (الحمیم) الماء الحارّ و (تصلیه) النار تسخینها و (السوره) الحدّه و الشدّه و (زفر) النّار تسمع لتوقّدها صوت و (الدّعه) السعه فی العیش و السکون و (الازاحه) الازاله.

الاعراب

اختلف الشراح فی کلمه أم فی قوله أم هذا الذی أنشأه، ففی شرح المعتزلی أم ههنا إمّا استفهامیه على حقیقتها کأنه قال: أعظکم و اذکرکم بحال الشیطان و اغوائه أم بحال الانسان منذ ابتداء وجوده إلى حین مماته، و إمّا أن یکون منقطعه بمعنى بل کأنه قال عادلا و تارکا لما و عظهم به بل أتلو علیهم نبأ هذا الانسان الذی حاله کذا و کذا.

و فی شرح البحرانی أم للاستفهام و هو استفهام فی معرض التقریع للانسان و أمره باعتبار حال نفسه و دلاله خلقته على جزئیات نعم اللّه علیه مع کفرانه لها و کان أم معادله لهمزه الاستفهام قبلها، و التقدیر ألیس فیما أظهره اللّه لکم من عجایب مصنوعاته عبره أم هذا الانسان و تقلّبه فى أطوار خلقته و حالته الى یوم نشوره.

أقول: لا یخفى ما فى ما ذکره من الاغلاق و الابهام بل عدم خلوّه من الفساد، إذ لم یفهم من کلامه أنّ أم متصله أم منفصله، فانّ قوله: أم للاستفهام مع قوله: و کان أم معادله لهمزه الاستفهام یفید کون أم متصله إلّا أنه ینافیه قوله هو استفهام فی معرض التّقریع لأنّ أم المتّصله لا بدّ أن تقع بعد همزه التسویه نحو قوله تعالى:

«سَواءٌ عَلَیْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ» أو بعد همزه الاستفهام الّتی یطلب بها و بأم التعیین مثل أزید عندک أم عمرو، و لا بدّ أن یکون الاستفهام على حقیقه لتکون معادله لها فی افاده الاستفهام کمعادلتها لهمزه التسویه فی إفاده التّسویه و لذلک أیضا سمّیت متّصله لاتصالها بالهمزه حتّى صارتا فی إفاده الاستفهام بمنزله کلمه واحده، ألا ترى أنهما جمیعا بمعنى أى و ینافیه أیضا قوله و التقدیر ألیس فیما أظهره آه بظهوره فی کون الاستفهام للانکار التوبیخی و إن جعل أم منفصله فلا یحتاج إلى المعادل الذی ذکره، فالأولى ما ذکره الشارح المعتزلی و إن کان هو أیضا لا یخلو عن شی‏ء.

و التحقیق عندی هو أنّ أم یجوز جعلها متّصله مسبوقه بهمزه الاستفهام أى ء أذکرکم و أعظکم بما ذکرته و شرحته لکم أم اذکرکم بهذا الذی حاله کذا و کذا، و یجوز جعلها منفصله مسبوقه بالهمزه للاستفهام الانکاری الابطالی، و التقدیر ألیس فیما ذکرته تذکره للمتذکر و تبصره للمتبصر، بل فی هذا الانسان الذی حاله فلان فیکون من قبیل قوله سبحانه: «أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ یَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَیْدٍ یَبْطِشُونَ بِها» و هذا کلّه مبنىّ على عدم کون الخطبه ملتقطه و أن لا یکون قبل قوله علیه السّلام أم هذا آه، حذف و إسقاط من السیّد، و إلّا فمعرفه حال أم موقوفه على الاطلاع و العثور بتمام الخطبه، هذا و المنصوبات الاثنان و العشرون أعنی نطفه و علقه و جنینا و راضعا و ولیدا و یافعا و معتبرا و مزدجرا و مستکبرا و سادرا و ماتحا و کادحا و لا یحسب و لا یخشع و غریرا و میلسا و منقادا و سلسا و رجیع و صب و نضوسقم و نجیّا، کلّها أحوال، و العامل فی کلّ حال ما قبله من الأفعال.

و سعیا مصدر بغیر لفظ عامله من قبیل أ فنضرب عنکم الذکر صفحا، و فی لذّات طربه متعلّق بقوله کادحا، و یحتمل الحالیّه، و تقیّه مفعول لأجله، و یسیرا صفه للظرف المحذوف بقرینه المقام اى زمانا یسیرا، و جزعا و قلقا منصوبان على المفعول له.

المعنى

اعلم أنّه لما وعظ المخاطبین بالحکم و المواعظ الحسنه عقّب ذلک و أکّده بذکر حال الانسان و ما أنعم اللّه به علیه من النعم الظاهره و الباطنه بعد أن لم یکن شیئا مذکورا حتّى أنّه إذا کبر و بلغ أشدّه نفر و استکبر و لم یأت ما امر و لم ینته عما ازدجر ثمّ أدرکه الموت فی حال عتوّه و غروره فصار فی محلّه الأموات رهین أعماله مأخوذا بأفعاله مبتلا بشداید البرزخ و أهواله کما قال علیه السّلام: (أم هذا الذی أنشأه) اللّه سبحانه بقدرته الکامله و حکمته التامه الجامعه (فی ظلمات الأرحام و شغف الاستار) العطف کالتفسیر، و المراد بالظلمات هى ما اشیرت إلیها فی قوله سبحانه ««یَخْلُقُکُمْ فِی بُطُونِ أُمَّهاتِکُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِی ظُلُماتٍ ثَلاثٍ»» و هى إمّا ظلمه البطن و الرحم و المشیمه أو الصلب و الرحم و البطن و الأوّل رواه الطبرسیّ عن أبی جعفر علیه السّلام (نطفه دهاقا) أى مفرغه إفراغا شدیدا (و علقه محاقا) أى ناقصه لم تتصوّر بعد بصوره الانسانیه فی الاتیان بهذه الأوصاف تحقیرا للإنسان کما أومى إلیه بالاشاره (و جنینا و راضعا و ولیدا و یافعا) و هذه الأوصاف الأربعه کسابقیها مسوقه على الترتب الطبیعی المشار إلیه بقوله سبحانه: «ما لَکُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَ قَدْ خَلَقَکُمْ أَطْواراً» فانّه سبحانه قد خلق الانسان أولا عناصر ثمّ مرکبات یغذی الانسان ثمّ أخلاطا ثمّ نطفه ثمّ علقه ثمّ مضغه ثمّ عظاما و لحوما کما قال «و لقد خلقنا الانسان من سلاله من طین ثمّ جعلناه نطفه فی قرار مکین ثمّ خلقنا النطفه علقه فخلقنا العلقه مضغه فخلقنا المضغه عظاما فکسونا العظام لحما ثمّ أنشأناه خلقا آخر فتبارک اللّه أحسن الخالقین».

ثمّ إنّه ما دام فی الرّحم یسمّى جنینا کما قال: ««وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّهٌ فِی بُطُونِ‏ حُرِّمَتْ»» و بعد ولادته یکون راضعا یرضع امّه اى یمتصّ ثدیها، ثمّ یکون ولیدا أى فطیما فاذا ارتفع قیل یافع.

قال فی سرّ الأدب فی ترتیب أحوال الانسان: هو ما دام فی الرحم جنین فاذا ولد فولید: ثمّ ما دام یرضع فرضیع، ثمّ إذا قطع منه اللّبن فهو فطیم، ثمّ إذ ادبّ و نمى فهو دارج، فاذا بلغ طوله خمسه أشبار فهو خماسی، فاذا سقطت رواضعه فهو مشغور، فاذا نبتت أسنانه بعد السّقوط فهو مثغر«»، فاذا تجاوز العشر أو جاوزها فهو مترعرع و ناشى، فإذا کاد یبلغ الحلم أو بلغه فهو یافع و مراهق، فاذا احتلم و اجتمعت قوّته فهو حرّ، و اسمه فی جمیع هذه الأحول غلام فاذا اخضّر شاربه قیل قد بقل وجهه، فاذا صار فتاه فهو فتى و شارح، فاذا اجتمعت لحیته و بلغ غایه شبابه فهو مجتمع، ثمّ ما دام بین الثلاثین و الأربعین فهو شابّ، ثمّ هو کهل إلى أن یستوفى الستین و قیل إذا جاوز أربعا و ثلاثین إلى إحدى و خمسین، فاذا جاوزها فهو شیخ.

إذا عرفت ذلک فلنعد إلى شرح قوله علیه السّلام (ثمّ منحه قلبا حافظا و لسانا لافظا و بصرا لاحظا) أى أعطاه عقلا و نطقا و نظرا و منحه ذلک و منّ علیه بذلک (لیفهم معتبرا و یقصر مزدجرا) أى لیعتبر بحال الماضین و ما نزل بساحه العاصین و ینتهى عما یفضیه إلى ألیم النّکال و شدید الوبال، و لیفهم دلایل الصنع و القدره و یستدلّ بشواهد الربوبیه على وجوب الطاعه و الانتهاء عن المعصیه فینزجر عن الخلاف و العصیان و یتخلّص عن الخیبه و الخسران.

(حتّى إذا قام اعتداله) بالتناسب و الاستقامه و التوسّط بین الحالین فی کم أو کیف أى تمّ خلقته و صورته و تناسب أعضاؤه و خلت عن الزّیاده و النّقصان و کمل قواه المحتاج إلیها (و استوى مثاله) أى اعتدل مقداره و صفته و یقال استوى الرجل إذا بلغ أشدّه أى قوّته و هو ما بین ثمانیه عشر إلى ثلاثین (نفر) و فرّعن امتثال‏ الأحکام الشّرعیّه و التّکالیف الالهیّه (مستکبرا) و متعنّتا (و خبط) أى سلک و سار على غیر هدایه (سادرا) لا یبالى ما صنع (ما تحافی غرب هواه) شبّه الهوا بالغرب لأنّ ذی الغرب إنما یستسقى بغرب الماء لیروى غلله و کذلک صاحب الهوى یجلب بهواه ما تشتهیه نفسه و تلتذّ به و تروى به غلیل صدره و ذکر المتح ترشیح للتشبیه.

و أمّا ما قاله البحرانی من أنّه استعار الغرب لهواه الذی یملاء به صحایف أعماله من المآثم کما یملاء ذو الغرب غربه من الماء و رشح تلک الاستعاره بذکر المتح فلیس بشی‏ء، أمّا أوّلا فلأنّ طرفی التشبیه مذکور فی کلامه علیه السّلام فکیف یکون استعاره بل هو تشبیه بلیغ، و أمّا ثانیا فلأنّ الهوى الذی یکون سببا لملاه صحایف الأعمال لا ربط له بالغرب الذی یملاء فیه الماء إذ المملوّ بالماء هو الغرب و المملو بالمآثم هو الصحایف لا الهوا نفسه، و کذلک لا مناسبه بین الاثم و الماء و الوجه ما ذکرناه فافهم جیّبدا.

و قوله (کادحا سعیا لدنیاه) أى کان سعیه و همّته من جمیع جهاته مقصوره فی دنیاه غیر مراقب بوجه لآخرته (فی لذّات طربه و بدوات اربه) أى حاجته التی تبدو له و تظهر و تختلف فیها آرائه و دواعیه (لا یحتسب رزیّه و لا یخشع تقیّه) یعنی لم یکن یظنّ أن ینزل علیه مصیبه و لم یکن یخشع و یخاف من اللّه لأجل تقیّه و ذلک من فرط اغتراره بالدّنیا و شدّه تمادیه فی الشّهوات.

(فمات فی فتنته) أى فی ضلالته (غریرا) و مغرورا (و عاش فی هفوته) و زلّته زمانا (یسیرا) قلیلا (لم یفد عوضا و لم یقض مفترضا) أى لم یستفد و لم یکتسب من الکمالات و الخیرات عوضا ممّا أنعم اللّه سبحانه به علیه، و لم یأت شیئا من الطاعات و التکالیف التی فرض اللّه تعالى علیه.

(دهمته فجعات المنیّه فی غبّر جماحه و سنن مراحه) یعنی فاجأته دواهى الموت فی بقایاى کوبه هواه و فی طرق نشاطه (فظلّ سادرا) متحیّرا (و بات ساهرا فی غمرات الآلام) و شدایدها (و طوارق الأوجاع و الأسقام) و نوازلها (بین أخ شقیق) عطوف (و والد شفیق) رؤوف و شقّ الشّی‏ء و شقیقه هو نصفه.

و توصیف الأخ بالشّقیق لکونه کالشقّ منه و بمنزله جزء بدنه و قلبه (و داعیه بالویل جزعا) من النّساء و الاماء (و لا دمه للصدر قلقا) من البنات و الأمُّهات و هذا کلّه تشریح لحال أهل المیّت فانّه، إذا یئس عنه الطّبیب و ابلى الحبیب فهنا لک خفّ عنه عوّاده و أسلمه أهله و أولاده، فشقّت جیوبها نساؤه، و لطمت صدورها اماؤه، و اعول لفقده جیرانه، و توجّع لرزیّته إخوانه، و غضّوا بأیدیهم عینیه، و مدّوا عند خروج نفسه یدیه و رجلیه.

فکم موجع یبکی علیه تفجّعا
و مستنجدا صبرا و ما هو صابر

و مسترجع داع له اللّه مخلصا
یعدّ و منه خیر ما هو ذاکر

و کم شامت مستبشر بوفاته
و عما قلیل کالّذی صار صائر

هذا حالهم، و أمّا حال المیّت فقد أشار إلیه بقوله (و المرء فی سکره ملهثه) یلوک لسانه و یخرجه تعبا و عطشا (و غمره کارثه) أى شدّه بلغ الغایه من المشقّه.

