خانه / 220-240 خطبه شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی / نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۲۳۷/۱ شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۲۳۷/۱ شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

خطبه ۲۳۹ صبحی صالح

۲۳۹- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  ) یذکر فیها آل محمد ( صلى‏ الله‏ علیه ‏وآله  )

هُمْ عَیْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ یُخْبِرُکُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ‏ وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ وَ صَمْتُهُمْ عَنْ حِکَمِ مَنْطِقِهِمْ

لَا یُخَالِفُونَ الْحَقَّ وَ لَا یَخْتَلِفُونَ فِیهِ وَ هُمْ دَعَائِمُ الْإِسْلَامِ وَ وَلَائِجُ الِاعْتِصَامِ بِهِمْ عَادَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ وَ انْزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مُقَامِهِ وَ انْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ.

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج۱۵  

و من خطبه له علیه السلام و هى الخطبه السابعه و الثلاثون و المأتان یذکر فیها آل محمد صلى الله علیه و آله‏

هم عیش العلم و موت الجهل. یخبرکم حلمهم عن علمهم و صمتهم عن حکم (أو- حکم) منطقهم. لا یخالفون الحق و لا یختلفون فیه. هم دعائم الإسلام. و ولائج الاعتصام. بهم عاد الحق فی نصابه، و انزاح الباطل عن مقامه، و انقطع لسانه عن منبته. عقلوا الدین عقل وعاء و رعایه، لا عقل سماع و روایه. فإن رواه العلم کثیر، و رعاته قلیل‏.

اللغه

(دعائم) جمع الدعامه بکسر الدال و هی عماد البیت یقال دعم الشی‏ء دعما من باب منع إذا اسنده عند میله او لئلا یمیل و (الاعتصام) التمسک. قال الله تعالى:و اعتصموا بحبل الله جمیعا اى تمسکوا به. (ولائج) جمع ولیجه و هى بطانه الرجل و خاصته و صاحب سره الذى یتخذه معتمدا علیه من غیر أهله یکاشفه باسراره ثقه بمودته و یقال بالفارسیه: دوست همراز، و منه قوله تعالى‏ و لم یتخذوا من دون الله و لا رسوله و لا المؤمنین ولیجه (نصاب) الشی‏ء: أصله و حده و مرجعه و مستقره. (انزاح) من الزوح اى زال و ذهب. (وعاء) بکسر أوله و قد یضم ناقص یائی بمعنى الظرف یوعی فیه الشی‏ء سمی بذلک لأنه یجمع ما فیه من المتاع یقال: وعی الشی‏ء یعیه وعیا إذا حواه و جمعه و وعی الحدیث إذا حفظه و تدبره. و قد یبدل واو وعاء بالهمزه فیقال إعاء.

ثم إن عباره المتن فی عده من نسخ النهج من المطبوعات المصریه و الإیرانیه و شروحها المتداوله هکذا: عقلوا الدین عقل وعایه و رعایه لا عقل سماع و روایه.

و لکن الصواب ما ضبطناه فی المتن اعنى کون کلمه «وعاء» مکان «وعایه» و وعایه تحریف و تصحیف من النساخ و لما رأوا کلمه رعایه بعدها غیر و الوعاء بالوعایه ظنا منهم ان الکلام یزید به حسنا و أن الأصل کان کما ظنوا و کم من نظیر لما ذکرنا من خطاء النساخ و تحریفهم و هم یحسبون انهم یحسنون صنعا، جناس مضارع- طباق و ما علموا أن من المحسنات البدیعیه فی کلامه علیه السلام مشابهه قوله «وعاء و رعایه» بقوله «سماع و روایه» فإن الجمع بین وعاء و سماع مما یسمى فی علم البدیع جناس مضارع لتقارب الهمزه و العین فی المخرج نحو قوله تعالى‏ و هم ینهون عنه و ینأون عنه‏ و کقوله صلى الله علیه و آله الخیل معقود بنواصیها الخیر. و الجمع بین رعایه و روایه یسمى طباقا. على أن اللغه لا تساعد ما فی النسخ و کم فحصنا فی کثیر من کتب الأدب و المعاجم المتداوله فما وجدنا من وعی أن یأتی وعایه مصدرا أو غیر مصدر.

الاعراب‏

الضمیران فی مقامه و منبته یرجعان إلى الباطل و یمکن أن یرجعا إلى الحق و سیعلم الوجه فیها عند الشرح إن شاء الله تعالى.

الفاء فی قوله علیه السلام: فإن رواه العلم کثیر فصیحه تنبی‏ء عن محذوف یدل علیه ما قبلها و کأن الجمله جواب عن سؤال مقدر و التقدیر: إنما وصفهم بأنهم عقلوا الدین هکذا، فاجیب بقوله علیه السلام: لأن رواه العلم کثیر و رعاته قلیل.

و جاء فی بعض النسخ: کلمه الواو مکان الفاء، أى و إن رواه العلم کثیر و لکن الصواب ما اخترناه.

المعنى‏

قد ذکر علیه السلام قریبا من هذه الخطبه فی ذیل الخطبه الخامسه و الأربعین و المأه و هو قوله علیه السلام: و اعلموا أنکم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذی ترکه، و لن تأخذوا بمیثاق الکتاب حتى تعرفوا الذی نقضه، و لن تمسکوا به حتى تعرفوا الذی نبذه فالتمسوا ذلک من عند أهله فانهم عیش العلم و موت الجهل هم الذین یخبرکم حکمهم عن علمهم و صمتهم عن منطقهم و ظاهرهم‏ عن باطنهم لا یخالفون الدین و لا یختلفون فیه فهو بینهم شاهد صادق و صامت ناطق‏.

«عده مواضع من النهج فی أوصاف آل محمد صلى الله علیه و آله»

اعلم انه علیه السلام ذکر اوصاف آل محمد صلى الله علیه و آله فی عده مواضع من النهج:

(۱) فی آخر الخطبه الثانیه: هم موضع سره و لجاء أمره و عیبه علمه و موئل حکمه و کهوف کتبه و جبال دینه بهم أقام انحناء ظهره و أذهب ارتعاد فرائصه‏.

(۲) منها فی ذیل تلک الخطبه أیضا: لا یقاس بال محمد صلى الله علیه و آله من هذه الأمه أحد و لا یسوى بهم من جرت نعمتهم علیه أبدا هم أساس الدین و عماد الیقین الیهم یفی‏ء الغالی و بهم یلحق التالی و لهم خصائص حق الولایه و فیهم الوصیه و الوراثه الان إذ رجع الحق إلى أهله و نقل إلى منتقله‏.

(۳) الخطبه الرابعه: بنا اهتدیتم فی الظلماء و تسنمتم العلیاء و بنا انفجرتم عن السرار وقر سمع لم یفقه الواعیه- إلى أن قال فی آخرها: ما شککت فی الحق مذ اریته لم یوجس موسى خیفه على نفسه اشفق من غلبه الجهال و دول الضلال الیوم تواقفنا على سبیل الحق و الباطل من وثق بماء لم یظمأ.

(۴) فی ذیل الخطبه الخامسه و التسعین: و إنی لعلى بینه من ربی و منهاج من نبیی و إنی لعلى الطریق الواضح القطه لقطا، انظروا أهل بیت نبیکم فالزموا سمتهم و اتبعوا اثرهم فلن یخرجوکم من هدى و لن یعیدوکم فی ردى فان لبدوا فالبدوا و ان نهضوا فانهضوا و لا تسبقوهم فتضلوا و لا تتأخروا عنهم فتهلکوا. لقد رأیت أصحاب محمد صلى الله علیه و آله فما أرى أحدا منکم یشبههم لقد کانوا یصبحون شعثا غبرا قد باتوا سجدا و قیاما یراوحون بین جباهم و خدودهم و یقفون على مثل الجمر من ذکر معادهم کأن بین أعینهم رکب المعزى من طول سجودهم إذا ذکر الله هملت أعینهم حتى تبل جیوبهم و مادوا کما یمید الشجر یوم الریح العاصف خوفا من العقاب و رجاء للثواب‏.

(۵) فی ذیل الخطبه الثامنه و التسعین: ألا إن مثل آل محمد صلى الله علیه و آله کمثل‏ نجوم السماء إذا خوى نجم طلع نجم فکأنکم من الله فیکم الصنائع و أراکم ما کنتم تأملون‏.

(۶) فی الخطبه الثانیه و الأربعین و المأه: أین الذین زعموا أنهم الراسخون فی العلم دوننا کذبا و بغیا علینا أن رفعنا الله و وضعهم و أعطانا و حرمهم و أدخلنا و أخرجهم بنا یستعطی الهدى و یستجلی العمى إن الأئمه من قریش غرسوا فی هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم و لا تصلح الولاه من غیرهم‏.

(۷) فی ذیل الخطبه الخمسین و المأه: قد طلع طالع و لمع لامع و لاح لائح و اعتدل مائل و استبدل الله بقول قوما و بیوم یوما و انتظرنا الغیر انتظار المجدب المطر و إنما الأئمه قوام الله على خلقه و عرفاءه على عباده لا یدخل الجنه إلا من عرفهم و عرفوه و لا یدخل النار إلا من أنکرهم و أنکروه إن الله تعالى خصکم بالإسلام و استخلصکم له و ذلک لأنه اسم سلامه و جماع کرامه اصطفى الله تعالى منهجه و بین حججه من ظاهر علم و باطن حکم لا تفنی غرائبه و لا تنقضی عجائبه فیه مرابیع النعم و مصابیح الظلم لا تفتح الخیرات إلا بمفاتحه و لا تکشف الظلمات إلا بمصابیحه قد أحمى حماه و ارعى مرعاه فیه شفاء المشتفى و کفایه المکتفى‏.

(۸) فی ذیل الخطبه ۱۵۲: نحن الشعار و الأصحاب و الخزنه و الأبواب و لا تؤتی البیوت إلا من أبوابها فمن أتاها من غیر أبوابها سمی سارقا.

(۹) فی ذیل هذه الخطبه أیضا فی فصل علیحده: فیهم کرائم القرآن و هم کنوز الرحمان ان نطقوا صدقوا و إن صمتوا لم یسبقوا- إلى آخرها.

(۱۰) فی الخطبه ۹۲: حتى أفضت کرامه الله سبحانه إلى محمد صلى الله علیه و آله فأخرجه من أفضل المعادن منبتا و أعز الارومات مغرسا من الشجره التی صدع منها انبیاءه و انتجب منها امناءه، عترته خیر العتر و اسرته خیر الأسر و شجرته خیر الشجر نبتت فی حرم و بسقت فی کرم لها فروع طوال و ثمره لا تنال‏- إلى آخر الخطبه.

(۱۱) فی الخطبه ۱۸۷: لا یقع اسم الهجره على أحد إلا بمعرفه الحجه فی‏ الأرض فمن عرفها و أقر بها فهو مهاجر، و لا یقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجه فسمعتها اذنه و وعاها قلبه للایمان إن أمرنا صعب مستصعب لا یحتمله إلا عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإیمان و لا یعی حدیثنا إلا صدور أمینه و أحلام رزینه أیها الناس سلونی قبل أن تفقدونی فلأنا بطرق السماء أعلم منی بطرق الأرض قبل أن تشغر برجلها فتنه تطأ فی خطامها و تذهب بأحلام قومها.

(۱۲) فی ذیل الخطبه ۱۸۸: فانه من مات منکم على فراشه و هو على معرفه حق ربه و حق رسوله و أهل بیته مات شهیدا و وقع أجره على الله‏. إلى آخرها.

(۱۳) فی الحکمه ۱۴۷: اللهم بلى لا تخلوا الأرض من قائم لله بحجه إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا لئلا تبطل حجج الله و بیناته و کم ذا و أین اولئک اولئک و الله الأقلون عددا و الأعظمون قدرا یحفظ الله بهم حججه و بیناته حتى یودعوها نظراءهم و یزرعوها فی قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقیقه البصیره و باشروا روح الیقین و استلانوا ما استوعره المترفون و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون و صحبوا الدنیا بابدان أرواحها معلقه بالمحل الأعلى اولئک خلفاء الله فی أرضه و الدعاه إلى دینه آه آه شوقا إلى رؤیتهم.

(۱۴) فی ذیل الخطبه ۱۴۵ و قد ذکرناه أولا.

(۱۵) الخطبه ۲۳۷ اعنی هذه الخطبه التی نحن فی صدد شرحها.

فنقول: ذکر علیه السلام فی هذه الخطب آل محمد صلى الله علیه و آله بأوصاف ینبغی للقارئ العالم البصیر الطالب للحق أن ینظر فیها نظر دقه و تأمل و فکره حتى یزداده بصیره و إیمانا و یهدیه سبیل الحق و یهدیه فرقانا. و المقام یناسب البحث و التحقیق فی الامامه و اختیار القول الصدق و المذهب الحق.

«البحث العقلى و التحقیق العلمى فی الامامه»

و اعلم ان هذه المسأله من أعظم المسائل الخلافیه بین المسلمین بل لا یبعد أن یقال: إن جمیع الاختلافات الدینیه متفرع علیها و قال محمد الشهرستانی الأشعرى‏ المتوفى- ۵۴۸ ه- فی أوائل الملل و النحل: أول شبهه وقعت فی الخلیقه شبهه ابلیس لعنه الله و مصدرها استبدادها بالرأى فی مقابله النص و اختیاره الهوى فی معارضه الأمر و استکباره بالماده التی خلق منها و هی النار على ماده آدم علیه السلام و هی الطین- إلى أن قال: فأول تنازع فی مرضه (یعنی رسول الله صلى الله علیه و آله) علیه السلام فیما رواه محمد بن إسماعیل البخارى بإسناده عن عبد الله بن عباس قال: لما اشتد بالنبی صلى الله علیه و آله مرضه الذى مات فیه قال: ائتونی بداوه و قرطاس اکتب لکم کتابا لا تضلوا بعدى فقال:

عمر إن رسول الله قد غلبه الوجع حسبنا کتاب الله و کثر اللغط فقال النبی علیه السلام:

قوموا عنی لا ینبغی عندی التنازع قال ابن عباس: الرزیه کل الرزیه ما حال بیننا و بین کتاب رسول الله- إلى أن قال الشهرستانی: و أعظم خلاف بین الأمه خلاف الإمامه إذ ما سل سیف فی الإسلام على قاعده دینیه مثل ما سل على الإمامه فی کل زمان.

لا یخفى أن المسلمین بل سایر الأمم أیضا متفقون فی افتقار الناس إلى إمام للعلم الضرورى، من أن حال الناس عند وجود الرؤساء المطاعین و انبساط أیدیهم و نفوذ أوامرهم و نواهیهم و تمکنهم من الحل و العقد و القبض و البسط و الاحسان و الإسائه و غیرها مما ینتظم به امور معاشهم و مصالح معادهم لا یجوزان یکون کحالهم إذا لم یکونوا فی الصلاح و الفساد و هذا مما جبل علیه الناس و استقر فی عقولهم و قلوبهم و لا یصل الیه ید انکار و لا یکابر فیه أحد و لذا ترى ان العقلاء من کل قوم یلتجئون إلى نصب الرؤساء دفعا للمفاسد الناشئه على فرض عدمهم و إنما الکلام فی الرؤساء و صفاتهم مما یدل علیه العقل الناصع سواء کان فی ذلک سمع أو لم یکن فالمسأله یحتاج إلى تجرید للعقل و تصفیه للفکر و تدقیق للنظر و مجانبه المراء و تقلید الاباء فان التقلید الداء العیاء و الحذر عن التعصب و الخیلاء و الانقطاع عن الوساوس و الهواجس العامیه، و حق التأمل فی المسأله حتى یتضح الحق حق الوضوح. و نعم ما قال الشاعر:

و تعلم قد خسرنا أو ربحنا إذا فکرت فی أصل الحساب‏

فنقول: ان العقل حاکم بحسن البعثه لاشتمالها على فواید کثیره و سنذکر طائفه منها من ذی قبل انشاء الله، و بوجوبها علی الله تعالى لاشتمالها على اللطف و اللطف واجب. و بأن النبی یجب أن یکون منصوصا علیه من الله تعالى و مبعوثا من عنده بالبینات و معصوما من العصیان و السهو و النسیان و منزها عن کل ما ینفر الطبع عنه، و أفضل من سائر الناس فی جمیع الصفات الکمالیه من النفسانیه و البدنیه حتى تحن القلوب الیه و یتم الحجه على الناس.

ثم نعلم أن النبوه ختمت بخاتم النبیین محمد صلى الله علیه و آله و شریعته نسخت سائر الشرائع و دینه هو الحق و حلاله حلال إلى یوم القیامه و حرامه حرام إلى یوم القیامه و القرآن هو المعجزه الباقیه إلى قیام الساعه لا یأتیه الباطل من بین یدیه و لا من خلفه تنزیل من حکیم حمید بمعانیه و حقائقه و الفاظه‏ قل لئن اجتمعت الإنس و الجن على أن یأتوا بمثل هذا القرآن لا یأتون بمثله و لو کان بعضهم لبعض ظهیرا و إذا جرنا العقل إلى هنا فنقول اولا لابد للدین من حافظ فی کل عصر و ثانیا على ما علم قبل أن المستقر فی العقول إذا کان للناس امام مرشد مطاع فی کل عصر یخافون سطوته ینتصف للمظلوم من الظالم و یردع الظالم عن ظلمه و یحفظ الدین و یمنع الناس عن التهاوش و التحارب و ما تتسارع إلیه الطباع من المراء و النزاع و یحرضهم على التناصف و التعادل و القواعد العقلیه و الوظائف الدینیه و یدرء المفاسد الموجبه لاختلال النظام فی امورهم عنهم و یحفظ المصالح و یلم شعث الاجتماع و یدعوهم إلى وحده الکلمه و یقوم بحمایه الحوزه و رعایه البیضه و انتظام امور المعاش و المعاد و یکون لهم فی کل واقعه دینیه و دنیویه حصن حصین و حافظ أمین و یتوعدهم على المعاصی و یحملهم على الطاعات و یعدهم علیها و یصدع بالحق إذا تشاجر الناس فی حکم من أحکام الله لکانوا إلى الصلاح اقرب و من الفساد ابعد حتى قیل: إن ما یزع السلطان أکثر مما یزع القرآن و ما یلتئم بالسنان لا ینتظم بالبرهان و بالجمله فی وجوده استجلاب منافع لا تحصى و استدفاع مضار لا تخفى.

و بعد ذلک فنقول: ان العقل یدل على أن الله تعالى مرید للطاعه و کاره للمعصیه و أن الله لیس بظلام للعبید و علمنا مع وجود ذلک الرئیس الامام المطاع‏ انه کان الناس إلى فعل الطاعه أقرب و من فعل المعصیه أبعد و لنسم ما یقرب العبد إلى الطاعه و یبعده عن المعصیه من غیر الجاء باللطف و هل هو واجب عقلا على الله أم لا؟ إن قلنا لا یجب علیه تعالى مع ان ایقاع الطاعه و ارتفاع المعصیه یتوقفان على اللطف کما علمت و مع انه تعالى یرید الأولى و یکره الثانیه و یعلم أن المکلف لا یطیعه إلا باللطف فکان ناقضا لغرضه و نقض الغرض قبیح عقلا و العقلاء یذمون من اراد من غیره فعلا و هو یعلم أن ذلک الغیر لا یفعل مطلوبه إلا مع اعلامه أو ارسال إلیه و امثال ذلک، مما یتوقف حصول المطلوب علیه و لا یعمل ما یعلم بتوقف المطلوب علیه، فلا محیص إلا القول بوجوبه علیه تعالى عقلا و لذلک ان العقل یحکم بأن البعثه لطف فواجبه على الله تعالى على ان کل ما یعلمه الله تعالى من خیر و صلاح فی نظام العالم و انتظام امور بنی آدم یجب منه تعالى صدوره لان علمه بوجوه الخیر و النظام سبب للایجاب و الایجاد فیجب نصب الامام من الله سبحانه فی کل زمان.

فلو قلنا ان النبوه رئاسه عامه الهیه فی امور الدین و الدنیا و کذلک لمن یقوم مقامه نیابه عنه بعده رئاسه عامه الهیه فیهما لما قلنا شططا فکل ما دل على وجوب النبوه و نصب النبی و تعیینه على الله فهو دال کذلک على القائم مقامه بعده إلا فی تلقی الوحى الإلهی و لنسم القائم مقام النبی بالإمام و ان کان النبی اماما أیضا بذلک المعنى الذی اشیر إلیه و سیأتی البحث فی تحقیق معنى الامامه و النبوه فی تفسیر قوله تعالى‏ و إذ ابتلى إبراهیم ربه بکلمات فأتمهن قال إنی جاعلک للناس إماما الایه. إنشاء الله تعالى.

و إن شئنا ثنینا عنان البیان على التفصیل و التبیین فإن من تیسر له الاستبصار فی هذا الأمر الخطیر فقد فاز فوزا عظیما و الا فقد خسر خسرانا مبینا فنقول: إن العقل لما دل على أن وجود الامام لطف للناس فی ارتفاع القبیح و فعل الواجب و حفظ الدین و حمل الرعیه على ما فیه مصالحهم و ردعهم عما فیه مفاسدهم فهل یجوزه العقل أن یکون عالما ببعض الأحکام دون بعض، و ان یکون فی الناس من هو أعلم و أفضل‏ منه فی الصفات الکمالیه و هل یأمر الله بالطاعه المطلقه لمن یجوز علیه الخطاء و یصدر عنه الذنوب، و یسهو و ینسى، و یرتکب ما ینفر الطبع عنه، و من یکون نقص فی خلقته و عیوب فی بدنه ینزجر و ینفر النفس عن مصاحبته و مجالسته و مکالمته و من یکون غیر منصوص علیه منه تعالى أو من نبیه؟ فهذه امور فی المقام یلیق ان یبحث عنها من حیث اقتضاء العقل و حکمه فان العقل هو المتبع فی أمثال تلک الأمور.

