خانه / 160-180 خطبه شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی / نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۱۷۵ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۱۷۵ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه ۱۷۶ صبحی صالح

۱۷۶- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  ) و فیها یعظ و یبین فضل القرآن و ینهى عن البدعه

عظه الناس‏

انْتَفِعُوا بِبَیَانِ اللَّهِ وَ اتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللَّهِ وَ اقْبَلُوا نَصِیحَهَ اللَّهِ

فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَیْکُمْ بِالْجَلِیَّهِ وَ اتَّخَذَ عَلَیْکُمُ الْحُجَّهَ وَ بَیَّنَ لَکُمْ مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَ مَکَارِهَهُ مِنْهَا لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ وَ تَجْتَنِبُوا هَذِهِ

فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( صلى‏الله‏علیه‏وآله  )کَانَ یَقُولُ إِنَّ الْجَنَّهَ حُفَّتْ بِالْمَکَارِهِ وَ إِنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ

وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَهِ اللَّهِ شَیْ‏ءٌ إِلَّا یَأْتِی فِی کُرْهٍ وَ مَا مِنْ مَعْصِیَهِ اللَّهِ شَیْ‏ءٌ إِلَّا یَأْتِی فِی شَهْوَهٍ

فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ وَ قَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ

فَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَیْ‏ءٍ مَنْزِعاً وَ إِنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِیَهٍ فِی هَوًى

وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا یُصْبِحُ وَ لَا یُمْسِی إِلَّا وَ نَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ

فَلَا یَزَالُ زَارِیاً عَلَیْهَا وَ مُسْتَزِیداً لَهَا

فَکُونُوا کَالسَّابِقِینَ قَبْلَکُمْ وَ الْمَاضِینَ أَمَامَکُمْ

قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْیَا تَقْوِیضَ الرَّاحِلِ

وَ طَوَوْهَا طَیَّ الْمَنَازِلِ

فضل القرآن‏

وَ اعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِی لَا یَغُشُّ

وَ الْهَادِی الَّذِی لَا یُضِلُّ وَ الْمُحَدِّثُ الَّذِی لَا یَکْذِبُ

وَ مَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْهُ بِزِیَادَهٍ أَوْ نُقْصَانٍ زِیَادَهٍ فِی هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى

وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَیْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَهٍ وَ لَا لِأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنًى

فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِکُمْ وَ اسْتَعِینُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِکُمْ

فَإِنَّ فِیهِ شِفَاءً مِنْ أَکْبَرِ الدَّاءِ وَ هُوَ الْکُفْرُ وَ النِّفَاقُ وَ الْغَیُّ وَ الضَّلَالُ

فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ وَ تَوَجَّهُوا إِلَیْهِ بِحُبِّهِ وَ لَا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ

إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ

وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَ قَائِلٌ مُصَدَّقٌ

وَ أَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ یَوْمَ الْقِیَامَهِ شُفِّعَ فِیهِ

وَ مَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ یَوْمَ الْقِیَامَهِ صُدِّقَ عَلَیْهِ

فَإِنَّهُ یُنَادِی مُنَادٍ یَوْمَ الْقِیَامَهِ أَلَا إِنَّ کُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِی حَرْثِهِ وَ عَاقِبَهِ عَمَلِهِ غَیْرَ حَرَثَهِ الْقُرْآنِ فَکُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَ أَتْبَاعِهِ

وَ اسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّکُمْ وَ اسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِکُمْ

وَ اتَّهِمُوا عَلَیْهِ آرَاءَکُمْ وَ اسْتَغِشُّوا فِیهِ أَهْوَاءَکُمْ

الحث على العمل

الْعَمَلَ الْعَمَلَ ثُمَّ النِّهَایَهَ النِّهَایَهَ وَ الِاسْتِقَامَهَ الِاسْتِقَامَهَ ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ وَ الْوَرَعَ الْوَرَعَ

إِنَّ لَکُمْ نِهَایَهً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَایَتِکُمْ

وَ إِنَّ لَکُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِکُمْ

وَ إِنَّ لِلْإِسْلَامِ غَایَهً فَانْتَهُوا إِلَى‏ غَایَتِهِ

وَ اخْرُجُوا إِلَى اللَّهِ بِمَا افْتَرَضَ عَلَیْکُمْ مِنْ حَقِّهِ وَ بَیَّنَ لَکُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ

أَنَا شَاهِدٌ لَکُمْ وَ حَجِیجٌ یَوْمَ الْقِیَامَهِ عَنْکُمْ

نصائح للناس‏

أَلَا وَ إِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ قَدْ وَقَعَ وَ الْقَضَاءَ الْمَاضِیَ قَدْ تَوَرَّدَ

وَ إِنِّی مُتَکَلِّمٌ بِعِدَهِ اللَّهِ وَ حُجَّتِهِ

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِینَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ الْمَلائِکَهُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّهِ الَّتِی کُنْتُمْ تُوعَدُونَ‏

وَ قَدْ قُلْتُمْ رَبُّنَا اللَّهُ فَاسْتَقِیمُوا عَلَى کِتَابِهِ وَ عَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ وَ عَلَى الطَّرِیقَهِ الصَّالِحَهِ مِنْ عِبَادَتِهِ

ثُمَّ لَا تَمْرُقُوا مِنْهَا وَ لَا تَبْتَدِعُوا فِیهَا وَ لَا تُخَالِفُوا عَنْهَا

فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعٌ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ یَوْمَ الْقِیَامَهِ

ثُمَّ إِیَّاکُمْ وَ تَهْزِیعَ الْأَخْلَاقِ وَ تَصْرِیفَهَا

وَ اجْعَلُوا اللِّسَانَ وَاحِداً وَ لْیَخْزُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ فَإِنَّ هَذَا اللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ

وَ اللَّهِ مَا أَرَى عَبْداً یَتَّقِی تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى یَخْزُنَ لِسَانَهُ

وَ إِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ

وَ إِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ

لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ یَتَکَلَّمَ بِکَلَامٍ تَدَبَّرَهُ فِی نَفْسِهِ فَإِنْ کَانَ خَیْراً أَبْدَاهُ وَ إِنْ کَانَ شَرّاً وَارَاهُ

وَ إِنَّ الْمُنَافِقَ یَتَکَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لَا یَدْرِی مَا ذَا لَهُ وَ مَا ذَا عَلَیْهِ

وَ لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى‏الله‏علیه‏وآله  )لَا یَسْتَقِیمُ إِیمَانُ عَبْدٍ حَتَّى یَسْتَقِیمَ قَلْبُهُ

وَ لَا یَسْتَقِیمُ قَلْبُهُ حَتَّى‏ یَسْتَقِیمَ لِسَانُهُ

فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْکُمْ أَنْ یَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَ هُوَ نَقِیُّ الرَّاحَهِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِینَ وَ أَمْوَالِهِمْ سَلِیمُ اللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْیَفْعَلْ

تحریم البدع‏

وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ یَسْتَحِلُّ الْعَامَ مَا اسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ

وَ یُحَرِّمُ الْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ وَ أَنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لَا یُحِلُّ لَکُمْ شَیْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَیْکُمْ وَ لَکِنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَ الْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ

فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الْأُمُورَ وَ ضَرَّسْتُمُوهَا وَ وُعِظْتُمْ بِمَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ وَ ضُرِبَتِ الْأَمْثَالُ لَکُمْ

وَ دُعِیتُمْ إِلَى الْأَمْرِ الْوَاضِحِ فَلَا یَصَمُّ عَنْ ذَلِکَ إِلَّا أَصَمُّ وَ لَا یَعْمَى عَنْ ذَلِکَ إِلَّا أَعْمَى

وَ مَنْ لَمْ یَنْفَعْهُ اللَّهُ بِالْبَلَاءِ وَ التَّجَارِبِ لَمْ یَنْتَفِعْ بِشَیْ‏ءٍ مِنَ الْعِظَهِ وَ أَتَاهُ التَّقْصِیرُ مِنْ أَمَامِهِ حَتَّى یَعْرِفَ مَا أَنْکَرَ وَ یُنْکِرَ مَا عَرَفَ

وَ إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ مُتَّبِعٌ شِرْعَهً وَ مُبْتَدِعٌ بِدْعَهً لَیْسَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّهٍ وَ لَا ضِیَاءُ حُجَّهٍ

القرآن‏

وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ

فَإِنَّهُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِینُ وَ سَبَبُهُ الْأَمِینُ وَ فِیهِ رَبِیعُ الْقَلْبِ وَ یَنَابِیعُ الْعِلْمِ

وَ مَا لِلْقَلْبِ جِلَاءٌ غَیْرُهُ

مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَکِّرُونَ وَ بَقِیَ النَّاسُونَ أَوِ الْمُتَنَاسُونَ

فَإِذَا رَأَیْتُمْ خَیْراً فَأَعِینُوا عَلَیْهِ وَ إِذَا رَأَیْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُواعَنْهُ

فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( صلى‏الله‏علیه‏وآله  )کَانَ یَقُولُ یَا ابْنَ آدَمَ اعْمَلِ الْخَیْرَ وَ دَعِ الشَّرَّ فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ

انواع الظلم‏

أَلَا وَ إِنَّ الظُّلْمَ ثَلَاثَهٌ فَظُلْمٌ لَا یُغْفَرُ وَ ظُلْمٌ لَا یُتْرَکُ وَ ظُلْمٌ مَغْفُورٌ لَا یُطْلَبُ

فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِی لَا یُغْفَرُ فَالشِّرْکُ بِاللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لا یَغْفِرُ أَنْ یُشْرَکَ بِهِ‏

وَ أَمَّا الظُّلْمُ الَّذِی یُغْفَرُ فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ

وَ أَمَّا الظُّلْمُ الَّذِی لَا یُتْرَکُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً

الْقِصَاصُ هُنَاکَ شَدِیدٌ لَیْسَ هُوَ جَرْحاً بِاْلمُدَى وَ لَا ضَرْباً بِالسِّیَاطِ وَ لَکِنَّهُ مَا یُسْتَصْغَرُ ذَلِکَ مَعَهُ

فَإِیَّاکُمْ وَ التَّلَوُّنَ فِی دِینِ اللَّهِ فَإِنَّ جَمَاعَهً فِیمَا تَکْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ خَیْرٌ مِنْ فُرْقَهٍ فِیمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ

وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَهٍ خَیْراً مِمَّنْ مَضَى وَ لَا مِمَّنْ بَقِیَ

لزوم الطاعه

یَا أَیُّهَا النَّاسُ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَیْبُهُ عَنْ عُیُوبِ النَّاسِ

وَ طُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَیْتَهُ وَ أَکَلَ قُوتَهُ وَ اشْتَغَلَ بِطَاعَهِ رَبِّهِ

وَ بَکَى عَلَى خَطِیئَتِهِ فَکَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِی شُغُلٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِی رَاحَهٍ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج۱۰  

و من خطبه له علیه السّلام و هى المأه و الخامسه و السبعون من المختار فی باب الخطب

قال الشارح البحرانی: روى انّ هذه الخطبه من أوائل الخطب التی خطب بها أیّام بویع بعد قتل عثمان، و شرحها فی فصلین:
الفصل الاول
انتفعوا ببیان اللّه، و اتّعظوا بمواعظ اللّه، و اقبلوا نصیحه اللّه فإنّ اللّه قد أعذر إلیکم بالجلیّه، و اتّخذ علیکم بالحجّه، و بیّن لکم محابّه من الأعمال و مکارهه منها لتتّبعوا هذه و تجتنبوا هذه، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کان یقول: إنّ الجنّه حفّت بالمکاره و إنّ النّار حفّت بالشّهوات. و اعلموا أنّه ما من طاعه اللّه شی‏ء إلّا یأتی فی کره، و ما من معصیه اللّه شی‏ء إلّا یأتی فی شهوه، فرحم اللّه رجلا نزع عن شهوته، و قمع هوی نفسه، فإنّ هذه النّفس أبعد شی‏ء منزعا، و إنّها لا تزال تنزع إلى معصیه فی هوى. و اعلموا عباد اللّه أنّ المؤمن لا یصبح و لا یمسی إلّا و نفسه ظنون عنده، فلا یزال زاریا علیها و مستزیدا لها، فکونوا کالسّابقین قبلکم،و الماضین أمامکم، قوّضوا من الدّنیا تقویض الرّاحل، و طووها طیّ المنازل.

و اعلموا أنّ هذا القرآن هو النّاصح الّذی لا یغشّ، و الهادی الّذی لا یضلّ، و المحدّث الّذی لا یکذب، و ما جالس هذا القرآن أحد إلّا قام عنه بزیاده أو نقصان، زیاده فی هدى، و نقصان من عمى. و اعلموا أنّه لیس على أحد بعد القرآن من فاقه، و لا لأحد قبل القرآن من غنى، فاستشفوه من أدوائکم، و استعینوا به على لاوائکم، فإنّ فیه شفاء من أکبر الدّاء و هو الکفر و النّفاق و الغیّ و الضّلال، فاسئلوا اللّه به، و توجّهوا إلیه بحبّه، و لا تسئلوا به خلقه، إنّه ما توجّه العباد بمثله إلى اللّه. و اعلموا أنه شافع مشفّع، و قائل مصدّق، و أنّه من شفع له یوم القیمه شفّع فیه، و من محل به القرآن یوم القیمه صدّق علیه، فإنّه ینادی مناد یوم القیمه: ألا و إنّ کلّ حارث مبتلى فی حرثه و عاقبه عمله، غیر حرثه القرآن فکونوا من حرثته و أتباعه، و استدلّوه على ربّکم، و استنصحوه على أنفسکم، و اتّهموا علیه آرائکم، و استغشّوا فیه أهواءکم.

العمل العمل، ثمّ النّهایه النّهایه، و الاستقامه الاستقامه، ثمّ الصّبر الصّبر، و الورع الورع، إنّ لکم نهایه فانتهوا إلى نهایتکم، و إنّ لکم علما فاهتدوا بعلمکم، و إنّ للإسلام غایه فانتهوا إلى غایته، و اخرجوا إلى اللّه ممّا افترض علیکم من حقّه، و بیّن لکم من وظائفه، أنا شاهد لکم، و حجیج یوم القیمه عنکم، ألا و إنّ القدر السّابق قد وقع، و القضاء الماضی قد تورّد، و إنّی متکلّم بعده اللّه و حجّته، قال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِینَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ الْمَلائِکَهُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّهِ الَّتِی کُنْتُمْ تُوعَدُونَ، و قد قلتم: ربّنا اللّه، فاستقیموا على کتابه، و على منهاج أمره، و على الطّریقه الصّالحه من عبادته، ثمّ لا تمرقوا منها، و لا تبتدعوا فیها، و لا تخالفوا عنها، فإنّ أهل المروق منقطع بهم عند اللّه یوم القیامه.

اللغه

(نزع) عن المعاصی نزوعا انتهى عنها و نزع عن الشی‏ء نزوعا کفّ و قلع عنه و المنزع یحتمل المصدر و المکان و نزع الى أهله نزاعه و نزاعا اشتاق إلیه، و نازعتنی نفسى إلى کذا اشتاقت إلیه قال فی مجمع البحرین: فی الحدیث النّفس الأمّاره أبعد شی‏ء منزعا، أى رجوعا عن المعصیه اذ هى مجبوله على محبّه الباطل، و أمّا تفسیر الشارح المعتزلی منزعا بمذهبا فلا یخفى بعده.

و (الظنون) و زان صبور إمّا مبالغه من الظنّه بالکسر بمعنى التهمه یقال: ظننت فلانا أى اتّهمته فلا یحتاج حینئذ إلى الخبر أو بمعنى الضعیف و قلیل الحیله و جعل الشارح المعتزلی الظنون بمعنى البئر لا یدرى فیها ماء أم لا غیر مناسب للمقام و إن کان أحد معانیه.

و (قاض) البناء و قوضه أى هدمه أو التقویض نقض من غیر هدم أو هو نقض الأعواد و الأطناب و (غشّه) یغشّه کمدّ یمدّ غشّا خلاف نصحه و (اللّأواء) و زان صحراء الشدّه و ضیق المعیشه و فی مجمع البحرین فی الحدیث و من (محل به) القرآن یوم القیامه صدق أى سعى به یقال محل بفلان اذا قال علیه قولا یوقعه فی مکروه و (تورد) الخیل البلد دخله قلیلا قلیلا.

الاعراب

جمله قوّضوا استیناف بیانی لا محلّ لها من الاعراب، و أو فی قوله بزیاده أو نقصان بمعنى الواو کما فی قوله: لنفسی تقاها أو علیها فجورها.
و یؤیّده قوله زیاده فی هدى، و نقصان بالواو، أو أنّ التردید لمنع الخلوّ و الفاء فی قوله: فاستشفوه فصیحه، و فی قوله: فانّ فیه شفاء للتعلیل و قوله: العمل العمل و ما یتلوه من المنصوبات المکرّره انتصابها جمیعا على الاغراء أو عامل النصب محذوف أى ألزموا العمل فحذف العامل و ناب أوّل اللّفظین المکرّرین منابه.

المعنى

اعلم أنّ مدار هذا الفصل من الخطبه الشریفه على الموعظه و النصیحه و ترغیب المخاطبین فی الطّاعات و تحذیرهم عن السّیئات و التنبیه على جمله من فضایل کتاب الکریم و خصایص الذکر الحکیم، و صدّر الفعل بالأمر بالانتفاع بأفضل البیانات و الاتّعاظ بأحسن المواعظ و القبول لأکمل النصایح فقال: «ج ۱۲»(انتفعوا ببیان اللّه) أى بما بیّنه فی کتابه و على لسان نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فانّه لقول فصل و ما هو بالهزل، و فیه تذکره و ذکری لاولى الألباب و هدى و بشرى بحسن الماب فمنفعته أتمّ المنافع، و فایدته أعظم الفواید.