روى فی الکافی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن عبد اللّه بن المغیره عن السّکونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: إنّ المیت إذا حضره الموت أو ثقه ملک الموت و لو لا ذلک استقرّ«» (و أنّه موجعه) أی تأوّه موجب لوجع الحاضرین و السّامعین (و جذبه مکربه و سوقه متعبه) و المراد بهما جذب الملائکه للرّوح و سوقهم له إلى خارج البدن کما قال تعالى: «وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الظَّالِمُونَ فِی غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِکَهُ باسِطُوا أَیْدِیهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَکُمُ الْیَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما کُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَیْرَ الْحَقِّ وَ کُنْتُمْ عَنْ آیاتِهِ تَسْتَکْبِرُونَ».

قال الطّبرسی: أی فی شداید الموت عند النّزع و الملائکه الذین یقبضون الأرواح باسطو أیدیهم لقبض أرواحهم یقولون أخرجوا أنفسکم من أجسادکم عند معاینه الموت ازهاقا لهم و تغلیظا علیهم و إن کان إخراجها من فعل غیرهم.

و قال الشّارح البحرانی: اعلم أنّ تلک الجذبه یعود إلى ما یجده المیّت حال النّزع و هو عباره عن ألم ینزل بنفس الرّوح یستغرق جمیع أجزائه المنتشره فی أعماق البدن و لیس هو کسایر ما یجده الرّوح المحتصّ ببعض الأعضاء کعضو شاکته شوکه و نحوها، لاختصاص ذلک بموضع واحد فألم النّزع یهجم على نفس الرّوح و یستغرق جمیع أجزائه و هو المجذوب من کلّ عرق و عصب و جزء من الأجزاء و من أصل کلّ شعره و بشره لا تسألنّ عن بدن یجذب منه کلّ عرق من عروقه، و قد یتمثّل ذلک بشجره شوک کانت داخل البدن ثمّ جذبت منه فهی الجذبه المکربه، و لمّا کان موت کلّ عضو عقیب الأمراض التی ربّما طالت تدریجا فتلک هى السّوقه المتغبه (ثمّ ادرج فی أکفافه مبلسا) أی آیسا أو حزینا (و جذب) من وطنه إلى الخارج (منقادا سلسا) ای سهلا لیّنا (ثمّ القی على الأعواد) أی الأسرّه حالکونه (رجیع و صب و نضوسقم) یعنی أنّه من جهه ابتلائه بتارات الأمراض و تردّده فی أطوار الأتعاب و الأوصاب صار کالإبل الرّجیع الذی یردّد فی الأسفار مرّه بعد اخرى و لأجل نحول جسمه من الأسقام کان الجمل النّضو الذی یهزل من کثره الأحمال و الأثقال (تحمله حفده الولدان و حشده الاخوان) یعنی أنّه بعد الفراغ من تغسیله و تکفینه و حمله على سریره أقبلوا على جهازه و شمّروا لابرازه و حمله أعوانه و ولدانه و أحبّاؤه و إخوانه.

فظلّ أحبّ القوم کان لقربه
یحثّ على تجهیزه و یبادر

و شمّر من قد أحضروه لغسله‏
و وجّه لما فاظ«» للقبر حافر

و کفّن فی ثوبین فاجتمعت
له مشیّعه إخوانه و العشایر

ثمّ اخرج من بین صحبته«» (إلى دار غربته و) من محلّ عزته إلى (منقطع زورته) و من سعه قصره إلى ضیق قبره فحثّوا بأیدیهم التراب و أکثروا التلدّد و الانتحاب، و وقفوا ساعه علیه و قد یئسوا من النّظر إلیه، ثمّ رجعوا عنه معولین، و ولّوا مدبرین (حتّى إذا انصرف المشیّع و رجع المتفجّع) انتبه من نومته و أفاق من غشیته و (اقعد فی حفرته نجیّا لبهته السّؤال) و دهشته (و عثره الامتحان) و زلّته.

و لعلّ المراد به أنّه یقعد فی قبره مناجیا للمنکر و ا لنکیر أی مخاطبا و مجاوبا لهما سرّا لعدم قدرته على الاعلان من أجل الدّهشه و الحیره العارضه له من سؤالهما و العثره التی ظهرت منه بسبب اختیارهما، أو المراد أنّه یناجی ربّه فی تلک الحال من هول الامتحان و السؤال و یقول ربّ ارجعون لعلّی أعمل صالحا (و أعظم ما هنا لک بلیّه) و ابتلاء (نزل الحمیم و تصلیه الجحیم) کما قال تعالى: «وَ إِنَّ لِلطَّاغِینَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ یَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ هذا فَلْیَذُوقُوهُ حَمِیمٌ وَ غَسَّاقٌ «و فی سوره النَّبَأ «لا یَذُوقُونَ فِیها بَرْداً وَ لا شَراباً إِلَّا حَمِیماً وَ غَسَّاقاً» قال بعض المفسّرین: إنّ الغسّاق عین فی جهنّم یسیل إلیها سمّ کلّ ذات حمه من حیّه و عقرب، و قیل هو ما یسیل من دموعهم یسقونه من الحمیم، و قیل هو القیح الذی یسیل منهم یجمع و یسقونه، و قیل إنّ الحمیم الماء الحارّ الذی انتهت حرارته و الغسّاق الماء البارد الذی انتهت برودته فهذا یحرق ببرده و ذاک یحرق بحرّه.

و قال الطّریحی: الحمیم الماء الحارّ الشّدید الحراره یسقى منه أهل النار أو یصبّ على أبدانهم، و عن ابن عبّاس لو سقطت منه نقطه على جبال الدّنیا لأذابتها، و کیف کان فقوله علیه السّلام مأخوذ من الآیه الشّریفه فی سوره الواقعه قال سبحانه: «وَ أَمَّا إِنْ کانَ مِنَ الْمُکَذِّبِینَ الضَّالِّینَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِیمٍ وَ تَصْلِیَهُ جَحِیمٍ» و أمّا قوله (و فورات السّعیر) فأراد به شدّه غلیان نار الجحیم و لهبها، و کذلک أراد بقوله (و سورات الزّفیر) شدّه صوت توقد النّار (لا فتره مریحه) لهم من العذاب (و لا دعه مزیحه) عنهم العقاب کما قال سبحانه: «إِنَّ الْمُجْرِمِینَ فِی عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا یُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِیهِ مُبْلِسُونَ» (و لا قوّه حاجزه) تمنعه عن النّکال (و لا موته ناجزه) أی عاجله تریحه من ألم الوبال إذ الموت ربّما یکون نعمه و یعده الانسان راحه کما قال مجنون العامری و نعم ما قال: فلا ملک الموت المریح یریحنی (و لا سنه مسلیه) لهمّه و نومه منسیه لغمّه و فی الحدیث إنّ اللّه ألقى على عباده السّلوه بعد المصیبه لو لا ذلک لانقطع النّسل (بین أطوار الموتات و عذاب السّاعات) أراد بالموتات الآلام الشّدیده و المشاق العظیمه مجازا فلاینا فی قوله علیه الصّلاه و السّلام: و لا موته ناجزه، فانّ المراد به الحقیقه (إنا باللّه عائذون) أی ملتجئون من شرّ المآل و سوء الحال،. و قد راعى فی أکثر فقرات هذا الفصل السّجع المتوازی، هذا
و ینبغی تذییل المقام بامور مهمه

الاول فى تحقیق بدو خلق الانسان فاقول:قال سبحانه فی سوره المؤمنین: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَهٍ مِنْ طِینٍ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَهً فِی قَرارٍ مَکِینٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَهَ عَلَقَهً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَهَ مُضْغَهً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَهَ عِظاماً فَکَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَکَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِینَ» و هذه الآیه الشّریفه أجمع الآیات لأدوار الخلقه و أشملها لمراتب الفطره، و هذه المراتب على ما اشیرت إلیها فیها سبع.
المرتبه الأولى ما أشار إلیه بقوله: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَهٍ مِنْ طِینٍ» أی من خلاصه من طین و هو مبدء نشو الآدمی لتولد النّطفه منها، و ذلک لأنّ النّطفه إنّما تتولّد من فضل الهضم الرّابع، و هو إنّما یتولّد من الأغذیه، و هی إمّا حیوانیه و إمّا نباتیه، و الحیوانیه تنتهی إلى النباتیه و النّبات إنّما یتولّد من صفو الأرض و الماء، فالانسان بالحقیقه یکون متولّدا من سلاله من طین.

المرتبه الثّانیه أنّ السّلاله بعد ما تواردت علیها أدوار الفطره تکون نطفه فی أصلاب الآباء فتقذف بالجماع إلى أرحام النّساء التی هی قرار مکین لها و إلیه أشار سبحانه بقوله: «خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ یَخْرُجُ مِنْ بَیْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ»

المرتبه الثّالثه أنّ النّطفه بعد ما استقرّت فی الرّحم أربعین یوما تصیر علقه و هی الدّم الجامد.

المرتبه الرّابعه أنّ العلقه بعد ما مکثت فی الرّحم أربعین یوما أیضا تصیر مضغه أی قطعه لحم حمراء کأنّها مقدار ما یمضغ.
المرتبه الخامسه أنّ المضغه تمکث فیه أربعین ثالثه و یجعلها اللّه صلبا فتکون عظاما.

المرتبه السّادسه ما أشار إلیه بقوله: فکسونا العظام لحما أى ممّا بقى من المضغه أو ممّا أنبته علیها ممّا یصل إلیها و إنّما جعل اللحم کسوه لستره العظم کما یستر اللّباس البدن.

المرتبه السّابعه ما أشار إلیه بقوله: ثمّ أنشأناه خلقا آخر أى خلقا متباینا للخلق الأوّل باضافه الرّوح إلیه مباینا ما أبعدها، و ذلک بعد تمام ثلاثه أربعین أی کمال أربعه أشهر فکان حیوانا بعد ما کان جمادا، و حیّا بعد ما کان میتا، و ناطقا و کان أبکم، و سمیعا و کان أصم، و بصیرا و کان أعمى، و أودع باطنه و ظاهره بل کلّ عضو من أعضائه عجایب صنعته و بدایع حکمته التی لا یحیط بها وصف الواصفین و لا شرح الشّارحین، فتبارک اللّه أحسن الخالقین هذا.

و روى الصّدوق (ره) فی الفقیه عن محمّد بن علیّ الکوفیّ، عن إسماعیل بن مهران، عن مرازم، عن جابر بن یزید، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاری قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم: إذا وقع الولد فی جوف أمّه صار وجهه قبل ظهر أمّه إن کان ذکرا و إن کان انثى صار وجهها قبل بطن أمّها و یداه على و جنتیه و ذقنه على رکبتیه کهیئه الحزین المهموم، فهو کالمصرور منوط بعماء من سرّته إلى سرّه امّه، فبتلک السرّه یغتذی من طعام امّه و شرابها إلى الوقت المقدّر لولادته، فیبعث اللّه عزّ و جلّ ملکا إلیه فیکتب على جبهته: شقیّ أو سعید، مؤمن أو کافر غنیّ أو فقیر، و یکتب أجله و رزقه و سقمه و صحّته.

فاذا انقطع الرّزق المقدّر له من سرّه امّه زجره الملک زجره فانقلب فزعا من الزّجره و صار رأسه قبل الفرج، فاذا وقع إلى الأرض وقع إلى هول عظیم و عذاب ألیم إن أصابته ریح أو مشقّه أو مسّته ید وجد لذلک من الألم ما یجد المسلوخ عنه جلده.
یجوع فلا یقدر على الاستطعام، و یعطش فلا یقدر على الاستسقاء، و یتوجّع فلا یقدر على الاستغاثه، فیوکّل اللّه تبارک و تعالى برحمته و الشّفقه علیه و المحبّه له أمّه فتقیه الحرّ و البرد بنفسها، و تکاد تفدیه بروحها، و تصیر من التّعطف علیه‏بحال لا تبالی أن تجوع إذا شبع و تعطش إذا روى، و تعرى إذا کسى.

و جعل اللّه تعالى ذکره رزقه فی ثدی أمّه فی إحداهما شرابه و فی الاخرى طعامه، حتّى إذا رضع أتاه اللّه عزّ و جلّ فی کلّ یوم بما قدر له فیه من رزق، فاذا أدرک فهمّه الأهل و المال و الشّره و الحرص، ثمّ هو مع ذلک معرض الآفات و العاهات و البلیّات من کلّ وجه، و الملائکه ترشده و تهدیه، و الشّیاطین تضلّه و تغویه، فهو هالک إلّا أن ینجیه اللّه عزّ و جلّ، و قد ذکر اللّه تعالى ذکره نسبه الانسان فی محکم کتابه فقال عزّ و جلّ: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَهٍ مِنْ طِینٍ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَهً فِی قَرارٍ مَکِینٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَهَ عَلَقَهً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَهَ مُضْغَهً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَهَ عِظاماً فَکَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَکَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِینَ ثُمَّ إِنَّکُمْ بَعْدَ ذلِکَ لَمَیِّتُونَ ثُمَّ إِنَّکُمْ یَوْمَ الْقِیامَهِ تُبْعَثُونَ» قال جابر بن عبد اللّه الأنصارى: فقلت: یا رسول اللّه هذه حالنا فکیف حالک و حال الأوصیاء بعدک فی الولاده فسکت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم ملیّا ثمّ قال: یا جابر لقد سألت عن أمر جسیم لا یحتمله إلّا ذو حظ عظیم، إنّ الأنبیاء و الأوصیاء مخلوقون من نور عظمه اللّه عزّ و جلّ ثناؤه یودع اللّه أنوارهم أصلابا طیّبه و أرحاما طاهره یحفظها بملائکته و یربّیها بحکمته و یغذوها بعلمه، فأمرهم یجلّ عن أن یوصف، و أحوالهم تدّق عن أن تعلم، لأنّهم نجوم اللّه فی أرضه، و أعلامه فی بریّته، و خلفاؤه على عباده، و أنواره فی بلاده، و حججه على خلقه، یا جابر هذا من مکنون العلم و مخزونه فاکتمه إلّا من أهله.