فنقول: بعد ما استقرت الشریعه و ثبتت العباده بالأحکام و أن الامام إمام فی جمیع الأمور و هو الحاکم الحاسم لمواد النزاع و متولی الحکم فی سائر الدین و القائم مقام النبی و فرعه و خلیفته و حجه فی الشرع فلا بد من أن یکون موصوفا بصفات النبی و شبیها له فی الصفات الکمالیه و عالما بجمیع الأحکام حتى یصح کونه خلیفه له و یحسم به النزاع فی حکم من الأحکام و فی سائر الأمور و إلا فیقبح عند العقلاء خلافه من لیس بصفات المستخلف لأن غرضه لا یتم به و ذلک کما أن ملکا من الملوک إن استوزر من لیس بعارف بأمر السیاسه التی بها تنتظم امور مملکته و جیوشه و رعایاه و غیرها ذمه العقلاء بل عدوه من السفهاء بل کما أن أحدنا لو یفوض صنعه إلى رجل لا یعرفها استحق اللوم و الازارء من العقلاء فکذا فی المقام مع ان المقام اهم بمراتب منهما کما لا یخفى على البصیر العاقل و هذا مما مجرد العقل کاف فی ایجابه.

و أیضا ان أحد ما احتیج فیه إلى الامام کونه مبینا للشرع و کاشفا عن ملتبس الدین و غامضه فلابد من أن یکون فی ضروب العلم کاملا غیر مفتقر إلى غیره فولاه أمر الله خزنه علمه و عیبه وحیه و إلا یتطرق التغییر و التبدیل فی دین الله و لذا صرح الشیخ الرئیس فی آخر الشفاء فی الفصل فی الخلیفه و الامام أن الامام مستقل بالسیاسه و أنه أصیل العقل حاصل عنده الأخلاق الشریفه من الشجاعه و العفه و حسن التدبیر و أنه عارف بالشریعه حتى لا أعرف منه.

ثم إن الامامه رئاسه عامه فلو لم یکن الامام متصفا بجمیع الکمالات و الفضائل و أکمل و أفضل من کل واحد من أهل زمانه و کان فی الرعیه من هو أفضل‏ منه للزم تقدیم المفضول على الأفضل و هل یرتضى العقل بذلک؟ أ رأیت أن العقلاء لا یذمون من رجح المفضول على الفاضل؟ و هل تقدم أنت مبتدأ فی فن على من مارسه و تبحر فیه؟ و هل یجوز عقلک و یرضی بان الله الحکیم یقدم المفضول المحتاج إلى التکمیل على الفاضل المکمل؟ جرد نفسک عن العصبیه و المراء و تقلید الأمهات و الاباء فانظر بنور البصیره و الحجى فی کلامه تعالى‏ أ فمن یهدی إلى الحق أحق أن یتبع أمن لا یهدی إلا أن یهدى فما لکم کیف تحکمون‏ و لما کان المطلوب من إرسال الرسل و انزال الکتب و نصب الحجج تعلیم الناس الحکمه و تزکیتهم من الأرجاس و اقبالهم إلى عالم القدس فأى مصلحه یقتضیها التکلیف فی تقدیم المفضول على الأفضل ألیس هذا العمل نفسه بقبیح و هل القبیح إلا ما فیه مفسده؟ أرأیت هل قدم رسول الله صلى الله علیه و آله و غیره من الأنبیاء و الکملین و اولى النهى و الملوک و الأمراء مفضولا على فاضل فی واقعه قط و لو فعل واحد ذلک أما یلومه العقلاء؟ هل تجد خبرا و روایه أن رسول الله صلى الله علیه و آله قدم على أمیر المؤمنین علی علیه السلام غیره، و هل قدم على سلمان سلام الله علیه عثمان بن مظعون مثلا و نعلم أن رسول الله صلى الله علیه و آله لما نعیت إلیه نفسه أمر اسامه على أبی بکر و عمر و حث على خروج الکل من المدینه و لعن المتخلف عن جیش اسامه فکان اسامه فی أمر الحرب و سیاسه الجند و تدبیر العسکر أفضل منهما و إلا لما قدمه علیهما و لو کان بالفرض علی علیه السلام معهم هل یقدم رسول الله صلى الله علیه و آله اسامه على علی علیه السلام؟ ما أرى مسلما بصیرا فی علی علیه السلام و اسامه أن یرضى بذلک بل یعده قبیحا جدا فانه لا یشک ذو بصیره و درایه فی أن أمیر المؤمنین علیا علیه السلام کان بین الصحابه کالمعقول بین المحسوس و نسبته الیهم کنسبه النور إلى الظلمات و نسبه الحیاه إلى الممات فتشهد الفطره السلیمه على قبح تقدیم المفضول على الفاضل.

ثم لو کان الإمام عاصیا عن أمر الله تعالى و مذنبا سواء کانت الذنوب صغیره أو کبیره فنقول أولا انه لما کانت العله المحوجه إلى الإمام هی رد الظالم عن ظلمه و الانتصاف للمظلوم منه و حمل الرعیه على ما فیه مصالحهم و ردعهم عما فیه مفاسدهم و نظم الشمل و جمع الکلمه فلو کان مخطئا مذنبا لاحتاج إلى آخر یردعه عن ظلمه‏ فان الذنب ظلم و ننقل الکلام إلى ذلک الاخر فان کان معصوما من الذنوب و إلا لزم عدم تناهی الأئمه.

و أیضا إن الله تعالى لعن الظالم و نهى عن الظلم و حذر عن الرکون إلى الظلمه بقوله‏ و لا ترکنوا إلى الذین ظلموا فتمسکم النار و کذا أمر بالطاعه المطلقه للامام فلو کان الامام مذنبا لکان ظالما فیلزم التناقض فی قوله تعالى عن ذلک.

و أیضا إن الامام لما کان قدوه فی الدین و الدنیا مفترض الطاعه من الله و لو ارتکب المعصیه تتضاد التکلیف على الأمه فان اتبعته الأمه فی المعصیه فعصوا الله و إن خالفوه فیها فعاصیه أیضا.

و أیضا لو صدرت المعصیه عنه هل یجب الانکار علیه أم لا؟ فعلى الأول یلزم أن یکون مأمورا و منهیا عنه مع انه إمام آمروناه فیلزم إذا سقوط محله من القلوب فلا تنقاده النفوس فی أمره و نهیه فتنفی الفائده المطلوبه من نصبه، و على الثانی یلزم القول بعدم وجوب الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر مع انهما واجبان عقلا و سمعا و أجمع الکل بوجوبهما و معلوم بالضروره أن فعل القبیح و ترک الواجب لا یصدر إلا ممن لا یکون معصوما فان العصمه هی القوه القدسیه النوریه العلمیه اللائحه من صبح أزل العنایه الموجبه للاعتدال الخلقی و الخلقی و المزاجی المتعلقه بمثالب العصیان فی الدارین الحاصله بشده الاتصال و کمال الارتباط بمبدء العالم و عالم الأرواح فمن بلغ إلى تلک الغایه و رزق تلک القوه لا یحوم حول العصیان و لا یتطرق إلى حریم وجوده السهو و النسیان فان تلک القوه رادعه إیاه عن العصیان و ذلک العلم الحضورى و الانکشاف التام یمنعه عن السهو و النسیان فلو لم یکن الامام ذا عصمه لیصدر منه القبیح قولا و فعلا فاذن لابد أن یکون معصوما.

و نعم ما استدل المتکلم النحریر هشام بن الحکم على عصمه الامام فلنذکره لعظم فائدته فی المقام.

کلام هشام بن الحکم فی عصمه الامام‏

روى الشیخ الجلیل محمد بن علی بن بابویه المشتهر بالصدوق فی باب الأربعه من کتابه المسمى بالخصال عن محمد بن أبی عمیر قال: ما سمعت و لا استفدت من هشام ابن الحکم فی صحبتی له شیئا أحسن من هذا الکلام فی عصمه الامام فانی سألته یوما عن الامام أهو معصوم؟ فقال: نعم، فقلت: فما صفه العصمه فیه و بأی شی‏ء یعرف؟ فقال: إن جمیع الذنوب أربعه أوجه لا خامس لها: الحرص و الحسد و الغضب و الشهوه فهذه منفیه عنه. لا یجوز أن یکون حریصا على هذه الدنیا و هی تحت خاتمه لأنه خازن المسلمین فعلى ما ذا یحرص؟

و لا یجوز أن یکون حسودا لأن الإنسان إنما یحسد من فوقه و لیس فوقه أحد فکیف یحسد من هو دونه؟

و لا یجوز أن یغضب لشی‏ء من امور الدنیا إلا أن یکون غضبه لله عز و جل فان الله عز و جل قد فرض علیه إقامه الحدود و أن لا تأخذه فی الله لومه لائم و لا رأفه فی دینه حتى یقیم حدود الله عز و جل.

و لا یجوز أن یحب امور الدنیا لأن الله حبب الیه الاخره کما حبب الینا الدنیا و هو ینظر إلى الاخره کما ننظر إلى الدنیا فهل رأیت أحدا ترک وجها حسنا لوجه قبیح و طعاما طیبا لطعام مر و ثوبا لینا لثوب حسن و نعمه دائمه باقیه لدنیا زائله فانیه؟ انتهى کلامه رفع مقامه و لله دره.

أقول: و لا یخفى أن هذا الدلیل جار فی عصمه النبی صلى الله علیه و آله أیضا بل بطریق أولى.

ثم إن الشیخ الرئیس کانما أخذ من هذا ما قال فی النمط التاسع من الاشارات فی مقامات العارفین حیث قال فی آخره: العارف هش بش بسام یبجل الصغیر من تواضعه کما یبجل الکبیر و ینبسط من الخامل مثل ما ینبسط من النبیه و کیف لا یهش و هو فرحان بالحق و بکل شی‏ء فانه یرى فیه الحق و کیف لا یستوى و الجمیع عنده سواسیه أهل الرحمه قد شغلوا بالباطل- إلى أن قال: العارف شجاع و کیف لا و هو بمعزل عن تقیه الموت، و جواد و کیف لا و هو بمعزل عن محبه الباطل، و صفاح و کیف لا و نفسه أکبر من أن تخرجها زله بشر، و نساء للأحقاد و کیف لا و ذکره مشغول بالحق- إلى آخر ما قال.

ثم إذا ثبت أن الامام حجه فی الشرع و بقاء الدین و الشریعه موقوف على وجوده وجب عقلا أن ینفى عنه ما یقدح فی ذلک و ینفر عنه منها السهو و النسیان و إلا فاذا حکم فی واقعه و بین حکم الله لا تطمئن به القلوب لامکان السهو و النسیان فیه فاذا کان حافظا للشرع و لم یکن معصوما منهما لما آمن فی الشرع من الزیاده و النقصان و التغییر و التبدیل. و لم یحصل الوثوق بقوله و فعله و ذلک ینافی الغرض من التکلیف، و کذلک إذا لم یکن منزها من سائر ما تنفر الطباع عنها لا تمیل النفوس الیها و لا تشتاق إلى حضرته لنیل السعادات و درک الحقائق فلا یتم حجه الله على خلقه بل الفطره السلیمه و الرویه المستقیمه و النفوس الکریمه تأبى عن طاعه من ارتکب ما تنفر عنه من أنواع المعاصی و الفواحش الکبائر و الصغائر و لو فی سالف عمره و تاب بعد ذلک.

و أیضا لا خلاف بین المسلمین ان الامام هو المقتدا به فی جمیع الشریعه و إنما الخلاف فی کیفیته فاذا کان هو المقتدا به فی جمیع الشریعه و واجب علینا الاقتداء به فلو لم یکن مأمونا منه فعل القبیح لم نأمن فی جمیع افعاله و لا أقل فی بعضها مما یأمرنا به و یدعونا الیه فی الحدود و الدیات و القصاص و سایر أحکام العبادات و المعاملات أن یکون قبیحا و من هو مأمون منه فعل القبیح هو المعصوم لا غیر فیجب أن یکون الامام معصوما.

ثم إذا علم معنی العصمه فلابد من أن یکون الامام منصوبا من عند الله أو من رسول الله صلى الله علیه و آله أو من إمام قبله لأن العصمه أمر خفى باطنى تمییزه خارج عن طوق البشر و لا اطلاع لأحدهم علیها و لا یعلمها إلا الله تعالى على أنه لا خلاف و لا نزاع بین الأمه فی أن الامامه دافعه للضرر و أنها واجبه و إنما النزاع فی تفویض ذلک إلى الخلق لما فی ذلک من الاختلاف الواقع فی تعیین الأئمه فیؤدى إلى الضرر المطلوب زواله و لذا قال الشیخ الرئیس فی آخر الهیات الشفاء فی الفصل الخامس من المقاله العاشره فی الخلیفه و الامام: و الاستخلاف بالنص أصوب فان ذلک لا یؤدى إلى التشعب و التشاغب و الاختلاف‏.

مسلک عقلى آخر فی أمر الامامه أیضا و لما کانت هذه المسأله من أهم المسائل و اکتفى بعض الناس فیها بالاقناعیات و الخطابیات بل بالوهمیات التی لا اعتداد بها فی نصب الامام و أطفئوا نور العقل و عطلوه عن الحکم و القضاء و مالوا عن الجاده الوسطى و جانبوا الأدله القطعیه العلمیه و الأصول الیقینیه البرهانیه الهمت أن أسلک طریقه اخرى عقلیه فی تقریرها و تحریرها عسى أن یذکر من تیسر للیسرى فنقول و بالله التوفیق و بیده أزمه التحقیق: العقول حاکمه بأن أحوال العالم کلها إنما قامت على العداله و بأن الأنبیاء بعثوا لیقوم الناس بالقسط و بالعدل قامت السماوات و الأرض و به ینتظم جمیع امور الناس و به یصیر المدینه مدینه فاضله و بالعداله المطلقه یعطى کل ذی حق حقه و به تحصل الکمالات العلمیه و العملیه المستلزمه لنیل السعاده الأبدیه و القرب إلى عالم القدس و الایصال إلى المعبود الحق و هو سبب الفوز و النجاه فی الدنیا و الاخره و لو لا العدل لاختل نظام العالم و نظم اجتماع بنی آدم و تعطل الحدود و الحقوق و استولى الهرج و المرج و فسد أمر المعاش و المعاد و لزم غیرها من المفاسد التی لا تعد و لا تحصى، فالناس یحتاجون فی کل زمان إلى امام خیر مطاع حافظ للدین عن التغییر و التبدیل و الزیاده و النقصان و یکون هادى الأمه إلى ما فیه الفلاح و النجاح و رادعهم عن العدول عن الصراط المستقیم و الانحراف عن النهج القویم و عن المیل إلى الأهواء المردیه و الاراء المغویه و سائقهم إلى طریق الاستقامه التی لا میل فیها إلى جانبی الافراط و التفریط فان الیمین و الشمال مضله و الوسطى هی الجاده، و معطی کل ذی حق حقه و مقیم الحدود و مؤدى الحقوق و العدل فی کل شی‏ء هو وضع ذلک الشی‏ء فی موضعه أی إعطاء کل ذی حق حقه بحسب استعداده و استحقاقه و إعطاء کل ذی حق حقه یحتاج إلى العلم بحقائقهم و قدر استحقاقهم و استعدادهم و الاطلاع على الکلیات و الجزئیات و إحاطتها على ما هی علیه و هى غیر متناهیه فهی غیر معلومه إلا لله تعالى و لخلفائه الذین اصطفاهم، فالإمام‏ الذی بیده أزمه العدل و الحکم و الکتاب یجب أن یکون خلیفته فی الأرض و خلیفته منصوب من عنده و معصوم من العیوب مطلقا.

و کذا مستکن فی القلوب و متقرر فی الحکمه المتعالیه أن النفس بالطبع منجذبه إلى محبه مشاهده النور الأکمل و العلم الأتم و کلما کان الکمال أعلى و النور اسنى و العلم اتم و النفس أطهر کانت النفوس إلیه أطوع و میلها إلیه أشد و أکثر، و لما کانت العصمه هی العداله المطلقه الرادعه عن الانحراف و الظلم و کان الغرض الأقصى من الخلافه هو تکمیل النفوس بانقیادها للامام فیجب أن یکون الامام معصوما حتى یتحقق الغرض المطلوب منه و غیر المعصوم ناقص بالضروره عن کمال الاعتدال فی القوى الثلاث أی الحکمه و الشجاعه و العفه المستلزمه للعداله المطلقه فاذا کان ناقصا عنه یضل عن صراط الله المستقیم و لو فی حکم جزئی و الناقص المشتمل على الانحراف عن الصراط المستقیم لا یلیق أن یکون واسطه الخلق إلى الحق و قائما بهدایتهم و بالجمله إن الامامه منصب إلهى یتوقف على کمال عقله النظرى و العملی و السلامه عن العیوب و العصمه عن الذنوب لیهلک من هلک عن بینه و یحیى من حی عن بینه و إلى ما حققناه و حررناه اشار طائفه من المتألهین من الحکماء فی أسفارهم بأن الأرض لا یخلو من حجه إلهیه قط.

قال الشیخ الرئیس فی آخر الفصل الخامس من المقاله العاشره من إلهیات الشفاء فی الخلیفه و الامام و وجوب طاعتهما بعد البحث عن الفضائل: و رءوس هذه الفضائل عفه و حکمه و شجاعه و مجموعها العداله و هی خارجه عن الفضیله النظریه و من اجتمعت له معها الحکمه النظریه فقد سعد و من فاز مع ذلک بالخواص النبویه کاد أن یصیر ربا إنسانیا و کاد أن یحل عبادته بعد الله تعالى و هو سلطان العالم الأرضی و خلیفه الله فیه.

بیان: إنما عبر الامام بقوله ربا إنسانیا لأن حجه الله على خلقه لما کان بشرا واسطه بین الله و عباده لابد من أن یکون مؤیدا من عند الحکیم العلیم بالحکمه العملیه و النظریه غیر مشارک للناس على مشارکته لهم فی الخلق بکرامات إلهیه و امور قدسیه و صفات ملکوتیه فعبر الشیخ عن الجهتین أعنی الجهه البشریه و الجهه الألوهیه بقوله: ربا إنسانیا.

قال الشیخ شهاب الدین السهروردى: لا یخلو العالم من الخلیفه الذی سماه أرباب المکاشفه و أرباب المشاهده القطب، فله الریاسه و إن کان فی غایه الخمول و إن کانت السیاسه بیده کان الزمان نورانیا و إذا خلی الزمان عن تدبیر مدبر إلهى کانت الظلمات غالبه.

و قال فی شرح النصوص: لا یزال العالم محفوظا ما دام فیه هذا الإنسان الکامل ان الخلیفه ظاهر بصوره مستخلفه فی خزائنه و الله یحفظ صوره خلقه فی العالم فانه طلسم الحفظ من حیث مظهریته لأسمائه واسطه تدبیره بظهور تأثیرات أسمائه فیها.

و سیأتی من کلام أمیر المؤمنین علیه السلام لکمیل بن زیاد: اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجه إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا لئلا تبطل حجج الله و بیناته و کم ذا و أین اولئک. اولئک و الله الأقلون عددا و الأعظمون قدرا یحفظ الله بهم حججه و بیناته حتى یودعوها نظرائهم و یزرعوها فی قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقیقه البصیره و باشروا روح الیقین و استلانوا ما استوعره المترفون و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون و صحبوا الدنیا بأبدان أرواحها معلقه بالمحل الأعلى اولئک خلفاء الله فی أرضه و الدعاه إلى دینه.

«عدم تأثیر السحر و الشعبذه و أمثالهما فی الحجج الإلهیه»

تنبیه: قد علم مما قدمنا فی الحجج الالهیه أن العقل لا یجوز تأثیر السحر فیهم و غایه ما یستفاد من الأخبار المذکوره فی جوامع الفریقین أن بعض الناس کلبید ابن أعصم الیهود مثلا إنما سحر رسول الله صلى الله علیه و آله و أما أن سحره أثر فیه أثرا فممنوع فان الأصل المتبع فی تلک الأمور هو العقل فما وافقه و إلا یعرض عنه. و ما ورد من تأثیر السحر فیهم کما فی نقل: أن رسول الله صلى الله علیه و آله مرض من سحر لبید بن أعصم، و فی آخر: کان النبی صلى الله علیه و آله یرى أنه یجامع و لیس یجامع و کان یرید الباب و لا یبصره حتی یلمسه بیده، من زیادات النقله و الروات فان دأب الناس فی أمثال‏ هذه الواقعه على زیاده ما یستغرب و یتعجب منه.

قال الطبرسی فی المجمع: و هذا (یعنی تأثیر السحر فیه صلى الله علیه و آله) لا یجوز لأن من وصف بأنه مسحور فکأنه قد خبل عقله و قد أبى الله سبحانه ذلک فی قوله‏ و قال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر کیف ضربوا لک الأمثال فضلوا و لکن یمکن أن یکون الیهودى أو بناته على ما روى اجتهدوا فی ذلک فلم یقدروا علیه و اطلع الله نبیه صلى الله علیه و آله على ما فعلوه من التمویه حتى استخرج (یعنى استخراج سحر لبید من بئر ذروان) و کان ذلک دلاله على صدقه و کیف یجوز أن یکون المرض من فعلهم و لو قدروا على ذلک لقتلوه و قتلوا کثیرا من المؤمنین مع شده عداوتهم لهم.

و من تدبر و تأمل فیما حررنا من وجود الامام و أوصافه عقلا درى انه یجب أن یکون عالما بالسیاسه و بجمیع أحکام الشریعه و کل ما یحتاج الیه الناس فی تکمیل نفوسهم و نظام امورهم، و أفضل من کل واحد من رعیه عصره و أن وجوده لطف فیجب أن یکون منصوبا علیه و منصوبا من عند الله تعالى و معصوما عن الذنوب و منزها عن العیوب و عن کل ما یتنفر عنه الطبع السلیم. فمن أخذت الفطانه بیده سعد و إلا فمن لم یجعل الله له نورا فما له من نور.