(و اتّعظوا بمواعظ اللّه) لتفوزوا جنّه النعیم و الفوز العظیم، و تنجوا من نار الجحیم و العذاب الألیم (و اقبلوا نصیحه اللّه) فانّها مؤدّیه إلى درجات الجنات منجیه من درکات الهلکات، و الاتیان بلفظ الجلاله و التصریح باسمه سبحانه فی جمیع الجملات مع اقتضاء ظاهر المقام للاتیان بالضمیر لایهام الاستلذاذ و لإدخال الرّوع فی ضمیر المخاطبین و تربیه المهابه و تقویه داعى المأمورین لامتثال المأمور به، و قول الشارح البحرانی بأنّ ذلک أى تعدیه الاسم صریحا للتعظیم فلیس بشی‏ء.

و لما أمر بالاتّعاظ و الانتصاح علله (فانّ اللّه قد أعذر إلیکم بالجلیّه) یعنی أنّه سبحانه قد أبدى العذر الیکم فی عقاب العاصین منکم بالاعذار الجلیّه و البراهین الواضحه من الایات الکریمه لأنّه لا یکلّف نفسا إلّا ما اتیها لیهلک من هلک عن بیّنه و یحیى من حىّ عن بیّنه.
(و اتّخذ علیکم الحجّه) بارسال الرّسول و إنزال الکتاب یعنی أنّه أتمّ الحجّه على المکلّفین بما اتاهم و عرّفهم حتى لا یکون لهم عذر فی ترک التکالیف و لا یکون للنّاس علیه حجّه بعد الرّسل قال عزّ من قائل: وَ ما کُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (و بیّن لکم محابّه من الأعمال و مکارهه منها) أى بیّن فی کتاب العزیز الفرائض و الواجبات من الحجّ و الجهاد و الصوم و الصّلاه و غیرها من الأعمال الصّالحات المطلوبه له و المحبوبه عنده، و المحظورات من الکذب و الغیبه و النمیمه و السعایه و غیرها من الأفعال القبیحه المبغوضه له المکروهه لدیه.

و انّما بیّنها (لتتّبعوا هذه) أى محابّ الأعمال (و تجتنبوا هذه) أى مکارهها (فانّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله) تعلیل لوجوب اتّباع المحابّ و وجوب اجتناب المکاره (کان یقول: إنّ الجنّه حفّت بالمکاره و إن النّار حفّت بالشهوات) یعنی أنّ الجنّه محفوفه بالصبر على مشاقّ الطاعات و الکفّ عن لذائذ السیّئات و کلاهما مکروه للنّفس،فمن صبر على ذلک المکروه یکون مصیره إلى الجنّه و کذلک النار محفوفه باطلاق عنان النفس و ارتکاب ما تشتهیها و تتمناها من الشهوات و المحرّمات، فمن أقدم علیها و أتى بها یکون عاقبته إلى النار و کفى بالجنّه ثوابا و نوالا فی تسهیل تحمّل تلک المکاره، و کفى بالنار عقابا و وبالا فی التنفیر عن هذه الشهوات.

ثمّ بعد تسهیل المکاره التی یشتمل علیها الطاعات یکون غایتها أشرف الغایات و تحقیر الشهوات الّتی یرید التنفیر عنها یکون غایتها أخسّ الغایات نبّه على أنّه لا تأتى طاعته إلّا فی کره و لا معصیته إلّا فی شهوه، و هو قوله (و اعلموا أنه ما من طاعه اللّه شی‏ء إلّا یأتی فی کره و ما من معصیه اللّه شی‏ء إلّا یأتی فی شهوه) لأنّ النّفس للقوّه الشهویّه أطوع من القوّه العاقله خصوصا فیما هو أقرب إلیها من اللّذات المحسوسه الّتی یلحقها العقاب علیها.
(فرحم اللّه رجلا نزع) و کفّ (عن شهوته و قمع) أى قلع (هوى نفسه فان هذه النفس) الأمّاره بالسوء (أبعد شی‏ء منزعا) أى کفا و انتهاء عن شهوه و معصیه (و أنها لا تزال تنزع) أى تشتاق و تمیل (إلى معصیه فی هوى) نبّه على وصف المؤمنین و کیفیّه معاملتهم مع نفوسهم جذبا للسامعین إلى التأسّی بهم و تحریصا لهم على اقتفاء آثارهم و هو قوله: (و اعلموا عباد اللّه أنّ المؤمن لا یصبح و لا یمسى إلّا و نفسه ظنون) أى متّهمه (عنده) أى أنها ضعیفه قلیله الحیله لا تقدر على أن تحتال و تعالج فی أن تغره و تورده موارد الهلکه بل هو غالب علیها فی کلّ حال (فلا یزال زاریا) أى عایبا (علیها) فی کلّ حین (و مستزیدا لها) أى مراقبا لأحوالها طالبا للزیاده لها من الأعمال الصالحه فی جمیع الأوقات.

(فکونوا کالسابقین قبلکم) إلى الجنّه (و الماضین أمامکم) من المؤمنین الزاهدین فی الدّنیا و الرّاغبین فی الاخره (قوّضوا من الدّنیا تقویض الرّاحل) یعنی أنهم قطعوا علایق الدّنیا و ارتحلوا إلى الاخره کما أنّ الرّاحل إذا أراد الارتحال یقوّض متاعه و ینقض خیمته و یهدم بناءه (و طووها طىّ المنازل) أى طووا أیام‏الدّنیا و مدّه عمرهم کما یطوى المسافر منازل طریقه.

و محصّل الجملتین أنّ السابقین الأوّلین من المقرّبین و أصحاب الیمین لما عرفوا بعین بصائرهم أنّ الدّنیا لیست لهم بدار و أن الاخره دار قرار لا جرم کانت همّتهم مقصوره فی الوصول إلیها، فجعلوا أنفسهم فی الدّنیا بمنزله المسافر، و جعلوها عندهم بمنزله المنازل فاخذوا من ممرّهم ما یبلغهم إلى مقرّهم فلما ارتحلوا عنها لم یبق لهم علاقه فیها کما أنّ المسافر إذا ارتحل من منزل لا یبقى له شی‏ء فیه فأمر المخاطبین بأن یکونوا مثل هؤلاء فی الزّهد فی الدّنیا و ترک العلایق و الامنیّات و الرغبه فی العقبی و الجنّات العالیات و هی أحسن منزلا و مقیلا.

ثمّ شرع فی ذکر فضل القرآن و بیان ممادحه ترغیبا فی الاهتداء به و الاقتباس من ضیاء أنواره فقال علیه السّلام (و اعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح) المشفق (الّذی لا یغشّ) فی إرشاده إلى وجوه المصالح کما أنّ الناصح الصدیق شأنه ذلک (و الهادى الّذی لا یضلّ) من اهتدى به.

روى فی الکافی عن طلحه بن زید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: إنّ هذا القرآن فیه منار الهدى و مصابیح الدّجى، فلیجل جال بصره و یفتح للضیاء نظره، فانّ التفکّر حیاه قلب البصیر کما یمشی المستنیر فی الظّلمات بالنور.
(و المحدّث الّذی لا یکذب) فی قصصه و أحادیثه و أخباره قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فیما روى فی الکافی عن سماعه بن مهران عنه علیه السّلام انّ العزیز الجبّار أنزل علیکم کتابه و هو الصّادق البارّ فیه خبرکم و خبر من قبلکم و خبر من بعدکم و خبر السماء و الأرض و لو أتاکم من یخبرکم لذلک تعجّبتم.

(و ما جالس هذا القرآن أحد) استعار لفظ المجالسه لمصاحبته و ملازمته و قراءته و التدبّر فی ألفاظه و معانیه (إلّا قام عنه) استعار لفظ القیام لترک قراءته و الفراغ عنها و لا یخفى ما فی مقابله الجلوس بالقیام من اللّطف و الحسن فانّ المقابله بین الفعلین فی معنییهما الحقیقین و المجازین کلیهما على حدّ قوله تعالى: أَ وَ مَنْ کانَ مَیْتاً فَأَحْیَیْناهُ‏أى ضالا فهدیناه، فانّ الموت و الأحیاء متقابلان کتقابل الضلاله و الهدایه و ما ذکرناه أظهر و أولى مما قاله الشارح البحرانی من أنه کنّى بمجالسه القرآن عن مجالسه حملته و قرائه لاستماعه منهم و تدبّره عنهم، لاحتیاجه إلى الحذف و التکلّف الّذی لا حاجه إلیه.

و کیف کان فالمراد أنّ من قام عن القرآن بعد قضاء وطره منه فانما یقوم (بزیاده أو نقصان زیاده فی هدى و نقصان من عمى) اذ فیه من الایات البیّنات و البراهین الباهرات ما یزید فی بصیره المستبصر، و ینقص من جهاله الجاهل.
(و اعلموا أنه لیس لأحد بعد القرآن من) فقر و (فاقه و لا لأحد قبل القرآن من غنى) و ثروه الظاهر أنّ المراد به أنّ من قرء القرآن و عرف ما فیه و تدبّر فی معانیه و عمل بأحکامه یتمّ له الحکمه النظریّه و العملیّه و لا یبقى له بعده إلى شی‏ء حاجه و لا فقر و لا فاقه و من لم یکن کذلک فهو أحوج المحتاجین.

روى فی الکافی عن معاویه بن عمار قال: قال لی أبو عبد اللّه علیه السّلام من قرء القرآن فهو عنیّ و لا فقر بعده و إلّا ما به غنی.
قال الشاحر البحرانی فی شرح ذلک: نبّههم على أنّه لیس بعده على أحد فقر أى لیس بعد نزوله للنّاس و بیانه الواضح حاجه بالنّاس إلى بیان حکم فی إصلاح معاشهم و معادهم، و لا لأحد قبله من غنی أى قبل نزوله لا غنی عنه للنّفوس الجاهله انتهى، و الأظهر ما قلناه.
(فاستشفوه من أدوائکم) أى من أمراضکم الظاهره و الباطنه و الرّوحانیه و الجسمانیّه، فانّ فیه شفاء من کلّ ذلک قال سبحانه: وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَهٌ.

و روى فی الکافی عن السّکونی عن أبی عبد اللّه عن آبائه علیهم السّلام قال: شکى رجل إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم وجعا فی صدره فقال: استشف بالقرآن فانّ اللّه عزّ و جلّ یقول: وَ شِفاءٌ لِما فِی الصُّدُورِ.
(و استعینوا به من لأوائکم) أى من شدائد الدّهر و محن الزمان و طوارق‏البلایا و الحدثان.
روى فی الکافی عن أحمد المنقری قال: سمعت أبا إبراهیم علیه السّلام یقول من استکفى بایه من القرآن من المشرق إلى المغرب کفى إذا کان بیقین.
و فیه عن الأصبغ بن نباته عن أمیر المؤمنین علیه السّلام أنّه قال: و الّذی بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله بالحقّ و أکرم أهل بیته ما من شی‏ء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابّه من صاحبها أو ضالّه أو آبق إلّا و هو فی القرآن فمن أراد ذلک فلیسألنی عنه الحدیث.

و أنت إذا لاحظت الروایات الوارده فی خواصّ السّور و الایات تجد أنها کنز لا یفنى و بحر لا ینفد، و أنّ فیها ما به نجاه من کلّ همّ و نجاه من کلّ غمّ و عوذه من کلّ لمم و سلامه من کل ألم و خلاص من کلّ شدّه و مناص من کلّ داهیه و مصیبه و فرج من ضیق المعیشه و مخرج إلى سعه العیشه إلى غیر هذه مما هو خارج عن حدّ الاحصاء و متجاوز عن طور الاستقصاء، فلا شی‏ء أفضل منه للاستشفاء من الأسقام و الأدواء و لا للاستعانه من الشدائد و اللأواء.

(و انّ فیه شفاء من أکبر الدّاء و هو الکفر و النّفاق و الغىّ و الضلال) قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فی الحدیث المرویّ فی الکافی مرفوعا لا و اللّه لا یرجع الأمر و الخلافه إلى آل أبى بکر و عمر و لا إلى بنی امیّه أبدا و لا فی ولد طلحه و الزبیر أبدا و ذلک إنهم نبذوا القرآن و أبطلوا السّنن و عطّلوا الأحکام.

و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم القرآن هدى من الضلاله و تبیان من العمى و استقاله من العثره و نور من الظلمه و ضیاء من الأحداث و عصمه من الهلکه و رشد من الغوایه و بیان من الفتن و بلاغ من الدّنیا إلى الاخره، و فیه کمال دینکم و ما عدل أحد عن القرآن إلّا إلى النار.

(فاسألوا اللّه به و توجّهوا إلیه بحبّه) یحتمل أن یکون المراد به جعله وسیله إلیه سبحانه فی نیل المسائل لکونه أقوى الوسائل، و أن یتوجّه إلیه بحبّه أى بحبّ السائل المتوجّه له أو بکونه محبوبا للّه تعالى فی انجاح السؤلات و قضاء الحاجات، و أن یکون المراد به اعداد النفوس و إکمالها بما اشتمل علیه الکتاب العزیز من الکمالات النفسانیّه ثمّ یطلب الحاجات و یستنزل الخیرات بعد حصول الکمال لها، و على هذا فالمقصود من التوجّه إلیه بحبّه تأکید الاستکمال اذ من أحبّه استکمل بما فیه فحسن توجّهه إلیه تعالى و الأظهر هو الاحتمال الأوّل بقرینه قوله (و لا تسألوا به خلقه) لظهوره فی أنّ المراد به هو النهى عن جعله وسیله للمسأله إلى الخلق.

قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فی روایه الکافی عن یعقوب الأحمر عنه علیه السّلام: إنّ من الناس من یقرأ القرآن لیقال فلان قارئ، و منهم من یقرأ القرآن لیطلب به الدّنیا و لا خیر فی ذلک، و منهم من یقرأ القرآن لینتفع به فی صلاته و لیله و نهاره.

و فیه أیضا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قرّاء القرآن ثلاثه: رجل قرء القرآن فاتّخذه بضاعه و استدرّ به الملوک و استطال به على النّاس، و رجل قرء القرآن فحفظ حروفه و ضیّع حدوده و أقامه إقامه القدح فلا کثر اللّه هؤلاء من حمله القرآن. و رجل قرء القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به لیله و أظمأ به نهاره و قام به فی مساجده و تجافی به عن فراشه فباولئک یدفع اللّه العزیز الجبّار البلاء، و بأولئک یدیل اللّه عزّ و جلّ من الأعداء، و بأولئک ینزل اللّه تبارک و تعالى الغیث من السماء فو اللّه لهؤلاء فی قرّاء القرآن أعزّ من الکبریت الأحمر.

و علّل الأمر بسؤال اللّه به بأنه (ما توجّه العباد إلى اللّه بمثله) لأنّ له کرامه عند اللّه سبحانه و مقاما یغبطه به الأوّلون و الاخرون حسبما تعرفه فی الأخبار الاتیه فهو أفضل الوسائل للسائل فی انجاح المقاصد و المسائل الدنیویّه و الأخرویّه، فالمتوجّه به إلیه سبحانه لا یردّ دعاؤه و لا یخیب رجاؤه.

(و اعلموا أنّه شافع مشفّع و قائل مصدّق) یعنی أنه یشفع لقرّائه و العاملین به الحاملین له یوم القیامه فیقبل شفاعته فی حقّهم، و یقول و یشهد فی حقّ هؤلاء بخیر و فی حقّ التارکین له و النابذین به وراء ظهورهم بشرّ فیصدق فیهما کما أشار إلیه بقوله:(و أنه من شفع له القرآن یوم القیامه شفع فیه) أى قبلت شفاعته (و من محل به القرآن) أى سعى به إلى اللّه تعالى و قال فی حقّه قولا یضرّه و یوقعه فی المکروه (یوم القیامه صدّق علیه).

قال الشارح البحرانی استعار علیه السّلام لفظى الشافع و المشفع و وجه الاستعاره کون تدبّره و العمل بما فیه ماحیا لما یعرض للنفس من الهیات الردیّه من المعاصی، و ذلک مستلزم لمحو غضب اللّه کما یمحو الشفیع المشفّع أثر الذنب عن قلب المشفوع إلیه و کذلک لفظ القائل المصدّق و وجه الاستعاره کونه ذا ألفاظ إذا نطق بها لا یمکن تکذیبها کالقائل الصادق، ثمّ أعاد معنى کونه شافعا مشفّعا یوم القیامه ثمّ استعار لفظ المحل للقرآن و وجه الاستعاره أنّ لسان حال القرآن شاهد فی علم اللّه و حضره ربوبیّته على من أعرض عنه بعدم اتباعه و مخالفته لما اشتمل علیه فبالواجب أن یصدّق فأشبه السّاعی إلى السّلطان فی حقّ غیره بما یضرّه انتهى.

أقول: و الانصاف أنّ حمل الکلام على المجاز مع التمکّن من إراده الحقیقه لا معنى له کما قلناه فی شرح الفصل السادس من الخطبه الثانیه و الثمانین، و الحمل على الحقیقه هنا ممکن بل متعیّن لدلاله غیر واحد من الرّوایات على أنّه یأتی یوم القیامه بصورت إنسان فی أحسن صوره و یشفع فی حقّ قرّائه العاملین به، و یسعى فی حقّ المعرضین عنه، و على هذا فلا وجه لحمل لفظ الشفاعه و القول و المحل على معناها المجازی و لا بأس بالاشاره إلى بعض ما یدلّ على ذلک فأقول: روى ثقه الاسلام الکلینی فی الکافی عن علیّ بن محمّد عن علیّ بن العباس عن الحسین بن عبد الرّحمان عن صفوان الحریرى عن أبیه عن سعد الخفاف عن أبی جعفر علیه السّلام قال: یا سعد تعلّموا القرآن فانّ القرآن یأتی یوم القیامه فی أحسن صوره نظر إلیها الخلق و النّاس صفوف عشرون و مأئه ألف صفّ ثمانون ألف صفّ من امّه محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أربعون ألف صفّ من سایر الامم فیأتی على صفّ المسلمین فی صوره رجل فیسلم فینظرون إلیه ثمّ یقولون لا إله إلّا اللّه الحلیم الکریم إنّ هذا الرّجل من المسلمین نعرفه بنعته و صفته غیر أنه کان أشدّ اجتهادا منّا فی القرآن فمن هناک اعطى من‏البهاء و الجمال و النور ما لم نعطه.