و فی توحید المفضّل عن الصّادق علیه السّلام قال. و سنبتدئ یا مفضّل بذکر خلق الانسان فاعتبر به، فأوّل ذلک ما یدبّر به الجنین فی الرّحم و هو محجوب فی ظلمات ثلاث: ظلمه البطن، و ظلمه الرّحم، و ظلمه المشیمه، حیث لا حیله عنده‏ فی طلب غذاء و لا دفع أذى و لا استجلاب منفعه و لا دفع مضرّه، فإنّه یجرى إلیه من دم الحیض ما یغذوه کما یغذ و الماء النّبات فلا یزال ذلک غذاه.

حتّى إذا کمل خلقه و استحکم بدنه و قوى ادیمه على مباشره الهواء و بصره على ملاقات الضّیاء هاج الطّلق بأمّه فازعجه أشدّ إزعاج و أعنفه حتّى یولد، فاذا ولد صرف ذلک الدّم الّذی کان یغذوه من دم امّه إلى ثدییها، فانقلب الطّعم و اللّون إلى ضرب آخر من الغذاء، و هو أشدّ موافقه للمولود من الدّم فیوافیه فی وقت حاجته إلیه فحین یولد قد تلمط و حرّک شفتیه طلبا للرّضاع فهو یحدى ثدى أمّه کالاداوتین المعلّقتین لحاجته، فلا یزال یغتذی باللّبن ما دام رطب البدن رقیق الأمعاء لیّن الأعضاء.

حتّى إذا تحرّک و احتاج إلى غذاء فیه صلابه لیشتدّ و یستوی بدنه و طلعت له الطّواحین «من الاسنان خ» و الأضراس لیمضغ به الطعام فیلین علیه و یسهل له إساغته فلا یزال کذلک حتّى یدرک، فاذا أدرک و کان ذکرا طلع الشّعر فی وجهه فکان ذلک علامه الذّکر و عزّ الرّجل الذی یخرج به عن حدّ الصّبا و شبه النّساء و إن کانت انثى یبقى وجهها نقیّا من الشّعر لتبقى لها البهجه و النّضاره التی تحرّک الرّجال لما فیه دوام النّسل و بقاؤه، الحدیث.

الثانی فی تحقیق السؤال فی القبر و ذکر شبهه المنکرین له و دفعها

اعلم أنّ کلام الامام علیه السّلام فی هذا الفصل صریح فی ثبوت السؤال فی القبر و هو حقّ یجب الایمان و الاذعان به، و علیه قد انعقد إجماع المسلمین بل هو من ضروریات الدّین، و منکره کافر خالد فی الجحیم لا یفترّ عنه العذاب الألیم، و لم یخالف فیه إلّا بعض من انتسب إلى الاسلام کضرار بن عمر و طایفه من المعتزله و جمع من الملاحده مموّهین على العوام الّذین یصغون إلى کلّ ناعق بأنّ المیّت بعد وضعه فی قبره إن حشى فمه بالجصّ و نحوه و دفن ثمّ یؤتى إلیه فی الیوم الآخر و ینبش قبره فانّک تراه على حاله لم یتغیّر فلو کان فی القبر سؤال و حساب لتغیّرت حالته و لا نفتح فمه و سقط الجصّ، و أیضا فانا لا نسمع عذابه فی القبر مع شدّته و صعوبته.
و فساد ذلک الکلام غنیّ عن البیان، لأنّ هذه العین و الأذن لا تصلحان لمشاهده الأمور الملکوتیّه و سماعها، و کلّ ما یتعلّق بالآخره فهو من عالم الملکوت.

ألا ترى أنّ الصّحابه کانوا یجلسون عند النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلم حین نزول جبرئیل علیه و هو یراه و یتکلّم معه فی حضورهم و النّاس لا یرونه و لا یسمعون کلامه و کذلک ملکا القبر لا یمکن للنّاس أن یدرکوا سؤالهما و جواب المیّت لهما بهذه الحواسّ، و کذلک الحیّات و العقارب فی القبر لیس من جنس الحیّات و العقارب فی هذا العالم حتّى تدرک بالحسّ.

و یوضح ذلک أنّ النّائم بحضور الجالسین قد یشاهد فی نومه الحیّات و العقارب و سایر المولمات و الموذیات تؤلمه و تؤذیه و تلدغه فیتألم و یتأذی بحیث یرشح جبینه و یعرق و یبکی فی نومه من شدّه الألم و الأذى و مع ذلک کلّه فلا یرى الحاضرون ممّا یرى و یسمع شیئا.

و بالجمله فلا یعتدّ بهذه التّرّهات و التمویهات، و المنکر قد وجد جزاء إنکاره و هو الآن فی قبره مقرّ بما أنکر مذعن بما کفر مدرک لما أنکره بالسّمع و البصر، و الحمد للّه الذی منّ علینا بالایمان بالغیب، و خلّص قلوبنا من الشّک و الرّیب.
قال الصّادق علیه السّلام فی روایه الصّدوق: لیس من شیعتنا من أنکر ثلاثه: المعراج، و سؤال القبر، و الشفاعه.
و فی کتاب السّماء و العالم للمحدّث المجلسی عن الکافی عن بعض أصحابه عن علیّ بن العبّاس عن الحسن بن عبد الرّحمن عن أبی الحسن الأوّل قال: إنّ الأحلام لم تکن فیما مضى فی أوّل الخلق و إنّما حدثت، فقلت: و ما العلّه فی ذلک‏

فقال علیه السّلام: إنّ اللّه عزّ ذکره بعث رسولا إلى أهل زمانه فدعاهم إلى عباده اللّه و طاعته سبحانه فقالوا: إن فعلنا ذلک فمالنا فو اللّه ما أنت باکثرنا مالا و لا بأعزّنا عشیره قال لهم: إنّکم إن أطعتمونی أدخلکم اللّه الجنّه، و إن عصیتمونی أدخلکم اللّه النّار، فقالوا: و ما الجنّه و ما النّار فوصف لهم ذلک، فقالوا: متى نصیر إلى ذلک فقال: إذا متم، فقالوا: لقد رأینا أمواتنا صاروا عظاما و رفاتا فازدادوا له تکذیبا و به استخفافا، فأحدث اللّه عزّ و جلّ فیهم الأحلام فأتوا فأخبروه بما رأوا و ما أنکروا من ذلک، فقال لهم: إنّ اللّه سبحانه أراد أن یحتجّ علیکم بهذا، هکذا تکون أرواحکم إذا متّم و إن بلیت أبدانکم تصیرا لأرواح إلى عقاب حتّى تبعث الأبدان، هذا.

و بقى الکلام فی عموم سؤال القبر قال العلّامه المجلسی (ره) المشهور بین متکلّمی الامامیّه عدم عمومه و اختصاصه بمحض المؤمن و محض الکافر و أنّه لیس على المستضعفین و لا على الصّبیان و المجانین سؤال، و حکى عن الشّهید (ره) انّه قال: إنّ السؤال حقّ اجماعا إلّا فی من یلقّن حجّته.

أقول: و یدلّ على ذلک و على اختصاصه بالمؤمن و الکافر المحض الأخبار المتظافره فی الکافی و غیره و سیجی‏ء بعضها فی ضمن الأخبار الآتیه.

الثالث فی حالات المیت حین اشرف على الموت و حین ازهاق روحه و عند الغسل و التکفین و حمله على سریره و اذا وضع فى قبره و کیفیه السؤال فى القبر و ضغطه القبر و بعض عقوباته فى البرزخ و مثوباته
و نحن نشرح کلّ ذلک بما وصل إلینا فی ذلک الباب من الأخبار المرویّه عن أئمّتنا الأطیاب الأطهار سلام اللّه علیهم ما تعاقب اللّیل و النّهار، فأقول:

أما حاله الاحتضار

و أعنی بها حاله إشراف المیّت على الموت فهی حاله یلهو المرء فیها بکلیّته‏ عن الدّنیا و یکون توجّهه إلى الآخره، و یحضر حینئذ عنده رسول اللّه و الأئمه سلام اللّه علیهم و الملائکه الموکّلون بقبض روحه کما یحضر عنده أهله و عیاله و أحبّاؤه و أقرباؤه فتاره یکون مخاطبته مع الأوّلین و أخرى مع الآخرین.

روى علیّ بن إبراهیم القمّی فی تفسیر قوله: «یُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِی الْحَیاهِ الدُّنْیا وَ فِی الْآخِرَهِ وَ یُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِینَ» باسناده عن سوید بن الغفله عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال: إنّ ابن آدم إذا کان فی آخر یوم من الدّنیا و أوّل یوم من الآخره مثّل له أهله و ماله و ولده و عمله، فینظر إلى ماله فیقول: و اللّه إنّی کنت علیک لحریصا شحیحا فما ذا عندک فیقول: خذ منّی کفنک، ثم یلتفت إلى ولده فیقول: و اللّه إنّی کنت لکم لمحبّا و إنى کنت علیکم لمحامیا فما ذا عندکم فیقولون: نؤدّیک إلى حفرتک و نواریک فیها، ثمّ یلتفت إلى عمله فیقول: و اللّه إنّى کنت من الزّاهدین فیک و إنّک کنت علىّ ثقیلا فما ذا عندک فیقول: أنا قرینک فی قبرک و یوم حشرک حتّى اعرض أنا و أنت على ربّک.

فان کان للّه ولیّا أتاه أطیب النّاس ریحا و أحسنهم منظرا و أزینهم ریاشا فیقول: ابشر بروح من اللّه و ریحان و جنّه النّعیم قد قدمت خیر مقدم فیقول: من أنت قال: أنا عملک الصّالح ارتحل من الدّنیا إلى الجنّه و أنّه لیعرف غاسله و یناشد حامله أن یعجّله.

فاذا ادخل قبره أتاه ملکان و هما فتّان القبر یجرّان أشعارهما و یبحثان الأرض بأنیابهما و أصواتهما کالرّعد القاصف و أبصارهما کالبرق الخاطف فیقولان له: من ربّک، و من نبیّک و ما دینک فیقول: اللّه ربّى و محمّد نبیّی و الاسلام دینی فیقولان له: ثبّتک اللّه بما تحبّ و ترضى و هو قول اللّه: «یُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ» الآیه فیفسحان له فی قبره مدّ بصره و یفتحان له بابا إلى الجنّه و یقولان له: نم قریر العین نوم الشّابّ النّاعم، و هو قوله: «أَصْحابُ الْجَنَّهِ یَوْمَئِذٍ خَیْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِیلًا» و إذا کان لربّه عدوّا فانّه یأتیه أقبح من خلق اللّه ریاشا و أنتنه ریحا فیقول: من أنت فیقول: عملک فیقول: ابشر بنزل من حمیم و تصلیه جحیم، و انّه لیعرف غاسله و یناشد حامله أن یحبسه.

فاذا ادخل قبره أتیاه ممتحنا القبر فألقیا أکفانه ثمّ قالا له: من ربّک، و من نبیّک، و ما دینک فیقول: لا أدری، فیقولان: لا دریت و لا هدیت، فیضربانه بمرزبه ضربه ما خلق اللّه دابّه إلّا و تذعر لها ما خلا الثّقلین، ثمّ یفتحان له بابا إلى النّار، ثمّ یقولان له: نم بشرّ حال.
فهو من الضیق مثل ما فیه القنا«» من الزّج حتّى أنّ دماغه یخرج من ما بین ظفره و لحمه، و یسلّط اللّه علیه حیّات الأرض و عقاربها و هوامّها فتنهشه حتّى یبعث اللّه من قبره. و أنّه لیتمنّى قیام السّاعه ممّا هو فیه من الشّر.

و رواه فی الکافی عن علیّ بن إبراهیم مسندا عن سوید بن غفله عنه علیه السّلام مثله.
و فی الکافی عن أبی الیقظان عمّار الأسدی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: لو أنّ مؤمنا أقسم على ربّه أن لا یمیته ما أماته أبدا، و لکن إذا کان ذلک أو إذا حضر أجله بعثه اللّه عزّ و جلّ إلیه ریحین: ریحا یقال لها المنسیه و ریحا یقال المسخیه، فأمّا المنسیه فانّها تنسیه أهله و ماله، و أمّا المسخیه فانّها تسخی نفسه عن الدّنیا حتّى یختار ما عند اللّه.

و عن أبی خدیجه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: ما من أحد یحضره الموت إلّا وکّل به إبلیس من شیاطینه من یأمره بالکفر و یشکّکه فی دینه حتّى یخرج نفسه، فمن کان مؤمنا لم یقدر علیه فاذا حضرتم موتاکم فلقّنوهم شهاده أن لا إله‏ إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه حتّى یموت.

و فی روایه أخرى قال صلّى اللّه علیه و آله: فلقّنه کلمات الفرج و الشّهادتین و یسمّى له الاقرار بالأئمه علیهم السّلام واحدا بعد واحد حتّى یتقطع عنه الکلام.