«التمسک بایتین و خمسه أخبار فی الامام و صفاته»

و اعلم انما حدانی على الاتیان بتلک الأخبار و البحث عنها ما رأیت فیها من احتجاجات أنیقه مشتمله على براهین کلیه عقلیه فی اثبات المطلوب، لا من حیث انها أخبار أردنا ایرادها فی المقام و التمسک بها تعبدا، کما أن الایتین وافیتان للرشاد و السداد لو تدبرنا فیهما بالعقل و الاجتهاد و المرجو أن ینظر فیها القارى الکریم الطالب للرشاد حق النظر و یتدبر فیها حق التدبر لعله یوفق بالوصول إلى الدین الحق فان الدین الحق واحد قال عز من قائل: فما ذا بعد الحق إلا الضلال‏- و لا تتبعوا السبل فتفرق بکم عن سبیله‏. ثم لیعلم أن الایات و الأخبار فی الدلاله على ذلک أکثر منها و لکنا اکتفینا بها روما للاختصار.

أما الایتان فاولیهما قوله عز و جل (البقره الایه ۱۱۹): و إذ ابتلى إبراهیم‏ ربه بکلمات فأتمهن قال إنی جاعلک للناس إماما قال و من ذریتی قال لا ینال عهدی الظالمین‏.

أقول: الامام هو المقتدى به کما یقال إمام الصلاه لأنه یقتدى به و یأتم به و کذلک یقال للخشبه التی یعمل علیها الاسکاف امام من حیث یحذو علیها و للشاقول الذی فی ید البناء إمام من حیث إنه یبنى علیه و یقدر به و لا کلام فی ان الامام الذی نصبه الله تعالى لعباده مقتدى به فی جمیع الشریعه و به یهتدون و الامام هادى الناس بأمر الله تعالى و کفى فی ذلک شاهدا قوله تعالى فی کتابه الکریم: و وهبنا له إسحاق و یعقوب نافله و کلا جعلنا صالحین و جعلناهم أئمه یهدون بأمرنا (الأنبیاء- ۷۳) و قوله تعالى: و جعلنا منهم أئمه یهدون بأمرنا لما صبروا و کانوا بآیاتنا یوقنون‏ (السجده- ۲۴) حیث قرن الإمامه بالهدایه التی هی بأمر الله تعالى أى الامام یهدى الناس إلى سواء السبیل بأمره تعالى و سنوضح ذلک مزید ایضاح.

ثم انه ذکر غیر واحد من المفسرین کالنیسابورى و صاحب المنار و غیرهما أن المراد بالامامه الرساله و النبوه و قال الأول: الأکثرون على أن الامام ههنا النبی لأنه جعله إماما لکل الناس فلو لم یکن مستقلا بشرع کان تابعا لرسول و یبطل العموم، و لأن اطلاق الامام یدل على أنه إمام فی کل شی‏ء و الذی یکون کذلک لا بد أن یکون نبیا، و لأن الله تعالى سماه بهذا الاسم فی معرض الامتنان فینبغی أن یحمل على أجل مراتب الامامه کقوله تعالى‏ و جعلناهم أئمه یهدون بأمرنا لا على من هو أدون ممن یستحق الاقتداء به فی الدین کالخلیفه و القاضی و الفقیه و امام الصلاه و لقد أنجز الله تعالى هذا الوعد فعظمه فی عیون أهل الأدیان کلها و قد اقتدى به من بعده من الأنبیاء فی اصول مللهم ثم أوحینا الیک أن اتبع مله إبراهیم حنیفا و کفى به فضلا أن جمیع امه محمد صلى الله علیه و آله یقولون فی صلاتهم: اللهم صل على محمد و آل محمد کما صلیت على إبراهیم و آل إبراهیم. (انتهى)

أقول: الصواب أن إبراهیم علیه السلام فاز بالامامه بعد ما کان نبیا و الامامه فی الایه غیر النبوه و ذلک لوجهین: الأول أن جاعل عمل فی قوله تعالى إماما اعنی‏ إن اماما مفعول ثان لقوله جاعلک و اسم الفاعل انما یعمل عمل الفعل و ینصب مفعوله و لا یضاف الیه إذا کان بمعنی الحال أو الاستقبال و أما إذا کان بمعنی الماضی فلا یعمل عمل الفعل کذلک و لا یقال زید ضارب عمرا أمس نعم إذا کان صله لأل فیعمل مطلقا کما حقق فی محله.

حکى انه اجتمع الکسائی و أبو یوسف القاضی عند الرشید فقال الکسائی:أبا یوسف لو قتل غلامک فقال رجل أنا قاتل غلامک بالإضافه، و قال آخر أنا قاتل غلامک بالتنوین فأیهما کنت تأخذ به؟ فقال القاضی کنت أخذتهما جمیعا. فقال الکسائی أخطأت إنما یؤخذ بالقتل الذی جر دون النصب. و الوجه فیه أن اسم الفاعل المضاف بمعنى الماضی فیکون إقرارا و غیر المضاف یحتمل الحال و الاستقبال أیضا فلا یکون إقرارا. و ما نحن فیه من قبیل الثانی کما لا یخفى.

و بالجمله إذا کان اسم الفاعل یعمل عمل فعله إذا لم یکن بمعنی الماضی فالایه تدل على انه تعالى جعل ابراهیم إماما إما فی الحال أو الاستقبال و على أى حال کانت النبوه حاصله له قبل الامامه فلا یکون المراد بالامامه فی الایه النبوه.

و فی الکافی عن الصادق علیه السلام و فی الوافی ص ۱۷ م ۲) قال إن الله تبارک و تعالى اتخذ إبراهیم عبدا قبل أن یتخذه نبیا و أن الله اتخذه نبیا قبل أن یتخذه رسولا و أن الله اتخذه رسولا قبل أن یتخذه خلیلا و أن الله اتخذه خلیلا قبل أن یتخذه (أن یجعله- خ ل) إماما فلما جمع له الأشیاء قال إنی جاعلک للناس إماما فمن عظمها فی عین إبراهیم قال و من ذریتی قال لا ینال عهدى الظالمین قال لا یکون السفیه إمام التقى. انتهى فرتب هذه الخصال بعضها على بعض لاشتمال کل لاحق منها على سابقه مع زیاده حتى انتهى إلى الإمامه المشتمله على جمیعها فهى أشرف المقامات و أفضلها.

و فیه أیضا قال أبو عبد الله علیه السلام: الأنبیاء و المرسلون على أربع طبقات: فنبی منبأ فی نفسه لا یعد و غیرها، و نبی یرى فی النوم و یسمع الصوت و لا یعاینه فی الیقظه و لم یبعث إلى أحد و علیه إمام مثل ما کان إبراهیم على لوط علیهما السلام، و نبی یرى‏ فی منامه و یسمع الصوت و یعاین الملک و قد ارسل إلى طائفه قلوا أو کثروا کیونس قال الله تعالى لیونس: و أرسلناه إلى مائه ألف أو یزیدون‏ و قال: یزیدون ثلاثین ألفا و علیه إمام، و الذى یرى فی منامه و یسمع الصوت و یعاین فی الیقظه و هو إمام مثل اولى العزم و قد کان إبراهیم علیه السلام نبیا و لیس بامام حتى قال الله إنی جاعلک للناس إماما قال و من ذریتی فقال الله لا ینال عهدى الظالمین من عبد صنما او وثنا لا یکون إماما.

الوجه الثانی ان الایه تدل على أن الله تعالى لما ابتلاه و اختبره بانواع البلاء جعله إماما و من ابین البلاء له ذبح ولده إسماعیل کما قال تعالى‏ فبشرناه بغلام حلیم فلما بلغ معه السعی قال یا بنی إنی أرى فی المنام أنی أذبحک فانظر ما ذا ترى‏- إلى أن قال- إن هذا لهو البلاء المبین‏ (الصافات ۱۰۷) و وهبه الله إسماعیل فی کبره کما قال فی السوره المسماه باسمه‏ الحمد لله الذی وهب لی على الکبر إسماعیل و إسحاق إن ربی لسمیع الدعاء (إبراهیم: ۴۳) فکان علیه السلام نبیا قبل أن کان إماما.

و کذلک نقول: إن مما ابتلاه الله تعالى به قضیه ابتلائه بالأصنام و قال الله تعالى:و اذکر فی الکتاب إبراهیم إنه کان صدیقا نبیا إذ قال لأبیه یا أبت لم تعبد ما لا یسمع و لا یبصر و لا یغنی عنک شیئا- إلى أن قال: فلما اعتزلهم و ما یعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق و یعقوب و کلا جعلنا نبیا (مریم: ۵۱) فنص الله تعالى بانه کان حین یخاطب أباه صدیقا نبیا و قال فی الایه الأولى‏ و إذ ابتلى إبراهیم ربه بکلمات فأتمهن قال إنی جاعلک للناس إماما فلم یکن حین ابتلائه بالأصنام إماما بل کان نبیا و رزق الإمامه بعد ذلک.

فاذا ساقنا الدلیل إلى أن الإمامه فی الایه غیر النبوه فنقول کما فی المجمع:ان المستفاد من لفظ الامام أمران: أحدهما انه المقتدى به فی أفعاله و أقواله، و الثانی انه الذی یقوم بتدبیر الأمه و سیاستها و القیام بامورها و تأدیب جناتها و تولیه ولاتها و إقامه الحدود على مستحقیها و محاربه من یکیدها و یعادیها، فعلى الوجه الأول‏ لا یکون نبی من الأنبیاء إلا و هو إمام، و على الوجه الثانی لا یجب فی کل نبی أن یکون إماما إذ یجوز أن لا یکون مأمورا بتأدیب الجناه و محاربه العداه و الدفاع عن حوزه الدین و مجاهده الکافرین.

ثم إن معنى الإمامه فی الایه لیس مجرد مفهوم اللفظ منها بل هی الموهبه الالهیه یهب لمن یشاء من عباده الصابرین الموقنین کما قال عز من قائل‏ و جعلنا منهم أئمه یهدون بأمرنا لما صبروا و کانوا بآیاتنا یوقنون‏ (السجده: ۲۴) و إنما اطلق الصبر و لم یذکر متعلقه بأنهم صبروا فیما ذا؟ لیعم صبرهم فی أنواع البلاء. فالامامه هی الولایه من الله تعالى لهدایه الناس بأمر الله تعالى التی توجب لصاحبها التصرف فی العالم العنصرى و تدبیره باصلاح فساده و اظهار الکمالات فیه لاختصاص صاحبها بعنایه الهیه توجب له قوه فی نفسه لا یمنعها الاشتغال بالبدن عن الاتصال بالعالم العلوى و اکتساب العلم الغیبی منه، فبذلک التحقیق و بما بیناه فی أبحاثنا الماضیه یظهر جواب ما استدل النیسابورى و غیره على ان المراد بالإمام هو النبی.

ثم ان الایه تدل على أن الإمام الهادى للناس بأمره تعالى یجب أن یکون منصوصا من عند الله تعالى حیث قال تعالى: إنی جاعلک للناس إماما کما لا یخفى على من له أدنى دربه فی اسالیب الکلام. و العجب من النیسابورى حیث قال فی تفسیره: ثم القائلون بأن الإمام لا یصیر إماما إلا بالنص تمسکوا بهذه الایه و أمثالها من نحو: إنی جاعل فی الأرض خلیفه- یا داود إنا جعلناک خلیفه، و منع بأن الإمام یراد به ههنا النبی سلمنا ان المراد به مطلق الإمام لکن الایه تدل على ان النص طریق الإمامه و ذلک لانزاع فیه إنما النزاع فی انه لا طریق للامامه سوى النص و لا دلاله فی الایه على ذلک انتهى. و بما حققناه و بیناه فی المقام یظهر لک أن کلامه هذا فی غایه السقوط. نعم انه أنصف فی المقام و قال:

و فی الایه دلیل على انه علیه السلام کان معصوما عن جمیع الذنوب لأنه لو صدرت عنه معصیه لوجب علینا الاقتداء به و ذلک یؤدى إلى کون الفعل الواحد ممنوعا منه مندوبا إلیه و ذلک محال.

قوله تعالى: و من ذریتی قال لا ینال عهدی الظالمین‏. عطف على الکاف من جاعلک و ان شئت قلت: و من ذریتی تتعلق بمحذوف تدل علیه کلمه جاعلک و من للتبعیض أى اجعل بعض ذریتی إماما کما یقال ساکرمک فتقول و زیدا و إنما طلب الإمامه لبعض ذریته لعلمه بان کلهم لا یلیق بها لأن ناسا غیر محصورین لا یخلو فیهم من ظالم غالبا قال الله تعالى: سلام على إبراهیم کذلک نجزی المحسنین إنه من عبادنا المؤمنین و بشرناه بإسحاق نبیا من الصالحین و بارکنا علیه و على إسحاق و من ذریتهما محسن و ظالم لنفسه مبین‏ (الصافات ۱۱۵).

و أفاد بعض المفسرین انه قد جرى إبراهیم على سنه الفطره فی دعائه هذا فان الانسان لما یعلم من أن بقاء ولده بقاء له یحب أن تکون ذریته على أحسن حال یکون هو علیها لیکون له حظ من البقاء جسدا و روحا. و من دعاء إبراهیم الذی حکاه الله عنه فی السوره المسماه باسمه‏ رب اجعلنی مقیم الصلاه و من ذریتی‏ (إبراهیم: ۴۰) و قد راعی الأدب فی طلبه فلم یطلب الإمامه لجمیع ذریته بل لبعضها لأنه الممکن، و فی هذا مراعاه لسنن الفطره أیضا و ذلک من شروط الدعاء و آدابه فمن خالف فی دعائه سنن الله فی خلیقته او فی شریعته فهو شریعته فهو غیر جدیر بالاجابه بل هو سیئ الأدب مع الله تعالى لأنه یدعوه لأن یبطل لأجله سنته التی لا تتبدل و لا تتحول أو ینسخ شریعته بعد ختم النبوه و اتمام الدین.

و العهد فی الایه الإمامه التی اعطاها الله تعالى إبراهیم و إنما سمیت تلک الریاسه الالهیه عهد الله لاشتمالها على کل عهد عهد به الله تعالى إلى بنی آدم کقوله تعالى‏ و لقد عهدنا إلى آدم من قبل‏- و إذ أخذنا من النبیین میثاقهم‏.

و من عظمها و شرافتها فی عین إبراهیم سأل الإمامه لبعض ذریته فأجابه الله تعالى بأن الإمامه عهده و لا یناله الظالمون یقال: نال خیرا ینال نیلا أى أصاب و بلغ منه. و بین الله تعالى ان عهده ذو مقام منیع و درجه رفیعه لا یصل الیه ید الظالم القاصره.

و أیضا دلت الایه على أن بعض ذریته الظالم لا ینال عهد الله لأن الظالم لیس‏ بأهل لأن یقتدى به فلم ینف الله تعالى الإمامه عن ذریته مطلقا و إلا لکان یقول:

لا ینال عهدى ذریتک مثلا بل ذکر المانع من النیل إلى ذلک المنصب الالهی مطلقا و هو الظلم و ذلک کما ترى أن الله جعل الإمامه فی بعض أولاده و احفاده کاسماعیل و إسحاق و یعقوب و یوسف و موسى و هارون و داود و سلیمان و أیوب و یونس و زکریا و یحیى و عیسى و الیاس ثم أفضلهم و أشرفهم محمد صلى الله علیه و آله و الله تعالى اثنى علیهم فی الکتاب بثناء مستطاب. فالایه تدل على ان الإمامه التی جعلها لابراهیم علیه السلام لا ینالها من کان ظالما من ذریته فعلم من الایه أمران: أحدهما أن الإمامه لا یکون إلا فی ذریته، و الثانی انه لا ینالها من عند الله من هو موصوف بالظلم منهم. فعلم أن کل ظالم من ذریه إبراهیم لا یصلح أن ینال الإمامه و الولایه من قبل الله و لا یکون ممن رضی الله بامامته و ولایته و إلا لزم الکذب فی خبره هذا خلف فکل ظالم تولى امور المسلمین باستیلائه و قهره و کثره أعوانه و أنصاره لا یکون إماما من الله و لا ممن رضی الله بإمامته و الا لکان قد جعله إماما و کذا لا تکون مجعولا من رسله و لا من خواص أولیائه لنص الایه الدال على أن الله تعالى لا یجعل الإمامه و لا ینالها منه من کان ظالما.

ثم إن أصحابنا الإمامیه استدلوا بهذه الایه على أن الإمام لا یکون إلا معصوما عن القبایح لأن الله سبحانه نفی أن ینال عهده الذی هو الإمامه ظالم فمن لیس بمعصوم فهو ظالم إما لنفسه و إما لغیره و من لم یتصف بالعصمه لا یتصف بالاستقامه و الاعتدال المتصفین بهما أهل الولایه عن الله فیتحقق المیل عن الوسط و الخروج عن الصراط المستقیم فیکون من أحد الجانبین إما من المغضوب علیهم أو الضالین فان قیل: إنما نفی أن یناله ظالم فی حال ظلمه فاذا تاب لا یسمى ظالما فیصح أن یناله. فالجواب أن الظالم و ان تاب فلا یخرج من أن تکون الایه قد تناولته فی حال کونه ظالما فاذا نفی أن یناله فقد حکم علیه بأنه لا ینالها و الایه مطلقه غیر مقیده بوقت دون وقت فیجب أن تکون محموله على الأوقات کلها فلا ینالها الظالم و ان تاب فیما بعد (قاله فی المجمع).

و بالجمله ان عموم ظاهر الایه یقتضی ان الظالم فی حال من الأحوال لا ینال الإمامه و من تاب بعد کفر أو فسق و إن کان بعد التوبه لا یوصف بانه ظالم فقد کان ممن تناوله الاسم و دخل تحت الایه و إذا حملناها على أن المراد بها من دام على ظلمه و استمر علیه کان هذا تخصیصا بغیر دلیل.

أقول: فالایه تدل على ابطال إمامه غیر علی علیه السلام لانهم کانوا مشرکین قبل الاسلام و عبدوا الأصنام بالاتفاق و کل مشرک ظالم و قال الله تعالى‏ إن الشرک لظلم عظیم‏ فکل ظالم لا ینال عهد الإمامه. و لذا قال الصادق علیه السلام: من عبد صنما أو وثنا لا یکون إماما و نعم ما نظم الحسین بن علی الکاشفی حیث قال فی قصیده فارسیه له:

ذریتی سؤال خلیل خدا بخوان‏ و ز لا ینال عهد جوابش بکن أدا
گردد ترا عیان که امامت نه لائق است‏ آنرا که بوده بیشتر عمر در خطا

و قال الزمخشرى فی الکشاف فی بیان قوله تعالى و لا ینال عهدی الظالمین‏:

اى من کان ظالما من ذریتک لا یناله استخلافی و عهدى الیه بالامامه و إنما ینال من کان عادلا بریئا من الظلم و قالوا: فی هذا دلیل على ان الفاسق لا یصلح للامامه و کیف یصلح لها من لا یجوز حکمه و شهادته و لا تجب طاعته و لا یقبل خبره و لا یقدم للصلاه و کان أبو حنیفه یفتی سرا بوجوب نصره زید بن علی رضوان الله علیهما و حمل المال الیه و الخروج معه على اللص المتغلب المتسمى بالامام و الخلیفه کالدوانیقی و أشباهه و قالت له امرأه: أشرت على ابنی بالخروج مع إبراهیم و محمد ابنى عبد الله بن الحسن حتى قتل فقال: لیتنی مکان ابنک، و کان یقول فی المنصور و أشیاعه: لو أرادوا بناء مسجد و أرادونی على عد آجره لما فعلت. و عن ابن عیینه (و عن ابن عباس- خ ل) لا یکون الظالم إماما قط و کیف یجوز نصب الظالم للامامه و الإمام إنما هو لکف الظلمه فاذا نصب من کان ظالما فی نفسه فقد جاء المثل السائر: من استرعى الذئب ظلم. انتهى.

إن قلت: إن یونس صلوات الله علیه نال عهد الله الذی هو الإمامه مع أن الله تعالى حکى عنه أنه قال: سبحانک إنی کنت من الظالمین (الأنبیاء: ۸۹)

أقول: ان الظلم فیه محمول على ترک الأولى کما فی حق آدم صلوات الله علیه حیث قال: ربنا ظلمنا أنفسنا و بالجمله ما ورد فی القرآن و الأخبار مما یوهم صدور الذنب عن الأنبیاء و خلفائهم الحق محمول على ترک الأولى جمعا بین ما دل العقل علیه و بین صحه النقل لأن المتبع فی اصول العقائد هو العقل و هو الأصل فیها و کل ما ثبت بدلیل قاطع فلا یجوز الرجوع عنه على أن لتلک الایات و الأخبار ذکرت وجوه و محامل أتى بها العلماء فی مواضعه و علیک فی ذلک بکتاب تنزیه الأنبیاء للسید المرتضى علم الهدى فانه شفاء العلیل.

و من أحسن ما قیل فی المقام: ان تلک الظواهر داله على عظم شأنهم و علو مرتبتهم إذ معاتبه الحکیم لهم على تلک الأفعال التی هی فی الحقیقه لا توجب العصیان و المخالفه دلیل على أنهم فی محل یقتضی تلک المعاتبه تنزیها لهم و تفخیما لأمرهم و تعظیما لشأنهم عن ملابسه ما لا یلیق بمراتبهم إذ هم دائما فی مرتبه الحضور الموجبه لعدم التفاتهم إلى غیر الحق و کان وقوع ذلک منهم فی بعض الحالات أو مع شی‏ء من الاشتغالات البدنیه و الانجذاب فی بعض الأحیان إلى الأمور و المادیه موجبا لتلک المعاتبه.