ثمّ یجوز حتّى یأتی على صفّ الشهداء فینظر إلیه الشهداء ثم یقولون: لا إله إلّا اللّه الرّبّ الرحیم إنّ هذا الرّجل من الشهداء نعرفه بسمته و صفته غیر أنه من شهداء البحر فمن هناک اعطى من البهاء و الفضل ما لم نعطه.
قال فیجاوز حتّى یأتی صفّ شهداء البحر فینظر إلیه شهداء البحر فیکثر تعجّبهم و یقولون: إنّ هذا من شهداء البحر نعرفه بسمته و صفته غیر أنّ الجزیره التی أصیب فیها کانت أعظم هولا من الجزیره التی أصبنا فیها فمن هناک أعطى من البهاء و الجمال و النور ما لم نعطه.

ثمّ یجاوز حتّى یأتی صفّ النبیّین و المرسلین فی صوره نبیّ مرسل فینظر النّبیّون و المرسلون إلیه فیشتدّ لذلک تعجّبهم و یقولون: لا إله إلّا اللّه الحلیم الکریم إنّ هذا النبیّ «لنبیّ خ» مرسل نعرفه بصفته و سمته غیر أنه أعطى فضلا کثیرا قال: فیجتمعون فیأتون رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیسألونه و یقولون: یا محمّد من هذا فیقول صلّى اللّه علیه و آله لهم: أو ما تعرفونه فیقولون ما نعرفه هذا من لم یغضب اللّه عزّ و جلّ علیه، فیقول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: هذا حجّه اللّه على خلقه فیسلم.

ثمّ یجاوز حتّى یأتی على صفّ الملائکه فی صوره ملک مقرّب فینظر إلیه الملائکه فیشتدّ تعجّبهم و یکبر ذلک علیهم لما رأوا من فضله و یقولون: تعالى ربّنا و تقدّس إنّ هذا العبد من الملائکه نعرفه بسمته و صفته غیر أنه کان أقرب الملائکه إلى اللّه عز و جلّ مقاما فمن هناک البس من النّور و الجمال ما لم نلبس.

ثمّ یجاوز حتّى ینتهى إلى ربّ العزّه تبارک و تعالى فیخرّ تحت العرش فینادیه تبارک و تعالى یا حجّتی فی الأرض و کلامی الصّادق و الناطق ارفع رأسک سل تعط و اشفع تشفّع، فیرفع رأسه فیقول اللّه تبارک و تعالى: کیف رأیت عبادی فیقول: یا ربّ منهم من صاننی و حافظ علىّ و لم یضیّع شیئا، و منهم من ضیّعنی و استخفّ بحقّی و کذّب بی و أنا حجّتک على جمیع خلقک، فیقول اللّه تبارک و تعالى: و عزّتی و جلالی و ارتفاع مکانی لاثیبنّ علیک الیوم أحسن الثواب، و لاعاقبنّ علیک الیوم‏ألیم العقاب.

قال: فیرفع القرآن رأسه فی صوره اخرى قال: فقلت له علیه السّلام یا أبا جعفر فی أىّ صوره یرجع قال: فی صوره رجل شاحب متغیّر یبصره «ینکره خ» أهل الجمع فیأتی الرّجل من شیعتنا الذی کان یعرفه و یجادل به أهل الخلاف فیقوم بین یدیه فیقول ما تعرفنى فینظر إلیه الرجل فیقول: ما أعرفک یا عبد اللّه.

قال: فیرجع فی صورته الّتی کانت فی الخلق الأوّل فیقول: ما تعرفنی فیقول نعم، فیقول القرآن: أنا الّذی أسهرت لیلک و أنصبت عینک و سمعت فیّ الأذى و رجمت بالقول فیّ ألا و إنّ کلّ تاجر قد استوفی تجارته و أنا وراءک الیوم، قال فینطلق به إلى ربّ العزّه تبارک و تعالى فیقول: یا ربّ عبدک و أنت أعلم به قد کان نصبا بی مواظبا علىّ یعادی بسببی و یحبّ فیّ و یبغض، فیقول اللّه عزّ و جلّ ادخلوا عبدی جنّتی و اکسوه حلّه من حلل الجنّه، و توّجوه بتاج.
فاذا فعل به ذلک عرض على القرآن فیقال له: هل رضیت بما فعل بولیّک فیقول: یا ربّ أستقلّ هذا له فزده مزید الخیر کلّه، فیقول عزّ و جلّ: و عزّتی و جلالی و علوّى و ارتفاع مکانی لأنحلنّ له الیوم خمسه أشیاء مع المزید له و لمن کان بمنزلته: ألا إنهم شباب لا یهرمون، و أصحّاء لا یسقمون، و أغنیاء لا یفتقرون، و فرحون لا یحزنون، و أحیاء لا یموتون، ثمّ تلى علیه السّلام هذه الایه: لا یَذُوقُونَ فِیهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَهَ الْأُولى‏.

قال قلت یا با جعفر و هل یتکلّم القرآن فتبسّم علیه السّلام ثمّ قال: رحم اللّه الضعفاء من شیعتنا إنّهم أهل تسلیم، ثمّ قال: نعم یا أبا سعد و الصّلاه تتکلّم و لها صوره و خلق تأمر و تنهى، قال سعد: فتغیّر لذلک لونی و قلت: هذا شی‏ء لا أستطیع التکلّم به فی النّاس، فقال أبو جعفر علیه السّلام: و هل النّاس إلّا شیعتنا فمن لم یعرف الصّلاه فقد أنکر حقنا.
ثمّ قال: یا سعد اسمعک کلام القرآن قال سعد: فقلت: بلى فقال علیه السّلام إِنَّ الصَّلاهَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْکَرِ وَ لَذِکْرُ اللَّهِ أَکْبَرُ، فالنّهى کلام و الفحشاء و المنکررجال و نحن ذکر اللّه و نحن أکبر.

و فیه بسنده عن یونس بن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام إنّ الدّواوین یوم القیامه ثلاثه: دیوان فیه النعم، و دیوان فیه الحسنات، و دیوان فیه السیئات، فیقابل بین دیوان النعم و دیوان الحسنات، فیستغرق النعم عامّه الحسنات، و یبقى دیوان السیئات فیدعى بابن آدم المؤمن للحسنات «للحساب خ» فیتقدّم القرآن أمامه فی أحسن صوره فیقول: یا ربّ أنا القرآن و هذا عبدک المؤمن قد کان یتعب نفسه بتلاوتی و یطیل لیله بترتیلی و تفیض عیناه إذا تهجّد، فارضه کما أرضانی قال: فیقول العزیز الجبّار: عبدى ابسط یمینک، فیملوها من رضوان اللّه العزیز الجبّار، و یملأ شماله من رحمه اللّه، ثمّ یقال: هذه الجنّه مباحه لک فاقرء و اصعد فاذا قرء آیه صعد درجه.

و فیه مسندا عن إسحاق بن غالب قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام: إذا جمع اللّه عزّ و جلّ الأوّلین و الاخرین إذا هم بشخص قد أقبل لم یر قط أحسن صوره منه، فاذا نظر إلیه المؤمنون و هو القرآن قالوا هذا منّا هذا أحسن شی‏ء رأینا، فاذا انتهى إلیهم جازهم، ثمّ ینظر إلیه الشهداء حتّى إذا انتهى إلى آخرهم جازهم فیقولون هذا القرآن فیجوزهم کلّهم حتّى إذا انتهى إلى المرسلین فیقولون هذا القرآن فیجوزهم حتّى ینتهى إلى الملائکه فیقولون هذا القرآن فیجوزهم ثمّ ینتهى حتّى یقف عن یمین العرش، فیقول الجبّار و عزّتی و جلالی و ارتفاع مکانی لاکرمنّ الیوم من أکرمک و لاهیننّ من أهانک.

و فیه عن الفضیل بن یسار باسناده عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: تعلّموا القرآن فانّه یأتی یوم القیامه صاحبه فی صوره شاب جمیل شاحب اللّون فیقول له: أنا القرآن الّذی کنت أسهرت لیلک و أظمأت هواجرک و أجففت ریقک و أسلت دمعتک أؤل معک حیث ما الت، و کلّ تاجر من وراء تجارته و أنا الیوم لک من وراء تجاره کلّ تاجر، و سیأتیک کرامه من اللّه عزّ و جلّ فابشر.

فیؤتى بتاج فیوضع على رأسه و یعطى الأمان بیمینه و الخلد فی الجنان بیساره‏و یکسى حلّتین ثمّ یقال له: اقرء و ارق، کلّما قرء آیه صعد درجه و یکسى أبواه حلّتین إن کانا مؤمنین ثمّ یقال لهما: هذا لما علّمتماه القرآن.
إلى غیره مما لا نطیل بروایتها فقد ظهر منهم أنّه یجی‏ء یوم القیامه فی صوره انسان و له لسان یشهد للناس و علیهم و یقبل شهادته نفعا و ضرّا و شفاعته فی حقّ المراقبین له و ینتفع به الاخذون له و العاملون به.

(فانه ینادى مناد یوم القیامه) الظاهر أنّ المنادى من الملائکه من عند ربّ العزّه، و قول الشارحین انه لسان حال الأعمال تأویل لا داعى إلیه (ألا) و (إنّ کلّ حارث) أصل الحرث إثاره الأرض للزراعه و المراد هنا مطلق الکسب و التّجاره (مبتلى فی حرثه و عاقبه عمله غیر حرثه القرآن).

قال الشارح البحرانی: الحرث کلّ عمل تطلب به غایه و تستخرج منه ثمره و الابتلاء ههنا ما یلحق النفس على الأعمال و عواقبها من العذاب بقدر الخروج فیها عن طاعه اللّه. و ظاهر أنّ حرث القرآن و البحث عن مقاصده لغایه الاستکمال به برى‏ء من لواحق العقوبات انتهى.
أقول: و فیه أنّ کلّ عمل کان فیه الخروج عن طاعه اللّه فعامله معذّب و مبتلى سواء کان ذلک العمل مما لا یتعلّق بالقرآن أو کان متعلّقا به کقرائته و البحث عن مقاصده و الحفظ له و نحو ذلک و إذا کان على وجه الریاء أو تحصیل حطام الدّنیا و کلّ عمل ارید به وجه اللّه و کان الغایه منه الاستکمال فعامله مأجور و مثاب من دون فرق فیه أیضا بین القرآن و غیره، و بعباره اخرى کلّ حارث سواء کان حارث القرآن أو غیره إن لم یقصد بحرثه الخلوص فمبتلى، و إلّا فلا، فتعلیل عدم ابتلاء حرثه القرآن بأنّ حرثهم للاستکمال به و ابتلاء الاخرین بأنّ فی حرثهم خروجا من الطاعه شطط من الکلام کما لا یخفى.

و الّذی عندی أن یراد بقوله علیه السّلام: کلّ حارث من کان حرثه للدّنیا فهو مبتلى أى ممتحن فی حرثه لأنه إن کان من حلال ففیه حساب و إن کان من حرام ففیه عقاب و أما حارث القرآن لأجل أنه قرآن و کلام اللّه عزّ و جلّ فلا ابتلاء له لأنّ حرثه‏على ذلک إنّما هو للاخره قال اللّه تعالى: «مَنْ کانَ یُرِیدُ حَرْثَ الْآخِرَهِ نَزِدْ لَهُ فِی حَرْثِهِ وَ مَنْ کانَ یُرِیدُ حَرْثَ الدُّنْیا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِی الْآخِرَهِ مِنْ نَصِیبٍ» فتأمّل.

و لما نبّه علیه السّلام على عدم ابتلاء حرثه القرآن أمر بحرثه بقوله (فکونوا من حرثته و أتباعه) و أردفه بقوله (و استدلوه على ربکم) أى اجعلوه دلیلا علیه سبحانه و قائدا إلیه تعالى لاشتماله على جمیع صفات الجمال و الجلال و أوصاف الکبریاء و العظمه و الکمال (و استنصحوه على أنفسکم) أى اتّخذوه ناصحا لکم رادعا لأنفسکم الأمّاره عن السّوء و الفحشاء و المنکر لتضمّنه الایات الناهیه المحذره و الوعیدات الزاجره المنذره (و اتّهموا علیه آرائکم) أى إذا أدت آرائکم إلى شی‏ء مخالف للقرآن فاجعلوها متّهمه عندکم (و استغشوا فیه أهوائکم).

قال الشارح البحرانی: و انما قال هنا استغشوا و فی الاراء اتّهموا، لأنّ الهوا هو میل النفس الأمّاره من غیر مراجعه العقل فاذا حکمت النفس عن متابعتها بحکم فهو غشّ صراح، و أمّا الرأى فقد یکون بمراجعه العقل و حکمه و قد یکون بدونه، فجاز ان یکون حقا و جاز أن یکون باطلا فکان بالتهمه أولى.

ثمّ تخلّص من أوصاف القرآن و فضایله إلى الأمر بملازمه الأعمال فقال (العمل العمل) أى لازموا العمل الصّالح و رافبوا علیه (ثمّ النهایه النهایه) أى بعد القیام بالأعمال الصالحه لاحظوا نهایتها و خاتمتها و جدّوا فی الوصول إلیها (و الاستقامه الاستقامه) و هو أمر بالاستقامه على الجادّه الوسطى من العمل و الثبات على الصراط المستقیم المؤدّى إلى غایه الغایات و أشرف النهایات أعنی روضات الجنات (ثمّ الصبر الصّبر و الورع الورع) أى بعد مواظبه الأعمال الصالحه و ملاحظه نهایاتها و الثبات على ما یوصل إلیها من الأعمال لا بدّ من الصبر عن المعاصی و الکفّ عن الشّهوات و الورع عن محارم اللّه.

و مما ذکرناه ظهر لک نکته العطف فی ثانی المکرّرات الخمسه و رابعها بثمّ و فی ثالثها و خامسها بالواو، توضیح ذلک أنّ النهایه لما کانت متراخیه عن العمل عطفها بثمّ، و الاستقامه لما کانت کیفیّه العمل عطفها بالواو، و هذه الثلاثه أعنی العمل و النّهایهو الاستقامه کلّها ناظره إلى طرف العباده، و لما کان الصّبر متعلّقا بالمعصیه عطفه بثم لغایه الافتراق بین العبادات و المعاصی، و لما کان بین الصّبر و الورع تلازما عطف الورع بالواو أیضا.

و هذا أولى مما قاله الشّارح البحرانی حیث قال: و إنّما عطف النهایه و الصّبر بثمّ لتأخّر نهایه العمل عنه و کون الصّبر أمرا عدمیّا و هو فی معنى المتراخی و المنفکّ عن العمل الّذى هو أمر وجودیّ، بخلاف الاستقامه على العمل فانه کیفیه له و الورع فانه جزء منه، انتهى هذا.

و فصّل ما أجمل لقوله و (إنّ لکم نهایه) و هى غرفات الجنان و رضوان من اللّه المنّان (فانتهوا إلى نهایتکم) و امضوا إلیها (و إنّ لکم علما) هادیا إلى تلک النهایه و هو الرّسول الأمین و أولیاء الدّین أو الأعم منهم و من سایر دلائل الشّرع المبین (فاهتدوا بعلمکم) للوصول إلیها (و إنّ للاسلام غایه فانتهوا إلى غایته) و هی النهایه المذکوره (و اخرجوا إلى اللّه مما افترض علیکم من حقّه و بین لکم من وظایفه) أى أخرجوا متوجّهین إلیه سبحانه ممّا فرضه علیکم من حقوقه الواجبه و أوضحه لکم من عباداته و تکالیفه الموظفه المقرّره فی ساعات اللّیالی و الأیّام.

و قوله (أنا شاهد لکم و حجیج یوم القیامه عنکم) تأکید لأداء الفرائض و الواجبات یعنی انکم إذا خرجتم إلى اللّه من حقوقه و وظایفه فأنا أشهد لکم یوم القیامه بخروجکم منها و مقیم للحجّه عن جانبکم بأنّکم أقمتم بها، و قد مضى تفصیل تلک الشهاده و الاحتجاج فی شرح الخطبه الحادیه و السّبعین.

(ألا و إنّ القدر السابق قد وقع و القضاء الماضی قد تورّد) قد عرفت معنى القضاء و القدر مفصّلا فی شرح الفصل التاسع من الخطبه الاولى، و الظاهر أنّ المراد بهما المقضىّ و المقدّر کما استظهرنا هذا المعنى منهما فیما تقدّم أیضا بالتقریب الّذی قدّمناه ثمّه، فیکون المعنى أنّ المقدّر السابق فی علم اللّه سبحانه وقوعه قد وقع، و المقضىّ الماضی أى المحتوم النافذ قد تورّد أى دخل فی الوجود شیئا فشیئا.

و إلى ما ذکرنا ینظر ما قاله بعض الشارحین من أنّه أراد بالقدر السابق خلافته علیه السّلام و بالقضاء الماضی الفتن و الحروب الواقعه فی زمانه أو بعده الّتی دخلت فی الوجود شیئا فشیئا و هو المعبّر عنه بالتورد، و قوى ارادته علیه السّلام ذلک بقرینه المقام و أنه علیه السّلام خطب بهذه الخطبه فی أیّام بیعته بعد قتل عثمان.