و عن سدیر قال: قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام: جعلت فداک یابن رسول اللّه هل یکره المؤمن على قبض روحه قال علیه السّلام: لا و اللّه إنّه إذا أتاه ملک الموت لقبض روحه جزع عند ذلک فیقول له ملک الموت: یا ولیّ اللّه لا تجزع فو الّذی بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله لأنا أبرّ بک و أشفق علیک من والد رحیم لو حضرک، افتح عینیک فانظر قال: و یمثّل له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أمیر المؤمنین و فاطمه و الحسن و الحسین و الأئمه من ذریّتهم علیهم السّلام فیقال له: هذا رسول اللَّه و أمیر المؤمنین و فاطمه و الحسن و الحسین و الأئمه علیهم السّلام رفقاؤک، قال: فیفتح عینیه فینادى روحه مناد من قبل ربّ العزّه فیقول: «یا أَیَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّهُ» إِلى محمّد و أهل بیته «ارْجِعِی إِلى‏ رَبِّکِ راضِیَهً» بالولایه «مَرْضِیَّهً» بالثّواب «فَادْخُلِی فِی عِبادِی» یعنی محمّداً و أهل بیته «وَ ادْخُلِی جَنَّتِی» فما شی‏ء أحبّ إلیه من استلال روحه.

و عن علیّ بن عقبه عن أبیه قال: قال لی أبو عبد اللّه علیه السّلام: یا عقبه لا یقبل اللّه من العباد یوم القیامه إلّا هذا الأمر الذی أنتم علیه، و ما بین أحدکم و بین أن یرى ما یقرّبه عینه إلّا أن تبلغ نفسه إلى هذه، ثمّ أهوى بیده إلى الورید، ثمّ اتّکى.

و کان معی المعلّى فغمزنی أن أسأله فقلت: یابن رسول اللّه فاذا بلغت نفسه هذه أیّ شی‏ء یرى فقلت له بضعه عشر مرّه: أیّ شی‏ء یرى، فقال فی کلّها: یرى، لا یزید علیها، ثمّ جلس فی آخرها فقال: یا عقبه، فقلت: لبیّک و سعدیک، فقال: أبیت إلّا أن تعلم فقلت: نعم یابن رسول اللّه إنّما دینی مع دینک فاذا ذهب دینی‏ کان ذلک کیف لی بک یا بن رسول اللّه کلّ ساعه و بکیت، فرقّ لی فقال: یراهما و اللّه، فقلت: بأبی و أمّی من هما قال: ذلک رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلمّ و علی علیه السّلام یا عقبه لن تموت نفس مؤمنه أبدا حتّى تراهما قلت: فاذا نظر إلیهما المؤمن أ یرجع إلى الدّنیا فقال: لا، یمضى أمامه اذا نظر الیهما مضى أمامه فقلت له: یقولان شیئا قال: نعم یدخلان جمیعا على المؤمن، فیجلس رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عند رأسه و علیّ علیه السّلام عند رجلیه فیکبّ علیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیقول: یا ولیّ اللّه ابشر أنا رسول اللّه إنّی «أناخ» خیر لک ممّا ترکت من الدّنیا.

ثمّ ینهض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیقوم علیّ علیه السّلام حتّى یکبّ علیه فیقول: یا ولیّ اللّه ابشر أنا علیّ بن أبی طالب الذی کنت تحبّ أنا لأنفعنک، ثمّ قال علیه السّلام: إنّ هذا فی کتاب اللّه عزّ و جل، فقلت: أین جعلنی اللّه فداک هذا من کتاب اللّه قال: فی یونس قول اللّه عزّ و جلّ ههنا: «الَّذِینَ آمَنُوا وَ کانُوا یَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى‏ فِی الْحَیاهِ الدُّنْیا وَ فِی الْآخِرَهِ لا تَبْدِیلَ لِکَلِماتِ اللَّهِ ذلِکَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِیمُ» و عن أبی بصیر قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام إذا حیل بینه و بین الکلام أتاه رسول اللّه و من شاء اللّه فجلس رسول اللّه عن یمینه و الآخر عن یساره فیقول له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: أمّا ما کنت ترجو فهو ذا أمامک، و أمّا ما کنت تخاف منه فقد أمنت منه.

ثمّ یفتح له باب إلى الجنّه فیقول هذا منزلک من الجنّه فان شئت رددناک إلى الدّنیا و لک فیها ذهب و فضّه، فیقول: لا حاجه لی فی الدّنیا فعند ذلک یبیض لونه و یرشح جبینه و تقلص شفتاه و تنتشر منخراه و تدمع عینه الیسرى فأىّ هذه العلامات رأیت فاکتف بها، فاذا خرجت النفس من الجسد فیعرض علیها کما عرض علیه و هی فی الجسد فتختار الآخره الحدیث.

أقول: و الأخبار فی رؤیه النّبیّ و الأئمّه صلوات اللّه علیه و علیهم کثیره کادت‏ تبلغ حدّ التواتر، و یأتی بعضها بعد ذلک، و بتلک الأخبار یطیب نفوسنا و یسکن قلوبنا إلى الموت، و بها أیضا یعلم أنّ کراهه المؤمن للموت على ما فی الحدیث القدسی من قول اللّه سبحانه: ما تردّدت فی شی‏ء أنا فاعله کتردّدی فی قبض روح عبدی المؤمن یکره الموت و أکره مسائته إنّما هی قبل الاستبشار برؤیتهم علیهم السّلام، و أمّا بعد معاینتهم فلیس شی‏ء أحبّ إلیه من الموت کما عرفت فی الرّوایات.

و یدلّ علیه صریحا ما فی الکافی عن عبد الصّمد بن بشیر عن بعض أصحابه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قلت: أصلحک اللَّه من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه و من أبغض لقاء اللّه أبغض اللّه لقاءه قال علیه السّلام: نعم، قلت: فو اللّه إنّا لنکره الموت، فقال علیه السّلام: لیس ذلک حیث تذهب إنّما ذلک عند المعاینه إذا رأى ما یحبّ فلیس شی‏ء أحبّ إلیه من أن یتقدّم و اللّه تعالى یحبّ لقاءه و هو یحبّ لقاء اللّه حینئذ و إذا رأى ما یکره فلیس شی‏ء أبغض إلیه من لقاء اللّه و اللّه یبغض لقاءه.

و فیه عن یحیى بن سابور قال: سمعت أبا عبد اللَّه علیه السّلام یقول: فی المیّت تدمع عیناه عند الموت فقال علیه السّلام: ذلک عند معاینه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فیرى ما یسرّه، ثمّ قال علیه السّلام: أما ترى الرّجل یرى ما یسرّه و ما یحبّ فتدمع عینه لذلک و یضحک.

و أما صفه ملک الموت و کیفیه قبض الروح

فروى السیّد السّند السیّد نعمه اللّه الجزائری أنّ الخلیل علیه السّلام قال لملک الموت یوما: یا ملک الموت احبّ أن أراک على الصّوره التّی تقبض فیها روح المؤمن، فقال: یا إبراهیم اعرض عنّی بوجهک حتّى أتصوّر على تلک الصّوره، فلمّا رآه إبراهیم علیه السّلام رأى صوره شابّ حسن الوجه أبیض اللون تعلوه الأنوار فی أحسن ما یتخیّل من الهیئه فقال: یا إبراهیم فی هذه الصّوره اقبض روح المؤمن فقال علیه السّلام: یا ملک الموت لو لم یلق المؤمن إلّا لقائک لکفاه راحه.

ثمّ قال علیه السّلام: ارید أن أراک على الصّفه التی تقبض فیها روح الکافر، فقال:

یا إبراهیم لا تقدر، فقال: أحبّ ذلک، فقال: أعرض بوجهک فأعرض بوجهه ثمّ قال: انظر فنظر إلیه فاذا هو أسود کاللّیل المظلم و قامته کالنّخل الطّویل و النار و الدّخان یخرجان من منخریه و فمه إلى عنان السّماء.
فلمّا نظر إلیه غشی على إبراهیم علیه السّلام فرجع ملک الموت إلى حالته فلمّا أفاق الخلیل علیه السّلام قال: یا ملک الموت لو لم یکن للکافر هول من الموت إلّا رؤیتک لکفاه عن سایر الأهوال.

فاذا أتى إلى المؤمن سلّ روحه سلّا رقیقا لطیفا حتّى أنّه یحصل له الرّاحه من ذلک السّلّ لما یشاهده من مکانه فی الجنّه و إن کان کافرا أتى إلیه بحدیده محمیّه بنار جهنّم فأدخلها فی حلقومه و جذب روحه بها یخیل إلیه أنّ أطباق السّماوات و الأرض قد وقعت علیه و طبقته حتّى یخرج زبده على فمه کالبعیر.

أقول: و یدلّ علیه ما فی الکافی عن ابن الفضیل عن أبی حمزه قال: سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول: إنّ آیه المؤمن إذا حضره الموت بیاض وجهه أشدّ من بیاض لونه و یرشح جبینه و یسیل من عینیه کهیئه الدّموع فیکون ذلک خروج نفسه، و إنّ الکافر یخرج نفسه سلّا من شدقه«» کزبد البعیر أو کما یخرج نفس البعیر.

و فیه باسناده عن عمّار بن مروان قال: حدّثنی من سمع أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول: منکم و اللّه یقبل، و لکم و اللّه یغفر إنّه لیس بین أحدکم و بین أن یغتبط و یرى السّرور و قرّه العین إلّا أن تبلغ نفسه ههنا و أومى بیده إلى حلقه.

ثمّ قال علیه السّلام: إنّه إذا کان ذلک و احتضر حضره رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و علیّ علیه السّلام و جبرئیل و ملک الموت فیدنو منه علیّ علیه السّلام فیقول: یا رسول اللّه إنّ هذا کان یحبّنا أهل البیت فأحبّه، و یقول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: یا جبرئیل إنّ هذا یحبّ اللّه و رسوله و أهل بیت رسوله فأحبّه، و یقول جبرئیل علیه السّلام: یا ملک الموت إنَّ هذایحبّ اللّه و رسوله و أهل بیت رسوله فأحبّه و ارفق به.

فیدنو منه ملک الموت فیقول: یا عبد اللّه أخذت فکاک رقبتک أخذت أمان براتک تمسّکت بالعصمه الکبرى فی الحیاه الدّنیا قال: فیوفّقه اللّه عزّ و جلّ فیقول: نعم، فیقول: و ما ذاک فیقول: ولایه علیّ بن أبی طالب علیه السّلام فیقول: صدقت أمّا الذی کنت تحذره فقد آمنک اللّه منه، و أمّا الذی کنت ترجوه فقد أدرکته ابشر بالسّلف الصّالح مرافقه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و علیّ و فاطمه علیهم السّلام.
ثمّ یسلّ نفسه سلّا رفیقا، ثمّ ینزل بکفنه من الجنّه و حنوطه من الجنّه بمسک أذفر فیکفن بذلک الکفن و یحنط بذلک الحنوط، ثمّ یکسى حلّه صفراء من حلل الجنّه.

فاذا وضع فی قبره فتح له باب من أبواب الجنّه یدخل علیه من روحها و ریحانها، ثمّ یفتح له عن أمامه مسیره شهر و عن یمینه و عن یساره، ثمّ یقال له: نم نومه العروس على فراشها ابشر بروح و ریحان و جنّه نعیم و ربّ غیر غضبان.

ثمّ یزور آل محمّد سلام اللّه علیهم فی جنان رضوى فیأکل معهم من طعامهم، و یشرب معهم من شرابهم، و یتحدّث معهم فی مجالسهم حتّى یقوم قائمنا فاذا قام قائمنا بعثهم اللّه تعالى فأقبلوا معه یلبّون زمرا زمرا و عند ذلک یرتاب المبطلون و یضمحلّ المحلّون و قلیل ما یکونون هلکت المحاضرون و نجا المقرّون. «بون خ» من أجل ذلک قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعلیّ علیه السّلام أنت أخی و میعاد ما بینی و بینک وادی السّلام.

قال علیه السّلام و إذا احتضر الکافر حضره رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و علیّ علیه السّلام و جبرئیل و ملک الموت فیدنو منه علیّ علیه السّلام فیقول: یا رسول اللّه إنّ هذا کان یبغضنا أهل البیت فأبغضه و یقول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: یا جبرئیل إنّ هذا کان یبغض اللّه و رسوله و أهل بیت رسوله فأبغضه، فیقول جبرئیل علیه السّلام: یا ملک الموت إنّ هذا کان یبغض اللّه و رسوله و أهل بیت رسوله فأبغضه و اعنف علیه.

فیدنو منه ملک الموت فیقول: یا عبد اللّه أخذت فکاک رهانک و أمان براتک‏تمسّکت بالعصمه الکبرى فی الحیاه الدّنیا فیقول: لا، فیقول: ابشر یا عدوّ اللّه بسخط اللّه عزّ و جلّ و عذابه و النّار، أمّا الذی کنت تحذر فقد نزل بک.
ثمّ یسلّ نفسه سلا عنیفا ثمّ یوکّل بروحه ثلاثمأه شیطان کلّهم یبزق فی وجهه و یتأذى بروحه فاذا وضع فی قبره فتح له باب من أبواب النّار فیدخل علیه من فیحها و لهبها.

و عن الهیثم بن واقد عن رجل عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: دخل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله على رجل من أصحابه و هو یجود بنفسه فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلم: یا ملک الموت أرفق بصاحبی فانّه مؤمن، فقال: ابشر یا محمّد فانّی بکلّ مؤمن رفیق.