و بالجمله ان الحجج الالهیه لما کانوا فی نهایه القرب من الله تعالى و کمال الاتصال بجنابه و تمام الحضور إلى حضرته و کانوا أیضا مع تلک المرتبه الشامخه فی العوائق و العلائق البدنیه اللازمه للبشریه رین مع الرعیه للإرشاد و التبلیغ قد یعرض لهم فی تلک الأطوار و الشئونات البشریه امور یعدونه سیئات و إن لم تکن فی الحقیقه بقبائح و سیئات فیتضرعون إلى الله تعالى بقولهم ربنا ظلمنا أنفسنا أو سبحانک إنی کنت من الظالمین. فان المخلصین على خطر عظیم.

و بذلک ظهر سر الحدیث المروى عن رسول الله صلى الله علیه و آله: حسنات الأبرار سیئات المقربین.

ثم اعلم أن إبراهیم علیه السلام لما طلب الإمامه لبعض ذریته فکان یکفی فی جوابه ان یقال: نعم، مثلا لکنه لما لم یکن نصا فی ان الظالم لا ینال الإمامه لأنه کان‏

یشمل حینئذ الظالم و غیره و کذا لو قال ینال عهدى المؤمنین مثلا لما کان أیضا نصا فی خروج الظالم غایه ما یقال حینئذ خروجه بالمفهوم فنص بالظالم لخروجه عن نیل عهد الله تعالى اعنی الإمامه بقوله لا ینال عهدى الظالمین. کما نص أیضا بأن أمر الظالم لیس برشید و من اتبعه فجزاءه جهنم، فی قوله: و لقد أرسلنا موسى بآیاتنا و سلطان مبین إلى فرعون و ملائه فاتبعوا أمر فرعون و ما أمر فرعون برشید یقدم قومه یوم القیامه فأوردهم النار و بئس الورد المورود و أتبعوا فی هذه لعنه و یوم القیامه بئس الرفد المرفود (هود: ۱۰۲).

ثم إن الله تعالى ذکر فی کتابه العزیز کثیرا من صفات من جعله إماما للناس بقوله:

۱- لا ینال عهدی الظالمین‏. فرتبه الإمامه و درجه الولایه اعلى و ارفع من أن ینالها الظالم و بهذه الایه بین أیضا أن الإمام منصوب من عنده کما دریت.

۲- إن إبراهیم کان أمه قانتا لله حنیفا و لم یک من المشرکین شاکرا لأنعمه اجتباه و هداه إلى صراط مستقیم و آتیناه فی الدنیا حسنه و إنه فی الآخره لمن الصالحین‏ (النحل: ۱۲۵) فمن صفات الإمام أن یکون ممن اجتباه الله فهو نص فی ان الإمام یجب أن یکون منصوبا من الله تعالى و أن یکون مهدیا بهدى الله تعالى إلى صراط مستقیم و أن لا یکون من المشرکین. فافهم و تدبر حق التدبر.

۳- إن إبراهیم لحلیم أواه منیب‏ (هود: ۷۹).

۴- و لقد آتینا إبراهیم رشده من قبل و کنا به عالمین‏ (الأنبیاء: ۵۴).

۵- و وهبنا له إسحاق و یعقوب نافله و کلا جعلنا صالحین و جعلناهم أئمه یهدون بأمرنا و أوحینا إلیهم فعل الخیرات و إقام الصلاه و إیتاء الزکاه و کانوا لنا عابدین‏ (الأنبیاء: ۷۵) فالامام یهدى بأمره تعالى و یوحى الیه فعل الخیرات.

۶- و جعلنا منهم أئمه یهدون بأمرنا لما صبروا و کانوا بآیاتنا یوقنون‏ (السجده: ۲۶).

۷- و من یرغب عن مله إبراهیم إلا من سفه نفسه و لقد اصطفیناه فی الدنیا

و إنه فی الآخره لمن الصالحین إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمین‏ (البقره: ۱۲۷).

فمن اتصف بهذه الأوصاف الملکوتیه و اید بهذه التأییدات السماویه فهو إمام فطوبى لمن عقل الدین عقل رعایه و درایه.

الایه الثانیه قوله تعالى‏ یا أیها الذین آمنوا أطیعوا الله و أطیعوا الرسول و أولی الأمر منکم فإن تنازعتم فی شی‏ء فردوه إلى الله و الرسول إن کنتم تؤمنون بالله و الیوم الآخر ذلک خیر و أحسن تأویلا (النساء آیه ۵۷).

و الایه تدل على امور: الأول أن إطاعه الرسول صلى الله علیه و آله فیما أمر به و نهى عنه واجبه کما أن اطاعه الله تعالى واجبه فلیس لأحد أن یقول: حسبنا کتاب الله فلا حاجه لنا إلى الأخبار المرویه عن الرسول و العمل بها، و ذلک لأن هذا القول نفسه رد الکتاب و لو کان کتاب الله وحده کافیا لما أفرد الأمر بطاعه الرسول صلى الله علیه و آله بقوله عز من قائل: أطیعوا الرسول‏ بعد قوله: أطیعوا الله‏. و نظیر الایه قوله تعالى:من یطع الرسول فقد أطاع الله‏ و قوله تعالى: و ما آتاکم الرسول فخذوه و ما نهاکم عنه فانتهوا و قوله تعالى‏ و ما ینطق عن الهوى إن هو إلا وحی یوحى‏ فقد أخطا من قال: حسبنا کتاب الله و اعرض عن قول رسول الله صلى الله علیه و آله.

الأمر الثانی أن الله تعالى أوجب على الناس اطاعه أولى الأمر کما أوجب اطاعته و اطاعه رسوله فالحرى بالطالب نهج القویم أن یرى بعین العلم و المعرفه رأیه فی معنى اولى الأمر و مراده عز و جل منهم فنقول: قد فسر بعضهم اولى الأمر بالأمراء و بعض آخر و منهم الفخر الرازى فی تفسیره بالعلماء و لا یخفى أن المعنى الثانی عدول عن الصواب جدا فان اولى الأمر هم مالکو الأمر و مالک الأمر من بیده الحل و العقد و الأمر و النهى و التدبیر و السیاسه و ما فیه تنظیم امور الناس دینیه کان أو دنیویه، فکیف یجوز تفسیر اولى الأمر بالعلماء سیما فی کلام الله الذى هو فی غایه الفصاحه و نهایه البلاغه و معجزه النبوه الباقیه و هل هذا الا الخروج عن مجرى الفصاحه و الورود فی مورد السخافه.

أما مراده عز و جل من اولى الأمر فنقول: إنا نعلم بتا أن کثیرا من الخلفاء و الأمراء کمعاویه و یزید و الولید و الحجاج و آل امیه و بنی مروان و الخلفاء العباسیین و أمثالهم قدیما و حدیثا لعبوا بالدین و اتخذوا کتاب الله سخریا و فعلوا من الفواحش و المنکرات و فنون الظلم و المنهیات من سفک الدماء و أخذ أموال الرعیه ظلما و شرب الخمر و نحوها. ما یتعذر عدها و تشمئز النفوس المطمئنه السلیمه عن استماعها و تستقبح ذکرها، و لو نذکر معشارا من ظلمهم و سائر فواحشهم و مقابحهم مما نقل فی کتب القوم و مصنفاتهم لبلغ مبلغا عظیما و هذا هو الولید بن یزید نذکر فعلا من أفعاله یکون أنموذجا لسائر آثاره و ان بلغ فی الفسق و الفجور إلى حد لا یناله ید انکار و لا یرتاب فیه أحد و لعمرى أنى أستحیى من نقل هذه القضیه الصادره منه و لکنى أقول: ان من جانب المراء و اللداد و تقلید الاباء و الأجداد و اعرض عن الأغراض النفسانیه و العصبیه و نظر بعین العلم و البصیره و تفکر ساعه فی معانی الایات و الأخبار و تأمل فی غرض البعثه و تکلیف العباد و أراد ان یسلک مسلک السداد و الرشاد هل یرضى بأماره من یرتکب من المعاصى و الفواحش ما یستحیى بذکره الانسان و هلا یقضى عقله بأنه لو کان الولید و أشیاعه مالکی ازمه الأمور و القائمین مقام الرسول لما کان إرسال الرسل و إنزال الکتب إلا اللهو و العبث و اللعب.

قال أبو الفرج الاصبهانی فی الاغانی (ص ۱۷۴ ج ۱۹ طبع ساسی) فی ترجمه عمار ذى کناز باسناده عن العمرى أنه قال: استقدمنی الولید بن یزید بعد هشام بن عبد الملک ثم قال لی: هل عندک شی‏ء من شعر عمار ذى کناز؟ فقلت: نعم، أنا أحفظ قصیده له و کنت لکثره عبثی به قد حفظتها فانشدته قصیدته التی یقول فیها:

حبذا أنت یا سلامه الفین حبذا

إلى آخر القصیده و أنا اعرضت عن الإتیان بها لشناعتها و قباحتها و اجل صحیفتی المکرمه عن أن تملأ بتلک القصائد المنسیه عن ذکر الله و هی شرح کتاب علوى عجز الدهر أن یأتی بمثله.

و بالجمله قال العمرى بعد ذکر القصیده: فضحک الولید حتى سقط على‏

قفاه و صفق بیدیه و رجلیه و أمر بالشراب فاحضر و أمرنی بالانشاد فجعلت انشده هذه الأبیات و اکررها علیه و هو یشرب و یصفق حتى سکر و أمر لی بحلتین و ثلاثین ألف درهم فقبضتها ثم قال: ما فعل عمار؟ فقلت حی کمیت قد غشی بصره و ضعف جسمه لا حراک به فأمر له بعشره آلاف درهم فقلت له: ألا أخبر أمیر المؤمنین بشی‏ء یفعله لا ضرر علیه فیه و هو أحب إلى عمار من الدنیا بحذافیرها لو سیقت الیه؟ فقال:

و ما ذاک؟ قلت: إنه لا یزال ینصرف من الحانات و هو سکران فترفعه الشرط فیضرب الحد فقد قطع بالسیاط و لا یدع الشراب و لا یکف عنه فتکتب بأن لا یعرض له فکتب إلى عامله بالعراق أن لا یرفع الیه أحد من الحرس عمارا فی سکر و لا غیره إلا ضرب الرافع له حدین و أطلق عمارا. إلى آخر ما قال.

و فی المجلس التاسع من أمالی الشریف المرتضى: أن ولید بن یزید بن عبد الملک ابن مروان کان مشهورا بالالحاد متظاهرا بالعناد غیر محتشم فی اطراح الدین أحدا و لا مراقب فیه بشرا و قد عزم على أن یبنى فوق البیت الحرام قبه یشرب علیها الخمور و یشرف على الطواف و نشر یوما المصحف و کان خطه کانه إصبع و جعل یرمیه بالسهام و هو یقول:

تذکرنی الحساب و لست أدرى‏ أ حقا ما تقول من الحساب‏
فقل لله یمنعنی طعامی‏ و قل لله یمنعنی شرابی‏

و فتح المصحف یوما فرأی فیه‏ و استفتحوا و خاب کل جبار عنید «إبراهیم: ۱۵» فاتخذ المصحف غرضا و رماه بالنبل حتى مزقه و هو یقول:

أتوعد کل جبار عنید فها أنا ذاک جبار عنید
فان لاقیت ربک یوم حشر فقل یا رب مزقنی ولید

و هذا هو الحجاج هدم الکعبه و قتل من المؤمنین و المتقین و أولیاء الله و عباده مما لا یحصى و فعل فی إمارته ما فعل من أنواع الظلم بلغت إلى حد التواتر و یضرب بها المثل السائر فلو کان مراده عز و جل من اولی الأمر مطلق من تولى أمر المسلمین للزم التناقض فی حکمه تعالى و ذلک لأنه تعالى جعل مثلا الکعبه البیت الحرام قیاما للناس فلو أمر الناس باطاعه الحجاج فی أفعاله فأمرهم بهدم الکعبه فیجب علیهم هدم الکعبه مع أن الله حرم علیهم هتک حرمتها و هل هذا الا التناقض و کذا فی أفعال الولید، تعالى عن ذلک علوا کبیرا.

و نعلم قطعا ان الله تعالى عادل فی حکمه و فعله و قوله و لیس بظلام للعبید فتعالى عن أن یوجب اطاعه الأمراء الظلمه و هو تعالى یقول‏ و لا ترکنوا إلى الذین ظلموا فتمسکم النار … ثم لا تنصرون‏- و من یعص الله و رسوله فإن له نار جهنم‏- و لعنه الله على الظالمین* و غیرها من الایات بهذا المضمون. فالعقل الناصع یحکم بأن مراده تعالى من الایه لیس مطلق اولى الأمر و لا تشمل الظالمین منهم قضاء لحق البرهان العقلی، جل جناب الرب أن یوجب على الناس اتباع هؤلاء الظلمه و اتباعهم و ما أحلى قول الشاعر:

إذا کان الغراب دلیل قوم‏ فمأواهم محل الهالکینا

و ما أجاد قول العنصری بالفارسی:

هر که را رهبرى کلاغ کند بى گمان دل بدخمه داغ کند

ثم نقول: ان غیر المعصوم ظالم و الظالم لا یصلح لان یکون من اولى الأمر فان الظالم واضع للشی‏ء فی غیر موضعه و غیر المعصوم کذلک فلا یؤمن فی الشرع من الزیاده و النقصان و التغییر و التبدیل فلابد من أن یکون أولو الأمر معصومین.

ثم نقول: العصمه ملکه تمنع عن الفجور مع القدره علیها و تحصل بالعلم بمثالب المعاصى و مناقب الطاعات و تتأکد بتتابع الوحى بالأوامر و النواهی فعلى الله تعالى أن یعرف اولى الأمر لأنه خارج عن طوق البشر و وسعهم فان العصمه أمر باطنى لا یعلمها إلا الله على أنا نقول کما ان الملوک مثلا إذا امروا الناس باطاعه الأمراء و القضاه فمعلوم بالضروره و مستقر فی النفوس ان مرادهم بذلک وجوب اطاعه الأمراء و القضاه الذین نصبهم و عینهم على الناس لا غیر و کذا فی المقام نقول ان الله لا یأمر باطاعه کل من صار أو جعل أمیر المسلمین و لو ظلما و زورا بل باطاعه الأمراء الذین عینهم الله تعالى و نصبهم لذلک.

الامر الثالث أن الزمان لا یخلو من إمام معصوم منصوب من عند الله تبارک و تعالى لأنه عز و جل أوجب اطاعه اولى الأمر و نعلم بالضروره أن امره تعالى فی ذلک لیس مقصورا فی زمن النبی صلى الله علیه و آله لأن حلال محمد حلال إلى یوم القیامه و حرامه حرام إلى یوم القیامه و هو خاتم النبیین فکما أن إطاعه الله و رسوله لا یختص بزمانه صلى الله علیه و آله بل هما واجبتان إلى قیام الساعه فکذا إطاعه اولی الأمر المقرونه باطاعتهما و حیث ان الأمر باطاعه المعدوم قبیح ففی کل عصر لابد من صاحب أمر حتى یصلح الأمر باطاعته و هذا لا یصدق إلا على الأئمه من آل محمد أوجب الله طاعتهم بالإطلاق بالبرهان الذی قدمنا.

و فی المجمع: بعد ما نقل القولین فی معنى اولى الأمر أحدهما الأمراء و الاخر العلماء قال: و أما أصحابنا فانهم رووا عن الباقر و الصادق علیهما السلام أن اولى الأمر هم الأئمه من آل محمد صلى الله علیه و آله أوجب الله طاعتهم بالاطلاق کما أوجب طاعته و طاعه رسوله و لا یجوز أن یوجب الله طاعه أحد على الاطلاق الا من ثبتت عصمته و علم أن باطنه کظاهره و أمن منه الغلط و الأمر بالقبیح و لیس ذلک بحاصل فی الأمراء و لا العلماء سواهم، جل الله أن یأمر بطاعه من یعصیه أو بالانقیاد للمختلقین فی القول و الفعل لأنه محال أن یطاع المختلفون کما أنه محال أن یجتمع ما اختلفوا فیه. و مما یدل على ذلک أیضا ان الله تعالى لم یقرن طاعه اولى الأمر بطاعه رسوله کما قرن طاعه رسوله بطاعته الا و اولو الأمر فوق الخلق جمیعا کما أن الرسول صلى الله علیه و آله فوق اولى الأمر و فوق سائر الخلق و هذه صفه أئمه الهدى من آل محمد الذین ثبتت امامتهم و عصمتهم و اتفقت الأمه على علو رتبتهم و عدالتهم.

ثم نقول: لما علم ان الأئمه الهدى من آل محمد علیهم السلام قائمون مقام الرسول و حجج فی الشرع فکما فی زمن الرسول صلى الله علیه و آله ان تنازع الناس فی شی‏ء من امور الدین یجب علیهم الرد إلى الله و الرسول و کذلک بعد وفاته یجب علیهم الرد إلى المعصومین القائمین مقامه و الذین هم الخلفاء فی امته و الحافظون لشریعته بأمره فالرد إلیهم مثل الرد إلى الرسول صلى الله علیه و آله و اکد سبحانه ذلک و عظمه بقوله عز من‏ قائل‏ إن کنتم تؤمنون بالله و الیوم الآخر ذلک خیر و أحسن تأویلا أى الرد إلى الله و الرسول و القائمین مقام الرسول خیر لکم و أحسن من تأویلکم.

و ان قلت: کما أن الأمراء المنصوبین من الرسول صلى الله علیه و آله فی زمنه کمعاذ بن جبل ارسله والیا إلى الیمن و غیره من الولاه الذین کانت اطاعتهم واجبه على الناس بأمر رسول الله صلى الله علیه و آله لم یکونوا معصومین من الذنوب و الخطأ و السهو و النسیان و غیرها کذلک الحکم فی اولی الأمر بعده فما اوجب عصمه اولى الأمر الذین بعده صلى الله علیه و آله؟

أقول: هذا قیاس مع الفارق جدا و بینهما بون بعید و امد مدید و ذلک لأن فی عهد رسول الله صلى الله علیه و آله لو تنازع الناس فی شی‏ء من امور الدین و اقبل أمر مشتبه للحکام و القضاه و الولاه المنصوبین منه صلى الله علیه و آله فی أحکام الله لکان رسول الله صلى الله علیه و آله یکشف عنه و یزیل الشبهه و یقضى بالفصل و یصدع بالحق کما امرهم الله برد التنازع إلى الله و الرسول فی الایه و أما بعد وفاته صلى الله علیه و آله لو لم یکن صاحب الأمر القائم مقامه فی کل عصر معصوما و منصوبا من الله و رسوله لو أقبل تنازع فی الدین فمن یزیل الشبهه و یبید الغائله؟ و کذا الکلام فی الأمراء و الحکام من قبل الإمام فان الإمام عالم بجمیع الأحکام، فبوجوده یرتفع التشاجر و یقلع التنازع.

«روایه جابر بن عبد الله فی نزول الایه»

عن جابر بن عبد الله قال: لما نزل قوله تعالى‏ یا أیها الذین آمنوا أطیعوا الله و أطیعوا الرسول و أولی الأمر منکم‏ قلت: یا رسول الله عرفنا الله و رسوله فمن اولى الأمر الذین قرن الله طاعتهم بطاعتکم؟ فقال: هم خلفائی یا جابر و أئمه المسلمین بعدی أولهم علی بن أبی طالب ثم الحسن ثم الحسین ثم عد تسعه من ولد الحسین.

الحدیث الأول‏

روى ثقه الاسلام محمد بن یعقوب الکلینی رضوان الله علیه فی باب أن الأرض لا تخلو من حجه من الکافی بإسناده عن جعفر بن محمد عن کرام قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: لو کان الناس رجلین لکان أحدهما الإمام، و قال: ان آخر من یموت الإمام‏ لئلا یحتج أحد على الله تعالى انه ترکه بغیر حجه لله علیه.

أقول: أتى أیضا بعده روایات اخر عنه علیه السلام تقرب من الحدیث المذکور مفادا کقوله علیه السلام: لو لم یبق فی الأرض إلا اثنان لکان أحدهما الحجه، و قوله علیه السلام:

لو لم یکن فی الأرض إلا اثنان لکان الإمام أحدهما، و غیرهما و الغرض منها أن العنایه الإلهیه کما اقتضت وجود هذا العالم و خلقه بنی آدم فهی یقتضى صلاحه و الصلاح انما یثم و یدوم بوجود انسان ربانی مؤید بروح القدس و مسدد بنور الله و معصوم من کل ما یقدح فی الغرض من وجوده، یقوم بحجج الله و یؤدیها إلى أهلها عند الاحتیاج الیها و یعرفهم الطریق إلى الله و معالم الدین و به یتصل فیض الباری على الخلق إذ هو الواسطه بین الله و عباده و لو لم یبق فی الأرض إلا رجلان لکان أحدهما ذلک الإمام یجب على الاخر الاقتداء به فی استکمال نفسه و الاهتداء إلى جناب ربه حتى یتم الحجه علیه و لا یحتج على الله انه ترکه بغیر حجه لله علیه ان الله تعالى أجل و أعظم من أن یترک الأرض بغیر إمام عادل و قال عز من قائل:

و لو أنا أهلکناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لو لا أرسلت إلینا رسولا فنتبع آیاتک من قبل أن نذل و نخزى‏ (طه آیه ۱۳۴) و قال تعالى: لئلا یکون للناس على الله حجه بعد الرسل‏ (النساء آیه ۱۶۳) فتابى العنایه الالهیه الأزلیه عن ان یترک عباده بلا هاد و مرشد فان الله لیس بظلام للعبید.