و قوله علیه السّلام: (و انّی متکلّم بعده اللّه و حجّته) المراد بعدته سبحانه ما وعد به فی الایه الشریفه للمؤمنین المعترفین بالرّبوبیّه الموصوفین بالاستقامه من تنزّل الملائکه و بشارتهم بالجنّه و بعدم الخوف و الحزن، و الظاهر أنّ المراد بحجّته أیضا نفس هذه الایه نظرا إلى أنها کلام اللّه و هو حجّه اللّه على خلقه أو أنها دالّه بمنطوقها على أنّ دخول الجنّه إنما هو للموحّدین المستقیمین و بمفهومها على أنّ الکافرین و غیر المستقیمین لا یدخلونها فهى حجّه علیهم لئلّا یقولوا یوم القیامه انّا کنّا عن هذا غافلین.

و قال الشارح البحرانی: إنّ حجّته الّتی تکلّم بها هو قوله: و قد قلتم ربّنا اللّه فاستقیموا، إلى آخر ما یأتی، و الأظهر ما قلناه إذا عرفت ذلک فلنعد إلى تفسیر الایه (قال اللّه تعالى إِنَّ الَّذِینَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ) اعترافا بربوبیّته و إقرارا بوحدانیّته (ثُمَّ اسْتَقامُوا) على مقتضاه.
و فی المجمع عن محمّد بن الفضیل قال: سألت أبا الحسن الرّضا علیه السّلام عن الاستقامه فقال: هی و اللّه ما أنتم علیه.

و فی الکافی عن الصادق علیه السّلام على الأئمّه واحدا بعد واحد «تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ الْمَلائِکَهُ» عند الموت رواه فی المجمع عن الصّادق علیه السّلام «أَلَّا تَخافُوا» ما تقدمون علیه «وَ لا تَحْزَنُوا» ما خلّفتم «إِنَّ الَّذِینَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ» فی الدّنیا.

روى فی الصّافی عن تفسیر الامام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: لا یزال المؤمن خائفا من سوء العاقبه و لا یتیقّن الوصول إلى رضوان اللّه حتّى یکون وقت نزع روحه و ظهور ملک الموت له، و ذلک إنّ ملک الموت یرد على المؤمن و هو فی شدّه علّته و عظیم ضیق صدره بما یخلفه من أمواله و بما هو علیه من اضطراب أحواله من معاملیه‏ و عیاله قد بقیت فی نفسه حسراتها اقتطع دون أمانیّه فلم ینلها، فیقول له ملک الموت ما لک تجرع غصصک قال: لاضطراب أحوالی و اقتطاعک لی دون آمالی، فیقول له ملک الموت: و هل یحزن عاقل لفقد درهم زائف و اعتیاض ألف ألف ضعف الدّنیا فیقول: لا، فیقول ملک الموت: فانظر فوقک، فینظر فیرى درجات الجنان و قصورها التی یقصر دونها الأمانی فیقول ملک الموت: تلک منازلک و نعمک و أموالک و أهلک و عیالک و من کان من أهلک ههنا و ذرّیتک صالحا فهم هنالک معک أ فترضى بهم بدلا مما ههنا فیقول: بلى و اللّه، ثمّ یقول: انظر، فینظر فیرى محمّدا و علیّا و الطیّبین من آلهما سلام اللّه علیهم أجمعین فی أعلا علّیین فیقول: أو تراهم هؤلاء ساداتک و أئمتک هم هنالک جلاسک و اناسک أ فما ترضى بهم بدلا مما تفارق هنا فیقول: بلى و ربّی فذلک ما قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِینَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ الْمَلائِکَهُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا فیما أمامکم من الأهوال فقد کفیتموها و لا تحزنوا على ما تخلفونه من الذراری و العیال فهذا الّذی شاهدتموه فی الجنان بدلا منهم، «إِنَّ الَّذِینَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ» هذه منازلکم و هؤلاء ساداتکم اناسکم و جلاسکم هذا.

و لما تکلّم علیه السّلام بالایه الشریفه المتضمّنه للعده و الحجّه أمر المخاطبین بالقیام على مفادها و العمل على مقتضاها بقوله (و قد قلتم ربّنا اللّه) و لا بدّ لکم من اکمال هذا الاقرار بالاستقامه لاستحقاق انجاز الوعد و البشاره (فاستقیموا على کتابه) باجلاله و اعظامه و العمل بتکالیفه و أحکامه (و على منهاج أمره) بسلوکه و اتباعه (و على الطریقه الصّالحه من عبادته) باتیانها على وجه الخلوص جامعه لشرائطها المقرّره و حدودها الموظفه (ثمّ لا تمرقوا) أى لا تخرجوا (منها) و لا تتعدّوا عنها (و لا تبتدعوا فیها) أى لا تحدثوا فیها بدعه (و لا تخالفوا عنها) أى لا تعرضوا عنها یمینا و شمالا مخالفین لها، فانکم إذا أقمتم على ذلک کلّه حصل لکم شرط الاستحقاق فینجز اللّه لکم وعده و تبشّرکم الملائکه و تدخلون الجنّه البتّه، و ان لم تقیموا علیه فقدتم الشرط و بفقدانه و انتفائه ینتفی المشروط لا محاله.

و هو معنى قوله: (فانّ أهل المروق منقطع بهم عند اللّه یوم القیامه) یعنی أنّهم لا یجدون بلاغا یوصلهم إلى المقصد، روى فی مجمع البیان عن أنس قال: قرء علینا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله هذه الایه أى الایه المتقدّمه قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: قد قالها ناس ثمّ کفر أکثرهم فمن قالها حتّى یموت فهو ممّن استقام علیها.

الترجمه

از جمله خطب شریفه آن امام مبین و ولیّ مؤمنین است در نصیحت مخاطبین مى‏ فرماید: منتفع باشید با بیان خدا و متّعظ باشید با موعظهاى خدا و قبول نمائید نصیحت خدا را، پس بدرستى که خدا اظهار فرموده عذر خود را بشما با آیه‏ هاى واضحه، و اخذ فرمود بر شما حجّت را و بیان کرد از براى شما محبوب داشته شده ‏هاى خود را از عملها و مکروهها داشته شدهاى خود را از آنها تا این که متابعت نمائید بان عملهاى محبوبه و اجتناب نمائید از این عملهاى مکروهه.

پس بدرستى که حضرت رسول صلوات اللّه و سلامه علیه و آله مى ‏فرمود که بهشت محفوف شده است با دشواریها و آتش محفوف شده است با شهوتها، و بدانید که بدرستى که نیست از اطاعت خدا چیزى مگر این که مى ‏آید با کراهت طبیعت، و نیست در معصیت خدا چیزى مگر این که مى ‏آید با شهوت و رغبت، پس رحمت خدا مردى را که بر کند از شهوت خود، و قلع کند خواهشات نفس خود را پس بدرستى که این نفس دورترین چیزیست از حیثیّت کنده شدن از شهوت، بدرستى که این نفس همیشه اشتیاق دارد و میل کند بسوى معصیت در آرزو و خواهش نفسانى.
و بدانید اى بندگان خدا بدرستى که مؤمن نه روز را بشب مى ‏آورد و نه شب را بروز مگر این که نفس او متّهمست نزد او، پس همیشه آن مؤمن ایراد کننده ‏است بر نفس خود، و طلب کننده است از براى او زیاده خیرات و مبرّات را، پس باشید مثل سابقانى که پیش از شما بودند و مثل گذشتگان در پیش از شما بر کندند از دنیاى فانی همچو بر کندن کوچ کننده، و درنوردیدند دنیا را مثل درنوردیدن منزلها.

و بدانید که این قرآن کریم او نصیحت کننده ‏ایست که خیانت نمى‏ کند، و هدایت کننده ‏ایست که گمراه نمى ‏سازد، و خبر دهنده ‏ایست که دروغ نمى‏ گوید، و همنشین نشد این قرآن را أحدى از شما مگر این که برخاست از آن با زیادتی یا کمى، زیادتی در هدایت و کمى از کورى و ضلالت.

و بدانید نیست بر أحدى بعد از قرآن حاجتى، و نه مر أحدیرا پیش از قرآن از دولتی، پس طلب شفا نمائید از او از دردهاى ظاهرى و باطنی خودتان، و طلب یارى کنید با او بر شدّتهاى خودتان، پس بدرستى که در او است شفا از بزرگترین دردها و آن کفر است و نفاق و گمراهى است و ضلالت، پس مسألت نمائید از خدا بوسیله قرآن. و متوجّه باشید بوسى پروردگار با محبت قرآن، و سؤال ننمائید بوساطت قرآن از مخلوقی، بدرستى که متوجّه نشد بندگان بسوى خدا با مثل قرآن.

و بدانید که بدرستى که قرآن شفاعت کننده است و مقبول الشفاعه، و گوینده است تصدیق شده، و بدرستى که کسى که شفاعت نماید مر او را قرآن در روز قیامت شفاعت او قبول مى ‏شود در حق آن، و کسى که بدگوئی نماید از او قرآن در روز قیامت تصدیق شده مى ‏شود بر ضرر آن.
پس بدرستى که ندا کند ندا کننده در روز قیامت این که آگاه باشید بدرستى که هر کشت کار امتحان خواهد شد در کشت خود و در عاقبت عمل خود غیر از کشت کنندگان قرآن پس باشید از کشتکاران قرآن و تبعیّت کنندگان او و دلیل أخذ نمائید او را بر پروردگار خود، و طلب نصیحت کنید از او بر نفسهاى خود، و متّهم دارید رأیهاى خود را که بر خلاف او است، و مغشوش شمارید در مقابل قرآن خواهشات خود را.

مواظبت نمائید بر عملها و مسارعت نمائید بنهایت و عاقبت کار، و ملازمت نمائید براستکارى پس از آن و منصف باشید با صبر و تحمل، و ترک نکنید ورع و پرهیزکارى را، بدرستى که شما راست نهایت و عاقبتی پس منتهى شوید بسوى نهایت خود، و بدرستى که شما راست علم و نشانه پس هدایت یابید با علم خود، و بدرستى که مر اسلام راست غایت و نهایتی پس منتهى شوید بسوى غایت او، و خارج بشوید بسوى خداوند تعالى از چیزى که واجب نموده بر شما از حق خود و بیان نموده است شما را از وظیفهاى خود، من شاهد هستم از براى شما و حجّت آورنده‏ام در روز قیامت از جانب شما.

آگاه باشید بدرستى که آنچه مقدّر شده بود سابقا بتحقیق واقع گردید، و قضاى الهى که نافذ و ممضى است تدریجا بوجود در آید، و بدرستى که من تکلّم کننده‏ام بوعده خدا و بحجّت او فرموده است خدا در کتاب عزیز خود: بدرستى که آن کسانى که گفتند که پروردگار ما خداست پس در آن مستقیم شدند نازل مى‏شود بر ایشان ملائکه که نترسید و محزون نباشید و بشارت دهید ببهشت عنبر سرشت که در دنیا وعده داده شده بودید.

و بتحقیق که گفتید شما پروردگار ما خداست پس مستقیم باشید بر کتاب کریم او، و بر راه روشن امر او و بر طریقه شایسته از عبادت و بندگی او، پس از آن خارج نشوید و بیرون مروید از آن طریقه و احداث بدعت نکنید در آن و مخالفت نکنید در آن پس بدرستى که أهل خروج از عبادت بهم بریده شده‏اند از ثواب دائمی نزد خداى تعالى در روز قیامت.

الفصل الثانی منها

ثمّ إیّاکم و تهزیع الأخلاق و تصریفها، و اجعلوا اللّسان واحدا، و لیختزن الرّجل لسانه فإنّ هذا اللّسان جموح بصاحبه، و اللّه ما أرى عبدا یتّقی تقوى تنفعه حتّى یختزن لسانه، و إنّ لسان المؤمن من وراء قلبه، و إنّ قلب المنافق من وراء لسانه، لأنّ المؤمن إذا أراد أن یتکلّم بکلام تدبّره فی نفسه فإن کان خیرا أبداه و إن کان شرّا واراه، و إنّ المنافق یتکلّم بما أتى على لسانه لا یدری ما ذا له و ما ذا علیه، و لقد قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: لا یستقیم إیمان عبد حتّى یستقیم قلبه، و لا یستقیم قلبه حتّى یستقیم لسانه، فمن استطاع منکم أن یلقى اللّه سبحانه و هو نقیّ الرّاحه من دماء المسلمین و أموالهم، سلیم اللّسان من أعراضهم فلیفعل. و اعلموا عباد اللّه إنّ المؤمن یستحلّ العام ما استحلّ عاما أوّل، و یحرّم العام ما حرّم عاما أوّل، و إنّ ما أحدث النّاس لا یحلّ لکم شیئا ممّا حرّم علیکم، و لکنّ الحلال ما أحلّ اللّه، و الحرام ما حرّم اللّه، فقد جرّبتم الأمور و ضرّستموها و وعظتم بمن کان قبلکم، و ضربت‏الأمثال لکم، و دعیتم إلى الأمر الواضح، فلا یصمّ عن ذلک إلّا أصمّ، و لا یعمى عنه إلّا أعمى، و من لم ینفعه اللّه بالبلاء و التّجارب لم ینتفع بشی‏ء من العظه، و أتاه التّقصیر من أمامه حتّى یعرف ما أنکر، و ینکر ما عرف، فإنّ النّاس رجلان: متّبع شرعه، و مبتدع بدعه، لیس معه من اللّه برهان سنّه، و لا ضیاء حجّه. و إنّ اللّه سبحانه لم یعظ أحدا بمثل هذا القرآن، فانّه حبل اللّه المتین، و سببه الأمین، و فیه ربیع القلب، و ینابیع العلم، و ما للقلب جلاء غیره، مع أنّه قد ذهب المتذکّرون، و بقی النّاسون أو المتناسون، فإذا رأیتم خیرا فأعینوا علیه، و إذا رأیتم شرّا فاذهبوا عنه، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کان یقول: یا ابن آدم اعمل الخیر و دع الشّرّ فإذا أنت جواد قاصد. ألا و إنّ الظّلم ثلاثه: فظلم لا یغفر، و ظلم لا یترک، و ظلم مغفور لا یطلب، فأمّا الظّلم الّذی لا یغفر الشّرک باللّه سبحانه قال اللّه سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا یَغْفِرُ أَنْ یُشْرَکَ بِهِ، و أمّا الظّلم الّذی یغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات، و أمّا الظّلم الّذی لا یترک فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص هناک شدید، لیس هو جرحا بالمدى،و لا ضربا بالسّیاط، و لکنّه ما یستصغر ذلک معه، فإیّاکم و التّلوّن فی دین اللّه، فإنّ جماعه فیما تکرهون من الحقّ خیر من فرقه فیما تحبّون من الباطل، و إنّ اللّه سبحانه لم یعط أحدا بفرقه خیرا ممّا مضى و لا ممّا بقی. یا أیّها النّاس طوبى لمن شغله عیبه عن عیوب النّاس، و طوبى لمن لزم بیته و أکل قوته و اشتغل بطاعه ربّه و بکى على خطیئته، فکان من نفسه فی شغل و النّاس منه فی راحه.

اللغه

(هزعت) الشجر تهزیعا کسّرته و فرّقته و (خزن) المال و اختزنه أحرزه و (ضرّسته) الحروب أى جرّبته و أحکمته و (صمّت) الاذن صمما من باب تعب بطل سمعها هکذا فسّره الأزهرى و غیره، و یسند الفعل إلى الشخص أیضا فیقال: صمّ یصمّ صمما، فالذکر أصمّ و الأنثى صمّاء و الجمع صمّ مثل أحمر و حمراء و حمر، و یتعدّى بالهمزه فیقال أصمّه اللّه و ربما استعمل الرباعی لازما على قلّه و لا یستعمل الثلاثی متعدّیا فلا یقال صمّ اللّه الاذن و لا یبنى للمفعول فلا یقال صمّت الاذن.

و (السّبب) الحبل و هو ما یتوصّل به إلى الاستعلاء ثمّ استعیر لکلّ ما یتوصّل به إلى الامور فقیل هذا: سبب هذا و هذا مسبّب عن هذا و (الجواد) الفرس السابق الجید و (هن) بالتخفیف کأخ کنایه عن کل اسم جنس کما فی مصباح اللغه للفیومى أو عما یستقبح ذکره و لامها محذوفه ففى لغه هى ها فیصغّر على هنیهه و منه یقال مکث هنیهه أى ساعه لطیفه، و فی لغه هی واو فیصغّر فی المؤنّث على هنیه و الهمز خطاء إذ لا وجه له و جمعها هنوات و ربما جمعت على هنات مثل عدات هکذا فی المصباح و ضبطه الفیروزآبادی بفتح الهاء و هکذا فیما رأیته من نسخ النهج و (طوبى) وزان فعلى اسم من الطیب و الواو منقلبه عن یاء و قیل اسم شجره فی الجنّه کما سنشیر إلیه فی بیان معناه.

الاعراب

قوله: و إیّاکم و تهزیع الأخلاق، انتصاب تهزیع على التحذیر قال الشارح المعتزلی: و حقیقته تقدیر فعل و صورته جنّبوا أنفسکم تهزیع الأخلاق فایّاکم قائم مقام أنفسکم، و الواو عوض عن الفعل المقدّر و قد جاء بغیر واو فی قول الشاعر:

إیّاک أن ترضى صحابه ناقص
فتنحط قدرا من علاک و تحقرا

قوله: عاما أوّل بدون تنوین لأنّه غیر منصرف للوصفیّه و وزن الفعل فانّ الصحیح أنّ أصله أوءل على وزن أفعل مهموز الوسط فقلبت الهمزه الثّانیه واوا و ادغمت.
قال الجوهریّ و یدلّ على ذلک قولهم: هذا أوّل منک، و الجمع الأوائل و الاوالى أیضا على القلب، قال الشهید فی تمهید القواعد: و له استعمالان أحدهما أن یکون اسما فیکون مصروفا و منه قولهم ماله أوّل و لا آخر، قال فی الارتشاف: و فی محفوظى أنّ هذا یؤنث بالتاء و یصرف أیضا فیقال أوله و آخره بالتنوین، و الثانی أن یکون صفه أى أفعل التفضیل بمعنى الأسبق فیعطى حکم غیره من صیغ أفعل التفضیل کمنع الصرف و عدم تأنیثه بالتاء و دخول من علیه.