و اعلم یا محمّد أنّی اقبض روح ابن آدم فیجزع أهله فأقوم فی ناحیه من دارهم فأقول ما هذا الجزع فو اللّه ما تعجلناه قبل أجله و ما کان لنا فی قبضه من ذنب فان تحتسبوه و تصبروا توجروا، و إن تجزعوا تأثموا و توزروا، و اعلموا أنّ لنافیکم عوده ثمّ عوده فالحذر ثم الحذر إنّه لیس فی شرقها و لا فی غربها أهل بیت مدر و لا وبر إلّا و أنا أتصفّحهم فی کلّ یوم خمس مرّات و لأنا أعلم بصغیرهم و کبیرهم منهم بأنفسهم و لو أردت قبض روح بعوضه ما قدرت علیها حتّى یأمرنی ربّی بها.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم: إنّما یتصفّحهم فی مواقیت الصّلاه فان کان ممّن یواظب علیها عند مواقیتها لقّنه شهاده أن لا إله إلّا اللّه و نحىّ عنه ملک الموت إبلیس.
و عن السّکونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: إنّ المیّت إذا حضره الموت أو ثقه ملک الموت و لو لا ذلک ما استقرّ.

و أما التغسیل و التکفین

فقد ورد فی الرّوایات أن الرّوح بعد خروجه من الجسد یکون مطلّا على الجسد و أنّه لیرى ما یفعل به.
و فی روایه اصبغ بن نباته أنّه یناشد الغاسل و یقول له عند تغسیله: باللّه علیک یا عبد اللّه رفقا بالبدن الضّعیف فو اللّه ما خرجت من عرق إلّا انقطع، و لا من عضو إلّا انصدع، فو اللّه لو سمع الغاسل ذلک القول لما غسل میّتا أبدا.

و فی جامع الأخبار قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم: فو الذی نفس محمّد بیده لو یرون مکانه و یسمعون کلامه لذهبوا عن میّتهم و لبکوا على نفوسهم حتّى إذا حمل المیّت على نعشه رفرف روحه فوق النّعش و هو ینادی: یا أهلى و یا ولدی لا تلعبن بکم الدّنیا کما لعبت بی، الحدیث هذا.

و فی الوسائل فی عدّه روایات الأمر باجاده الأکفان و المغالات فی أثمانها معلّلا بأنّ الموتى یبعثون بها و بأنّهم یتباهون بأکفانهم.
و فیه أنّ موسى بن جعفر علیهما السّلام کفن فی حبره استعملت له بمبلغ خمسمائه دینار علیها القرآن کلّه.

و فیه عن یونس بن یعقوب عن أبی الحسن الأوّل علیه السّلام قال: سمعته یقول: إنّی کفنت أبی فی ثوبین شطویین کان یحرم فیهما و قمیص من قمصه و عمامه کانت لعلیّ بن الحسین علیهما السّلام و فی برد اشتریته بأربعین دینارا، و لو کان الیوم ساوى أربعمائه دینار.

و أما حالته اذا حمل على سریره

فهو أنّه إن کان مؤمنا خرج روحه یمشى بین یدی القوم قدما و تلقاه أرواح المؤمنین و یبشّرونه بما أعدّ اللّه له جلّ ثناؤه من النّعیم.
و إن کان عدوّا اللّه سبحانه فهو کما ورد فی روایه الکلینیّ عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم: إذا حمل عدوّ اللّه إلى قبره نادى حملته ألا تسمعون یا اخوتاه إنّی أشکو إلیکم ما وقع فیه أخوکم الشّقیّ إنّ عدوّ اللّه خدعنی فأوردنی ثمّ لم یصدرنی و أقسم لی أنّه ناصح لی فغشّنی و أشکو إلیکم دنیا غرّتنی حتّى إذا اطمأننت إلیها صرعتنی، و أشکو إلیکم أخلّاء الهوى منّونی ثمّ تبرّؤوا منّی و خذلونی، و أشکو إلیکم أولادا حمیت عنهم و آثرتهم على نفسی فأکلوا مالی و أسلمونی.
و أشکو إلیکم مالا ضیّعت فیه حقّ اللّه سبحانه فکان و باله علىّ و کان نفعه لغیری، و أشکو إلیکم دارا أنفقت علیها حربیتی«» و صار سکّانها غیری‏أشکو إلیکم طول الثواء فی قبری ینادی أنا بیت الدّود و أنا بیت الظلمه و الوحشه و الضّیق.

یا اخوتاه فاحبسونی ما استطعتم و احذروا مثل ما لقیت فانّی قد بشّرت بالنّار و بالذّل و الصّغار و غضب العزیز الجبّار، و احسرتاه على ما فرّطت فی جنب اللّه و یا طول عولناه فمالی من شفیع یطاع و لا صدیق یرحمنی فلو أنّ لی کرّه فأکون من المؤمنین.
و فی روایه إنّ أبی جعفر علیه السّلام کان یبکی إذا ذکر هذا الحدیث.

ثمّ إنّه إذا أتیت بالمیّت إلى شفیر قبره فأمهله ساعه فانّه یأخذ اهبته للسّؤال کما وردت روایه أبی الحسن موسى علیه السّلام.
و إذا حضر المؤمنون للصّلاه علیه و شهدوا له بالخیر و الصّلاح فقد ورد فی الخبر انّ اللّه سبحانه یجیز شهادتهم و یکتبه عنده من الأخیار و إن کان فی علمه عزّ و جلّ من الأشرار.

قال الصّادق علیه السّلام: إذا حضر المیت أربعون رجلا فقالوا: اللّهم إنّا لا نعلم منه إلّا خیرا، قال اللّه تعالى: قد قبلت شهادتکم له و غفرت له ما علمت ممّا لا تعلمون.

قال السیّد الجزایری فی الأنوار النّعمانیّه روى الشّیخ الکلینیّ قدّس اللّه روحه باسناده إلى الامام أبی عبد اللّه جعفر بن محمّد الصّادق علیه السّلام قال: کان فی بنی إسرائیل عابد فأوحى اللّه تعالى إلى داود على نبیّنا و علیه السّلام إنّه مرائی قال: ثمّ إنّه مات فلم یشهد جنازته داود، فقام أربعون من بنی إسرائیل فقالوا: اللهمّ إنا لا نعلم منه إلّا خیرا و أنت أعلم به منّا فاغفر له «قال فلمّا غسل أتى إلیه أربعون غیر الأربعین و قالوا: اللّهمّ إنّا لا نعلم منه إلّا خیرا فأنت أعلم به منّا فاغفر له خ ل» قال علیه السّلام فأوحى اللّه إلى داود: ما منعک أن تصلّی قال داود: للذی أخبرتنی به، قال: فأوحى اللّه إلیه انّه قد شهد له قومه فأجزت شهادتهم و غفرت له و عملت ما لم تعلموا.

و اما حاله بعد وضعه فى قبره

ففی الحدیث إنّ الرّوح یدخل إلى حقویه و یسمع لفظ أیدى القوم من تراب قبره فعند ذلک ینظر یمینا و شمالا فلا یرى إلّا ظلمات ثلاث: ظلمه الأرض، و ظلمه العمل، و ظلمه الوحشه فیا لها من داهیه عظیمه و رزیّه جسیمه، و أوّل ملک یدخل علیه یسمّى رومان فتان القبور، و فی روایه اصبغ بن نباته یسمّی منبّه.

قال السیّد الجزائری رحمه اللّه: روى عبد اللّه بن سلام أنّه قال: سألت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم عن أوّل ملک یدخل فی القبر على المیّت قبل منکر و نکیر، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ملک یتلألأ وجهه کالشّمس اسمه رمان«» یدخل على المیّت ثمّ یقول له: اکتب ما عملت من حسنه و من سیّئه، فیقول: بأیّ شی‏ء أکتب أین قلمی و دواتی و مدادی فیقول له: ریقک مدادک و قلمک اصبعک، فیقول: على أىّ شی‏ء أکتب و لیس معى صحیفه قال: صحیفتک کفنک فاکتبه فیکتب ما عمله فی الدّنیا خیرا.

فاذا بلغ سیئآته یستحی منه فیقول له الملک: یا خاطى ما تستحى من خالقک حین عملتها فی الدّنیا و تستحى الآن، فیرفع الملک العمود لیضربه فیقول العبد: ارفع عنی حتّى أکتبها، فیکتب فیها جمیع حسناته و سیئاته ثمّ یأمره أن یطوى و یختم فیقول له: بأیّ شی‏ء اختمه و لیس معى خاتم فیقول له: اختمه بظفرک و علّقه فی عنقک إلى یوم القیامه کما قال تعالى: وَ کُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِی عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ یَوْمَ الْقِیامَهِ کِتاباً یَلْقاهُ مَنْشُوراً و فی روایه اخرى أنّه یأتی إلى المیّت فیسمه فان عرف منه خیرا أخبر منکرا و نکیرا حتّى یرفقا به وقت السؤال، و إن عرف منه شرّا أخبرهما حتّى یشدّدا علیه الحال و العذاب.

و أما السؤال عنه

فقد علمت سابقا أنّه من ضروریّات الدّین و علیه اتّفاق المسلمین و فی‏ الأخبار الکثیره أنّ للّه سبحانه ملکین یسمّى أحدهما منکرا و الآخر نکیرا و کلّ تعالى السؤال إلیهما.

و فی بعض الرّوایات أنّهما بالنّسبه إلى المؤمن مبشّر و بشیر، و بالنّسبه إلى الکافر منکر و نکیر، لأنّهما یأتیان إلى المؤمن بصوره حسنه و یبشّرانه بالثواب و النّعیم، و یأتیان إلى الکافر و المخالف بصوره نکره مهیبه و یوعدانه بالعذاب و الجحیم.
روى فی الکافی باسناده عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: إنّ المؤمن إذا اخرج من بیته شیّعته الملائکه إلى قبره و یزدحمون علیه حتّى إذا انتهى به إلى قبره قالت له الأرض مرحبا بک و أهلا أما و اللّه لقد کنت احبّ أن یمشى علىّ مثلک لترینّ ما أصنع بک فیوسع له مدّ بصره و یدخل علیه ملکا القبر و هما قعیدا القبر منکر و نکیر فیلقیان فیه الرّوح إلى حقویه فیقعدانه و یسألانه فیقولان له: من ربّک فیقول: اللّه تعالى، فیقولان: ما دینک فیقول: الاسلام، فیقولان: و من نبیّک فیقول: محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلم فیقولان: و من امامک فیقول: فلان، قال: فینادى مناد من السّماء صدق عبدی افرشوا له فی قبره من الجنّه و افتحوا له فی قبره بابا إلى الجنّه و البسوه من ثیاب الجنّه حتّى یأتینا و ما عندنا خیر له، ثمّ یقال له: نم نومه عروس نم نومه لا حلم فیها.

قال علیه السّلام: و إن کان کافرا خرجت الملائکه شیّعته إلى قبره تلعنونه حتّى إذا انتهى به إلى قبره قالت له الأرض: لا مرحبا بک و لا أهلا أما و اللّه لقد کنت أبغض أن یمشی علىّ مثلک لا جرم لتریّن ما أصنع بک الیوم، فتضیق علیه حتّى تلتقى جوانحه.
قال علیه السّلام: ثمّ یدخل علیه ملکا القبر و هما قعیدا القبر منکر و نکیر.
قال أبو بصیر: جعلت فداک یدخلان على المؤمن و الکافر فی صوره واحده فقال علیه السّلام: لا.

قال فیقعدانه فیلقیان فیه الرّوح إلى حقویه فیقولان له: من ربّک فیتلجلج«» و یقول: قد سمعت النّاس یقولون، فیقولان له. لا دریت، و یقولان له: ما دینک فیتلجلج فیقولان له: لادریت، و یقولان له من نبیّک فیقول: قد سمعت النّاس یقولون فیقولان له: لادریت و یسأل عن إمام زمانه.

قال علیه السّلام و ینادی مناد من السّماء کذب عبدی افرشوا له فی قبره من النّار و افتحوا له بابا إلى النّار حتّى یأتینا و ما عندنا شرّ له فیضر بانه بمرزبه ثلاث ضربات لیس منها ضربه إلّا و یتطایر منها قبره نارا لو ضرب بتلک المرزبه جبال تهامه لکانت رمیما.

و قال أبو عبد اللّه علیه السّلام: و یسلّط اللّه علیه فی قبره الحیّات تنهشه نهشا و الشّیطان یغمّه غمّا، قال و یسمع عذابه من خلق اللّه إلّا الجنّ و الانس، و قال علیه السّلام إنّه لیسمع خفق نعالهم و نفض أیدیهم و هو قول اللّه عزّ و جلّ: یُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِی الْحَیاهِ الدُّنْیا وَ فِی الْآخِرَهِ وَ یُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِینَ وَ یَفْعَلُ اللَّهُ ما یَشاءُ.

و عن إبراهیم بن أبی البلاد عن بعض أصحابه عن أبی الحسن موسى علیه السّلام قال: یقال للمؤمن فی قبره: من ربّک قال: فیقول: اللّه، فیقال له: ما دینک فیقول: الاسلام، فیقال: من نبیّک فیقول: محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلم، فیقال: من امامک فیقول: فلان فیقال: کیف علمت بذلک فیقول: أمر هدانی اللّه له و ثبّتنی علیه، فیقال له: نم نومه لا حلم فیها نومه العروس، ثمّ یفتح له باب إلى الجنّه فیدخل إلیه من روحها و ریحانها لیقول: یا ربّ عجّل قیام السّاعه لعلیّ أرجع إلى أهلی و مالی.

و یقال للکافر: من ربّک فیقول: اللّه، فیقال: من نبیّک فیقول: محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلم فیقال: ما دینک فیقول: الاسلام، فیقال: من أین علمت ذلک فیقول: سمعت النّاس یقولون فقلته، فیضربانه بمرزبه لو اجتمع علیه الثّقلان الانس و الجنّ لم‏ یطیقوها.