ثم قال علیه السلام: ان آخر من یموت الإمام و ذلک لما علم أن الله تعالى عن أن یظلم أحدا فلو بقى فی الأرض رجل واحد بلا حجه إلهیه لزم الظلم فی حقه فالحکمه الکامله الالهیه و رحمته الواسعه تقتضى بقاء وجود الحجه بعد الخلق حتى لا یبقى واحد بلا إمام و الإمام آخر من یموت کما اقتضت وجود الحجه قبل ایجاد الخلق و لذا خلق الخلیفه أولا ثم خلق الخلیفه کما قال: إنی جاعل فی الأرض خلیفه و لذا قال أبو عبد الله الصادق علیه السلام فی حدیث آخر مروی فی الکافی أیضا:

الحجه قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق، فارجع البصر کرتین أیها الطالب للرشاد و الباغى للسداد فی هذا الحدیث الذی کانه عقل تمثل بالألفاظ و اقم و استقم‏

الحدیث الثانی‏

فی الکافی أیضا باسناده عن إسحاق بن عمار عن أبی عبد الله علیه السلام قال: سمعته یقول:ان الأرض لا تخلو إلا و فیها امام کى ما إن زاد المؤمنون شیئا ردهم و ان نقصوا شیئا أتمه لهم.

أقول: و کذا جاءت روایات اخر فیه أیضا تقرب منه مضمونا، منها ما روى عبد الله بن سلیمان العامری عن أبی عبد الله علیه السلام قال: ما زالت الأرض إلا و لله فیها الحجه یعرف الحلال و الحرام و یدعو الناس إلى سبیل الله، و منها عن أبی بصیر عن أحدهما علیهما السلام قال: ان الله لم یدع الأرض بغیر عالم و لو لا ذلک لم یعرف الحق من الباطل و الغرض ان الإمام یجب أن یکون عالما بجمیع الأحکام الإلهیه و عارفا بالحلال و الحرام بحیث لا یشذ عنه حکم جزئی منها فانه لو لم یکن متصفا بهذه الصفه لما یقدر أن یرد شیئا إن زاده المؤمنون أو أتمه ان نقصوه فیلزم التغییر و التبدیل و الزیاده و النقصان فی دین الله فلا یکمل نظام النوع الانسانی به بل یلزم الهرج و المرج المهلکان فالامام مستجمع للغایه القصوى من الصدق و الامانه و بالغا فی العلوم الربانیه و المعارف الالهیه و تمهید المصالح الدینیه و الدنیویه مرتبه النهایه على أن العقل حاکم بقبح استکفاء الأمر و تولیته من لا یعلمه و تعالى الله عن ذلک، فالامام لکونه حافظا للدین و مقتدا الناس فی جمیع الاحکام الظاهریه و الباطنیه و الکلیه و الجزئیه و الدنیویه و الأخرویه و العبادیه و غیرها یجب أن یکون عالما بجمیعها کما هو الحکم الصریح للعقل السلیم، و لیس لأحد أن یقول انه إمام فیما یعلم دون ما لا یعلم لظهور قبح هذا القول و شناعتها و المفاسد التالیه علیه مما یدرکها من کان له أدنى بصیره فی معنى الإمام و غرض وجوده فی الأنام. فاذا علم بحکم العقل أن الإمام یجب أن یکون مقتدا به فی جمیع الشریعه وجب أن یکون معصوما لأنه لو لم یکن معصوما لم نأمن فی بعض أفعاله أن یکون قبیحا و الفرض ان الاقتداء به واجب علینا و الله تعالى الحکیم لا یوجب علینا الاقتداء بما هو قبیح، على أن الإمام إذا کان داعی الناس إلى سبیل الله و المبین الحلال و الحرام و حافظ الدین عن‏

الزیاده و النقصان یستلزم العلم باعطاء کل ذی حق حقه بحسب استحقاقه و هو کما حققناه قبل یستلزم الاطلاع على الکلیات و الجزئیات مما یحتاج الیها الناس و هی غیر متناهیه فهی غیر معلومه إلا لله تعالى و لخلفائه المعصومین المنصوبین من عنده‏.

الحدیث الثالث‏

قال الشریف المرتضى علم الهدى فی المجلس الثانی عشر من أمالیه: روى أن هشام بن الحکم قدم البصره فأتى حلقه عمرو بن عبید فجلس فیها و عمرو لا یعرفه فقال لعمرو: ألیس قد جعل الله لک عینین؟ قال: بلى. قال: و لم؟ قال:

لأنظر بهما فی ملکوت السماوات و الأرض فاعتبره قال: و جعل لک فما؟ قال:

نعم، قال: و لم؟ قال: لأذوق الطعام و اجیب الداعی. ثم عدد علیه الحواس کلها، ثم قال: و جعل لک قلبا؟ قال: نعم، قال: و لم؟ قال: لتؤدى الیه الحواس ما أدرکته فیمیز بینها. قال: فأنت لم یرض لک ربک تعالى إذ خلق لک خمس حواس حتى جعل لها إماما ترجع الیه أترضى لهذا الخلق الذین جشأ بهم العالم ألا یجعل لهم إماما یرجعون إلیه؟ فقال له عمرو: ارتفع حتى ننظر فی مسألتک و عرفه ثم دار هشام فی حلق البصره فما أمسى حتى اختلفوا.

أقول: و رواه الکلینی قدس سره مفصلا فی الکافی باسناده عن یونس بن یعقوب قال: کان عند أبی عبد الله علیه السلام جماعه من أصحابه منهم حمران بن اعین و محمد ابن النعمان و هشام بن سالم و الطیار و جماعه فیهم هشام بن الحکم و هو شاب فقال أبو عبد الله علیه السلام: یا هشام ألا تخبرنی کیف صنعت بعمرو بن عبید و کیف سألته؟

قال هشام: یا ابن رسول الله إنی اجلک و أستحییک و لا یعمل لسانی بین یدیک.

فقال أبو عبد الله علیه السلام: إذا أمرتکم بشی‏ء فافعلوا قال هشام: بلغنی ما کان فیه عمرو بن عبید و جلوسه فی مسجد البصره فعظم ذلک على فخرجت الیه و دخلت البصره یوم الجمعه فأتیت مسجد البصره فاذا أنا بحلقه عظیمه فیها عمرو بن عبید و علیه شمله سوداء متزر بها من صوف و شمله مرتد بها و الناس یسألونه فاستفرجت الناس فأفرجوا لى ثم قعدت فی آخر القوم على رکبتی ثم قلت: أیها العالم إنی‏

رجل غریب تأذن لی فی مسأله؟ فقال لی: نعم، فقلت له: ألک عین؟ فقال:

یا بنی أی شی‏ء هذا من السؤال و شی‏ء تراه کیف تسأل عنه؟ فقلت: هکذا مسألتی.

فقال: یا بنی سل و ان کانت مسألتک حمقاء. قلت: أجبنی فیها؟ قال لی: سل.

قلت: ألک عین؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع بها؟ قال: أرى بها الألوان و الأشخاص قلت: فلک أنف؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أشم به الرائحه. قلت: ألک فم؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أذوق به الطعم.

قلت: فلک اذن؟ قال: نعم، قلت فما تصنع بها؟ قال: أسمع بها الصوت. قلت:

ألک قلب؟ قال نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: امیز به کل ما ورد على هذه الجوارح و الحواس. قلت: أو لیس فی هذه الجوارح غنی عن القلب؟ فقال: لا، قلت:

و کیف ذلک و هی صحیحه سلیمه؟ قال: یا بنی إن الجوارح إذا شکت فی شی‏ء شمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردته إلى القلب فتستیقن الیقین و تبطل الشک، قال هشام: فقلت له: فانما أقام الله القلب لشک الجوارح؟ قال: نعم، قلت: لابد من القلب و إلا لم تستیقن الجوارح؟ قال: نعم، فقلت له: یا أبا مروان فالله تعالى لم یترک جوارحک حتى جعل لها إماما یصحح لها الصحیح و یتیقن ما شکت فیه و یترک هذا الخلق کلهم فی حیرتهم و شکهم و اختلافهم لا یقیم لهم إماما یردون إلیه شکهم و حیرتهم و یقیم لک إماما لجوارحک ترد الیه حیرتک و شکک؟ قال: فسکت و لم یقل لی شیئا ثم التفت إلی فقال: أنت هشام بن الحکم؟ فقلت: لا، فقال: أمن جلسائه؟ قلت: لا، قال: فمن أین أنت؟ قال: قلت: من أهل الکوفه. قال:

فاذن أنت هو ثم ضمنی الیه و أقعدنی فی مجلسه و زال عن مجلسه و ما نطق حتى قمت. قال: فضحک أبو عبد الله علیه السلام و قال: یا هشام من علمک هذا؟ قلت: شی‏ء أخذته منک فقال: هذا و الله مکتوب فی صحف إبراهیم و موسى.

بیان الغرض من احتجاج هشام بن الحکم على عمرو بن عبید وجوب اللطف على الله تعالى فانه کما اقتضى لطفه خلق القلب إماما لقوى الجوارح و الأعضاء ترجع إلیه و لیست فی غنى عنه فکذلک اقتضى جعل إمام للناس یرجعون‏ الیه فی کل ما یحتاجون الیه. و وصف المسأله بالحمقاء تجوز کقولهم نهاره صائم و التصغیر للتحقیر.

ثم إن المراد بالقلب فی الایات و الأخبار هو اللطیفه الربانیه القدسیه یعبر بالقوه العقلیه و بالعقل و بالروح و بالنفس الناطقه أیضا و فی الفارسیه بروان و قد ذکر الشیخ- کما فی الفصل الاخر من الباب الخامس من السفر الرابع من الأسفار- فی بعض رسائله بلغه الفرس بهذه العباره: روح بخارى را جان گویند و نفس ناطقه را روان، لا الجسم اللحمی الصنوبری الذی فی الحیوانات العجم أیضا و إنما قال علیه السلام: هذا و الله مکتوب فی صحف إبراهیم و موسى لأن الحکم العقلی لا یتغیر بمضی الدهور و لا یتبدل بتبدل الزمان و لا یختلف باختلاف الامم فهذا الحکم الکلی العقلی الالهی مکتوب فی الصحف الأولى صحف إبراهیم و موسى و مستکن فی عقول الناس و الخلق جبلوا علیه أزلا و أبدا.

ثم إن ما تدرکه هذه القوى صور صرفه و تصورات محضه لا توصل إلى معرفه الغائبات فلابد للتصدیق و الیقین و الایصال إلى معرفه الغائبات من أن تکون قوه اخرى حاکمه علیها و تلک القوه الحاکمه هو العقل و تلک القوى من شئونه فی الحقیقه تنشأ منه بل هی تفاصیل ذاته و شروح هویته و هو أصلها و متنها و لولاه لفسدت القوى و انهدم البدن و کذا لو لا الحجه لساخت الأرض بأهله.

و قول هشام: شی‏ء أخذته منک، کان هشام من أصحاب الصادق و الکاظم علیهما السلام و اقتبس من مشکاه وجودهما علوما جمه و الف کتبا کثیره قیمه و کان ثقه فی الروایات حسن التحقیق بهذا الأمر و کان ممن فتق الکلام فی الإمامه و هذب المذهب بالنظر و کان حاذقا بصناعه الکلام و کان فی مبدء أمره من الجهمیه ثم لقى الصادق علیه السلام فاستبصر بهدیه و لحق به.

و قد أشار إلى هذا الاحتجاج أبو عبد الله علیه السلام فی ذیل احتجاجه على أبی شاکر الدیصانی فی حدوث العالم و نقله الشیخ المفید فی الارشاد قال: روى أن أبا شاکر الدیصانی وقف ذات یوم فی مجلس أبی عبد الله علیه السلام فقال له، إنک لأحد النجوم‏

الزواهر و کان آباؤک بدورا بواهر و امهاتک عقیلات عباهر و عنصرک من أکرم العناصر و إذا ذکر العلماء فعلیک تثنی الخناصر خبرنا أیها البحر الزاخر ما الدلیل علی حدوث العالم- إلى أن قال: فقال أبو شاکر: دللت یا أبا عبد الله فأوضحت و قلت فأحسنت و ذکرت فأوجزت و قد علمت أنا لا نقبل إلا ما أدرکناه بأبصارنا أو سمعناه باذاننا أو ذقناه بأفواهنا أو شممناه بأنوفنا أو لمسناه ببشرتنا فقال أبو عبد الله علیه السلام: ذکرت الحواس الخمس و هی لا تنفع فی الاستنباط إلا بدلیل کما لا تقطع الظلمه بغیر مصباح.

الحدیث الرابع‏

فی الکافی بإسناده إلى هشام بن الحکم عن أبی عبد الله علیه السلام انه قال للزندیق الذی سأله من أین أثبت الأنبیاء و الرسل؟ قال: انا لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعالیا عنا و عن جمیع ما خلق و کان ذلک الصانع حکیما متعالیا لم یجز أن یشاهده خلقه و لا یلامسوه فیباشرهم و یباشروه و یحاجهم و یحاجوه ثبت أن له سفراء فی خلقه یعبرون عنه إلى خلقه و عباده و یدلونهم على مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و فی ترکه فناؤهم فثبت الامرون و الناهون عن الحکیم العلیم فی خلقه و المعبرون عنه جل و عز و هم الأنبیاء و صفوته من خلقه حکماء مؤدبین فی الحکمه مبعوثین بها غیر مشارکین للناس على مشارکتهم لهم فی الخلق و الترکیب فی شی‏ء من أحوالهم (و أفعالهم- خ ل) مؤیدون عند الحکیم العلیم بالحکمه ثم ثبت ذلک فی کل دهر و زمان مما أتت به الرسل و الأنبیاء من الدلائل و البراهین لکیلا تخلو أرض الله من حجه یکون معه علم یدل على صدق مقالته و جواز عدالته.

أقول: الغرض من هذا الحدیث العقلی البرهانی المشتمل على مسائل عظیمه و فوائد مهمه أن الأرض ما دامت باقیه لا تخلو من حجه یهدى الناس إلى سبیل الرشاد و السداد و یستنقذ عباد الله من الجهاله و حیره الضلاله مبتنیا على مقدمات عقلیه و لیس الغرض من الاتیان بهذه الأحادیث کما اشرنا إلیه آنفا التمسک بها تعبدا حتى یلزم الدور بل لما رأینا من أنها احتجاجات على اساس عقلى برهانی‏

اردنا ذکره لانجاز المقصود و الایصال إلى المطلوب و بالفرض لو لم تکن أمثال هذا الحدیث صادره عنهم علیهم السلام لکان استدلالات تامه و احتجاجات وافیه فی المقصود و هذه الأحادیث و امثالها معاضدات للعقل فی حکمه و ارشادات له فی قضائه و نحن بعون الله نأتی فی بیان الحدیث بطائفه من المطالب المختاره الحکمیه العقلیه لیزداد الطالب بصیره إلى الفلاح و هدایه إلى النجاه و النجاح.

قوله علیه السلام: انا لما اثبتنا ان لنا خالقا صانعا. فیه اشاره إلى معرفه الله تعالى بالعقل و النظر و البرهان لا بتقلید الاباء و الأمهات و العلماء و الأساتیذ و غیرهم.

قوله علیه السلام: متعالیا عنا و عن جمیع ما خلق. فان ما سواه تعالى مخلوقه و معلوله ممکن فی ذاته و محتاج فی وجوده و بقائه إلى جنابه فان الممکن فی اتصافه بالوجود یحتاج إلى جاعل مرجح یخرجه من العدم و یجعله متصفا بالوجود فان کل عرضى معلل و لما کانت العله المحوجه إلیه تعالى هو الامکان و ان الامکان لا یزول عن الممکن الموجود أیضا فمفتقر إلى علته فی بقائه و وجود العله فوق وجود المعلول فی وجوده و جمیع صفاته و متعال عن التجسم و التعلق بالمواد و الأجسام و عن کل حد و صمه یتطرق فی معلولاته.

قوله علیه السلام: و کان ذلک الصانع حکیما متعالیا، فإن إتقان صنعه فی مخلوقه على قدر لائق لکل شی‏ء و النظام الأکمل الأتم المشهور فی الکون المحیر للعقول و الأمور الغریبه الحاصله فی خلق السماوات و الأرض و العجائب المودعه فی بنیه الانسان و الحیوان و النبات تدل على کمال حکمه بارئه فان الحکمه هو العدل و الحق و الصواب و الحکیم هو العالم الذى یضع الأشیاء مواضعها، أو لم یتفکروا فی أنفسهم ما خلق السموات و الأرض إلا بالحق، الذی خلق سبع سموات طباقا ما ترى فی خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر کرتین ینقلب إلیک البصر خاسئا و هو حسیر، و بالعدل قامت السماوات و الأرض. ثم ان الصانع الحکیم لا یترک الناس سدى و لا یهملهم فلابد من أن یکون له سفراء فی خلقه.

قوله علیه السلام: لم یجز أن یشاهده خلقه اه: فان ما تدرکه الأبصار و یباشره الانسان بالحواس الجسم و الجسمانیات أو المتجسم و المتجسد و المتمثل من المجردات و ما یقرب منها کالأجنه و هو عز و جل متعال عن ذلک علوا کبیرا.

قوله علیه السلام: ثبت أن له سفراء فی خلقه- إلى آخره. دلیل على وجوب بعثه الأنبیاء و هذا الطریق هو الذی أتى به الحکماء فی اسفارهم فی وجوب إرسال الرسل على الله تعالى بل هو امتن و أدق و أکمل منه.

و اعلم انه ذهب ارباب الملل و أکثر الفلاسفه إلى حسن بعثه الأنبیاء خلافا للبراهمه من الهند و من یحذو حذوهم فانهم منعوا من حسنها و قالوا إن ما یجی‏ء به الرسول إن خالف العقل فهو مردود و إن وافق ففی العقل غنیه عنه فلا وجه لحسنها.

و هذا القول باطل لأن العقل لا یدرک جمیع ما یصلح له و ینفعه و یضره على البسط و التفصیل بل کثیرا منها على الاجمال و الابهام أیضا، على أن الفوائد التی ذکرها المتکلمون و الحکماء فی حسن بعثه الأنبیاء ترد ما ذهب إلیه البراهمه قال المحقق الطوسی فی تجرید الاعتقاد:

البعثه حسنه لاشتمالها على فوائد کمعاضده العقل فیما یدل علیه و استفاده الحکم فیما لا یدل و ازاحه الخوف و استفاده الحسن و القبح و المنافع و المضار و حفظ النوع الانسانى و تکمیل أشخاصه بحسب استعداداتهم المختلفه و تعلیمهم الصنائع الخفیه و الأخلاق و السیاسات و الاخبار بالعقاب و الثواب فیحصل اللطف للمکلف.

ثم على تقدیر حسنها هل هی واجبه هی الحکمه قال العدلیه اعنی الإمامیه و المعتزله: نعم، و منعت الأشاعره من وجوبها بناء على أصلهم الفاسد.

ثم تقریر الطریق الذی اتى به الحکماء على الاجمال هو أن نقول کلما کان صلاح النوع مطلوبا لله تعالى کانت الشریعه واجبه و کلما کانت الشریعه واجبه کانت البعثه واجبه فکلما کان صلاح النوع مطلوبا فالبعثه واجبه و على التفصیل ما ذکره زینون الکبیر تلمیذ ارسطاطالیس فی رسالته فی المبدأ و المعاد و ما ذکره الشیخ فی المقاله العاشره من إلهیات الشفاء من الفصل الثانی إلى الخامس و فی‏

الاشاره الاولى من النمط التاسع من الاشارات و التنبیهات و غیرهم من الحکماء الشامخین فی مؤلفاتهم الحکمیه و نأتی بما فی الاشارات و شرحه للعلامه الطوسی فانهما وافیان فی المقصود مع جزاله اللفظ و رزانه النظم قال الشیخ:

لما لم یکن الانسان بحیث یستقل وحده بأمر نفسه إلا بمشارکه آخر من بنی جنسه و بمعاوضه و معارضه تجریان بینهما یفرغ کل واحد منهما لصاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد کثیر و کان مما یتعسر ان أمکن، وجب أن یکون بین الناس معامله و عدل یحفظه شرع یفرضه شارع متمیز باستحقاق الطاعه لاختصاصه بایات تدل على أنها من عند ربه و وجب أن یکون للمحسن و المسی‏ء جزاء من عنده القدیر الخبیر فوجب معرفه المجازی و الشارع و مع المعرفه سبب حافظ للمعرفه ففرضت علیهم العباده المذکوره للمعبود و کررت علیهم لیستحفظ التذکیر بالتکریر حتى استمرت الدعوه إلى العدل المقیم لحیاه النوع ثم لمستعملیها بعد النفع العظیم فی الدنیا الأجر الجزیل فی الأخرى ثم زید للعارفین من مستعملیها المنفعه التی خصوا بها فیما هم مولون وجوههم شطره فانظر إلى الحکمه ثم إلى الرحمه و النعمه تلحظ جنابا تبهرک عجائبه ثم أقم و استقم.

و قال المحقق الطوسی فی شرحه: اثبت النبوه و الشریعه و ما یتعلق بهما على طریقه الحکماء و ذلک مبنی على قواعد و تقریرها أن نقول: الانسان لا یستقل وحده بامور معاشه لأنه یحتاج إلى غذاء و مسکن و سلاح لنفسه و لمن یعوله من أولاده الصغار و غیرهم و کلها صناعیه لا یمکن أن یرتبها صانع واحد إلا فی مده لا یمکن أن یعیش تلک المده فاقدا إیاها أو یتعسر إن أمکن لکنها تتیسر لجماعه یتعاونون و یتشارکون فی تحصیلها یفزع کل واحد منهم لصاحبه عن ذلک فیتم بمعارضه و هی أن یعمل کل واحد مثل ما یعمله الاخر، و معاوضه و هی أن یعطى کل واحد صاحبه من عمله بازاء ما یأخذه منه من عمله فاذن الانسان بالطبع محتاج فی تعیشه إلى الاجتماع مؤد إلى صلاح حاله و هو المراد من قولهم الانسان مدنى بالطبع، و التمدن فی اصطلاحهم هو هذا الاجتماع فهذه قاعده.