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام لما ختم الفصل السّابق بالأمر بالاستقامه و النهى عن المروق و الخروج عن جادّه الشریعه أردفه بالتحذیر عن تهزیع الأخلاق الملازم للنّفاق‏

فقال: (ثمّ إیّاکم و تهزیع الأخلاق) و تفریقها (و تصریفها) و تقلیبها و نقلها من حال إلى حال کما هو شأن المنافق، فانّه لا یبقى على خلق و لا یستمرّ على حاله واحده بل قد یکون صادقا و قد یکون کاذبا، و تاره وفیّا و اخرى غادرا، و مع الظالمین ظالما و مع العدول عادلا.

روى فی الکافی عن محمّد بن الفضیل قال: کتبت إلى أبی الحسن علیه السّلام أسأله عن مسأله، فکتب إلىّ إنّ المنافقین یخادعون اللّه و هو خادعهم و إذا قاموا إلى الصّلاه قاموا کسالى یرآؤن النّاس و لا یذکرون اللّه إلّا قلیلا مذبذبین بین ذلک لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء و من یضلل اللّه فلم تجد له سبیلا، لیسوا من الکافرین و لیسوا من المؤمنین و لیسوا من المسلمین یظهرون الایمان و یصیرون إلى الکفر و التکذیب لعنهم اللّه.

و لما حذّر عن تصریف الأخلاق و النّفاق أمر بقوله (و اجعلوا اللّسان واحدا) على اتّحاد اللّسان اذ تعدّد اللّسان من وصف المنافق یقول فی السرّ غیر ما یقوله فى العلانیه، و فی الغیاب خلاف ما یقوله فی الحضور، و یتکلّم مع هذا غیر ما یتکلّم مع ذلک.

روى فی الکافی عن أبی جعفر علیه السّلام قال: بئس العبد عبد یکون ذا وجهین و ذا لسانین یطرى أخاه شاهدا و یأکله غایبا، إن أعطى حسده و إن ابتلى خذله.

و فیه عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن علیّ بن أسباط عن عبد الرّحمان بن حمّاد رفعه قال: قال اللّه تبارک و تعالى لعیسى علیه السّلام: یا عیسى لیکن لسانک فی السرّ و العلانیه لسانا واحدا و کذلک قلبک إنّی احذرک نفسک و کفى بی خبیرا لا یصلح لسانان فی فم واحد و لا سیفان فی غمد واحد و لا قلبان فی صدر واحد و کذلک الأذهان.
قال بعض شرّاح الکافی: أمره اللّه تعالى بثلاث خصال هی امّهات جمیع الخصال الفاضله و الأعمال الصالحه: الأوّل أن یکون لسانه فی جمیع الأحوال واحدا یقول الحقّ و یتکلّم به فلا یقول فی السرّ خلاف ما یقول فی العلانیه کما هو شأن الجهال، لأنّ ذلک خدعهو نفاق و حیله و تفریق بین العباد و إغراء بینهم.
الثانی أن یکون قلبه واحدا قابلا للحقّ وحده غیر متلوّث بالحیل و لا متلوّث بالمکر و الختل، فانّ ذلک یمیت القلب و یبعده من الحقّ و یورثه أمراضا مهلکه.

الثالث أن یکون ذهنه واحدا و هو الذکاء و الفطنه، و لعلّ المراد به هنا الفکر فی الامور الحقّه النافعه و مبادیها، و بوحدته خلوصه عن الفکر فی الباطل و الشرور و تحصیل مبادیها و کیفیّه الوصول إلیها، و بالجمله أمره أن یکون لسانه واحدا و قلبه واحدا و ذهنه واحدا و مطلبه واحدا هذا.

و لما أمرهم بجعل لسانهم واحدا أردفه بالأمر بحفظه و حرزه فقال (و لیختزن الرّجل لسانه) أى لیلازم الصّمت (فانّ هذا اللّسان جموح بصاحبه) یقحمه فی المعاطب و المهالک، و لذلک قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إن کان فی شی‏ء الشوم ففى اللّسان، و فی حدیث آخر قال صلّى اللّه علیه و آله: نجاه المؤمن من حفظ لسانه رواهما فی الکافی عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و قد تقدّم فی شرح کلماته السابعه و السّبعین فصل واف فی فوائد الصّمت و آفات اللّسان و أوردنا بعض ما ورد فیه من الأخبار و أقول هنا: روى فی الکافی عن ابن القداح عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال لقمان لابنه: یا بنیّ إن کنت زعمت أنّ الکلام من فضّه فانّ السکوت من ذهب.

و عن أحمد بن محمّد بن أبی نصر قال: قال أبو الحسن علیه السّلام: من علامات الفقه العلم و الحلم و الصّمت إنّ الصّمت باب من أبواب الحکمه إنّ الصّمت یکسب المحبّه إنّه دلیل على کلّ خیر.
و عن أبی بصیر قال: سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول: کان أبو ذر یقول: یا مبتغى العلم إنّ هذا اللّسان مفتاح خیر و مفتاح شرّ فاختم على لسانک کما تختم على ذهبک و ورقک.
و عن علیّ بن حسن بن رباط عن بعض رجاله عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: لا یزال العبد المؤمن یکتب محسنا ما دام ساکتا فاذا تکلّم کتب محسنا أو مسیئا.

فقد علم بذلک کلّه أنّ سلامه الانسان فی حفظ اللّسان و أنّ نجاته من وبال‏الدّنیا و نکال الاخره فی الامساک عن فضول الکلام، و إلیه أشار بقوله (و اللّه ما أرى عبدا یتقى تقوى تنفعه حتّى یختزن لسانه) فانّ التقوى النافع هو ما یحفظه من غضب الجبّار و ینجیه من عذاب النّار، و لا یحصّل ذلک إلّا بالاتّقاء من جمیع المحرّمات و الموبقات الموقعه فی الجحیم و السخط العظیم، و الکذب و الغیبه و الهجاء و السّعایه و النّمیمه و القذف و السّب و نحوها من حصائد الألسنه من أعظم تلک الموبقات، فلا بدّ من الاتّقاء منها و اختزان اللّسان عنها.

و لما أمر باختزان اللسان و نبّه على توقّف التقوى النّافع علیه أردفه بالتنبیه على أنّ اختزانه من فضول الکلام و سقطات الألفاظ من خواصّ المؤمن و عدم اختزانه من أوصاف المنافق و ذلک قوله: (و انّ لسان المؤمن من وراء قلبه) یعنی أنّ لسانه تابع لقلبه (و انّ قلب المنافق من وراء لسانه) یعنی قلبه تابع للسانه.

بیان ذلک ما أشار بقوله (لأنّ المؤمن إذا أراد أن یتکلّم بکلام تدبّره فی نفسه) و تفکّر فی عاقبته (فان کان خیرا) و رشدا تکلّم به أى أظهره و (أبداه و ان کان شرّا) و غیّا اختزن لسانه عنه أى (واراه) و أخفاه فکان لسانه تابع قلبه حیث انه نطق به بعد حکم العقل و إجازته (و انّ المنافق) یسبق حذفات لسانه و فلتات کلامه مراجعه فکره و (یتکلّم) من دون فکر و رویّه (بما أتى على لسانه لا یدرى ما ذا له و ما ذا علیه) فکان قلبه تابع لسانه لأنه بادر إلى التکلّم من غیر ملاحظه ثمّ رجع إلى قلبه فعرف أنّ ما تکلّم به مضرّه له.

ثمّ استشهد بالحدیث النبوى صلّى اللّه علیه و آله على أنّ استقامه الایمان إنّما هو باستقامه اللسان على الحقّ و خزنه عن الباطل و هو قوله (و لقد قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لا یستقیم ایمان عبد حتّى یستقیم قلبه و لا یستقیم قلبه حتّى یستقیم لسانه) ظاهر هذا الحدیث یفید ترتّب استقامه الایمان على استقامه القلب و ترتّب استقامه القلب على استقامه اللّسان.

أمّا ترتّب الأوّل على الثّانی فلا غبار علیه، لأنّ الایمان حسبما عرفت فی شرح الخطبه المأه و التاسعه عباره عن الاعتراف باللّسان و الاذعان بالجنان فاستقامهالقلب جزء من مفهومه و هو جهه الفرق بینه و بین الاسلام کما أنه لا غبار على ترتّبه على الثالث على قول من یجعل العمل بالأرکان أیضا شطرا منه.

و أمّا ترتّب الثانی على الثالث فلا یخلو من اشکال و اغلاق، لظهور أنّ اللّسان ترجمان القلب فاستقامته موقوفه على استقامته لا بالعکس، و بعد التنزّل عن ذلک فغایه الأمر تلازمهما و ارتباط کلّ منهما بالاخر، و أمّا التوقّف فلا.
و وجه التلازم أنّ القلب لما کان رئیس الأعضاء و الجوارح و من جملتها اللّسان کان استقامته مستلزمه لاستقامتها و کذلک استقامتها مستلزمه لاستقامته لأنها لو لم تکن مستقیمه بأن صدر منه الذنب و الباطل یسرى عدم استقامتها أى فسادها إلى القلب فیفسد بفسادها.

و یدلّ على ذلک ما رواه فی الکافی عن زراره عن أبی جعفر علیه السّلام قال: ما من عبد إلّا و فی قلبه نکته بیضاء فاذا أذنب ذنبا خرج فی النکته نکته سوداء، فان تاب ذهب ذلک السواد، و إن تمادى فی الذّنوب زاد ذلک السواد حتّى یغطى البیاض، فاذا غطى البیاض لم یرجع صاحبه إلى خیر أبدا و هو قول اللّه عزّ و جلّ «کَلَّا بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما کانُوا یَکْسِبُونَ».

فانّ هذه الرّوایه و الایه المستشهد بها کما ترى مضافه إلى الروایات الاخر تدل على اسوداد لوح القلب بکثره الذنوب الصّادره من الجوارح، فیوجب عدم استقامتها لعدم استقامته و استقامتها لاستقامته.
لکنه یتوجّه علیه أنّ غایه ما یتحصّل من هذا التقریر أنّ عدم استقامتها سبب لعدم استقامته، و أمّا أنّ استقامتها سبب لاستقامته فلا فافهم جیّدا.

مع أنّ لقائل أن یقول: إنّ مرجع صدور الذّنب عنها الموجب لعدم استقامتها فی الحقیقه إلى عدم استقامته لأنّ القلب إذا کان سالما مستقیما لا یعزم على معصیه و لا یریدها، و مع عدم إرادتها لا یصدر ذنب عن الأعضاء حتّى یسرى ظلمته و رینه إلى القلب.

فقد علم من ذلک کلّه أنّ استقامه اللّسان کسایر الأعضاء موقوفه على استقامهالقلب و مترتّبه علیها لا بالعکس.
و بعد اللّتیا و الّتی فالّذی یخطر بالبال فی حلّ الاشکال السابق أنّ معنى الحدیث أنّه لا یعرف استقامه ایمان عبد إلّا بأن یعرف استقامه قلبه، و لا یعرف استقامه قلبه إلّا باستقامه لسانه، فیستدلّ باستقامه اللّسان على الحقّ أى بتنطقه على کلمه التوحید و النبوّه و الولایه، و بامساکه عن الغیبه و النمیمه و الکذب و غیرها من هفوات اللّسان على استقامه القلب أى على إذعانه بما ذکر و على خلوّه عن الأمراض النفسانیه و یستدلّ باستقامته على استقامه الایمان أى على أنّ العبد مؤمن کامل.

و یقرب هذا التوجیه أنّه علیه السّلام لما ذکر أنّ لسان المؤمن من وراء قلبه و أنّ قلب المنافق من وراء لسانه عقّبه بهذا الحدیث لیمیّز بین المؤمن و المنافق، و یحصل لک المعرفه بها حقّ المعرفه فیسهل علیک التشخیص إذا بینهما إذ تعرف بعد ذلک البیان أنّ مستقیم اللّسان مؤمن و غیر مستقیمه منافق.

قال الشارح الفقیر الغریق فی بحر الذّنب و التقصیر: إنّی قد أطلت فکرى و أتعبت نظری فی توجیه معنى الحدیث و أسهرت لیلتی هذه و هی اللّیله الثالثه عشر من شهر اللّه المبارک فی حلّ إشکاله حتّى مضت من أوّل اللّیل ثمانی ساعات و أثبتّ ما سنح بالخاطر و أدّى إلیه النّظر القاصر، ثمّ تجلّى بحمد اللّه سبحانه و منّته نور العرفان من ألطاف صاحب الولایه المطلقه على القلب القاسى فأسفر عنه الظلام و اهتدى إلى وجه المرام فسنح بالبال توجیه وجیه هو أعذب و أحلى، و معنى لطیف هو أمتن و أصفى و هو أن یقال: إنه علیه السّلام کنّى باستقامه الایمان و القلب و اللّسان عن کمالها و أنّ مراده أنّ من أراد أن یکون ایمانه کاملا أى ایمانا نافعا فی العقبى لا بدّ من أن یکمل قلبه أى یکون بریئا سالما من الأمراض النفسانیّه، و من أراد کمال قلبه فلا بدّ له من أن یکمل لسانه أى یکون محفوظا من العثرات مختزنا إلّا عن خیر، ففى الحقیقه الغرض من الحدیث التّنبیه و الارشاد إلى تکمیل القلب و اللّسان لتحصیل کمال الایمان.

و نظیره ما رواه عن الحلبی رفعه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: أمسک لسانک فانّها صدقه تصدق به على نفسک ثمّ قال: و لا یعرف عبد حقیقه الایمان حتّى یخزن من لسانه.
و على هذا التوجیه التأم أجزاء کلام الامام على أحسن ایتلاف و انسجام إذ یکون الحدیث حینئذ أشدّ ارتباطا بسابقه، لأنه علیه السّلام لما أمر بأن یختزن الرجل لسانه و أکّده بأن خزن اللّسان من وظایف المؤمن لکون لسانه من وراء قلبه، عقّبه بهذا الحدیث تأییدا و تقویه و استشهادا على ما أمر به من اختزان اللّسان و یکون مناسبته للاحقه أیضا أکثر و هو قوله: (فمن استطاع منکم أن یلقى اللّه سبحانه و هو نقىّ الراحه) و الکفّ (من دماء المسلمین) أى سالما من قتلهم (و أموالهم سلیم اللّسان من اعراضهم) أى متجنّبا من الغیبه و الفحش و النمیمه و الهجاء و نحوها (فلیفعل) لأنّ ذلک من شرایط الاسلام و لوازم الایمان فانّ المسلم من سلم المسلمون من لسانه و یده.

قال الشارح البحرانی و شرط ذلک أى الکفّ عن دماء المسلمین و أموالهم و أعراضهم بالاستطاعه لعسره و شدّته و إن کان واجب الترک على کلّ حال و أشدّها الکفّ عن الغیبه فانّه یکاد أن لا یستطاع انتهى.
أقول: الظاهر من قوله: و إن کان واجب الترک على کلّ حال، وجوب ترکها حتّى مع عدم الاستطاعه و هو باطل، أو الاستطاعه مساوق للقدره و هى شرط فی جمیع التکالیف الشرعیه قال اللّه تعالى «لا یُکَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إذا أمرتکم بشى‏ء فائتوا منه ما استطعتم.

ثمّ إنّه علیه السّلام نبّه على بطلان العمل بالرأى و المقاییس و نهى عن متابعه البدع فقال: (و اعلموا عباد اللّه أنّ المؤمن یستحلّ العام ما استحلّ عاما أوّل و یحرّم العام ما حرّم عاما أوّل) یعنی أنّ المؤمن إذا ثبت عنده سابقا حلّیه شی‏ء بالکتاب أو السنّه و حکم بحلّیته عن نصّ فیحکم بحلیّته الان، و لا ینقض الحکم الثابت بالنّص برأیه و اجتهاده و کذلک إذا ثبت عنده سابقا حرمه شی‏ء بهما و حکم بحرمته عن دلیل فیحکم بحرمته‏الان، و لا یخالف الحکم الثّابت و لا یتعدّى عنه بالرأى و القیاس و هکذا سایر الأحکام الشرعیه.

(و انّ ما أحدث الناس) من البدع بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: مثل ما صدر عن أبی بکر من طلب البیّنه من فاطمه سلام اللّه علیها فی باب فدک مع کون البیّنه على المدّعی، و غصب فدک عنها مع مخالفته لنصّ الکتاب و الرّسول صلّى اللّه علیه و آله.

و ما أحدثه عمر من صلاه التراویح، و من وضع الخراج على أرض السواد، و ازدیاده أى أخذه الزیاده الجزیه عما قرّرها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله.
و ما أبدعه عثمان من التفضیل فی العطاء و إحداثه الأذان یوم الجمعه زایدا عمّا سنّه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و تقدیمه الخطبتین فی العیدین مع کون الصّلاه مقدّمه علیها فی زمان الرسول صلّى اللّه علیه و آله، و إتمامه الصّلاه بمنى مع کونه مسافرا، و إعطائه من بیت المال الصّدقه المقاتله و غیرها، و حمایته لحمى المسلمین مع أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله جعلهم شرعا سواء فی الماء و الکلاء إلى غیر هذه من البدعات الّتی أحدثوها فی الدّین و فصّلها أصحابنا رضوان اللّه علیهم فی ذیل مطاعنهم.

فانّ شیئا من ذلک (لا یحلّ لکم شیئا مما حرّم علیکم) و لا یحرّم شیئا علیکم مما أحلّ لکم، یعنی قول هؤلاء المبدعین المغیّرین للأحکام لا یوجب تغییرها فی الواقع، فلا یجوز الاعتماد على أقوالهم و الاعتقاد بارائهم، و قد ذمّ اللّه الیهود و النّصارى بأنّهم اتّخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون اللّه، فالاخذون بقول هؤلاء المبدعین یکونون مثل الیهود و النّصارى.