قال علیه السّلام فیذوب کما یذوب الرّصاص، ثمّ یعیدان فیه الرّوح فیوضع قلبه بین لوحین من نار فیقول. یا ربّ أخّر قیام السّاعه و عن جابر قال قال أبو جعفر علیه السّلام: قال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلم: إنّی کنت أنظر إلى الابل و الغنم و أنا أرعاها و لیس من نبیّ إلّا و قد رعى الغنم، و کنت أنظر إلیها قبل النبوّه و هی متمکّنه فی «ممتلیه من خ» المکینه ما حولها شی‏ء یهیّجها حتّى تذعر فتطیر فأقول ما هذا و أعجب، حتّى حدّثنی جبرئیل علیه السّلام أنّ الکافر یضرب ضربه ما خلق اللّه شیئا إلّا سمعها و یذعر لها إلّا الثّقلین فقلنا: ذلک لضربه الکافر، فنعوذ باللّه من عذاب القبر.

و عن بشیر الدّهان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: یجی‏ء الملکان منکر و نکیر إلى المیّت حین یدفن أصواتهما کالرّعد القاصف و أبصارهما کالبرق الخاطف، یخطان الأرض بأنیابهما و یطآن فی شعورهما فیسألان المیّت من ربّک و ما دینک قال علیه السّلام: فاذا کان مؤمنا قال: اللّه ربّی، و دینی الاسلام، فیقولان له: ما تقول فی هذا الرّجل الذی خرج بین ظهرانیکم فیقول: أعن محمّد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم تسألانی فیقولان: تشهد أنّه رسول اللّه فیقول: أشهد أنّه رسول اللّه، فیقولان له: نم نومه لا حلم فیها و یفسح له فی قبره تسعه أذرع و یفتح له باب إلى الجنّه و یرى مقعده فیها و إذا کان الرّجل کافرا دخلا علیه و أقیم الشّیطان بین یدیه عیناه من نحاس فیقولان له: من ربّک و ما دینک و ما تقول فی هذا الرّجل الذی خرج من بین ظهرانیکم فیقول: لا أدری فیخلّیان بینه و بین الشّیطان، فیسلّط علیه فی قبره تسعه و تسعین تنینا لو أن تنینا واحدا منها نفخت فی الأرض ما أنبتت شجرا ابدا، و یفتح له بابا إلى النّار و یرى مقعده فیها.

و عن محمّد بن أحمد الخراسانی عن أبیه رفعه قال قال أبو عبد اللّه علیه السّلام یسأل المیّت فی قبره عن خمس، عن صلاته و زکاته و حجّه و صیامه و ولایته إیّانا أهل البیت‏فتقول الولایه من جانب القبر للأربع: ما دخل فیکنّ من نقص فعلىّ تمامه.

و فی الوسائل عن جابر بن یزید عن أبی جعفر علیه السّلام ما على أحدکم إذا دفن میّته و سوّى علیه و انصرف عن قبره أن یتخلّف عند قبره ثمّ یقول: یا فلان بن فلان أنت على العهد الذی عهدناک به من شهاده أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه و أنّ علیّا أمیر المؤمنین إمامک، و فلان و فلان حتّى یأتی آخرهم، فانّه إذا فعل ذلک قال أحد الملکین لصاحبه: قد کفینا الوصول إلیه و مسألتنا إیّاه فانّه قد لقّن حجّته فینصرفان عنه و لا یدخلان إلیه.

و فیه عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن بعض أصحابه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: ینبغی أن یتخلّف عند قبر المیّت أولى النّاس به بعد انصراف عنه و یقبض على التّراب بکفّیه و یلقّنه برفیع صوته، فاذا فعل ذلک کفى المیّت المسأله فی قبره.
و فی الکافی باسناده عن أبی بکر الحضرمی قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام: لا یسأل فی القبر إلّا من محض الایمان محضا أو محض الکفر محضا و الآخرون یلهون عنه.

و نحوه أخبار أخر فیه عنه علیه السّلام، و ظاهر الکلینیّ کالصّدوق هو الأخذ بظواهر هذه الأخبار لروایتهما لها من غیر تمرّض لتأویلها، و قد حکى ذلک عن الشّیخ البهائی (ره).

و قال الشّهید (ره) فی محکیّ کلامه: إنّ هذا الخبر محمول على سؤال خاصّ لیوافق الأخبار العامّه فی سؤال القبر و قال السیّد الجزایری رحمه اللّه و یمکن أن یراد بالملهوّ عنهم الذین وردت الأخبار فی شأنهم أنّهم یکلّفون یوم القیامه بأن تؤجّج لهم نار فیؤمروا بالدّخول فیها مثل البله و المجانین و من کان فی فطرات «فترات ظ» الأنبیاء و الشّیخ الفانی و العجوز الفانیه و نحوهم، و هؤلاء لم یمحضوا الایمان و هو ظاهر، و لم یمحضوا الکفر أیضا لقصورهم عن ورود الموردین فیبقون على حالتهم فی قبورهم حتّى یمنحهم اللّه سبحانه فی القیامه قوّه إدراک التّکالیف و العقل القابل له.

و أما ضغطه القبر و ضمته

ففی الکافی باسناده عن سالم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: ما من موضع قبر إلّا و هو ینطق کلّ یوم ثلاث مرّات: أنا بیت التّراب أنا بیت البلاء أنا بیت الدّود، قال علیه السّلام فاذا دخله عبد مؤمن قال: مرحبا و أهلا أما و اللّه لقد کنت احبّک و أنت تمشى على ظهری فکیف إذا دخلت بطنی فسترى ذلک.

قال علیه السّلام: فیفسح له مدّ البصر و یفتح له باب یرى مقعده من الجنّه، قال علیه السّلام: و یخرج من ذلک رجل لم تر عیناه شیئا قطّ أحسن منه فیقول: یا عبد اللّه ما رأیت شیئا قطّ أحسن منک فیقول: أنا رأیک الحسن الذی کنت علیه و عملک الصالح الذی کنت تعمله.
قال علیه السّلام: ثمّ تؤخذ روحه فتوضع فی الجنّه حیث رأى منزله، ثمّ یقال له: نم قریر العین فلا تزال نفحه من الجنّه تصیب جسده و یجد لذّتها و طیبها حتّى یبعث.

قال علیه السّلام: و إذا دخل الکافر قبره قالت: لا مرحبا بک و لا أهلا أما و اللّه لقد کنت ابغضک و أنت تمشى على ظهری فکیف إذا دخلت بطنی سترى ذلک.
قال: فتضمّ علیه فتجعله رمیما و یعاد کما کان و یفتح له باب إلى النّار فیرى مقعده من النّار، ثمّ قال: ثمّ انّه یخرج منه رجل أقبح من رأى قطّ قال: فیقول یا عبد اللّه من أنت ما رأیت شیئا أقبح منک، قال: فیقول: أنا عملک السیّى‏ء الذی کنت تعمله و رأیک الخبیث.
قال ثمّ تؤخذ روحه فتوضع حیث رأى مقعده من النّار، ثمّ لم تزل نفحه من النّار تصیب جسده فیجد ألمها و حرّها فی جسده إلى یوم یبعث، و یسلّط اللّه على روحه تسعه و تسعین تنّینا تنهشه لیس فیها تنّین ینفخ على ظهر الأرض فتنبت شیئا.

و هذه الضّغطه هى التی ضمنها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم لفاطمه بنت أسد أمّ أمیر المؤمنین علیه السّلام.
و قد روى أنّه لمّا حفر لها قبر اضطجع فیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فقیل له صلّى اللّه علیه و آله و سلم فی ذلک فقال: إنّی ذکرت ضغطه القبر عندها یوما و ذکرت شدّتها فقالت: و اضعفاه‏ لیس لی طاقه علیها فقلت لها: إنّی أضمن لک على اللّه فاضطجعت فی قبرها لذلک.

و فی الکافی عن أبی بصیر قال: قلت: لأبی عبد اللّه علیه السّلام: أ یفلت من ضغطه القبر أحد قال: فقال علیه السّلام: نعوذ باللّه منها ما أقلّ من یفلت من ضغطه القبر، إنّ رقیّه لمّا قتلها عثمان وقف رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم على قبرها فرفع رأسه إلى السّماء فدمعت عیناه و قال للنّاس: ذکرت هذه و ما لقیت فرققت لها و استوهبتها من ضمّه القبر، قال: فقال: اللّهمّ هب لی رقیّه من ضمّه القبر فوهبها اللّه له.

قال علیه السّلام و إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم خرج فی جنازه سعد و قد شیّعه سبعون ألف ملک فرفع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رأسه إلى السّماء ثمّ قال: مثل سعد یضمّ قال: قلت جعلت فداک: إنا نحدّث أنّه کان یستخفّ بالبول، فقال علیه السّلام: معاذ اللّه إنّما کان من زعاره«» فی خلقه على أهله قال: فقالت أمّ سعد هنیئا لک یا سعد، قال: فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: یا امّ سعد لا تحتمی على اللّه.

و عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: یسأل و هو مضغوط.
قال المحدّث المجلسی «ره» فی حقّ الیقین: یفهم من الأحادیث المعتبره أنّ ضغطه القبر للبدن الأصلی و أنّها تابعه للسؤال، فمن لا سؤال عنه لا ضغطه له و فیه عن الصّدوق عن الصّادق علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إنّ ضغطه القبر للمؤمن کفّاره عمّا صدر عنه من تضییع نعم اللّه سبحانه.

و فی الکافی عن یونس قال: سألته عن المصلوب یعذّب عذاب القبر قال: فقال: نعم إنّ اللّه عزّ و جلّ یأمر الهواء أن یضغطه.
و فی روایه اخرى سئل أبو عبد اللّه علیه السّلام عن المصلوب یصیبه عذاب القبر، فقال علیه السّلام: إنّ ربّ الأرض هو ربّ الهواء فیوحی اللّه عزّ و جلّ إلى الهواء فیضغطه ضغطه هو أشدّ من ضغطه القبر.

و فیه فی روایه أبی بصیر التی تقدّم صدرها فی ذکر حاله الاحتضار عن أبی‏ عبد اللَّه علیه السّلام، فاذا ادرج فی أکفانه و وضع على سریره خرجت روحه تمشی بین أیدی القوم قدما و تلقاه أرواح المؤمن و یبشّرونه بما أعدّ اللَّه له جلّ ثناؤه من النّعیم، فاذا وضع فی قبره ردّ إلیه الرّوح إلى و رکیه ثمّ یسأل عمّا یعلم فاذا جاء بما یعلم فتح له ذلک الباب الذی أراه رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم، فیدخل علیه من نورها و بردها و طیب ریحها.

قال: قلت جعلت فداک فأین ضغطه القبر فقال علیه السّلام: هیهات ما على المؤمنین منها شی‏ء و اللَّه إنّ هذه الأرض لتفتخر على هذه فیقول: وطى‏ء على ظهری مؤمن و لم یطاء على ظهرک مؤمن، و اللَّه لقد کنت احبّک و أنت تمشی على ظهری فأما إذا ولیتک فستعلم ما ذا أصنع بک فتفسح له مدّ بصره، هذا.

و فی الحقّ الیقین بعد ایراده الأخبار الوارده فی الضغطه ممّا قدّمنا روایتها و ما لم یتقدّم قال: و الجمع بین هذه الأخبار فی غایه الاشکال إذ لو حملنا المؤمن فیها على المؤمن الکامل فأیّ کامل أکمل من فاطمه بنت أسد و رقیّه ابنه النّبیّ صلّى اللَّه علیه و آله و سلم و سعد بن معاذ.

اللّهمّ إلّا أن یحمل ما فی فاطمه و رقیّه على الاحتیاط و الاطمینان و حصول الاضطجاع و الدّعاء أو یقال المراد بالمؤمن المعصوم و من یتلو مرتبه العصمه کسلمان و أبی ذر و نظرائهما، و یمکن حمل أخبار عدم الضغطه للمؤمن على عدم الضّغطه الشّدیده أو حمل أخبار عدم الضّغطه له على ما تکون على وجه الغضب، و ما تدلّ علیها على ما تکون على وجه اللطف و لیکون قابلا لدخول الجنّه کما أنّ ابتلاءه بمحن الدّنیا و بلایاها کان لذلک.

و یمکن أن یقال: إنّها کانت فی صدر الاسلام عامّه للمؤمن و غیره، ثمّ اختصّت بغیرهم بشفاعه الرّسول و الأئمه صلوات اللَّه و سلامه علیه و علیهم هذا.
و بقی الکلام فیما یوجب ارتفاع الضّغطه و الأمن من بعض عقوبات البرزخ و هی امور کثیره.

منها رشّ الماء على القبر فقد روی فی الکافی عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام أنّه قال: یتجافى عنه العذاب ما دام النّدى فی التّراب.
و منها الجریدتان ففى الوسائل عن الصّدوق باسناده إلى زراره قال: قلت لأبی جعفر علیه السّلام: أرأیت المیّت إذا مات لم تجعل معه الجریدتان فقال علیه السّلام یتجافى عنه العذاب أو الحساب ما دام العود رطبا إنّما العذاب و الحساب کلّه فی یوم واحد فی ساعه واحده قدر ما یدخل القبر و یرجع القوم و إنّما جعلت السعفتان لذلک فلا یصیبه عذاب و لا حساب بعد جفوفهما إنشاء اللَّه.