ثم نقول: و اجتماع الناس على التعاون لا ینتظم إلا إذا کان بینهم معامله و عدل لأن کل واحد یشتهى ما یحتاج إلیه و یغضب على من یزاحمه فی ذلک و تدعوه شهوته و غضبه إلى الجور على غیره فیقع من ذلک الهرج و یختل أمر الاجتماع أما إذا کان معامله و عدل متفق علیهما لم یکن کذلک فاذن لابد منهما و المعامله و العدل لا یتناولان الجزئیات الغیر المحصوره إلا إذا کانت لها قوانین کلیه و هى الشرع فاذن لابد من شریعه، و الشریعه فی اللغه مورد الشاربه و انما سمى المعنى المذکور بها لاستواء الجماعه فی الانتفاع منه و هذه قاعده ثانیه.

ثم نقول: و الشرع لابد له من واضع یقنن تلک القوانین و یقررها على الوجه الذى ینبغی و هو الشارع، ثم إن الناس لو تنازعوا فی وضع الشرع لوقع الهرج المحذور منه فاذن یجب أن یمتاز الشارع منهم باستحقاق الطاعه لیطیعه الباقون فی قبول الشریعه. و استحقاق الطاعه إنما یتقرر بایات تدل على کون تلک الشریعه من عند ربه، و تلک الایات هی معجزاته و هی إما قولیه و إما فعلیه و الخواص للقولیه أطوع، و العوام للفعلیه أطوع. و لا یتم الفعلیه مجرده عن القولیه لأن النبوه و الاعجاز لا یحصلان من غیر دعوه إلى خیر فاذن لابد من شارع هو نبی ذو معجزه و هذه قاعده ثالثه.

ثم ان العوام و ضعفاء العقول یستحقرون اختلال عدل النافع فی امور معاشهم بحسب النوع عند استیلاء الشوق علیهم إلى ما یحتاجون إلیه بحسب الشخص فیقدمون على مخالفه الشرع، و إذا کان للمطیع و العاصی ثواب و عقاب أخرویان یحملهم الرجاء و الخوف على الطاعه و ترک المعصیه، فالشریعه لا تنتظم بدون ذلک انتظامها به فاذن وجب أن یکون للمحسن و للمسی‏ء جزاء من عند الاله القدیر على مجازاتهم، الخبیر بما یبدونه أو یخفونه من أفکارهم و أقوالهم و أفعالهم و وجب أن یکون معرفه المجازی و الشارع واجبه على الممتثلین للشریعه فی الشریعه، و المعرفه العامیه قلما تکون یقینیه فلا تکون ثابته فوجب أن یکون معها سبب حافظ لها و هو التذکار المقرون بالتکرار و المشتمل علیهما إنما تکون عباده مذکره للمعبود مکرره فی أوقات متتالیه کالصلوات و ما یجرى مجراها فاذن یجب أن‏ یکون النبی داعیا إلى التصدیق بوجود خالق مدبر خبیر، و إلى الایمان بشارع مبعوث من قبله صادق، و إلى الاعتراف بوعد و وعید اخرویین، و إلى القیام بعبادات یذکر فیها الخالق بنعوت جلاله، و إلى الانقیاد لقوانین شرعیه یحتاج إلیها الناس فی معاملاتهم حتى یستمر بذلک الدعوه إلى العدل المقیم لحیاه النوع و هذه قاعده رابعه.

ثم إن جمیع ذلک مقدر فی العنایه الأولى لاحتیاج الخلق إلیه فهو موجود فی جمیع الأوقات و الأزمنه و هو المطلوب و هو نفع لا یتصور نفع اعم منه.

و قد اضیف لممتثلی الشرع إلى هذا النفع العظیم الدنیاوی الأجر الجزیل الأخروی حسب ما وعدوه و اضیف للعارفین منهم إلى النفع العاجل و الأجر الاجل الکمال الحقیقی المذکور، فانظر إلى الحکمه و هی تبقیه النظام على هذا الوجه، ثم إلى الرحمه و هو إیفاء الأجر الجزیل بعد النفع العظیم، و إلى النعمه و هی الابتهاج الحقیقی المضاف إلیهما، تلحظ جناب مفیض هذه الخیرات جنابا تبهرک عجائبه أی تغلبک و تدهشک. ثم أقم أی أقم الشرع، و استقم أی فی التوجه إلى ذلک الجناب المقدس.

و إذا علم ذلک فلنرجع إلى بیان سائر فقرات الحدیث، قوله علیه السلام: یعبرون عنه إلى خلقه و عباده. قال الجوهرى فی الصحاح: عبرت عن فلان إذا تکلمت عنه، و المراد أن الأصل الأول فیما یسنه هذا السان المعدل الالهی هو إیقاظ فطره الناس من نوم الغفله عن مبدء العالم عز و جل و إناره عقولهم من أنوار المعرفه به تعالى و إثاره نفوسهم إلى الوصول ببابه و الحضور إلى جنابه فان الایمان بالله أصل شجره الدین و أساس بنیان السنه و الشریعه و سائر الأصول و الفروع متفرع علیه فمن عرف الله حق معرفته عرف ان له صفات علیا و أسماء حسنى لائقه بذاته و انه تعالى واجب الوجود لا یشارک شیئا من الأشیاء فی ماهیته و قیوم برى‏ء عن جمیع انحاء التعلق بالغیر و أنه تعالى لم یخلق العالم و آدم عبثا فان العبث قبیح لا یتعاطاه المبدأ الحکیم، و المبدأ الحکیم تعالى عن أن یترک الناس حیاری و لا یهدیهم سبیل الخیر و الهدى و ما یوجب لهم عنده الزلفى، فلابد من وجوب التکلیف فی الحکمه و إلا لکان مغریا بالقبیح تعالى عن ذلک لأنه خلق فی العبد الشهوه و المیل إلى القبائح و النفره و التأبی عن الحسن فلو لم یقرر عبده عقله و لم یکلفه بوجوب الواجب و قبح القبیح و یعده و یتوعده لکان مغریا له بالقبیح و الاغراء بالقبیح قبیح و التکلیف لا یتم إلا بالإعلام و هو لا یتم إلا بارسال الرسل المؤدبین بادابه المؤیدین من عنده بامور قدسیه و کرامات الهیه و معجزات و خوارق عادات.

و بالجمله من هدى عقله إلى جناب الرب هدى إلى ما یتفرع علیه فقد افلح و سعد و فاز و لذا ترى من سنه الأنبیاء أن أول ما لقنوا عباد الله کلمه لا إله إلا الله و المروی عن خاتمهم صلى الله علیه و آله قولوا لا إله إلا الله تفلحوا.

نعم لا یجب على السان تلقین جمیع الناس معرفته تعالى على الوجه الذی لا یفهمه إلا الأوحدى من الناس الحکیم المتأله المرتاض فی الفنون و العلوم فان معاشر الأنبیاء بعثوا لیکلموا الناس على قدر عقولهم، و لا ریب أن الادراکات و النیل إلى المعارف و العلوم یتفاوت بحسب مراتب الناس فی صفاء نفوسهم و صقالتها قال الشیخ فی إلهیات الشفاء:

و یکون الأصل الأول فیما یسنه تعریفه إیاهم أن لهم صانعا واحدا قادرا و أنه عالم بالسر و العلانیه و أنه من حقه أن یطاع أمره فانه یجب أن یکون الأمر لمن له الخلق، و أنه قد أعد لمن أطاعه المعاد المسعد و لمن عصاه المعاد المشقی حتى یتلقى الجمهور رسمه المنزل على لسانه من الاله و الملائکه بالسمع و الطاعه و لا ینبغی له أن یشغلهم بشی‏ء من معرفه الله فوق معرفه أنه واحد حق لا شبیه له.

فأما ان یعدی بهم إلى أن یکلفهم أن یصدقوا بوجوده و هو غیر مشار إلیه فی مکان و لا منقسم بالقول و لا خارج العالم و لا داخله و لا شی‏ء من هذا الجنس، فقد عظم علیهم الشغل و شوش فیما بین أیدیهم الدین و أوقعهم فیما لا تخلص عنه إلا لمن کان المعان الموفق الذی یشذ وجوده و یندر کونه، فانه لا یمکنهم أن یتصوروا هذه الأحوال على وجهها إلا بکد و إنما یمکن القلیل منهم أن یتصوروا حقیقه هذا التوحید و التنزیه فلا یلبثوا أن یکذبوا بمثل هذا الموجود و یقعوا فی تنازع و ینصرفوا إلى المباحثات و المقایسات بمثل التی تصدهم عن أعمالهم المدنیه، و ربما أوقعهم فی آراء مخالفه لصلاح المدینه و منافیه لواجب الحق و کثرت فیهم الشکوک و الشبه و صعب الأمر على السان فی ضبطهم فما کل بمیسر له فی الحکمه الالهیه و لا السان یصلح له أن یظهر أن عنده حقیقه یکتمها عن العامه بل یجب أن لا یرخص فی تعرض شی‏ء من ذلک. بل یجب أن یعرفهم جلال الله تعالى و عظمته برموز و أمثله من الأشیاء التی هی عندهم جلیله و عظیمه و یلقى إلیهم مع هذا هذا القدر أعنی انه لا نظیر له و لا شریک له و لا شبیه.

و کذلک یجب أن یقرر عندهم أمر المعاد على وجه یتصورون کیفیته و یسکن إلیه نفوسهم و یضرب للسعاده و الشقاوه أمثالا مما یفهمونه و یتصورونه. و أما الحق فی ذلک فلو یلوح لهم منه إلا أمرا مجملا و هو أن ذلک شی‏ء لا عین رأت و لا أذن سمعته و أن هناک من اللذه ما هو ملک عظیم و من الألم ما هو عذاب مقیم.

و کذا قال زینون الکبیر تلمیذ ارسطاطا لیس فی رسالته فی المبدأ و المعاد:النبی یضع السنن و الشرائع و یأخذ الأمه بالترغیب و الترهیب یعرفهم أن لهم الها مجازیا لهم على أفعالهم یثیب الخیر و یعاقب على الشر و لا یکلفهم بعلم ما لا یحتملونه فان هذه الرتبه هی رتبه العلم أعلى من أن یصل إلیها کل أحد. ثم قال: قال معلمی ارسطاطالیس حکایه عن معلمه افلاطن: إن شاهق المعرفه أشمخ من أن یطیر إلیه کل طائر و سرادق البصیره أحجب من أن یحوم حوله کل سائر.

أقول: و کأن الشیخ الرئیس قد لاحظ عباره زینون فیما قاله فی آخر النمط التاسع من الاشارات: جل جناب الحق عن أن یکون شریعه لکل وارد أو یطلع علیه إلا واحدا بعد واحد.

قوله علیه السلام: و یدلونهم على مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و فی ترکه فناؤهم ذلک لما مر آنفا من أن الانسان مدنی بالطبع محتاج فی تعیشه و بقائه إلى اجتماع فلا بد لهم من سان معدل یدبر امورهم و یعلمهم طریق المعیشه فی الدنیا و النجاه من العذاب فی العقبى و لو لا هذا السان لوقع الهرج و اختل أمر الاجتماع و لزم مفاسد کثیره اخرى. ذکر بعضها من قبل و نعم ما قال الشیخ فی الشفاء:

فالحاجه إلى هذا الانسان فی أن یبقى نوع الناس و یتحصل وجوده أشد من الحاجه إلى انبات الشعر على الأشفار على الحاجبین و تقعیر الأخمص من القدمین و اشیاء اخرى من المنافع التی لا ضروره فیها فی البقاء بل أکثر ما لها أنها ینفع فی البقاء، و وجود الإنسان الصالح لأن یسن و یعدل ممکن فلا یجوز أن تکون العنایه الأولى تقتضى تلک المنافع و لا تقتضى هذه التى هى اسها، و لا أن یکون المبدأ الأول و الملائکه بعده یعلم ذلک و لا یعلم هذا، و لا أن یکون ما یعلمه فی نظام الخیر الممکن وجوده الضرورى حصوله لتمهید نظام الخیر لا یوجد بل کیف یجوز أن لا یوجد، و ما هو متعلق بوجوده مبنى على وجوده موجود فواجب إذن أن یوجد نبى.

ثم ان فی قوله علیه السلام: یدلونهم على مصالحهم، إشاره إلى ما ذهب إلیه العدلیه من أن الأحکام الالهیه متفرعه على مصالح و المفاسد لا کما مال الیه الأشعرى.

قوله علیه السلام: فثبتت الامرون و الناهون عن الحکیم العلیم فی خلقه و المعبرون عنه جل و عز. هذه نتیجه ما قدم علیه السلام من المقدمات البرهانیه العقلیه المستحکمه المبانی: الأولى أن لنا صانعا، و الثانیه انه متعال عن أوصاف مخلوقه. فلم یجز أن یشاهده خلقه و یباشروه فلا بد من وسائط، الثالثه انه حکیم عالم بوجوه الخیر و المنفعه فی النظام و سبیل المصلحه للخلائق فی المعیشه و القوم و البقاء و الدوام و الحکیم لا یخل بالواجب، الرابعه ان الانسان مدنى بالطبع فلابد له من سان معدل.

قوله علیه السلام: هم الأنبیاء و صفوته من خلقه إلى قوله: ثم ثبت. بین علیه السلام فی هذه الفقرات أمرین: الأول ان النبی لابد أن یکون بشرا حیث قال: على مشارکتهم لهم فی الخلق و الترکیب. الثانی انه مع البشریه یجب أن یکون متمیزا من سائر الناس باوصاف قدسیه خلقا و خلقا حیث قال: غیر مشارکین‏ للناس فی شی‏ء من أحوالهم.

أما الأول اعنى کونه من جنس البشر فلوجوه: الأول انس الناس به فان الجنس إلى الجنس یمیل و لنعم ما نظم العارف الرومی فی المقام:

یک زنى آمد به پیش مرتضى‏ گفت شد بر ناودان طفلى مرا
گرش مى ‏خوانم نمى ‏آید بدست‏ ور هلم ترسم که او افتد به پست‏
نیست عاقل تا که دریابد چو ما گر بگویم کز خطر پیش من آ
هم اشارت را نمى ‏داند بدست‏ ور بداند نشنود این هم بد است‏
بس نمودم شیر پستان را بدو او همى گرداند از من چشم و رو
از براى حق شمایید اى مهان‏ دستگیر این جهان و آن جهان‏
زود درمان کن که مى ‏لرزد دلم‏ که بدرد از میوه دل بگسلم‏
گفت طفلى را برآور هم ببام‏ تا به بیند جنس خود را آن غلام‏
سوى جنس آید سبک زان ناودان‏ جنس بر جنس است عاشق جاودان‏
زن چنان کرد و چو دید آن طفل او جنس خود خوش خوش بدو آورد رو
سوى بام آمد ز متن ناودان‏ جاذب هر جنس را همجنس دان‏
غژغژان آمد بسوى طفل طفل‏ وارهید از اوفتادن سوى سفل‏
زان شدستند از بشر پیغمبران‏ تا بجنسیت رهند از ناودان‏
پس بشر فرمود خود را مثلکم‏ تا بجنس آیند و کم گردند گم‏
ز ان که جنسیت بغایت جاذبست‏ جاذبش جنس است هر جا طالبست‏

و الوجه الثانی الناس فی حالتهم العادیه لا یستطیعون أن یروا الملک فی صورته التی خلق علیها لانه روحانی الذات و القوه البشریه لا تقوى على رؤیه الملک بل الجن ما لم یتجسما و یتمثلا بالأجسام الکثیفه و الأمثال المرئیه و ان کانا یرانا کما قال تعالى فی الشیطان‏ إنه یراکم هو و قبیله من حیث لا ترونهم‏ بل ابصارنا لا تقوى على رؤیه بعض الأجسام من عالمنا هذا أیضا کالهواء و العناصر البسیطه التی یتألف منها الهواء فکیف تقدر على رؤیه ما هو ألطف من الهواء کالجن‏ و ما هو ألطف من الجن کالملک و ما هو ألطف منه.

ثم لو فرض أن یتمثل الملک أو یتجسد أو یتجسم بحیث عاینه الناس لکان فی صوره البشر أیضا للوجهین المتقدمین قال عز من قائل: و لو جعلناه ملکا لجعلناه رجلا و للبسنا علیهم ما یلبسون‏. و لذلک کان جبرئیل علیه السلام یأتی النبی صلى الله علیه و آله فی صوره دحیه الکلبی. و الملائکه الذین دخلوا على إبراهیم فی صوره الضیفان حتى قدم إلیهم عجلا جسدا و کذلک الذین أتوا لوطا و کذلک لما تسور المحراب على داود الملکان کانا فی صوره رجلین یختصمان إلیه و جبرئیل تمثل لمریم بشرا سویا نعم یمکن للأنبیاء ان یروا بقوتهم القدسیه الملائکه و اشباههم على صورتهم الأصلیه کما جاءت عده روایات ان خاتمهم صلى الله علیه و آله رأى جبرئیل على صورته الأصلیه مرتین و سیأتی الکلام فی ذلک فی خواص الأنبیاء.

الوجه الثالث النبی لو کان ملکا و إن تجسم بشرا لما یتم الحجه على الناس و لا یسلمه العقول و لا تنقاده النفوس لانه ان ظهرت أیه معجزه منه لقالوا لو کان لنا مثل ما کان لک من القدره و القوه و العلم و غیرها من الصفات القاهره على صفات البشر لفعلنا مثل فعلک فتقوى الشبهات من هذه الجهه و بذلک علم ضعف ما تخیل ضعفاء العقول من الناس أن الأنبیاء إذا کانوا من طائفه الملائکه من حیث إن علومهم أکثر و قدرتهم أشد و مهابتهم أعظم و امتیازهم عن الخلق أکمل و الشبهات و الشکوک فی نبوتهم و رسالتهم أقل و الحکیم إذا أراد تحصیل مهم فکل شی‏ء کان أشد إفضاء إلى تحصیل ذلک المطلوب کان أولى.

و هذه الوجوه الثلاثه ما أجاب بها رسول الله صلى الله علیه و آله مشرکى القریش لما جادلوه و احتجوا علیه بقولهم: لو کنت نبیا لکان معک ملک یصدقک و نشاهده و لو اراد الله أن یبعث إلینا نبیا لکان إنما یبعث إلینا ملکا لا بشرا مثلنا کما هو المروی فی الاحتجاج للطبرسی رضوان الله علیه و البحار و کثیر من کتب الحدیث: ان رسول الله صلى الله علیه و آله کان قاعدا ذات یوم بمکه بفناء الکعبه إذا اجتمع جماعه من رؤساء قریش منهم الولید بن المغیره المخزومی و أبو البختری بن هشام و أبو جهل بن هشام‏ و العاص بن وائل السهمی و عبد الله بن أبی أمیه المخزومی و کان معهم جمع ممن یلیهم کثیر و رسول الله صلى الله علیه و آله فی نفر من أصحابه یقرأ علیهم کتاب الله و یؤدی إلیهم عن الله أمره و نهیه فقال المشرکون بعضهم لبعض: لقد استفحل أمر محمد و عظم خطبه فتعالوا نبدأ بتقریعه و تبکیته و توبیخه و الاحتجاج علیه و ابطال ما جاء به لیهون خطبه على أصحابه و یصغر قدره عندهم فلعله ینزع عما هو فیه من غیه و باطله و تمرده و طغیانه، فان انتهى و إلا عاملنا بالسیف الباتر. قال أبو جهل: فمن الذی یلی کلامه و مجادلته؟ قال عبد الله بن أبی امیه المخزومی: أنا إلى ذلک، أ فما ترضانی له قرنا حسیبا و مجادلا کفیا؟ قال أبو جهل: بلى. فأتوه بأجمعهم فابتدأ عبد الله بن أبی امیه المخزومی فقال:

یا محمد لقد ادعیت دعوى عظیمه و قلت مقالا هائلا زعمت أنک رسول الله رب العالمین و ما ینبغی لرب العالمین و خالق الخلق أجمعین أن یکون مثلک رسوله بشرا مثلنا تأکل مما نأکل و تمشى فی الأسواق کما نمشی- و ساق الحدیث إلى أن قال- قال المخزومی: و لو کنت نبیا لکان معک ملک یصدقک و نشاهده بل لو أراد الله أن یبعث إلینا نبیا لکان إنما یبعث إلینا ملکا لا بشرا مثلنا ما أنت یا محمد إلا مسحورا و لست نبیا- و ساق الحدیث إلى أن قال:

ثم قال رسول الله صلى الله علیه و آله: و أما قولک: «و لو کنت نبیا لکان معک ملک یصدقک و نشاهده بل لو اراد أن یبعث إلینا نبیا لکان إنما یبعث لنا ملکا لا بشرا مثلنا» و الملک لا تشاهده حواسکم لأنه من جنس هذا الهواء لا عیان منه و لو شاهدتموه بأن یزاد فی قوى أبصارکم لقلتم لیس هذا ملکا بل هذا بشر لانه إنما کان یظهر لکم بصوره البشر الذی قد ألفتموه لتفهموا عنه مقالته و تعرفوا خطابه و مراده فکیف کنتم تعلمون صدق الملک و ان ما یقوله حق؟ بل إنما بعث الله بشرا و أظهر على یده المعجزات التی لیست فی طبایع البشر الذین قد علمتم ضمائر قلوبهم فتعلمون بعجزکم عما جاء به أنه معجزه و أن ذلک شهاده من الله بالصدق له و لو ظهر لکم ملک و ظهر على یده ما تعجز عنه البشر لم یکن فی ذلک ما یدلکم ان ذلک لکم‏ لیس فی طبایع سائر أجناسه من الملائکه حتى یصیر ذلک معجزا ألا ترون أن الطیور التی تطیر لیس ذلک منها بمعجز لأن لها أجناسا تقع منها مثل طیرانها و لو أن آدمیا طار کطیرانها کان ذلک معجزا فالله عز و جل سهل علیکم الأمر و جعله بحیث یقوم علیکم حجته و أنتم تقترحون عمل الصعب الذی لا حجه فیه.

ثم قال رسول الله صلى الله علیه و آله: و أما قولک: «ما أنت إلا رجل مسحور» فکیف أکون کذلک و قد تعلمون انه فی صحه التمیز و العقل فوقکم فهل جربتم على منذ نشأت إلى أن استکملت أربعین سنه خزیه أو ذله أو کذبه أو خیانه أو خطأ من القول أو سفها من الرأى أ تظنون أن رجلا یعتصم طول هذه المده بحول نفسه و قوتها أو بحول الله و قوته- إلى آخر الحدیث بطوله.