روى فی الوسائل عن تفسیر العیّاشی عن جابر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: سألته عن قول اللّه «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» قال علیه السّلام أما أنّهم لم یتّخذوهم آلهه إلّا أنّهم أحلّوا لهم حلالا فأخذوا به، و حرّموا حراما فأخذوا به، فکانوا أربابا لهم من دون اللّه.
و عن حذیفه قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: «اتَّخِذُوا» الایه، فقال لم یکونوایعبدونهم، و لکن کانوا إذا أحلّوا لهم شیئا استحلّوها، و إذا حرّموا علیهم حرّموها.

و فی الکافی عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قلت له: اتَّخِذُوا الایه، فقال أما و اللّه ما دعوهم إلى عباده أنفسهم و لو دعوهم ما أجابوهم، و لکن أحلّوا لهم حراما و حرّموا علیهم حلالا فعبدوهم من حیث لا یشعرون.
و فی تفسیر علیّ بن إبراهیم عند تفسیر قوله تعالى «وَ الشُّعَراءُ یَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ» قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام: نزلت فی الّذین غیّروا دین اللّه و خالفوا ما أمر اللّه، هل رأیتم شاعرا قط تبعه أحد إنما عنی بذلک الّذین وضعوا دینا بارائهم فتبعهم النّاس على ذلک.

و یؤکّد ذلک قوله «أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِی کُلِّ وادٍ یَهِیمُونَ» یعنى یناظرون بالأباطیل و یجادلون بالحجج المضلّین و فى کلّ مذهب یذهبون «وَ أَنَّهُمْ یَقُولُونَ ما لا یَفْعَلُونَ» قال علیه السّلام یعظون النّاس و لا یتّعظون و ینهون عن المنکر و لا ینتهون، و یأمرون بالمعروف و لا یعملون، و هم الّذین قال اللّه فیهم: «أَ لَمْ تَرَ» فیهم «أَنَّهُمْ فِی کُلِّ وادٍ یَهِیمُونَ» أى فی کلّ مذهب مذهبون «وَ أَنَّهُمْ یَقُولُونَ ما لا یَفْعَلُونَ» و هم الّذین غصبوا آل محمّد حقّهم.

فظهر بذلک کلّه أنّ متابعه هؤلاء حرام، و استحلالهم استحلال ما أحلّوه و استحرام ما حرّموه غیّ و ضلال، إذ لیس لهم أن یغیّروا الأحکام من تلقاء أنفسهم، و لا أن یبدّلوا الحلال بالحرام و الحرام بالحلال.
کما أشار إلیه بقوله (و لکن الحلال ما أحلّ اللّه و الحرام ما حرّم اللّه) اللّام فی لفظی الحلال و الحرام للجنس فتفید قصر المسند الیه فی المسند کما تقدّم تحقیقه فی شرح الکلام المأه و الرابع و الأربعین عند شرح قوله علیه السّلام: ان الأئمه من قریش، و یحتمل أن تکون للعهد فتفید الحصر أیضا کما عرفته فی شرح الخطبه المأه و الثالثه و الخمسین عند شرح قوله علیه السّلام: نحن الشعار و الأصحاب، فیکون المعنى أنّ ماهیه الحلال و الحرام و حقیقتهما إذا الحلال المعهود الثابت من الشریعه أى الّذی یجوز تناوله و الحرام المعهود الثابت منها أى الّذى لا یجوز ارتکابه هو منحصر فیما أحلّه اللّه سبحانه و حرّمه و أفصح عن حلیّته و حرمته فی کتابه الکریم و لسان نبیّه الحکیم، فغیر ذلک مما أحلّه الناس و حرّموه لیس حلالا و لا حراما إذ حلال‏محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حلال إلى یوم القیامه و حرامه حرام إلى یوم القیامه.

کما یدلّ علیه ما رواه فی الکافی عن زراره قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن الحلال و الحرام فقال علیه السّلام: حلال محمّد حلال أبدا إلى یوم القیامه و حرام محمّد حرام أبدا إلى یوم القیامه لا یکون غیره و لا یجی‏ء غیره.
و قال: قال علیّ علیه السّلام: ما أحد یبدع بدعه إلّا ترک بها سنّه، هذا.

و لا یخفى علیک أنّ هذه الخطبه إن کان صدورها بعد قتل عثمان و البیعه له علیه السّلام بالخلافه کما حکیناه سابقا عن بعض الشارحین، فالأشبه على ذلک أن یکون قوله علیه السّلام: و أنّ ما أحدث النّاس إلى آخره توطئه و تمهیدا لما کان مکنونا فی خاطره من تغییر البدعات المحدثات فی أیام خلافه الثلاثه و إجراء الأحکام الشرعیّه على وجهها بعد استقرار أمر خلافته لو کان متمکّنا منه حتّى لا یعترض علیه النّاس و لا یطعنوا علیه، کما بان عنه فی بعض کلماته الاتیه فی الکتاب حیث قال: لو قد استوت قدماى من هذه المداحض لغیّرت أشیاء، و لکنّه علیه السّلام لم یتمکّن من التغییر.

و قد روى فی البحار من التهذیب عن علیّ بن الحسن بن فضّال عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعید المداینی عن مصدّق بن صدقه عن عمّار عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: سألته عن صلاه فی رمضان فی المساجد قال: لما قدم أمیر المؤمنین علیه السّلام الکوفه أمر الحسن بن علیّ علیهما السّلام أن ینادى فی النّاس لا صلاه«» فی شهر رمضان فی المساجد جماعه، فنادى فی النّاس الحسن بن علیّ علیهما السّلام بما أمره به أمیر المؤمنین علیه السّلام، فلما سمع الناس مقاله الحسن بن علیّ علیهما السّلام، صاحوا: وا عمراه وا عمراه فلما رجع الحسن إلى أمیر المؤمنین علیهما السّلام قال له: ما هذا الصّوت فقال: یا أمیر المؤمنین النّاس یصیحون وا عمراه وا عمراه، فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام: قل لهم: صلّوا، هذا.

و لما بیّن انحصار الحلال و الحرام فیما أحلّه اللّه سبحانه و حرّمه أردفه بقوله (فقد جرّبتم الامور و ضرّستموها) أى أحکمتموها بالتجربه و الممارسه، و ظهر لکم جیّدها من ردیّها و حقّها من باطلها (و وعظتم بمن کان قبلکم) أى وعظکم اللّه‏سبحانه فی کتابه بالامم الماضیه و بما جرى منه فی حقّ المؤمنین منهم من الجزاء الجمیل و ما جرى فی حقّ العاصین منهم من العذاب الوبیل (و ضربت) فی الفرقان الحکیم (الأمثال لکم) الکثیره الموضحه للحقّ من الباطل و الفارقه بینهما (و دعیتم إلى الأمر الواضح) أى إلى أمر الدّین و الاسلام الّذی أوضحه کتاب اللّه و سنّه رسوله حقّ الوضوح و لم یبق علیه ستره و لا حجاب.

و المقصود من هذه الجملات تنبیه المخاطبین على أنهم بعد ما حصل لهم هذه الأمور أعنى تجربه الأمور و أحکامها و الموعظه و ضرب الأمثال الظاهره و الدّعوه إلى الأمر الواضح یحقّ لهم أن یعرفوا أحکام الشریعه حقّ المعرفه، و أن یمیّزوا بین البدعات و السّنن إذ تلک الأمور معدّه لحصول المعرفه و لوضوح الفرق بین البدعه و السنّه و بین المجعوله و الحقیقه.

(فلا یصمّ عن ذلک) أى لا یغفل عن ما ذکر من الامور أو عن الأمر الواضح الّذى دعوا إلیه (إلّا) من هو (أصمّ) أى الغافل البالغ فی غفلته النهایه و التنوین للتفخیم و التعظیم کما فی قوله تعالى: «وَ عَلى‏ أَبْصارِهِمْ غِشاوَهٌ» أى غشاوه عظیمه و هکذا فی قوله: (و لا یعمى عنه إلّا أعمى) أى لا یضلّ عنه و لا یجهل به إلّا من هو شدید الضلال و الجهاله.
(و من لم ینفعه اللّه بالبلاء) أى بما بلاه به من المکاره و المصائب (و) ب (التجارب) المکتسبه من مزاوله الامور و مقاساه الشدائد (لم ینتفع بشی‏ء من العظه) لأنّ تأثیر البلاء و التّجارب فی النفس أشدّ و أقوى من تأثیر النصح و الموعظه، لأنّ الموعظه احاله على الغایب، و البلیه و التجربه مدرکه بالحسّ فمن لا ینفعه الأقوى لا ینفعه الأضعف بالطریق الأولى (و أتاه النقص من أمامه) أى من بین یدیه.

قال الشارح البحرانی: لأنّ الکمالات الّتی یتوجّه إلیها بوجه عقله تفوته لنقصان تجربته و وقوف عقله عنها فأشبه فوتها له مع طلبه لها إتیان النقص له من أمامه.
و قوله (حتّى یعرف ما أنکر و ینکر ما عرف) إشاره إلى غایه نقصانه، و هى الاختلاط و الحکم على غیر بصیره، فتاره یتخیّل فیما أنکره و جهله أنّه عارف بحقیقته، و تارهینکر ما کان یعرفه و یحکم بصحّته لخیال یطرأ علیه.
قال الشّارح المعتزلی: حتّى یتخیّل فیما أنکره أنّه قد عرفه و ینکر ما قد کان عارفا به و سمّى اعتقاد العرفان و تخیّله عرفانا على المجاز.

ثمّ فرّع على ما ذکر انقسام الناس إلى قسمین فقال علیه السّلام (فانّ الناس رجلان متبع شرعه) أى متشرّع آخذ بشرایع الدّین، و سالک لمنهاج الشرع المبین، و هو العامل بکتاب اللّه سبحانه و سنّته و المقتبس من نورهما و المنتفع بما فیهما من النصایح و المواعظ و الأمثال المضروبه، و هو من الّذین قال اللّه فیهم «وَ تِلْکَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما یَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ».

(و مبتدع بدعه) و هو الّذی لم ینتفع بهما بل نبذ أحکامهما ورائه و اتّبع هویه و عمل بارائه و مقایسه فأعمى اللّه قلبه عن معرفه الحقّ و أصمّه عن استماعه کما قال: صُمٌّ بُکْمٌ عُمْیٌ فَهُمْ لا یَرْجِعُونَ (لیس معه من) عند (اللّه) سبحانه (برهان سنّه و لا ضیاء حجّه) أى لیس له فیما أحدثه من البدعه دلیل علیه من سنّه و لا حجّه بیّنه واضحه من الکتاب الکریم تنجیه لوضوحها و ضیائها من ظلمه الجهل و الضلال.

قال أبو شیبه الخراسانی: سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول: إنّ أصحاب المقاییس طلبوا العلم بالمقاییس فلم تزدهم المقاییس من الحقّ إلّا بعدا و انّ دین اللّه لا یصاب بالعقول، رواه فی الکافی.
و فیه أیضا عن محمّد بن أبی عبد اللّه رفعه عن یونس بن عبد الرّحمان قال: قلت لأبی الحسن الأوّل علیه السّلام: بما اوحّد اللّه عزّ و جلّ فقال: یا یونس لا تکوننّ مبتدعا من نظر برأیه هلک، و من ترک أهل بیت نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ضلّ، و من ترک کتاب اللّه و قول نبیّه کفر.

و لما ذکر أنّ أصحاب البدع لیس لهم دلیل من سنّه یتمسّکون به و لا نور حجّه یستضیئون به أردفه بذکر ممادح القرآن تنبیها على کونه البرهان الحقّ و النّور المضی‏ء أحقّ بالاتباع و الاهتداء، و أجدر أن یقتبس من أنواره و یتّعظ بمواعظه و نصایحه، و على أنّ الراغبین عنه التابعین لأهوائهم و الاخذین بالاراءو المقاییس تائهون فی بوادى الجهاله، هائمون فی فیافی الضلاله فقال: (و إنّ اللّه سبحانه لم یعظ أحدا بمثل هذا القرآن) لأنّ الغرض من جمیع المواعظ المتضمّنه للوعد و الوعید و الترغیب و التهدید هو الجذب إلى طرف الحقّ و الارشاد إلى حظیره القدس، و القرآن أبلغ منها کلّها فی إفاده ذلک الغرض و أکمل فی تحصیل ذلک المقصود (فانه حبل اللّه المتین) من تمسّک به نجا و من ترکه فقد هوى، و وصفه بالمتانه و الاحکام لأنه حبل ممدود من الأرض إلى السماء من استمسک به فقد استمسک بالعروه الوثقى لا انفصام لها (و سببه الأمین) و وصفه بالامانه لأنه لا یخون المتوصّل به فی ایصاله إلى حظایر القدس و مجالس الانس و قرب الحقّ (و فیه ربیع القلب) لأنّ القلوب تلتذّ و تنشط و ترتاح بتلاوه آیاته و تدبّر ما فیها من المحاسن و المزایا و تفکّر ما تضمّنته تلک الایات من النکات البدیعه و اللطایف العجیبه، کما أنّ النفوس تلتذّ بأزهار الربیع و أنواره.

(و) فیه (ینابیع العلم) استعاره بالکنایه حیث شبّه العلم بالماء إذ به حیاه الأرواح کما أنّ بالماء حیاه الأبدان، و ذکر الینابیع تخییل، و فی نسخه الشارح بدل ینابیع العلم: ینابیع العلوم و المقصود واحد، و إنما کان ینابیع العلوم اذ جمیع العلوم خارجه منه لتضمّنه علم ما کان و ما هو کائن و ما یکون کما قال عزّ من قائل: «وَ لا رَطْبٍ وَ لا یابِسٍ إِلَّا فِی کِتابٍ مُبِینٍ».

(و ما للقلب جلاء غیره) إذ فیه منار الهدى و مصابیح الدّجى و التفکّر فیه یجلو القلوب من رین الشکوکات و یرتفع به عنها صدا الشبهات کما یجلو الصیقل المرات.
فان قلت: لم جعل الجلاء مقصورا فیه مع حصوله بغیره من العلوم الحقّه قلت: لما کان القرآن ینابیع جمیع العلوم حسبما عرفت یؤل حصول الجلاء بها إلى الجلاء به فی الحقیقه، أو أنّ المراد نفى الکمال أى لیس للقلب جلاء کامل غیره.

و هذا الجواب أولى مما أجاب به الشارح البحرانی من أنّ هذا الکلام صدرعنه علیه السّلام و لم یکن فی هذا الزمان علم مدوّن و لا استفاده للمسلمین إلّا من القرآن الکریم، فلم یکن إذا جلاء للقلب غیره.
وجه الأولویّه أنّ الأحادیث النبویّه کانت موجوده بأیدیهم یومئذ و الاستفاده منها کانت ممکنه لمن أرادها، و أما غیر المرید لها من الّذین على قلوبهم أقفالها فالقرآن و الحدیث بالنسبه إلیهم أیضا على حدّ سواء کما لا یخفى.
(مع أنه قد ذهب المتذکّرون) بالقرآن المتدبّرون فی معانیه المستضیئون بضیائه المقتبسون من أنواره (و بقى الناسون) له حقیقه (أو المتناسون) المظهرون للنسیان لأغراض دنیویّه.

و ارتباط هذا الکلام أعنى قوله: مع أنه آه بما سبق أنه لما ذکر ممادح القرآن و أنه أبلغ المواعظ و أجلى للقلوب، و کان الغرض منه حثّ المخاطبین و تحریصهم على اتّباعه و التذکّر به أتبعه بذلک أسفا على الماضین و تقریعا على الباقین بأنّهم لا یتذکّرون به و لا یتّبعونه و لا یتّعظون بمواعظه.
و محصّله إظهار الیأس من قبولهم للموعظه و استبعاد ذلک لما تفرّس منهم من فساد النیات و متابعه الهوى و الشهوات.

و یحتمل أن یکون توطئه و تمهیدا لما کان یریده من أمرهم باعانه الخیر و تجنّب الشرّ، یعنی مع أنّ المتذکّرین و أولى البصایر قد مضوا و لم یبق إلّا الغافلون الجاهلون و تأثیر الموعظه فیهم صعب جدا، مع ذلک أعظکم و اذکّرکم و إن لم تنفع الذکرى بقولى (فاذا رأیتم خیرا فأعینوا علیه و إذا رأیتم شرّا فاذهبوا عنه) لفظ الخیر و الشرّ و إن کان مطلقا شاملا باطلاقه لکلّ خیر و شرّ، إلّا أنّ الأشبه أن یکون نظره فیهما إلى الخیر و الشرّ المخصوصین.

بأن یکون مراده من الخیر الخیر الّذی کان یریده فی حقّهم و إن کان مکروها و کانوا لهم متنفرّین عنه بطبعهم من التسویه فی العطاء و الحمل على جادّه الوسطى و مرّ الحقّ، و یکون المراد باعانتهم علیه تسلیمهم له فی کلّ ما یأمر و ینهى و رضاهم‏بکلّ ما یفعل و یرید، و سعیهم فی مقاصده و ماربه.

و أن یکون مراده من الشرّ ما تفرّس منهم بل شاهده من قصدهم لنکث البیعه و ثوران الفتنه، و یکون المراد بالذّهاب عنه الاعراض عنه و الترک له.
و إنّما قلنا إنّ الأشبه ذلک لما حکیناه عن بعض الشراح من أنّ هذه الخطبه خطب بها فی أوائل البیعه فقرینه الحال و المقام تشعر بما ذکرناه.

و کیف کان فلما أمر علیه السّلام بما أمر أکّده بالحدیث النبویّ صلّى اللّه علیه و آله فقال (فانّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله کان یقول: یا ابن آدم اعمل الخیر و دع الشرّ) أى اترکه (فاذا أنت جواد قاصد) یحتمل أن یکون المراد بالقاصد الراشد الغیر المجاوز عن الحدّ فی سیره بأن لا یکون سریع السّیر فیتعب بسرعته، و لا بطى‏ء السّیر فیفوت الغرض ببطوئه، و أن یکون المراد به السائر فی قصد السّبیل أى غیر الخارج عن الجادّه الوسطى، و تشبیه عامل الخیر و تارک الشرّ به على الأوّل من أجل اتّصافه بالعدل فی أموره و براءته من الافراط و التفریط، و على الثانی من أجل کون سلوکه على الجادّه الوسطى و الصراط المستقیم الموصل به إلى نضره النّعیم و الفوز العظیم.