و منها الوفاه لیله الجمعه أو یومها ففی الأنوار للسیّد الجزائری رحمه اللَّه قد ورد فی الأخبار المعتبره، أنّ من مات من المؤمنین لیله الجمعه أو یومها أمن من ضغطه القبر، قال «ره» و ربّما ورد أنّ بعض أعمال البرّ و الأدعیه المأثوره تدفعها أیضا، و هو لیس ببعید فانّ رحمه اللَّه قریب من المحسنین.

و منها الدّفن فی وادی السّلام فقد روى فی الأنوار أیضا من کتاب إرشاد القلوب فی فضل المشهد الشّریف الغروی و ما لتربته و الدّفن فیها من المزیّه و الشّرف.
روی عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام أنّه قال: الغری قطعه من الجبل الذی کلّم اللَّه موسى علیه تکلیما، و قدّس علیه تقدیسا و اتّخذ علیه إبراهیم خلیلا، و محمّدا صلّى اللَّه علیه و آله حبیبا و جعله للنّبیّین مسکنا.

و روی أنّ أمیر المؤمنین علیه السّلام نظر إلى ظهر الکوفه فقال: ما أحسن منظرک و أطیب قعرک، اللّهمّ اجعل قبری بها.
قال: و من خواصّ تربته اسقاط عذاب القبر و ترک محاسبه منکر و نکیر من المدفون هناک کما وردت به الأخبار الصّحیحه عن أهل البیت علیهم السّلام.
أقول: و نظیر ما رواه عن أمیر المؤمنین علیه السّلام ما رواه فی الکافی عن حبّه العرنی قال: خرجت مع أمیر المؤمنین علیه السّلام إلى الظهر فوقف بوادی السّلام کأنّه مخاطب‏ لأقوام، فقمت بقیامه حتّى أعییت، ثمّ جلست حتّى مللت، ثمّ قمت حتّى نالنی مثل ما نالنی أوّلا، ثمّ جلست حتّى مللت.

ثمّ قمت و جمعت ردائی فقلت یا أمیر المؤمنین إنّی قد أشفقت علیک من طول القیام فراحه ساعه، ثمّ طرحت الرّداء لیجلس علیه. فقال لی: یا حبه إن هو إلّا محادثه مؤمن أو مؤانسته قال: قلت: یا أمیر المؤمنین و إنّهم کذلک قال: نعم، و لو کشف لرأیتهم حلقا حلقا محتبین یتحادثون، فقلت: أجساد أم أرواح فقال لی: أرواح و ما من مؤمن یموت فی بقعه من بقاع الأرض إلّا قیل: ألحقی بوادی السّلام و إنّها لبقعه من جنّه عدن.

و المستفاد من هذه الرّوایه و کثیر من الأخبار المعتبره أنّها جنّه الدّنیا و أنّ أرواح المؤمنین فیها کما أنّ أرواح الکفّار فی بئر البرهوت.
فقد روی فی الکافی عن أحمد بن عمر رفعه عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال: قلت له: إنّ أخی ببغداد و أخاف أن یموت بها، فقال علیه السّلام: ما یبالی حیث ما مات أما أنّه لا یبقى فی شرق الأرض و غربها إلّا حشر اللَّه روحه إلى وادی السّلام، قال: قلت له: و أین وادی السّلام قال علیه السّلام: ظهر الکوفه أما أنّی کأنّی بهم حلق حلق قعود یتحدّثون.

و عن محمّد بن أحمد باسناد له قال قال أمیر المؤمنین علیه السّلام: شرّ بئر فی النّار البرهوت الّذی فیه أرواح الکفّار.
و عن السّکونی عن أبی عبد اللَّه علیه السّلام قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم: شرّ ماء على وجه الأرض ماء برهوت، و هو واد بحضر موت ترد علیه هام الکفّار.

و الأخبار فی هذا المعنى کثیره و لا حاجه إلى ذکرها نعم فی المقام خبر یستلذّ النّفس و یسرّ القلب به و هو ما رواه فی الأنوار عن القاضی بن بدر الهمدانی الکوفی و کان رجلا صالحا متعبّدا.

قال: کنت فی جامع الکوفه ذات لیله مطیره فدقّ باب مسلم جماعه ففتح لهم و ذکر بعضهم أنّ معهم جنازه فأدخلوها و جعلوها على الصّفه التی تجاه باب‏ مسلم بن عقیل، ثمّ إنّ أحدهم نعس فنام فرأى فی منامه قائلا یقول لآخر: ما تبصره حتّى نبصر هل لنا معه حساب أم لا، فکشف عن وجه المیّت و قال لصاحبه بل لنا معه حساب و ینبغی أن نأخذه معجّلا قبل أن یتعدّی الرّصافه فما یبقى لنا معه طریق.
فانتبه و حکى لهم المنام و قال: خذوه عجلا فأخذوه و مضوا به فی الحال إلى المشهد الشّریف صلوات اللَّه و سلامه على مشرّفها.
أقول: رزقنا اللَّه سبحانه و إخوانی المؤمنین مجاوره حضرت مولای و مولى العالمین علیه الصّلاه و السّلام حیّا و میّتا، و أنا أوصی خلیفتی و ولیّ أمری بعدی أن یدفننی فی ذلک المقام الشّریف.

و أقول له:

إذا متّ فادفنّی إلى جنب حیدر
أبی شبر أکرم به و شبیر

فلست أخاف النّار عند جواره‏
و لا أتّقى من منکر و نکیر

فعار على حامی الحمى و هو فی الحمی
إذا ضلّ فى البیدا عقال بعیر

ثم أقول:

ولایتی لأمیر النّحل تکفینی
عند الممات و تغسیلی و تکفینی‏

و طینتی عجنت من قبل تکوینی‏
بحبّ حیدر کیف النّار تکوینی‏

ثم اناجى ربى و أقول:

وفدت على الکریم بغیر زاد
من الحسنات و القلب السلیم‏

فحمل الزّاد أقبح کلّ شی‏ء
إذا کان الوفود على الکریم‏

الترجمه

و بعض دیگر از این خطبه شریفه در صفت خلقت انسانست که مى‏فرماید: آیا یاد آوری نمایم شما را باین انسانی که ایجاد فرمود او را صانع حکیم در ظلمتهاى رحمها و در غلافهاى پرده‏ها در حالتى که نطفه بود ریخته شده و علقه ناقص گشته و بچه پنهان در شکم زنان و طفل شیرخواره و از شیر بازگرفته و بسنّ احتلام رسیده.

پس از آن عطا فرمود او را قلب حفظ کننده، و زبان گوینده، و دیده نگرنده تا فهم کند در حالتى که عبرت گیرنده باشد و باز ایستد از معصیت در حالتى که نفس خود را زجر کننده شود، تا این که قایم شد حدّ اعتدال او، و راست شد پیکر و مثال او، رمید و نفرت نمود از حق در حالتى که گردن‏کش بود، و خبط کرد در حالتى که بى‏باک بود.

آب کشنده بود در دلو بزرگ هوس و هواى خود، رنج کشنده بود و سعى کننده از براى دنیاى خود در لذّتهاى شادیش و در حاجتهاى خطور کننده قلب خویش در حالتى که گمان نمى‏نمود مصیبتى که برسد باو، و نمى‏ترسید از محذورى که وارد شود باو پس مرد در ضلالت خود در حالتى که غافل بود از غضب مالک الملک، و زندگانى کرد در لغزیدن خود در زمان اندک.

کسب ننمود عوض نعمتها را در دنیا، و بجا نیاورد فرایض لازمه برخود را، هجوم آور شد بر او اندوههاى مرگ در بقایاى سوارى او بر هواى خود، و در راههاى سرور و شادى خود، پس متحیّر گشت و شب را بر بیدارى بروز آورد در شدّتهاى دردها و نازل شده‏هاى المها و بیماریها در میان برادر که شقّه‏ایست از جان و پدر مهربان و مادر و اویلا گوینده از روى جزع و خواهر بسینه زننده از روى اضطراب و فزع و حال آنکه آن مرد در سکرات موتست مشتمله بر تعب و شدت، و در غمرات مرگست متّصفه با نهایت مشقّت، و در نالهاى درد آورنده، و در کشش روح اندوه آورنده، و راندن رنجاننده.

پس پیچیده شد در کفنهاى خود در حالتى که مأیوس بود و حزین، و کشیده شد در حالتى که اطاعت کننده بود آسان و لیّن، پس انداخته شد در چوبهاى نعش مثل شتر مردّد در اسفار، و همچو شتر لاغر از کثرت بار، در حالتى که بردارند او را فرزندان یارى دهنده، و برادران جمع شونده بسوى قبر که سراى غربت اوست و جاى بریدن زیارت از اوست. «ج ۴»

تا آنکه چون رجوع کند تشییع کننده و بر مى‏گردد اندوه خورنده نشانده مى‏شود در قبر در حالتى که راز گوینده باشد از جهه بهت و حیرتى که حاصل مى‏شود او را از سؤال، و بجهه لغزش در امتحانى که او راست در عقاید و اعمال، و بزرگترین چیزى که آن جاست از حیثیت بلا پیشکش آب گرم و جوشانست، و در آوردن اوست در آتش سوزان، و جوششهاى آتش سرخ شده، و شدّتهاى صداى نار موقده.
نیست آنجا سستى که راحت کننده از عذاب باشد، و نه آرمیدنى که زایل کننده عقاب باشد، و نه مرگ حاضر که باعث استراحت او شود، و نه خواب اندک که سبب فراموشى زحمت او گردد، بلکه همیشه در میان أنواع مرگ‏ها باشد، و در میان عذابهاى ساعت بساعت، بدرستى که پناه مى‏بریم بخدا از این عذاب و عنا.

الفصل الثامن

عباد اللَّه، أین الّذین عمّروا فنعموا، و علّموا ففهموا، و أنظروا فلهوا، و سلّموا فنسوا، أمهلوا طویلا، و منحوا جمیلا، و حذّروا ألیما، و وعدوا جسیما، أحذروا الذّنوب المورطه، و العیوب المسخطه، أولی الأبصار و الأسماع، و العافیه و المتاع، هل من مناص أو خلاص، أو معاذ أو ملاذ، أو فرار أو محار، أم لا فأنّى تؤفکون، أم أین تصرفون، أم بماذا تغترّون، و إنّما حظّ أحدکم من الأرض، ذات الطّول و العرض، قید قدّه، منعفرا على خدّه، الان عباد اللَّه و الخناق مهمل، و الرّوح مرسل، فی فینه الإرشاد، و راحه الأجساد، و باحهالاحتشاد، و مهل البقیّه، و أنف المشیّه، و إنظار التّوبه، و انفساح الحوبه، قبل الضّنک و المضیق، و الرّوع و الزّهوق، و قبل قدوم الغائب المنتظر، و أخذه العزیز المقتدر. قال السّیّد (ره) و فی الخبر أنّه علیه السّلام لمّا خطب بهذه الخطبه اقشعرّت لها الجلود و بکت العیون و رجفت القلوب، و من النّاس من یسمّى هذه الخطبه الغرّاء.

اللغه

(احذروا) أمر من حذر بالکسر من باب علم و (الورطه) الهلکه و أرض مطمئنّه لا طریق فیها و أورطه ألقاه فیها و (المناص) الملجأ و (المحار) المرجع من حار یحور أی رجع قال تعالى: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ یَحُورَ و (أفک) من باب ضرب و علم أفکا بالفتح و الکسر و التّحریک کذب و افکه عنه یأفکه صرفه و قلبه أو قلب رأیه و (القید) کالقاد المقدار و (المعفر) محرّکه التّراب و عفره فی التّراب یعفره من باب ضرب و عفّره فانعفر و تعفّر مرّغه فیه أودسّه و (الخناق) ککتاب حبل یخنق به و یقال أخذ بخناقه أى بحلقه لأنّه موضع الخناق فالطلق علیه مجازا و (فینه) السّاعه و الحین یقال لقیته الفینه بعد الفینه و قد یحذف اللّام و یقال لقیته فینه بعد فینه.

و فی بعض النّسخ الارتیاد بدل (الارشاد) و هو الطّلب و (الباحه) السّاحه و الفضاء و (الاحتشاد) الاجتماع و (انف) الشی‏ء بضمّتین أوّله و (الانفساح) من الفسحه و هو السّعه و (الحوبه) الحاله و الحاجه و (و الضّنک) و الضّیق بمعنى واحد و (المضیق) ما ضاق من المکان و المراد هنا القبر و (الرّوع) الفزع و (زهق) نفسه من باب منع و سمع زهوقا خرجت و زهق الشی‏ء بطل و هلک.
و «اقشعرّ جلده» أخذته قشعریره أی رعده و «رجفت القلوب» اضطربت‏و «الخطبه الغرّاء» بالغین المعجمه أی المتّصفه بالغرّه قال فی القاموس: و الغرّه من المتاع خیاره و من القوم شریفهم و من الرّجل وجهه و کلّ ما بدا لک من ضوء أو صبح فقد بدت غرّته.

الاعراب

قوله عباد اللَّه منصوب على النّداء بحذف حرفه، و کذلک قوله علیه السّلام: اولى الأبصار، و قوله: هل من مناص استفهام على سبیل الانکار و الابطال، و أم فی قوله أم لا منقطعه بمعنى بل فهى مثل أم فی قوله: هَلْ یَسْتَوِی الْأَعْمى‏ وَ الْبَصِیرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِی الظُّلُماتُ وَ النُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَکاءَ» و الشّاهد فی الثّانیه فانّه سبحانه بعد إبطال استواء الأعمى و البصیر و الظلمات و النّور أضرب عن ذلک و أخبر عن حالهم بأنّهم جعلوا للَّه شرکاء، و کذلک الامام علیه السّلام بعد إنکار المناص و الخلاص و إبطاله أضرب عن ذلک و أخبر بأنّه لیس هناک مناص و لا خلاص.