أما الأمر الثانی اعنی أن النبی مع البشریه یجب أن یکون متمیزا عن سائر الناس باوصاف قدسیه، فاشار علیه السلام إلیها بقوله: ان الأنبیاء صفوته من خلقه أولا، و انهم حکماء مؤدبین فی الحکمه ثانیا، و مبعوثین بها ثالثا، و غیر مشارکین للناس على مشارکتهم لهم فی الخلق و الترکیب فی شی‏ء من أحوالهم رابعا، مؤیدون عند الحکیم العلیم بالحکمه خامسا. و هذه امور لابد للناظر من البحث عنها و النیل إلى حقیقه مغزاها.

و اعلم أن الأنبیاء لکونهم سفراء له تعالى إلى خلقه و امناءه على وحیه و خلفاءه لابد من أن یکونوا متصفین بالأوصاف القدسیه الالهیه و متخلقین بالأخلاق الربوبیه فان الخلیفه لابد و أن یکون موصوفا بصفات المستخلف حتى یتحقق له اسم الخلافه و العنایه الأزلیه تأبى بعث من لم یکن کذلک لبعده عن الاتصاف بصفات الحق و الاتصال بحضره القدس. و قد قال الحکماء و منهم الشیخ فی الشفاء ان النفس الناطقه کمالها الخاص بها أن یصیر عالما عقلیا مرتسما فیها صور الکل و النظام المعقول فی الکل و الخیر الفائض فی الکل و أفضل الناس من استکملت نفسه عقلا بالفعل محصلا و للأخلاق التی تکون فضائل عملیه و أفضل هؤلاء هو المستعد لمرتبه النبوه و هو الذی فی قواه النفسانیه خصائل ثلاث: أن یعلم جمیع المعلومات أو أکثرها من عند الله، و أن یطیعه ماده الکائنات باذن الله، و أن یسمع کلام الله و یرى ملائکه الله.

أما العلم بجمیع المعلومات و الاطلاع على الأمور الغایبه من غیر کسب و فکر فیحصل من صفاء جوهر النفس و شده صقالتها و نورانیتها الموصل لها إلى المبادی العالیه و شده الاتصال بها.

و أما اطاعه ماده الکائنات فبسبب شده انسلاخهم عن النواسیت الانسانیه تدوم علیهم الاشراقات العلویه بسبب الاستضاءه بضوء القدس و الإلف بسنا المجد فتطیعهم الماده العنصریه القابله للصور المفارقه فیتأثر المواد عن أنفسهم کما یتأثر أبدانهم عنها، فلهذا یکون دعاؤهم مسموعا فی العالم الأعلى و القضاء السابق و یتمکن فی أنفسهم نور خلاق به یقدرون على بعض الأشیاء التی یعجز عنها غیرهم.

قال الله تعالى فی عیسى بن مریم علیهما السلام‏ و رسولا إلى بنی إسرائیل أنی قد جئتکم بآیه من ربکم أنی أخلق لکم من الطین کهیئه الطیر فأنفخ فیه فیکون طیرا بإذن الله و أبرئ الأکمه و الأبرص و أحی الموتى بإذن الله و أنبئکم بما تأکلون و ما تدخرون فی بیوتکم إن فی ذلک لآیه لکم إن کنتم مؤمنین‏ (آل عمران. الایه ۴۴).

و أما الخصله الثالثه فلأن الأنبیاء لهم نفوس مقدسه قلت شواغلها عن الحواس الظاهره فتخلصت بذلک عن الماده الجسمانیه فلم یکن بینها و بین الأنوار حجب و لا شواغل لأنها من لوازم الماده فإذا تخلصت النفس عن تعلقاتها کانت مشاهده للأنوار و المفارقات البرئیه عن الشوائب المادیه و اللواحق الغریبه و لذا یکونون مشاهدین للملائکه على صورهم بقوتهم القدسیه، سامعین لکلامهم، قابلین لکلام الله تعالى بطریق الوحى و معلوم أن الماده التی تقبل هذه الخصائل و الکمالات تقع فی قلیل من الأمزجه و لذا قال علیه السلام: إن الأنبیاء و صفوته من خلقه، فمزاجهم اعدل الأمزجه الانسانیه و نفسهم الفائضه من الأول تعالى ألطف و أشد و أقوى و أوسع وجودا من غیرها، فهم غیر مشارکین للناس على مشارکتهم لهم فی الخلق و الترکیب‏ فی شی‏ء من أحوالهم، و قوله علیه السلام: فی شی‏ء من أحوالهم تتعلق بقوله غیر مشارکین للناس.

و اعلم أن الله جعل المزاج الانسانی أعدل الأمزجه لتستوکره نفسه الناطقه التی هی أشرف النفوس و لابد أن یکون وکرها لائقا لها و قال المعلم الثانی أبو نصر الفارابی فی المختصر الموسوم بعیون المسائل کما نقله عنه المحقق الطوسی فی آخر النمط الثانی من شرحه على الاشارات: حکمه الباری تعالى فی الغایه لأنه خلق الأصول (یعنی بها العناصر) و أظهر منها الأمزجه المختلفه و خص کل مزاج بنوع من الأنواع و جعل کل مزاج کان أبعد عن الاعتدال سبب کل نوع کان أبعد عن الکمال و جعل النوع الأقرب من الاعتدال مزاج البشر حتى یصلح لقبول النفس الناطقه انتهى.

و کما أن النفس الناطقه ممیزه عن سائر النفوس باثار و أفعال تخص بها و لابد أن یکون مزاجها المتعلق بها اعدل من غیره کذلک الأنبیاء الذین غیر مشارکین للناس على مشارکتهم لهم فی الخلق و الترکیب فی شی‏ء من أحوالهم و أفعالهم لابد من أن یکون مزاجهم أعدل الأمزجه الانسانیه اللائق بنفوسهم القدسیه.

و لما کان الأنبیاء علیهم السلام بعضهم أفضل من بعض کما قال تعالى: تلک الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من کلم الله و رفع بعضهم درجات‏ الایه (البقره: ۲۵۵) فلابد من أن یکونوا متفاوتین فی اعتدال المزاج و صفاء النفس الناطقه القدسیه و سعتها الوجودیه و کذا الکلام فی خاتمهم الذی هو أکمل موجود فی النوع الانسانی و اوتى جوامع الکلم التی هی امهات الحقائق الالهیه و الکونیه، و لذا کان الروح المحمدی صلى الله علیه و آله أول دلیل على ربه لأن الرب لا یظهر إلا بمربوبه و مظهره و کمالات الذات بأجمعها انما تظهر بوجوده الأکمل. و المروی عنه صلى الله علیه و آله: و الله لو کان موسى حیا بین أظهرکم ما حل له إلا أن یتبعنی.

قوله علیه السلام: حکماء مؤدبین فی الحکمه. أی أدبهم الله تعالى فی الحکمه یقال: أدبه إذا هذبه و راض أخلاقه و أد به فی أمر إذا علمه و راضه حتى تأدب فیه و فی الجامع الصغیر فی أحادیث البشیر النذیر نقلا عن ابن عدی فی الکامل عن‏ ابن مسعود انه صلى الله علیه و آله قال: أدبنی ربی فأحسن تأدیبی. و من حیث انهم علیهم السلام حکماء مؤدبین فی الحکمه و الحکمه هو العدل و الوسط فی کل أمر فهم على الجاده الوسطى التی لیست النجاه إلا بالاستقامه فیها فمن اقتدى بهم و اقتفى آثارهم فقد هدى إلى الصراط المستقیم فان الحجج الالهیه فی الحقیقه موازین للناس و نبی کل امه هو میزان تلک الأمه لأن میزان کل شی‏ء بحسبه هو المعیار الذی یعرف به قدره و حده و صحته و سقمه و زیادته و نقصانه و استواؤه فقد یکون ذلک الشی‏ء من الأجسام فمیزانه ما وضع من جنسه من الأحجار و غیرها کالمد و المن و المکاییل و الزرع و غیرها لتعیین وزن ذلک الشی‏ء و تقدیره و قد یکون ذلک الشی‏ء من الکلمات فیوزن صحتها و اعتلالها بمیزانه الذی هو الفاء و العین و اللام کما بین فی علم الصرف. و علم المنطق یکون میزانا لتمییز النتیجه الصحیحه من السقیمه، و علم العروض میزانا للأشعار، و میزان الناس ما یوزن به قدر کل امرء و قیمته على حسب أعماله و أخلاقه و عقائده و صفاته و حیث ان الأنبیاء بعثوا على الحق و لا یمیلون عن العدل مقدار قطمیر و لا یصدر منهم سهو و لا نسیان فهم معیار الحق و میزان الصدق و فیصل الأمور فمن تأسی بهم و حذا حذوهم فقد فاز فوزا عظیما و إلا فقد خسر خسرانا مبینا.

و بما ذکرنا علم ما فی الکافی عن الامام الصادق علیه السلام من انه سئل عن قول الله‏ و نضع الموازین القسط لیوم القیامه (الأنبیاء: ۴۸)؟ قال: هم الأنبیاء و الأوصیاء و کذا فی روایه اخرى عنه علیه السلام: نحن الموازین القسط.

قوله علیه السلام: مؤیدون عند الحکیم العلیم بالحکمه، أى کما انهم مؤدبون فی الحکمه کذلک مؤیدون بالحکمه من عنده تعالى تدل على صدق مقالته و جواز عدالته لیمیز الخبیث من الطیب و الحق من الباطل فلو لم یکونوا مؤیدین بها من عنده تعالى بالحکمه أعنی بالبینات و المعجزات القولیه و الفعلیه لما یفصل بین النبی و المتنبی، قال عز من قائل‏ لقد أرسلنا رسلنا بالبینات و أنزلنا معهم الکتاب و المیزان لیقوم الناس بالقسط (الحدید: ۲۶).

قوله علیه السلام: ثم ثبت ذلک- إلى آخره لما هدینا العقل بتلک المقدمات إلى هذا المطلب الاسنى فدل على أن الأرض لا تخلو فی کل دهر و زمان من لدن خلق البشر إلى قیام القیامه من حجه الهیه و دریت أن الخلیفه فی الأول قبل الخلیفه و فی الاخر بعدها لئلا یحتج أحد على الله تعالى انه ترکه بغیر حجه لله علیه.

الحدیث الخامس‏

فی الکافی بإسناده إلى منصور بن حازم قال: قلت لأبی عبد الله علیه السلام: إن الله أجل و أکرم من أن یعرف بخلقه بل الخلق یعرفون بالله قال: صدقت قلت: إن من عرف أن له ربا فقد ینبغی له أن یعرف أن لذلک الرب رضا و سخطا و أنه لا یعرف رضاه و سخطه إلا بوحی أو رسول فمن لم یأته الوحی فینبغی له أن یطلب الرسل فإذا لقیهم عرف أنهم الحجه و أن لهم الطاعه المفترضه فقلت للناس: ألیس تعلمون أن رسول الله صلى الله علیه و آله کان هو الحجه من الله على خلقه؟ قالوا: بلى، قلت: فحین مضى علیه السلام من کان الحجه؟ قالوا: القرآن فنظرت فی القرآن فإذا هو یخاصم به المرجى و القدرى و الزندیق الذى لا یؤمن به حتى یغلب الرجال بخصومته فعرفت أن القرآن لا یکون حجه إلا بقیم فما قال فیه من شی‏ء کان حقا فقلت لهم: من قیم القرآن؟ فقالوا: ابن مسعود قد کان یعلم و عمر یعلم و حذیفه یعلم، قلت:

کله؟ قالوا: لا، فلم أجد أحدا یقال: انه یعرف القرآن کله إلا علیا علیه السلام و إذا کان الشی‏ء بین القوم فقال هذا: لا أدرى و قال هذا: لا أدرى و قال هذا: لا أدری و قال هذا: أنا أدرى فأشهد أن علیا کان قیم القرآن و کانت طاعته مفروضه و کان الحجه على الناس بعد رسول الله و أن ما قال فی القرآن فهو حق فقال:رحمک الله- إلى آخر الحدیث.

بیان هذا الحدیث مشتمل على مطالب عقلیه مهدت للزوم الحجه على الناس ما دامت الأرض باقیه یأمرهم بالخیر و الصلاح و یهدیهم إلى سبیل الرشاد و لابد أن یکون معه علم بالله و آیاته. و تلک المطالب رتبت على اسلوب بدیع و أساس متین الأول أن الله أجل و أکرم من أن یعرف بخلقه بل الخلق یعرفون بالله و ما أحسن هذا القول و أحلاه و یعلم منه أن منصور بن حازم کان حازما حاذقا فی اصول العقائد و غرضه من ذلک إما أن معرفه الله تعالى فطرى غریزی فطره الله التی فطر الناس علیها و العقل وحده کاف فی معرفته عز و جل و هو القائد إلى جنابه و اصول صفاته فلا یحتاج الإنسان فی معرفته تعالى إلى خلقه بما اعطاه من العقل یسلکه إلى الصراط المستقیم قال عز من قائل‏ و نفس و ما سواها فألهمها فجورها و تقواها فهو تعالى أجل و أکرم من أن یعرف بخلقه بل یعرف بالعقل الذی اعطاه خلقه.

و إما أن الله جل جلاله هو الغنی القائم بالذات واجب الوجود فی ذاته و صفاته و ما سواه ممکن مفتقر إلیه و مستند به تعالى ظاهر بظهوره و موجود بوجوده‏ یا أیها الناس أنتم الفقراء إلى الله و الله هو الغنی الحمید و هو تعالى لارتفاع مکانه و جلال کبریائه و شده وجوده و بساطته أجل من أن یعرف بخلقه على انه تعالى لا حد علیه و لا ضد و لا ند حتى یعرف بها بل هو سبب کل شی‏ء و علته فهو الأول عند اولى الأبصار، فإن أول ما یعرف من عرفان کل شی‏ء هو الله تعالى قال سید الموحدین علی أمیر المؤمنین علیه السلام: ما عرفت شیئا إلا و قد عرفت الله قبله و قال علیه السلام: اعرفوا الله بالله.

و من کلام مولانا سید الشهداء أبی عبد الله الحسین علیه السلام فی دعاء عرفه: کیف یستدل علیک بما هو فی وجوده مفتقر الیک أ یکون لغیرک من الظهور ما لیس لک حتى یکون هو المظهر لک. و قال أیضا: تعرفت لکل شی‏ء فما جهلک شی‏ء و قال:تعرفت إلى فی کل شی‏ء فرأیتک ظاهرا فی کل شی‏ء فأنت الظاهر لکل شی‏ء.

فهو تعالى أجل و أکرم من أن یعرف ذاته و من جهه خلقه بل لا یعرف غیره على الحقیقه إلا به.

و إما أنه تعالى أجل و أکرم من أن یدرک عامه الناس لطائف صنعه و دقائق حکمته و مصلحته فی فعله و قوله بل الخلق یعرفونها بالله تعالى اى بارساله الرسل و انزاله الکتب و الظاهر أن خیر الوجوه أوسطها.

و المطلب الثانی أن من عرف ان له ربا عرف ان لذلک الرب صفات قدوسیه متعالیه لائقه بجنابه فلما عرف ذلک بنور العقل السلیم و العقل السلیم یشتاق التقرب إلى جنابه و یطلب ما یوصله ببابه لأن الانسان جبل‏ على النیل إلى السعاده و المیل عن الشقاوه سیما السعاده الدائمه الأبدیه التی لا تحصل إلا بالتخلق بأخلاق الله و الاتصاف بصفاته العلیا و لیس کل طریق و فعل و قول بمقرب الناس إلیه تعالى بالضروره فیحتاج إلى هاد یهدیه سبل الخیر و ما فیه رضوانه تعالى و ما فیه سخطه و لا یتأتى ذلک إلا بالوحى و لا یوحى إلى کل واحد من آحاد الناس لعدم قابلیه کل واحد لذلک فان للنبوه صفات خاصه لا یتحملها إلا الأوحدى من الناس المؤید من عند الله تبارک و تعالى کما حقق فی محله فالعقل السلیم یطلب من الله تعالى ارسال الرسل فلو لا البعثه لکان الله تعالى ظالما لعباده فاذا اوحى الله تعالى ما فیه خیر البریه و سعادته و ما یوجب رضوانه تعالى و سخطه إلى رسول بالبراهین و المعجزات و البینات فیأخذ الناس معالم دینه و معارف شریعته من الرسول قال عز من قائل‏ هو الذی بعث فی الأمیین رسولا منهم یتلوا علیهم آیاته و یزکیهم و یعلمهم الکتاب و الحکمه و قال تعالى‏ ادع إلى سبیل ربک بالحکمه و الموعظه الحسنه و جادلهم بالتی هی أحسن‏.

المطلب الثالث ان الحجه على الناس بعد خاتم النبیین من هو؟ و هذا المطلب فی المقام هو الأهم لأن المسلمین اتفقوا فی وجود من یکون حافظا للشرع من الزیاده و النقصان و للأمه من الظلم و الطغیان کما علم على ما بیناه فی المباحث السالفه و انما الکلام فی ذلک الحجه بعد النبی صلى الله علیه و آله و هو إما الکتاب أو السنه المتواتره أو الخبر الواحد أو الاجماع أو القیاس أو البراءه الأصلیه أو الاستصحاب أو العالم القائم مقام النبی و الأخیر أیضا على وجهین: إما العالم مطلقا أو العالم المعصوم من الذنوب، المنزه من العیوب، المنصوب من عند علام الغیوب، المؤید بتأییدات سماویه، المهدی بهدایه الهیه و هذه وجوه محتمله فی المقام لابد للبصیر الناقد أن ینظر فیها و یبحث عنها.

فنقول: أما الکتاب فهو کما قال منصور بن حازم یخاصم به المرجى و القدرى و الزندیق الذی لا یؤمن به حتى یغلب الرجال بخصومته فالقرآن لا یکون حجه إلا بقیم.

و نزیدک بیانا فی المقام حتى یتبین الحق فنقول: لا ریب ان لله تعالى فی کل واقعه و فی کل ما یحتاج إلیه الناس فی معاشهم و معادهم حکما و هی امور غیر متناهیه و کذا لا ریب أن الله تعالى نزل القرآن تبیانا لکل شی‏ء کما نص به عز من قائل فی سوره النحل آیه ۹۲ و نزلنا علیک الکتاب تبیانا لکل شی‏ء و هدى و رحمه و بشرى للمسلمین‏. و فی الأنعام آیه ۳۹: ما فرطنا فی الکتاب من شی‏ء. و فی ذلک روى ثقه الاسلام الکلینی قدس سره فی اصول الکافی بإسناده عن مرازم عن أبی عبد الله علیه السلام قال إن الله تعالى انزل فی القرآن تبیان کل شی‏ء حتى و الله ما نزل الله شیئا یحتاج إلیه العباد حتى لا یستطیع عبد یقول لو کان هذا انزل فی القرآن إلا و قد أنزله الله فیه.

و فیه أیضا بإسناده إلى عمرو بن قیس عن أبی جعفر علیه السلام قال: سمعته یقول ان الله تعالى لم یدع شیئا یحتاج إلیه الامه إلا أنزله فی کتابه و بینه لرسوله صلى الله علیه و آله و جعل لکل شی‏ء حدا و جعل علیه دلیلا یدل علیه و جعل على من تعدی ذلک الحد حدا. و کذا غیرهما من الأخبار الاخر فی ذلک الباب.

و کذا لا ریب ان القرآن لم یبین تلک الفروع و الأحکام الجزئیه و کل ما یحتاج إلیه الناس فی امورهم الدینیه و الدنیویه على التفصیل و البسط و هذا لا ینافی قوله عز و جل فی الایتین المذکورتین لأن الکتاب مشتمل على اصول کلیه یستنبط منها الأحکام الجزئیه و القوانین الالهیه من کان عارفا بها حق المعرفه فلنقدم لک مثالا فی ذلک توضیحا للمراد.

قال المفید فی إرشاده: و روى عن یونس عن الحسن أن عمر أتى بامرأه قد ولدت لسته أشهر فهم برجمها فقال له أمیر المؤمنین علیه السلام: إن خاصمتک بکتاب الله خصمتک إن الله تعالى یقول: و حمله و فصاله ثلاثون شهرا و یقول جل قائلا: و الوالدات یرضعن أولادهن حولین کاملین لمن أراد أن یتم الرضاعه فإذا تممت المرأه الرضاعه سنتین و کان حمله و فصاله ثلاثین شهرا کان الحمل منها سته أشهر فخلى عمر سبیل المرأه و ثبت الحکم بذلک فعمل الصحابه و التابعون و من أخذ عنه إلى یومنا هذا انتهى.

و کذا غیره من الوقائع التى قضى فیها أمیر المؤمنین على علیه السلام بکتاب الله مما یحیر العقول فهذا الحکم کان ثابتا فی الکتاب المجید و لکن لا تبلغه عقول الرجال إلا الکمل منهم الذین هداهم الله إلیه و علمهم معالم دینه و جاءت الروایه فی ذلک فی الکافی بإسناده عن المعلى بن خنیس قال: قال أبو عبد الله علیه السلام ما من أمر یختلف فیه إثنان إلا و له أصل فی کتاب الله و لکن لا تبلغه عقول الرجال.

و نظیر ما نقله المفید جاء فی الکافی للکلینی باسناده عن علی بن یقطین قال:سأل المهدى أبا الحسن علیه السلام عن الخمر هل هی محرمه فی کتاب الله تعالى فان الناس إنما یعرفون النهى عنها و لا یعرفون التحریم لها.