ثمّ نبّه على أقسام الظلم تلمیحا إلى مظلومیته علیه السّلام و تنبیها على أنّ ظلامته لا تترک فقال (ألا و انّ الظلم ثلاثه فظلم لا یغفر، و ظلم لا یترک، و ظلم مغفور لا یطلب، فأمّا الظلم الّذی لا یغفر فالشّرک باللّه) لما (قال اللّه سبحانه إِنَّ اللَّهَ لا یَغْفِرُ أَنْ یُشْرَکَ بِهِ) عدم الغفران بالشرک مشروط بعدم التوبه، لأنّ الأمه أجمعت على أنّ اللّه یغفره بالتوبه و إن کان الغفران مع التوبه عند المعتزله على وجه الوجوب و عندنا على وجه التفضّل و الانعام کما یأتی التصریح بذلک عن مجمع البیان.

(و أمّا الظلم الّذی یغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات) لعلّ المراد بذلک البعض الصغائر لأنّ الاجتناب عن الکبایر یکون کفاره لها کما قال تعالى: «إِنْ تَجْتَنِبُوا کَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُکَفِّرْ عَنْکُمْ سَیِّئاتِکُمْ».
و أمّا حمله على المغفره بالتوبه أو الشفاعه ففیه انّ المغفره بهما لا اختصاص لها ببعض الهنات السّیئات بل جمیع المعاصی تکون مغفوره بعد حصول التوبه و الشفاعهعلى أنّ حمله على صوره التوبه یوجب عدم الفرق بینه و بین القسم الأوّل لما عرفت هناک من الاجماع على غفران الشرک أیضا بالتوبه کسایر المعاصی صغیره أو کبیره فلا یکون على ذلک للتفکیک بین القسمین وجه.

و الحاصل أنّ الشرک و غیره مشترکان فی الغفران بالتوبه و فی عدمه بعدمها إلّا الصغائر فانّها تغفر مع عدمها أیضا إذا حصل الاجتناب عن الکبایر هذا.
و لکن ظاهر قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ لا یَغْفِرُ أَنْ یُشْرَکَ بِهِ وَ یَغْفِرُ ما دُونَ ذلِکَ لِمَنْ یَشاءُ» هو غفران ما دون الشرک مطلقا صغیرا کان أو کبیرا، بل صرّح به فی بعض الأخبار.

و هو ما رواه فی الصّافی من الکافی عن الصّادق علیه السّلام فی هذه الایه قال: الکبائر فما سواها.
و فیه منه و من الفقیه أنّه علیه السّلام سئل هل تدخل الکبایر فی مشیّه اللّه قال: نعم ذاک إلیه عزّ و جلّ إن شاء عذّب و إن شاء عفى عنها.
و فی تفسیر علیّ بن إبراهیم عند تفسیر هذه الایه قال: حدّثنی أبی عن ابن أبی عمیر عن هشام عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قلت له: دخلت الکبائر فی الاستثناء قال: نعم.

قال الطبرسیّ فی مجمع البیان فی تفسیرها: معناها أنّ اللّه لا یغفر أن یشرک به أحد و لا یغفر ذنب المشرک لأحد و یغفر ما دون الشرک من الذّنوب لمن یرید قال المحقّقون: هذه الایه أرجى آیه فی القرآن، لأنّ فیه إدخال ما دون الشرک من جمیع المعاصی فی مشیّه الغفران وقف اللّه المؤمنین الموحّدین بهذه الایه بین الخوف و الرّجاء و بین العدل و الفضل، و ذلک صفه المؤمن، و لذلک قال الصادق علیه السّلام: لو وزن رجاء المؤمن و خوفه لاعتدلا.
قال الطبرسیّ: و وجه الاستدلال بهذه على أنّ اللّه یغفر الذّنوب من غیر توبه أنه نفى غفران الشرک و لم ینف غفرانه على کلّ حال بل نفى أن یغفر من غیر توبه لأنّ الامه اجتمعت على أنّ اللّه یغفره بالتوبه و إن کان الغفران عند المعتزله على‏وجه الوجوب و عندنا على وجه التفضّل، و على هذا یجب أن یکون المراد بقوله: وَ یَغْفِرُ ما دُونَ ذلِکَ لِمَنْ یَشاءُ، أنّه یغفر ما دون الشرک من الذنوب بغیر توبه لمن یشاء من المذنبین غیر الکافرین.

و لا معنى لقول المعتزله إنّ فی حمل الایه على ظاهرها و إدخال ما دون الشرک فی المشیّه إغراء على المعصیه، لأنّ الاغراء إنّما یحصل بالقطع على الغفران فأمّا إذا کان الغفران معلّقا بالمشیّه فلا إغراء فیه. بل یکون العبد به واقفا بین الخوف و الرجاء و بهذا وردت الأخبار الکثیره من طریق الخاصّ و العامّ، و انعقد علیه اجماع سلف أهل الاسلام.
و من قال فی غفران ذنوب البعض دون البعض میل و محاباه و لا یجوز المیل و المحاباه على اللّه.

فجوابه أنّ اللّه متفضّل بالغفران و للمتفضّل أن یتفضّل على قوم دون قوم و انسان دون انسان، و هو عادل فی تعذیب من یعذّبه، و لیس یمنع العقل و الشرع من الفضل و العدل.
و من قال منهم أنّ لفظه ما دون ذلک و إن کانت عامه فی الذنوب الّتی هى دون الشرک فانما نخصّها و نحملها على الصغائر أو ما یقع منه التوبه لأجل عموم ظاهر آیات الوعید.

فجوابه إنا نعکس علیکم ذلک فنقول: بل خصّصوا ظواهر تلک الایات لعموم هذه الایه و هذا أولى لما روى عن بعض أنّه قال إنّ هذه الایه استثناء على جمیع القرآن یرید به و اللّه أعلم جمیع آیات الوعید.
و أیضا فان الصّغایر یرتفع عندکم محبطه و لا تجوز المؤاخذه بها، و ما هذا حکمه فکیف تعلّق بالمشیّه فانّ أحدا لا یقول إنی أفعل الواجب إن شئت و أردّ الودیعه إن شئت، انتهى.

و بما ذکرنا ظهر لک فساد ما توهّمه الشارح المعتزلی فانّه بعد ما ذکر أنّ الکبائر حکمها حکم الشرک عند أصحابه المعتزله فی عدم المغفره اعترض على‏نفسه بأنّ الایه صریحه فی التفکیک بینها و بینه، و أجاب بما ملخّصه أنّ المراد من لفظ الغفران هو الستر فی موقف القیامه و المراد أنّ اللّه لا یستر فی موقف القیامه من مات مشرکا بل یفضحه على رءوس الأشهاد، و أمّا من مات على کبیره من أهل الاسلام فانّ اللّه یستره فی الموقف و لا یفضحه بین الخلایق و إن کان من أهل النار، و قد یکون من أهل الکبائر ممّن یقرّ بالذّنوب من تعظم کبائره جدّا فیفضحه اللّه فی الموقف کما یفضح المشرک، فهذا معنى قوله: «وَ یَغْفِرُ ما دُونَ ذلِکَ لِمَنْ یَشاءُ» انتهى.

وجه الفساد أنّ الغفر و إن کان فی اللّغه بمعنى الستر و التغطیه إلّا أنّه فی الایات و الأخبار حیثما یطلق یراد به التجاوز عن الخطایا و العفو عن الذنوب و الستر علیها، فحمله على الستر المخصوص بالموقف خلاف ظاهر الاطلاق، و الأصل عدم التقیید فلا داعی إلى المصیر إلیه.

و أقول على رغم المعتزله أنهم لتمسّکهم بحجزه خلفائهم الضّالین المضلّین و انحرافهم عن أولیاء الدّین أساءوا ظنّهم باللّه ربّ العالمین و حکموا فی مرتکبی الکبایر من المسلمین بکونهم فی النار معذّبین کالکفّار و المشرکین، و اللّه سبحانه مجازیهم على نیّاتهم و عقیدتهم و حاشرهم یوم القیامه مع من یتولّونه ثمّ یردّهم إلى أسفل السافلین من الجحیم مخلّدین فیها و لا هم عنها یخرجون.

و أمّا نحن فلاعتصامنا بالعروه الوثقى و الحبل المتین أعنی ولایه أمیر المؤمنین و ولایه آله المعصومین نحسن ظنّنا باللّه و نرجو غفرانه و عفوه و الحشر مع أولیائنا و إن کان فی بحار الذّنوب مغرقین، و لا نظنّ فی حقّ ربّنا الغفور الرّحیم انّه یسمع فی النار صوت عبد مسلم سجن فیها بمخالفته و ذاق طعم عذابها بمعصیته و حبس بین أطباقها بجرمه و جریرته و هو یضجّ إلیه ضجیج مؤمّل لرحمته و ینادیه بلسان أهل توحیده و یتوسّل إلیه بربوبیّته، فکیف یبقى فی العذاب و هو یرجو ما سلف من حلمه و رأفته، أم کیف تؤلمه النّار و هو یأمل فضله و رحمته، أم کیف یحرقه لهبها و هو یسمع صوته و یرى مکانه، أم کیف یشتمل علیه زفیرها و هو یعلم ضعفه أم کیف یتغلغل بین أطباقها و هو یعلم صدقه، أم کیف تزجره زبانیتها و هو ینادیه یا ربّه، أم کیف یرجو فضله فی‏عتقه منها فیترکه فیها هیهات ما هکذا الظنّ به و لا المعروف من فضله، و لا مشبه لما عامل به الموحّدین من برّه و إحسانه، فبالیقین نقطع لو لا ما حکم به من تعذیب جاحدیه و قضى به من إخلاد معاندیه لجعل النار کلّها بردا و سلاما و ما کان لأحد من شیعه أمیر المؤمنین و محبّیه مقرّا و لا مقاما.«» و لقد روى فی الفقیه عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال: و لقد سمعت حبیبی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول: لو أنّ المؤمن خرج من الدّنیا و علیه مثل ذنوب أهل الأرض لکان الموت کفّاره لتلک الذّنوب ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله: و من قال لا إله إلّا اللّه باخلاص فهو برى‏ء من الشرک، و من خرج من الدّنیا لا یشرک باللّه شیئا دخل الجنّه ثمّ تلى صلّى اللّه علیه و آله هذه الایه: «إِنَّ اللَّهَ لا یَغْفِرُ أَنْ یُشْرَکَ بِهِ وَ یَغْفِرُ ما دُونَ ذلِکَ لِمَنْ یَشاءُ» من شیعتک و محبّیک یا علی قال أمیر المؤمنین علیه السّلام: فقلت: یا رسول اللّه هذا لشیعتی قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم اى و ربّی هذا لشیعتک، هذا.

(و أمّا الظلم الّذى لا یترک فظلم العباد بعضهم بعضا) فقد روى فی الکافی عن شیخ عن النخعی قال: قلت لأبی جعفر علیه السّلام إنی لم أزل والیا منذ زمن الحجّاج إلى یومی هذا فهل لی من توبه قال: فسکت ثمّ أعدت علیه فقال: لا حتّى تؤدّى إلى کلّ ذى حقّ حقّه.
و عن هشام بن سالم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: من ظلم مظلمه أخذ بها فی نفسه أو فی ماله أو فی ولده.
و عن أبی بصیر، عن أبی جعفر علیه السّلام قال: قال: ما انتصر اللّه من ظالم إلّا بظالم و ذلک قول اللّه عزّ و جلّ «وَ کَذلِکَ نُوَلِّی بَعْضَ الظَّالِمِینَ بَعْضاً».

و فیه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام عن رسول اللّه و عن أمیر المؤمنین صلوات اللّه علیهما و على آلهما: من خاف القصاص کفّ عن ظلم الناس.

(ف) انّ (القصاص هناک) أى فی الاخره مضافا إلى قصاص الدّنیا (شدید)، و یوم المظلوم على الظالم أشدّ من یوم الظالم على المظلوم، لأنّ یوم الظالم الدّنیا فقط،و یوم المظلوم الدّنیا و الاخره و المنتقم هو اللّه سبحانه و (لیس هو) أى قصاصه و انتقامه (جرحا بالمدى) و السّکاکین (و لا ضربا بالسّیاط) و العصا و نحو ذلک من مولمات الدّنیا (و لکنّه ما یستصغر ذلک معه) هو نار الجحیم و العذاب الألیم و الخزى العظیم.

قال الشارح: قد أشرت سابقا إلى أنّ فی ذکره أقسام الظلم و ما یترتّب علیها من العقوبات تلمیحا إلى مظلومیّته علیه السّلام و تنبیها على أنّ الظلم الذی وقع فی حقّه لیس بحیث یترک و یرفع الید عنه، بل یقتصّ من ظالمیه البتّه و ینتقم بمقتضى العدل و اللّه عزیز ذو انتقام، و حیث إنّ ظلامه آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أعظم ما وقع فی الأرض من المظالم حیث غصبوا خلافتهم و أحرقوا باب بیتهم و أسقطوا محسنهم و قتلوا أمیر المؤمنین و ابنیه الحسن و الحسین علیهم السّلام بالسمّ و سیف العدوان و أداروا رأسه و رأس أصحابه على الرماح و السنان، و شهروا نساءه و بناته فی الأصقاع و البلدان إلى غیر ذلک من الظلم و الطغیان الّذی یعجز عن تقریره اللّسان و یضیق عنه البیان، فلا بدّ أن یکون قصاص ظلاماتهم أشدّ و عقوبه ظالمیهم أعظم و أخزى و أحببت أن اورد بعض ما ورد فیه من الأخبار باقتضاء المقام.

فأقول: روى فی البحار من کتاب الاحتجاج عن سلیم بن قیس الهلالى عن سلمان الفارسی قال: قال أمیر المؤمنین علیه السّلام فی یوم بیعه أبی بکر: لست بقائل غیر شی‏ء واحدا ذکّرکم باللّه أیّها الأربعه- یعنینی و الزبیر و أبا ذر و المقداد- أسمعتم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: إنّ تابوتا من النار فیه اثنى عشر رجلا، ستّه من الأوّلین و ستّه من الاخرین فی جبّ فی قعر جهنّم فی تابوت مقفل على ذلک الجبّ صخره إذا أراد اللّه أن یسعر جهنّم کشف تلک الصخره عن ذلک الجبّ فاستعاذت جهنّم من وهیج ذلک الجبّ.

فسألناه عنهم و أنتم شهود، فقال النبی صلّى اللّه علیه و آله: أمّا الأوّلین فابن آدم علیه السّلام الّذی قتل أخاه، و فرعون الفراعنه، و الّذی حاجّ إبراهیم فی ربّه، و رجلان من بنی اسرائیل بدّلا کتابهما و غیّر اسنّتهما أمّا أحدهمافهوّد الیهود و الاخر نصّر النصارى و إبلیس سادسهم و الدّجال فی الاخرین.

و هؤلاء الخمسه أصحاب الصّحیفه الّذین تعاهدوا و تعاقدوا على عداوتک یا أخى و التظاهر علیک بعدی هذا و هذا حتّى عدّهم و سمّاهم، فقال سلمان: فقلنا صدقت نشهد أنّا سمعنا ذلک من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله.
و فی تفسیر علىّ بن إبراهیم عن الصّادق علیه السّلام فی قوله تعالى «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ» قال علیه السّلام: الفلق جبّ فی جهنّم یتعوّذ أهل النّار من شدّه حرّه سأل اللّه أن یأذن له فیتنفّس فأذن له فتنفّس فأحرق جهنّم، فقال علیه السّلام: و فی ذلک الجبّ صندوق من نار یتعوّذ منه أهل الجبّ من حرّ ذلک الصّندوق و هو التابوت و فی ذلک ستّه من الأوّلین و ستّه من الاخرین.

فأمّا الستّه الّتی من الأوّلین فابن آدم الّذی قتل أخاه، و نمرود إبراهیم الّذی ألقى إبراهیم فی النار، و فرعون موسى، و السامرى الّذی اتّخذ العجل، و الّذی هوّد الیهود، و الّذی نصّر النصارى.
و أمّا الستّه من الاخرین فهو الأوّل، و الثانی، و الثالث، و الرابع، و صاحب الجوارح، و ابن ملجم «وَ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ» قال علیه السّلام: الّذی یلقى الجبّ یقب فیه.

و فی البحار من الخصال و عقاب الأعمال عن إسحاق بن عمّار عن موسى بن جعفر علیهما السّلام قال لی یا اسحاق إنّ فی النّار لوادیا یقال له سقر لم یتنفّس منذ خلق اللّه لو أذن اللّه عزّ و جلّ له فی التنفس بقدر مخیط حرق ما على وجه الأرض، و إنّ أهل النار لیتعوّذون من حرّ ذلک الوادى و نتنه و قذره و ما أعدّ اللّه فیه لأهله، و انّ فی ذلک الوادی جبلا یتعوّذ جمیع أهل ذلک الجبل من حرّ ذلک الشعب و نتنه و قذره و ما أعدّ اللّه فیه لأهله، و انّ فی ذلک الشعب لقلیبا یتعوّذ جمیع أهل ذلک الشعب من حرّ ذلک القلیب و نتنه و قذره و ما أعدّ اللّه فیه لأهله، و انّ فی ذلک القلیب لحیّه یتعوّذ أهل ذلک القلیب من خبث تلک الحیّه و نتنها و قذرها و ما أعدّ اللّه فی أنیابها من السمّ للذعها، و انّ فی جوف تلک الحیّه سبعه صنادیق فیها خمسه من الأمم السالفه و اثنان‏من هذه الأمه.