و قوله: فأنّى تؤفکون، أنّى بمعنى کیف أو بمعنى أین و من مقدّره قبلها أى من أین تؤفکون، صرّح به نجم الأئمه الرّضى فی مبحث الظروف من شرح الکافیه، و ذا فی قوله أم بماذا تغترون إمّا زایده و هو الأظهر أو بمعنى الذی کما فی ما ذا لقیت، و منعفرا حال من الضّمیر فی قدّه.

و قوله: الآن من ظروف الزّمان مبنىّ على الفتح و اختلفوا فی علّه البناء و الأظهر ما قاله أبو علیّ من أنّه متضمّن لمعنى ال الحضوری لأنّ معناه الزّمن الحاضر، و اللّام فیه زایده لازمه و لیست للتّعریف کما توهّم السّیرافی و ابن عصفور إذ لا تعرف انّ التی للتّعریف تکون لازمه و هذه لازمه لأنّ الآن لم یسمع مجرّدا عنها، و کیف فهو مفعول فیه و العامل محذوف، و التّقدیر اعملوا و اغتنموا الفرصه الآن.

و جمله و الخناق مهمل، فی محلّ الانتصاب على الحال من عباد اللَّه و العامل النّداء المحذوف لکونه فی معنى الفعل، و اللام فی الخناق عوض عن المضاف إلیه أى خناقکم على حدّ و علّم آدم الأسماء، أی أسماء المسمّیات، و کذا فی الرّوح و قوله فی فینه الارشاد، متعلّق بقوله مرسل و فی للظرفیه المجازیّه، و قیل الضنک ظرف للفعل المحذوف الذی جعلناه العامل فی الآن.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل متضمّن للتذکیر بحال السّلف و للأمر بالکفّ عن المعاصی و للحثّ على التّدارک للذنوب قبل الموت بتحصیل التوبه و الانابه و هو قوله: (عباد اللَّه أین الذین عمّروا فنعموا) أى أعطاهم اللَّه العمر فصاروا ناعمین أى صاحبى سعه فی العیش و الغذاء (و علّموا ففهموا) أى علّمهم الأحکام ففهموا الحلال و الحرام (و أنظروا) فی مدّه الأجل (فلهوا) بطول الأمل (و سلّموا) فی العاجله (فنسوا) العاجله (أمهلوا) زمانا (طویلا) و أمدا بعیدا (و منحوا) عطاء (جمیلا) و عیشا رغیدا (و حذروا عذابا ألیما) و جحیما (و وعدوا) ثوابا (جسیما) و عظیما (احذروا الذنوب المورطه) أی المعاصی الموقعه فی ورطه الهلاکه و العقاب (و العیوب المسخطه) أی المساوی الموجبه لغضب ربّ الأرباب.

(أولی الأبصار و الأسماع و العافیه و المتاع) و إنّما خصّ هؤلاء بالنّداء و خصّصهم بالخطاب لأنهم القابلون للاتعاظ و الاذکار و اللائقون للانتهار و الانزجار بما أعطاهم اللَّه من الأبصار و البصایر منحهم من الأسماع و الضمائر و بذل لهم من الصّحّه و السّلامه فی الأجساد و منّ به علیهم من المتاع و الأموال و الأولاد الموجبه للاعراض عن العقبا و الرّغبه إلى الدّنیا و الباعثه على ترک سبیل الرّحمن و سلوک سبیل الشّیطان و الداعیه إلى ترک الطّاعات و الاقتحام فی الهلکات.

ثمّ استفهم على سبیل التکذیب و الانکار بقوله: (هل من مناص) من العذاب (أو خلاص) من العقاب (أو معاذ) من الوبال (أو ملاذ) من النکال (أو فرار) من الحمیم (أو محار) من الجحیم (أم لا و لیس فانّى تؤفکون) و تنقلبون (أم أین‏تصرفون) و تلفتون (أم بماذا تغترّون) و تفتنون (و انّما حظّ أحدکم من الأرض) الغبراء (ذات الطول و العرض) و الارجاء (قید قدّه) و قامته (منعفرا على خدّه) و وجنته.

اعملوا (الآن) و اغتنموا الفرصه فیهذا الزّمان یا (عباد اللَّه و الخناق مهمل و الرّوح مرسل) أی أعناق نفوسکم مهمله من الأخذ بخناق الموت و أرواحکم متروکه من الجذب بحبال الفناء و الفوت (فی فینه الارشاد) و الهدایه إلى الجنان (و راحه الاجساد) و استراحه الأبدان (و باحه الاحتشاد) أی ساحه اجتماع الأشباه و الاقران (و مهل البقیه و انف المشیّه) أی مهمله بقیّه الحیاه و أوّل أزمنه الارادات.

و أشار بذلک إلى أنّ اللّازم على الانسان أن یجعل أوّل زمان إرادته و میل خاطره إلى اکتساب الفضائل و اجتناب الرّذایل و یکون همّته یومئذ مصروفه فی اتیان الطاعات و اقتناء الحسنات لیکون ما یرد على لوح نفسه من الکمالات و اردا على لوح صاف من الکدورات سالم عن رین الشّبهات إذ لو انعکس الأمر و جعل أوائل میوله و إرادته منصرفه إلى اتیان المعاصی و الخطیئات تسوّد وجه نفسه بسوء الملکات فلم یکد یقبل بعد ذلک الاستضائه بنور الحقّ و الاهتداء إلى الخیرات.

(و انظار التّوبه و انفساح الحوبه) أراد به إمهال اللَّه لهم لأجل تحصیل التوبه و إعطائه لهم اتساع الحاله و وسعه المجال لاکتساب الحسنات الأعمال (قبل الضّنک و المضیق) أی قبل ضیق الزّمان و مضیق المکان (و الرّوع و الزّهوق) أى الفزع و خروج الرّوح من الأبدان (و قبل قدوم) الموت الذی هو (الغائب المنتظر و أخذه) الذی هو (العزیز) الغالب (المقتدر) فانّه إذا قدم الموت بطل التکلیف و استحال تدارک الذنوب و لا ینفع النّدامه.

و لذلک قال أبو جعفر علیه السّلام: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه علیه و آله و سلّم: الموت الموت ألا و لا بدّ من الموت، جاء الموت بما فیه جاء بالرّوح و الرّاحه و الکرّه المبارکه إلى جنّه عالیه لأهل دار الخلود الذین کان لها سعیهم و فیها رغبتهم، و جاء الموت بما فیه‏بالشّقوه و النّدامه و الکرّه الخاسره إلى نار حامیه لأهل دار الغرور الذین کان لها سعیهم و فیها رغبتهم.

ثمّ قال: و قال إذا استحقّت ولایه اللّه و السّعاده جاء الأجل بین العینین و ذهب الأمل وراء الظهر، و إذا استحقت ولایه الشّیطان جاء الأمل بین العینین و ذهب الأجل وراء الظهر.
قال علیه السّلام: و سئل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم أیّ المؤمنین أکیس فقال: أکثرهم ذکرا للموت و أشدّهم له استعدادا.
قال السّید (ره) و فی الخبر أنّه لمّا خطب بهذه الخطبه اقشعرّت لها الجلود و ارعدت و بکت العیون و اسکبت«» و رجفت القلوب و اضطربت و من النّاس من یسمّى هذه الخطبه الغرّاء.

أقول: و هى حقیقه بهذه التسمیه لکونها من خیار خطبه و شرایفها و وجوهها لما تضمّنه معناها من الحکمه و الموعظه الحسنه و هى کافیه فی الهدایه و الارشاد للطّالب الرّاغب إلى الثّواب و وافیه فی مقام التحذیر و الانذار للهارب الرّاهب من العقاب.
و لما اشتملت علیه الفاظها من انواع المحسّنات البیانیّه و البدیعیّه من الانسجاء و الترصیع و التنجیس و السّجع و المقابله و الموازنه و المجاز و الاستعاره و الکنایه و غیرها.

و ناهیک حسنا قوله علیه السّلام فی هذا الفصل: هل من مناص أو خلاص أو معاذ أو ملاذ أو فرار أو محار، و قوله فى الفصل الرّابع، فاتقوا اللّه تقیّه من سمع فخشع و اقترف فاعترف و وجل فعمل إلى آخر ما قاله.
فانّک إذا لا حظت کلّ لفظه منها وجدتها آخذه برقبه قرینتها، جاذبه لها إلیها دالّه علیها بذاتها و محسّنات کلامه غنیّه عن الاظهار غیر محتاجه إلى التّذکار إذ تکلّف الاستدلال على أنّ الشّمس مضیئه یتعب و صاحبه ینسب إلى‏السّفه و لیس جاحدا لأمور المعلومه بالضّروره بأشدّ سفها ممّن رام الاستدلال علیها

تکمله

اعلم أنّ بعض فصول هذه الخطبه مرویّ فی البحار من کتاب عیون الحکمه و المواعظ لعلیّ بن محمّد الواسطی باختلاف یسیر لما هنا، و هو من الفصل الخامس إلى آخرها و لا حاجه لنا إلى ایراده نعم روى کلام آخر له علیه السّلام فیه من الکتاب الذی اشرنا إلیه بعض فصول هذه الخطبه مدرّج فیه و أحببت ایراده لاقتضاء المقام ذلک.
قال (ره) و من کلام له علیه السّلام إنّکم مخلوقون اقتدارا، و مربوبون ایتسارا إلى آخر ما یأتی إنشاء اللّه فی تکمله الشّرح الخطبه المأتین و الرّابعه و العشرین

الترجمه

أى بندگان خدا کجایند آن کسانیکه معمّر شدند پس منعم شدند بناز و نعمت، و تعلیم شدند پس فهمیدند بذکاء و فطنت، و مهلت داده شدند پس غفلت ورزیدند از طاعات، و سالم گردانیده شدند پس فراموشى اختیار کردند بر تذکیرات حذر نمائید از ذنوبى که مى‏اندازد بورطه هلاکت، و از عیوبى که باعث مى‏شود بخشم حضرت عزّت.

اى صاحبان دیده‏هاى بینا و گوشهاى شنوا و خداوندان سلامتى و متاع دنیا آیا هیچ پناه‏گاهى هست از عذاب، یا خلاصی هست از عقاب، یا هیچ ملجائى هست از شدّت، یا ملاذی هست از عقوبت، یا هیچ گریزى هست از آتش جحیم، یا مرجعى هست از عذاب ألیم، یا این که چاره و علاج نیست و مفرّ و مناص نه پس چگونه گردانیده مى‏شوید از فرمان خدا، یا کجا صرف کرده مى‏شوید یا بچه چیز مغرور مى‏باشید و جز این نیست که نصیب هر یکى از شما از زمینی که صاحب طولست و عرض مقدار قامت اوست در حالتى که خاک آلوده باشد بر رخسار خود.

عمل بکنید و فرصت غنیمت شمارید الآن اى بندگان خدا و حال آنکه‏آن چیزى که بآن أخذ کرده مى‏شود گردنهاى نفوس شما که مرگست واگذاشته شده است، و روحهاى شما ترک کرده شده است در ساعت رشادت یعنی کسب کردن چیزهائى که باعث رشد است و در راحت بدنها و در مهلت بقیه حیاه و در اوّل ازمنه ارادات و در مهلت دادن بجهت تحصیل توبه و در وسعت و فراخی حالت پیش از زمان کوتاه و مکان تنک، و قبل از ترس و رفتن جان از بدن و پیش از آمدن غایب انتظار کشیده شده که عبارتست از موت، و پیش از اخذ نمودن خداى غالب صاحب قدرت او را در سلسله عقوبت.

قال الشارح عفى اللّه عنه: و لیکن هذا آخر ما أردنا ایراده فی هذا المجلّد و هو المجلّد الثّانى«» من مجلّدات منهاج البراعه فی شرح النّهج، و یتلوه إنشاء اللّه المجلّد الثّالث إن ساعدنا الوقت و المجال بتوفیق اللّه الملک المتعال، و هذه هی النسخه الأصل التی کتبتها بیمینی و أرجو من اللّه سبحانه أن یثبتها فی صحایف أعمالی و یرجّح بها میزان حسناتی و أن یؤتیها بیمینی کما أملیتها بیمینی إنّه على کلّ شی‏ء قدیر و بالاجابه جدیر، و کان الفراغ منه فی فجر العشرین من شهر ربیع الآخر ۱۳۰۳.

بسم اللّه الرحمن الرحیم و به نستعین الحمد للّه الذی هدانا لهذا و ما کنّا لنهتدى لو لا أن هدانا اللّه، و الصّلاه و السّلام على عبده و رسوله محمّد حبیب اللّه، و على آله الذین فضّلهم على العالمین و جعلهم أفضل عبدا اللّه و اختصّهم بالامامه و الولایه فصاروا أئمه الدّین و أولیاء اللّه، و أهل بیته الذین أذهب اللّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهیرا، و لعنه اللّه على أعدائهم الذین جعل مأواهم جهنّم لهم فیها زفیر و شهیق و سائت مقاما و مصیرا.

و بعد فهذا هو المجلّد الثالث من مجلّدات منهاج البراعه املاء راجی عفو ربّه الغنیّ «حبیب الله بن محمد بن هاشم الهاشمى العلوى الموسوى» أعطاه اللّه کتابه.

منهاج ‏البراعه فی ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(الخوئی)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

بازدید: ۸۲

حتما ببینید

نهج البلاغه کلمات خطبه ها شماره ۱۳۵ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه ۱۳۵ صبحی صالح ۱۳۵- و من کلام له ( علیه ‏السلام  ) و قد …

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

*

code