قال: قلت: جعلت فداک و من الخمسه و من الاثنان قال: فأمّا الخمسه فقابیل الّذی قتل هابیل، و نمرود الّذی حاجّ إبراهیم فی ربّه و قال أنا أحیی و أمیت، و فرعون الّذی قال أنا ربّکم الأعلى، و یهود الّذی هوّد الیهود، و بولس الّذی نصّر النصارى، و من هذه الأمه: الأعرابیّان.

أقول: الأعرابیّان: الأوّل و الثّانی اللّذان لم یؤمنا باللّه طرفه عین.
و فیه من عقاب الأعمال عن حنّان بن سدیر قال: حدّثنی رجل من أصحاب أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: سمعته یقول إنّ أشدّ الناس عذابا یوم القیامه لسبعه نفر أوّلهم ابن آدم الّذی قتل أخاه، و نمرود الّذی حاجّ إبراهیم فی ربّه، و اثنان فی بنی اسرائیل هوّدا قومهما و نصّراهما، و فرعون الّذی قال أنا ربکم الأعلى، و اثنان فی هذه الامه أحدهما شرّهما فی تابوت من قواریر تحت الفلق فی بحار من نار.

و فیه من کتاب الاختصاص عن یحیى بن محمّد الفارسی عن أبیه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام عن أبیه عن أمیر المؤمنین صلوات اللّه علیه و آله قال: خرجت ذات یوم إلى ظهر الکوفه و بین یدىّ قنبر فقلت یا قنبر ترى ما أرى فقال: قد ضوء اللّه لک یا أمیر المؤمنین عمّا عمى عنه بصرى، فقلت: یا أصحابنا ترون ما أرى فقالوا: لا قد ضوء اللّه لک یا أمیر المؤمنین عمّا عمى عنه أبصارنا فقلت و الّذی فلق الحبّه و برى‏ء النسمه لترونه کما أراه و لتسمعنّ کلامه کما أسمع.

فما لبثنا أن طلع شیخ عظیم الهامه له عینان بالطول فقال: السّلام علیک یا أمیر المؤمنین و رحمه اللّه و برکاته فقلت: من أین أقبلت یا لعین قال: من الاثام، فقلت: و أین ترید فقال: الاثام، فقلت. بئس الشیخ أنت، فقال: تقول: هذا یا أمیر المؤمنین فو اللّه لأحدّثنک بحدیث عنّى عن اللّه عزّ و جلّ ما بیننا ثالث، فقلت عنک عن اللّه عزّ و جلّ ما بینکما ثالث قال: نعم.

قال: انّه لما هبطت بخطیئتی إلى السماء الرابعه نادیت إلهى و سیّدى ما أحسبک خلقت من هو أشقى منّی، فأوحى اللّه تبارک و تعالى بلى قد خلقت من هوأشقى منک فانطلق إلى مالک یریکه، فانطلقت إلى مالک فقلت: السّلام یقرئک السّلام و یقول: أرنى من هو أشقى منّى، فانطلق بی مالک إلى النّار فرفع الطبق الأعلى فخرجت نار سوداء ظننت أنها قد أکلتنی و أکلت مالکا، فقال لها: اهدئى، فهدأت، ثمّ انطلق بى إلى الطبق الثانی فخرجت نار هی أشدّ من تلک سوادا و أشدّ حمى فقال لها: أخمدى، فخمدت، إلى أن انطلق بی إلى السابع و کلّ نار یخرج من طبق یخرج أشدّ من الاولى فخرجت نار ظننت أنها قد أکلتنى و أکلت مالکا و جمیع ما خلقه اللّه عزّ و جلّ فوضعت یدی على عینی و قلت: مرها یا مالک أن تخمد و إلّا خمدت فقال: أنت لم تخمد إلى الوقت المعلوم، فأمرها فخمدت، فرأیت رجلین فی أعناقهما سلاسل النّیران معلّقین بها إلى فوق و على رؤوسهما قوم معهم مقامع النیران یقمعونهما بها، فقلت: یا مالک من هذان فقال: أو ما قرئت فی ساق العرش و کنت قرأته قبل أن یخلق اللّه الدّنیا بألفی عام لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه أیّدته و نصرته بعلىّ، فقال: هذان عدّوا ذلک و ظالماهم.

ثمّ إنّه حذّرهم عن التلوّن فی الدّین فقال (فایاکم و التلوّن فی دین اللّه) تحذیر لهم عن عدم الثبات على خلق واحد فی أمر الدّین و عن التقلّب و التذبذب فی أحکام الشرع المبین.
و الظاهر أنه راجع الى جماعه بلغه علیه السّلام من بعضهم توقّفهم فی بیعته کعبد اللّه ابن عمر و سعد بن أبی وقاص و حسّان بن ثابت و اسامه بن زید و أضرابهم، و عن بعضهم إراده النکث و النقض للبیعه بعد توکیدها مثل طلحه و الزبیر و أتباعهما.

و مرجع هذا التحذیر فی الحقیقه إلى التحذیر عن النّفاق، لأنّ المنافق لا یستقیم على رأى واحد.
و قد ذمّ اللّه المنافقین على ذلک بقوله «مُذَبْذَبِینَ بَیْنَ ذلِکَ لا إِلى‏ هؤُلاءِ وَ لا إِلى‏ هؤُلاءِ وَ مَنْ یُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِیلًا» و قال أیضا «إِنَّ الَّذِینَ آمَنُوا ثُمَّ کَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ کَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا کُفْراً لَمْ یَکُنِ اللَّهُ لِیَغْفِرَ لَهُمْ وَ لا لِیَهْدِیَهُمْ سَبِیلًا بَشِّرِ الْمُنافِقِینَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِیماً الَّذِینَ یَتَّخِذُونَ الْکافِرِینَ أَوْلِیاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِینَ»روى فی الصّافی عن العیاشی عن الصّادق علیه السّلام فی قوله: «إِنَّ الَّذِینَ آمَنُوا» قال هما و الثالث و الرابع و عبد الرحمن و طلحه و کانوا سبعه الحدیث.

و عن الصّادق علیه السّلام نزلت فی فلان و فلان و فلان آمنوا برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی أوّل الأمر «ثُمَّ کَفَرُوا» حین عرضت علیهم الولایه حیث قال من کنت مولاه فعلیّ مولاه «ثُمَّ آمَنُوا» بالبیعه لأمیر المؤمنین علیه السّلام حیث قالوا له بأمر اللّه و أمر رسوله فبایعوه «ثُمَّ کَفَرُوا» حیث مضى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فلم یقرّوا بالبیعه «ثُمَّ ازْدادُوا کُفْراً» بأخذهم من بایعوه بالبیعه لهم فهؤلاء لم یبق من الایمان شی‏ء و کیف.

فلما حذّرهم عن التلوّن الملازم للنفاق و التفرّق علّله بقوله (فانّ جماعه فیما تکرهون من الحقّ خیره من فرقه فیما تحبّون من الباطل) یعنی الاجتماع على الحقّ خیر من الافتراق على الباطل و إن کان الأوّل مکروها لکم و الثانی محبوبا لدیکم، و لعلّ المراد أنّ اجتماعکم على بیعتی و ثباتکم علیه خیر لکم عاجلا و آجلا من افتراقکم عنها ابتغاء للفتنه و حبّا لها.

و أکّد ذلک بقوله (و انّ اللّه سبحانه لم یعط أحدا بفرقه خیرا ممّا مضى و لا مما بقى) لفظه با فی الموضعین إمّا بمعنى من و یؤیّده ما فی أکثر النسخ من لفظه من بدلها فیکون المراد أنه لم یعط أحدا من السّلف و لا من الخلف خیرا بسبب الافتراق، و إمّا بمعناها الأصلی فیکون المعنى أنّه تعالى لم یعط أحدا بسبب الافتراق خیرا من الدّنیا و لا من العقبى.
و ذلک لأنّ الانسان مدنىّ بالطبع محتاج فی اصلاح أمر معاشه و معاده و انتظام اولاه و اخراه إلى التعاون و الاجتماع و الایتلاف.
و لذلک قال علیه السّلام فی کلامه المأه و السابع و العشرین: و الزموا السواد الأعظم فانّ ید اللّه على الجماعه و ایاکم و الفرقه فانّ الشاذّ من الناس للشیطان کما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب.
و قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من فارق الجماعه قدر شبر فقد خلع ربقه الاسلام عن عنقه هذا.

و لکثره فوائد الاجتماع و الایتلاف و عظم ما یترتّب علیها من الثمرات الدّنیویّه حبّ مؤکّدا فعل الجمعه و الجماعه و الأخبار الوارده فی الحثّ و الترغیب علیهما فوق حدّ الاحصاء.
(أیّها النّاس طوبى لمن شغله عیبه) و محاسبه نفسه (عن عیب الناس) و غیبتهم روى فی عقاب الأعمال عن الحسن بن زید عن جعفر عن أبیه علیهما السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: إنّ أسرع الخیر ثوابا البرّ و إنّ أسرع الشرّ عقابا البغى، و کفى بالمرء عیبا أن ینظر من النّاس إلى ما یعمى عینه من نفسه، و یعیر الناس بما لا یستطیع ترکه و یؤذى جلیسه بما لا یعنیه.

قال الطریحی فی قوله تعالى «طُوبى‏ لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ» أى طیب العیش، و قیل طوبى الخیر و أقصى الامنیه، و قیل اسم للجنّه بلغه أهل الهند، و فی الخبر عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنها شجره فی الجنّه أصلها فی دارى و فرعها فی دار علیّ علیه السّلام فقیل له فی ذلک فقال: داری و دار علیّ فی الجنّه بمکان واحد، قال و فی الحدیث هی شجره فی الجنّه أصلها فی دار النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و لیس مؤمن إلّا و فی داره غصن منها لا یخطر على قلبه شهوه إلّا أتاه ذلک الغصن، و لو أنّ راکبا مجدّا سار فی ظلّها مأئه عام ما خرج و لو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتّى سقط هرما.

(و طوبى لمن لزم بیته) قد مرّ الکلام مشبعا فی فواید العزله و ثمراتها فی شرح الفصل الثانی من الخطبه المأه و الثانیه.
فان قلت: أ لیس الاعتزال و ملازمه البیت ملازما للفرقه الّتی نهى عنها سابقا فکیف یجتمع النهی عن الفرقه مع الحثّ على العزله المستفاد من هذه الجمله الخبریّه قلت: لا تنافی بینهما، لأنّ النهى السابق محمول على الافتراق لاثاره الفتنه و طلب الباطل کما یشعر به کلامه السابق أیضا، و هذا محمول على الاعتزال لطلب الحقّ و مناجاه الرّب و تزکیه النفس من رزائل الأخلاق.

کما یدلّ علیه قوله (و أکل قوته و اشتغل بطاعه ربّه و بکى على) سالف‏(خطیئته) و موبق معصیته (فکان من نفسه فی شغل و النّاس منه فی راحه) أى یدا و لسانا.
روى فی الکافی عن أبی البلاد رفعه قال: جاء أعرابیّ إلى النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو یرید بعض غزواته فاخذ بغرز«» راحلته فقال: یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله علّمنی عملا أدخل به الجنّه، فقال صلّى اللّه علیه و آله ما أحببت أن یأتیه الناس إلیک فأته إلیهم، و ما کرهت أن یأتیه الناس إلیک فلا تأته إلیهم، خلّ سبیل الراحله.

و فیه عن عثمان بن جبله عن أبی جعفر علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ثلاث خصال من کنّ فیه أو واحده منهنّ کان فی ظلّ عرش اللّه یوم لا ظلّ إلّا ظلّه: رجل أعطى النّاس من نفسه ما هو سائلهم، و رجل لم یقدم رجلا و لم یؤخّر رجلا حتى یعلم أنّ ذلک للّه رضى، و رجل لم یعب أخاه المسلم بعیب حتّى ینفى ذلک العیب عن نفسه فانّه لا ینفى منها عیبا إلّا بدا له عیب و کفى بالمرء شغلا بنفسه عن الناس

الترجمه

پس از آن حذر نمائید از متفرّق ساختن خلقها و از برگرداندن آنها و بگردانید زبان را یک زبان، و باید که حفظ نماید مرد زبان خود را از جهه این که این زبان سرکش است بصاحب خود، قسم بخدا نمی ‏بینم بنده را پرهیز کند پرهیز کارى که منفعت بخشد او را تا این که نگه دارد زبانش را، پس بدرستی که زبان مؤمن از پشت قلب او است و بدرستی که قلب منافق از پشت زبان او است، بجهه این که اگر مؤمن بخواهد تکلّم بنماید بسخنی اندیشه می کند آن را در پیش نفس خود پس اگر خوب باشد آن سخن اظهار مى‏ نماید آن را، و اگر بد باشد پنهان مى‏ سازد او را، و بدرستى که منافق تکلّم مى ‏نماید بهر چه زبان او مى ‏آید و نمى ‏داند چه چیزى منفعت دارد باو و چه چیز ضرر دارد بر او.

و بتحقیق فرموده است حضرت رسالتماب صلوات اللّه و سلامه علیه و آله که:مستقیم نشود ایمان بنده مگر این که مستقیم شود قلب او، و مستقیم نشود قلب او مگر این که مستقیم شود زبان او، پس هر کس قدرت داشته باشد از شما باین که ملاقات کند پروردگار خود را در حالتى که پاک باشد دست او از خونهاى مسلمانان و مالهاى ایشان و سالم باشد زبان او از عرضهاى ایشان پس باید که بکند آنرا.

و بدانید اى بندگان خدا که بدرستی مرد صاحب ایمان حلال مى‏ سازد امسال آن چیزى را که حلال دانسته در سال گذشته و حرام مى‏ شمارد امسال چیزى را که حرام شمرده در سال گذشته، و بدرستی چیزى که تازه احداث کرده است آن را مردمان حلال نمى‏ نماید از براى شما هیچ چیز از آنچه که حرام گردانیده شده است بر شما، و لکن حلال منحصر است به آن چه که خدا حلال فرموده، و حرام منحصر است به آن چه که خدا حرام فرموده.

پس بتحقیق که تجربه کرده ‏اید کارها را، و محکم گردانیده ‏اید آنها را، و نصیحت داده شده ‏اید با کسانی که بوده‏ اند پیش از شما، و زده شده از براى شما مثلها، و دعوت شده ‏اید بسوى أمر روشن، پس کر نمى‏ شود در آن مگر کسى که زیاد کر باشد، و کور نمى‏ شود از آن مگر کسى که بغایت کور باشد، و آن کسى که نفع نداد او را خداى تعالى با امتحان و تجربها منتفع نشد بچیزى از موعظه و آمد او را ضرر و تقصیر از پیش او تا این که خیال می کند معرفت چیزى را که انکار داشت او را، و انکار مى ‏نماید چیزى را که معرفت داشت باو.

پس بدرستى که مردمان دو مردند: یکى آنکه پیروى کننده است شریعت را و دیگرى آنکه اختراع کننده است بدعت را در حالتى که نیست با او از جانب خداوند دلیلی از سنّت، و نه روشنی دلیلی.
و بدرستى که خداى تعالى موعظه نفرموده هیچ أحدى را بمثل این قرآن، پس بدرستى که قرآن ریسمان محکم خداست و ریسمانی است که ایمن است، و در او است بهار قلبها و چشمهاى علمها، و نیست مر قلب را جلاء و صیقلى غیر آن با وجود «ج ۱۵»این که رفتند صاحبان تذکّر، و باقی مانده است صاحبان نسیان و فراموشى یا خود را بفراموشی زنندگان، پس چون ببینید چیز نیکوئى را پس اعانت نمائید بر او، و چون مشاهده کنید چیز بدى را پس کناره‏جوئى کنید از آن پس بدرستی که حضرت رسالتماب صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مى‏فرمود که اى پسر آدم عمل کن خیر را و ترک کن شرّ را، پس این هنگام تو مى‏باشی پسندیده رفتار و پسندیده کردار.

آگاه باشید بدرستى که ظلم سه قسم است: ظلمیست که آمرزیده نمى ‏شود، و ظلمى است که ترک کرده نمى ‏شود، و ظلمیست که آمرزیده خواهد شد.
پس أما ظلمى که بخشیده نخواهد شد پس عبارتست از شرک آوردن بخدا خداوند تعالى فرموده: بدرستى که خدا نمى ‏بخشد در این که شرک آورده باو، و اما ظلمى که بخشیده خواهد شد پس آن ظلم کردن بنده است بر نفس خود در بعض اعمال قبیحه و معاصی، و أما ظلمى که متروک نمى ‏شود پس آن ظلم بندگان است بعضی بر بعضی، و دیگر قصاص ظالم در آخرت سخت و با شدّتست نه از قبیل زخم زدن است با کاردها و نه زدن با تازیانها و لیکن عذابیست که کوچک شمرده مى‏ شود این زخم و ضرب در جنب او پس بترسید از متلوّن شدن و دو رنگ بودن در دین خداى تعالى، پس بدرستى که اتفاق کردن در چیزى که ناخوش مى‏ دارید از أمر حق بهتر است از متفرّق گشتن در چیزى که دوست مى‏ دارید از أمر باطل، و بدرستى که خداى تعالى عطا نکرد أحدى را بسبب افتراق و اختلاف خیر و منفعتی نه از گذشتگان و نه از آیندگان.

اى مردمان خوشا مر آن کسى را که مشغول سازد او را عیب او از عیبهاى مردمان، و خوشا مر آن کسى را که ملازم بشود خانه خود یعنی منزوى شود و بخورد قوت حلال خود را و مشغول شود بطاعت پروردگار خود و گریه کند بگناهان خود، پس باشد از نفس خود در شغلى که مشغول او شود و مردمان از او در راحت.

منهاج ‏البراعه فی ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(الخوئی)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

بازدیدها: ۳۳

حتما ببینید

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۲۳۷/۱ شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

خطبه ۲۳۹ صبحی صالح ۲۳۹- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  ) یذکر فیها …

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

*

code