فقال له أبو الحسن علیه السلام: بل هی محرمه فی کتاب الله تعالى یا أمیر المؤمنین فقال له: فی أی موضع هی محرمه فی کتاب الله یا أبا الحسن؟. فقال: قول الله تعالى‏ قل إنما حرم ربی الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الإثم و البغی بغیر الحق‏ فأما قوله: ما ظهر منها، یعنی زنا المعلن و نصب الرایات التی کانت ترفعها الفواجر للفواحش فی الجاهلیه. و أما قوله تعالى: و ما بطن‏، یعنی ما نکح من الاباء لأن الناس کانوا قبل أن یبعث النبی صلى الله علیه و آله إذا کان للرجل زوجه و مات عنها یزوجها ابنه من بعده إذا لم تکن امه فحرم الله تعالى ذلک. و أما الإثم، فانها الخمر بعینها و قد قال الله تعالى فی موضع آخر یسئلونک عن الخمر و المیسر قل فیهما إثم کبیر و منافع للناس‏ فأما الإثم فی کتاب الله فهی الخمر و المیسر و اثمهما أکبر کما قال الله تعالى. فقال المهدی: یا على بن یقطین فهذه فتوى هاشمیه.

قال: قلت له: صدقت و الله یا أمیر المؤمنین الحمد لله الذی لم یخرج هذا العلم منکم أهل البیت قال: فو الله ما صبر المهدى أن قال لى: صدقت یا رافضى.

تنبیه‏

و اعلم أن نظائرهما المرویه عن أئمتنا علیهم السلام المستنبطه من ضم الایات القرآنیه بعضها من بعض غیر عزیز و استبصر من هذا أنما یعرف القرآن من خوطب به و أن القرآن یفسر بعضه بعضا. قال عز من قائل: و نزلنا علیک الکتاب تبیانا لکل شی‏ء. و معلوم أن من الأشیاء القرآن نفسه فهو تبیان لنفسه أیضا و لکن لاتبلغه عقول الرجال کما دریت. و ان للاستنباط من الکتاب رجالا عینهم الله لنا فی کتابه: و لو ردوه إلى الرسول و إلى أولی الأمر منهم لعلمه الذین یستنبطونه منهم‏ (النساء: ۸۶).

على أنا نقول: إن فی الکتاب محکما و متشابها و ناسخا و منسوخا و عاما و خاصا و مبینا و مجملا تمییزها و استنباط الفروع الجزئیه و الأحکام الالهیه منها صعب مستصعب جدا بل خارج عن طوق البشر الا من اختاره الله و علمه فقه القرآن و ملأ قلبه علما و فهما و حکما و نورا و من المجمل فی الکتاب قوله تعالى‏ السارق و السارقه فاقطعوا أیدیهما فان الید یطلق على العضو المعروف إلى الاشاجع و إلى الزند و إلى المرفق و إلى المنکب فیقال ادخلت یدی فی الماء إلى الأشاجع و إلى الزند و إلى المرفق و إلى المنکب و اعطیت بیدی و إنما اعطاه بأنامله و کتبت بیدی و إنما کتبه بأصابعه و الاستعمال ظاهر فی الحقیقه فیحصل الاشتراک و یأتی الاجمال فی حد القطع کما انها مجمله فی ان المراد قطع یدی السارق کلتیهما أو إحداهما و على الثانی الید الیمنى أو الیسرى و کذا فی المقدار المسروق الذی تقطع فیه أیدیهما و فی من تکررت منه السرقه بعد القطع أو قبل القطع و غیرها من أحکام السرقه المدونه فی کتب الحدیث و الفقه و کذا غیره من الاحکام و الفرائض مثل فرض الصلاه و الزکاه و الصوم و الحج و الجهاد و حد الزنا و نظائرها مما نزل فی الکتاب مجملا فلابد لها من مفسر و مبین.

ثم انه لو کان کتاب الله وحده بلا قیم و مفسر و مبین کافیا لما أمر الله تعالى باطاعه الرسول فی عده مواضع من کتابه الکریم کما حررناه من قبیل و دریت ان القائل حسبنا کتاب الله خبط خبط عشواء.

 «الکلام فی ان السنه وحدها لا تکون حجه إلا بقیم»

و أما السنه فالکلام فیها الکلام فی الکتاب فان کلام حجج الله تعالى دون کلام خالق و فوق کلام مخلوق و لکثیر من الروایات ان لم نقل لجمیعها وجوه محتمله و قد یعارض بعضها بعضا و لبعضها بطون علمیه کالایات القرآنیه فقد روى‏

الصدوق فی المجلس الأول من امالیه باسناده عن عمرو بن الیسع عن شعیب الحداد قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد علیهما السلام یقول: ان حدیثنا صعب مستصعب لا یحتمله إلا ملک مقرب أو نبی مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للایمان أو مدینه حصینه قال عمرو: فقلت لشعیب: یا أبا الحسن و أی شی‏ء المدینه الحصینه؟

قال: فقال: سألت الصادق علیه السلام عنها فقال لى: القلب المجتمع. على أن الروایات لیست بوافیه فی جمیع الأحکام على سبیل التنصیص فی الجزئیات بل کلیات أیضا یستنبط منها تلک الفروع الجزئیه مع أن الروایات أکثرها منقوله بالمعنى و لم یثبت بقاؤها على هیئتها التی صدرت عن المعصوم علیه السلام اعنی أنها لم تتواتر لفظا و إن تواتر مدلول کثیر منها حتى ذهب الشهید الثانی فی الداریه إلى أن روایه واحده یمکن ادعاء تواتره لفظا حیث قال: و التواتر یتحقق فی اصول الشرایع کثیرا و قلیل فی الأحادیث الخاصه و إن تواتر مدلولها حتى قال أبو الصلاح من سئل عن ابراز مثال لذلک اعیاه طلبه، نعم حدیث من کذب على متعمدا فلیتبوء مقعده من النار یمکن ادعاء تواتره فقد نقل نقله عن النبی صلى الله علیه و آله من الصحابه الجم الغفیر. انتهى.

قال المجلسی (ره) فی مرآه العقول: من المعلوم أن الصحابه و أصحاب الأئمه علیهم السلام لم یکونوا یکتبون الأحادیث عند سماعها و یبعد بل یستحیل عاده حفظهم جمیع الألفاظ على ما هی علیه و قد سمعوها مره واحده خصوصا فی الأحادیث الطویله مع تطاول الأزمنه و لهذا کثیرا ما یروى عنهم المعنى الواحد بألفاظ مختلفه انتهى ما اردنا من نقل کلامه.

أما القرآن الکریم فانه المنزل من الله تعالى المحفوظ على هیئته التی نزلت بلا تغییر و تبدیل فی ألفاظه بلا خلاف بل اتفق الکل من المسلمین و غیرهم على أن القرآن بین الکتب المنزله هو الکتاب الذی لم یتطرق إلیه تحریف أو تصحیف أو زیاده أو نقصان مطلقا.

فاذا کان الأحادیث على ذلک المنوال فیأتی البحث فی الأخبار على اطوار کثیره مضبوطه فی کتب الدرایه و الرجال و غیرهما مثلا ینظر فی الراوى هل کان أهلا للنقل أم لا کما روى الکلینی فی الصحیح عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبی عبد الله علیه السلام‏ أسمع الحدیث منک فأزید و أنقص. قال: إن کنت ترید معناه (معانیه- خ ل) فلا بأس.

و بالجمله الکلام فی القرآن و الحدیث هو ما ذکره مولى الموحدین أمیر المؤمنین علی علیه السلام نقله الرضی فی النهج کما مضى فی الخطبه الثمانیه و المأتین و کذا نقله الکلینی فی الکافی و فی الوافی (ص ۶۲ م ۱).

روی الکلینی بإسناده عن أبان بن عیاش عن سلیم بن قیس الهلالی قال:قلت لأمیر المؤمنین علیه السلام: انی سمعت من سلمان و المقداد و أبی ذر شیئا من تفسیر القرآن و أحادیث عن نبی الله غیر ما فی أیدی الناس ثم سمعت منک تصدیق ما سمعت منهم و رأیت فی أیدی الناس أشیاء کثیره من تفسیر القرآن و من الأحادیث عن نبی الله صلى الله علیه و آله أنتم تخالفونهم فیها و تزعمون ان ذلک کله باطل أفترى الناس یکذبون على رسول الله صلى الله علیه و آله متعمدین و یفسرون القرآن بارائهم قال: فأقبل علیه السلام علی فقال: قد سألت فافهم الجواب:إن فی أیدی الناس حقا و باطلا و صدقا و کذبا و ناسخا و منسوخا و عاما و خاصا و محکما و متشابها و حفظا و وهما و قد کذب على رسول الله صلى الله علیه و آله على عهده حتى قام خطیبا فقال: أیها الناس قد کثرت على الکذابه فمن کذب على متعمدا فلیتبؤه مقعده من النار ثم کذب علیه من بعده.

و انما أتاکم الحدیث من أربعه لیس لهم خامس: رجل منافق یظهر الایمان متصنع بالاسلام لا یتأثم و لا یتحرج ان یکذب على رسول الله متعمدا فلو علم الناس انه منافق کذاب لم یقبلوا منه و لم یصدقوه و لکنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله و رآه و سمع منه فیأخذون عنه و هم لا یعرفون حاله و قد اخبر الله عن المنافقین بما اخبره و وصفهم بما وصفهم فقال تعالى‏ و إذا رأیتهم تعجبک أجسامهم و إن یقولوا تسمع لقولهم‏ ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمه الضلاله و الدعاه إلى النار بالزور و الکذب و البهتان فولوهم الأعمال و حملوهم على رقاب الناس و أکلوا بهم الدنیا و انما الناس مع الملوک و الدنیا إلا من عصم الله فهذا أحد الأربعه.

و رجل سمع من رسول الله صلى الله علیه و آله شیئا لم یحمله على وجهه و وهم فیه و لم یتعمد کذبا فهو فی یده یقول و یعمل به و یرویه و یقول أنا سمعته من رسول الله صلى الله علیه و آله فلو علم المسلمون انه و هم لم یقبلوه و لو علم هو انه و هم لرفضه.

و رجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله علیه و آله شیئا أمر به ثم نهى عنه و هو لا یعلم أو سمعه ینهى عن شی‏ء ثم أمر به و هو لا یعلم فحفظ منسوخه و لم یحفظ الناسخ فلو علم انه منسوخ لرفضه و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه انه منسوخ لرفضوه.

و آخر رابع لم یکذب على رسول الله صلى الله علیه و آله مبغض للکذب خوفا من الله و تعظیما لرسوله لم ینسه بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به کما سمع لم یزد فیه و لم ینقص منه و علم الناسخ و المنسوخ و عمل بالناسخ و رفض المنسوخ فان أمر النبی صلى الله علیه و آله مثل القرآن ناسخ و منسوخ و خاص و عام و محکم و متشابه قد کان یکون من رسول الله صلى الله علیه و آله الکلام له وجهان کلام عام و کلام خاص مثل القرآن و قال الله تعالى فی کتابه‏ ما آتاکم الرسول فخذوه و ما نهاکم عنه فانتهوا فیشتبه على من لم یعرف و لم یدر ما عنى الله به و رسوله صلى الله علیه و آله. و لیس کل أصحاب رسول الله صلى الله علیه و آله کان یسأله من الشی‏ء یفهم و کان منهم من یسأله و لا یستفهمه حتى ان کانوا لیحبون أن یجی‏ء الأعرابی و الطاری فیسأل رسول الله صلى الله علیه و آله حتى یسمعوا.

أقول: انه علیه السلام یذکر بعد قوله حتى یسمعوا: منزلته عند النبی صلى الله علیه و آله و سنذکر هذا الذیل أیضا فی محله، فبما حررناه دریت ان الکتاب و السنه غیر وافیین بکل الأحکام مع أن لله تعالى فی کل واقعه حکما یجب تحصیله فهما یحتاجان إلى قیم.

فی الکافی بإسناده عن أبی البختری عن أبی عبد الله علیه السلام قال: إن العلماء ورثه الأنبیاء و ذاک أن الأنبیاء لم یورثوا درهما و لا دینارا و إنما ورثوا من أحادیثهم فمن أخذ بشی‏ء منها فقد أخذ حظا وافرا فانظروا علمکم هذا عمن تأخذونه فان فینا أهل البیت فی کل خلف عدولا ینفون عنه تحریف الغالین‏ و انتحال المبطلین و تأویل الجاهلین.

و حیث علم معنى العدل فیما تقدم و علم أن الإمام المنصوب الالهی على العدل المحض و یهدون بأمر الله تعالى إلى طریق الحق علم ان المراد بالعدول هم الأئمه الهادین المهدیین لا غیر و جاء خبر آخر فی الکافی کانه مفسر له حیث روى بإسناده عن ابن وهب قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام یقول: قال رسول الله صلى الله علیه و آله ان عند کل بدعه تکون من بعدى یکاد بها الایمان ولیا من أهل بیتی موکلا به یذب عنه ینطق بالهام من الله و یعلن الحق و ینوره و یرد کید الکائدین یعبر عن الضعفاء فاعتبروا یا اولى الأبصار و توکلوا على الله.

و نعم ما قال الفیض فی الحدیث بیانا: المراد من ورثه الأنبیاء ورثتهم من غذاء الروح لأنهم أولادهم الروحانیون الذین ینتسبون إلیهم من جهه أرواحهم المتغذیه بالعلم المستفاد منهم علیهم السلام کما أن من کان من نسلهم ورثتهم من غذاء الجسم لأنهم أولادهم الجسمانیون الذین ینتسبون إلیهم من جهه أجسادهم المتغذیه بالغذاء الجسمانی حظا وافرا کثیرا لأن قلیل العلم خیر مما طلعت علیه الشمس.

فانظروا یعنی لما ثبت أن العلم میراث الأنبیاء فلابد أن یکون مأخوذا عن الأنبیاء علیهم السلام و عن أهل بیت النبوه الذین هم مستودع اسرارهم و فیهم أصل شجره علمهم دون غیرهم فان المجاوزین عن الوسط الحق یحرفون الکلم عن مواضعه بحسب أهوائهم. و المبطلون یدعون لأنفسهم العلم و یلبسون الحق بالباطل لفساد أغراضهم. و الجاهلون یؤولون المتشابهات على غیر معانیها المقصوده منها لزیغ قلوبهم فیشتبه بسبب ذلک طریق التعلم على طلبه العلم.

و فی أهل بیت النبی صلوات الله علیه و علیهم فی کل خلف بعد سلف امه وسط لهم الاستقامه فی طریق الحق من غیر غلو و لا تقصیر و لا زیغ و لا تحریف یعنی الإمام المعصوم و خواص شیعته الأمناء على أسراره الحافظین لعلمه الضابطین لأحادیثه فان الأرض لا تخلو منهم ابدا و هم لا یزالون ینفون عن العلم تحریف الغالین‏ و تلبیس المبطلین و تأویل الجاهلین فخذوا علمکم عنهم دون غیرهم لتکونوا ورثه الأنبیاء.

و هذا الحدیث ناظر إلى ما روى عن النبی صلى الله علیه و آله انه قال: یحمل هذا العلم من کل خلف عدوله ینفون عنه تحریف الغالین و انتحال المبطلین و تأویل الجاهلین و تفسیر للعدول الوارد فیه.

و الخلف بالتحریک و السکون کل من یجی‏ء بعد من مضى إلا أنه بالتحریک فی الخیر و بالتسکین فی الشر یقال: خلف صدق و خلف شر.

و أما القیاس فقد حققنا فی المباحث السالفه أن لله تعالى فی کل واقعه حکما و أن الأحکام مبتنیه على مصالح و مفاسد فی الأشیاء لا تبلغها العقول و لا یعلمها الا علام الغیوب و لو تأملنا حق التأمل فی الدین لرأینا أن دین الله لم یبن على القیاس فان المراد بالقیاس فی المقام القیاس الفقهی الذی یسمى فی علم المیزان بالتمثیل و مبنى الشرع على اختلاف المتفقات کوجوب الصوم آخر شهر رمضان و تحریمه أول شوال، و اتفاق المختلفات کوجوب الوضوء من البول و الغائط و اتفاق القتل خطأ و الظهار فی الکفاره. مع أن الشارع قطع ید سارق القلیل دون غاصب الکثیر و جلد بقذف الزنا و أوجب فیه أربع شهادات دون الکفر و ذلک کله ینافی القیاس و قد قال رسول الله صلى الله علیه و آله: تعمل هذه الأمه برهه بالکتاب و برهه بالسنه و برهه بالقیاس فاذا فعلوا ذلک فقد ضلوا و أضلوا.

و لیس القیاس إلا اتباع الهوى و قال الله تعالى‏ و لا تتبع الهوى فیضلک عن سبیل الله إن الذین یضلون عن سبیل الله لهم عذاب شدید بما نسوا یوم الحساب‏.

و لو تطرق فی الشریعه العمل بالقیاس لمحق الدین لأن لکل أحد أن یرى برأیه و نظره مناسبه بین الحکمین و غالبا لا یخلو الشیئان عن مناسبه ما فیلزم عندئذ تحلیل الحرام و تحریم الحلال و آراء کثیره مردیه فی موضوع واحد مع أن حکم الله واحد لا یتغیر و قد روى شیخ الطائفه فی التهذیب بإسناده عن أبی مریم‏ عن أبی جعفر علیه السلام قال: قال صلوات الله علیه: لو قضیت بین رجلین بقضیه ثم عادا إلى من قابل لم ازدهما على القول الأول لأن الحق لا یتغیر.

و قد دریت آنفا أنه لیس شی‏ء مما یحتاج إلیه الناس إلا و قد جاء فیه کتاب أو سنه و أن الله تعالى نص فی کتابه العزیز انزل فی القرآن تبیان کل شی‏ء قال تعالى: و نزلنا علیک الکتاب تبیانا لکل شی‏ء و هدى و رحمه و بشرى للمسلمین‏ (النحل- ۹۲) و قال تعالى: ما فرطنا فی الکتاب من شی‏ء (الأنعام- ۳۹) و غیرهما من الایات الاخر فإذا بین القرآن کل شی‏ء و کذا السنه و إن کان لا تبلغها عقول الرجال فعلینا أن نطلب من عنده علم الکتاب و لیس لنا أن نختار بالقیاس و الاستحسان و امثالهما حکما نفتى به أو نعمل فان الله حذرنا عن ذلک فی کتابه بقوله: و ربک یخلق ما یشاء و یختار ما کان لهم الخیره سبحان الله و تعالى عما یشرکون‏ و قال عز و جل: و ما کان لمؤمن و لا مؤمنه إذا قضى الله و رسوله أمرا أن یکون لهم الخیره من أمرهم‏. و قال عز و جل: ما لکم کیف تحکمون أم لکم کتاب فیه تدرسون إن لکم فیه لما تخیرون أم لکم أیمان علینا بالغه إلى یوم القیامه إن لکم لما تحکمون سلهم أیهم بذلک زعیم أم لهم شرکاء فلیأتوا بشرکائهم إن کانوا صادقین‏ و قال تعالى: أم لهم شرکاء شرعوا لهم من الدین ما لم یأذن به الله‏ و قال تعالى:و استقم کما أمرت و لا تتبع أهواءهم و قل آمنت بما أنزل الله من کتاب‏. و قال تعالى: أ فمن کان على بینه من ربه کمن زین له سوء عمله و اتبعوا أهواءهم‏ و قال تعالى‏ إن یتبعون إلا الظن و ما تهوى الأنفس و لقد جاءهم من ربهم الهدى‏ و غیرها من الایات القرآنیه.

فهذه الایات القرآنیه تذم من رغب عن اختیار الله و اختیار رسوله إلى اختیاره و تنهیه عن ذلک أفلا یتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها، أم طبع الله على قلوبهم فهم لا یفقهون، أم قالوا سمعنا و هم لا یسمعون، ان شر الدواب عند الله الصم البکم الذین لا یعقلون‏.

«الاخبار المرویه عن أهل بیت العصمه علیهم السلام» «فی النهى عن العمل بالقیاس»

قد رویت عن الأئمه الهداه المهدیین روایات فی النهى عن العمل بالقیاس و احتجاجات على القوم فی ذلک نورد ههنا شطرا منها تبصره للمستبصرین فان من کان له قلب استهدى بها:

۱- فی الکافی باسناده إلى أبی شیبه الخراسانی قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام یقول: إن أصحاب المقاییس طلبوا العلم بالمقاییس فلم تزدهم المقاییس من الحق إلا بعدا و أن دین الله لا یصاب بالمقاییس.

أقول: إن القیاس فی جمیع العلوم النقلیه لا یزاد القائس من الحق و الواقع إلا بعدا فکما أن اللغه و النحو و القرائه و السیر و امثالها لا یستقیم بالقیاس و التخمین فکذلک الأحکام فان لله تعالى فی کل واقعه حکما لا یصاب بالظن و التخمین و القیاس.على أن فی الشرع یوجد کثیرا جمع الأحکام المختلفه فی الصفات الظاهره و تفریق الأحکام المتشارکه فی الاثار الواضحه.

۲- و فیه باسناده إلى أبان بن تغلب عن أبی عبد الله علیه السلام قال: إن السنه لا تقاس ألا ترى ان المرأه تقضى صومها و لا تقضى صلاتها یا أبان ان السنه إذا قیست محق الدین.

أقول: قال الفیض فی بیانه: المحق ذهاب الشی‏ء کله حتى لا یرى منه أثر و إنما یمحق الدین بالقیاس لأن لکل أحد أن یرى بعقله أو هواه مناسبه بین الشی‏ء و ما أراد أن یقیسه علیه فیحکم علیه بحکمه و ما من شی‏ء إلا و بینه و بین شی‏ء آخر مجانسه أو مشارکه فی کم أو کیف أو نسبه فاذا قیس بعض الأشیاء على بعض فی الأحکام صار الحلال حراما و الحرام حلالا حتى لم یبق شی‏ء من الدین

۳- و فیه بإسناده إلى أبان عن أبی شیبه قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام یقول:ضل علم ابن شبرمه عند الجامعه املاء رسول الله صلى الله علیه و آله و خط علی علیه السلام بیده ان‏ الجامعه لم تدع لأحد کلاما فیها علم الحلال و الحرام ان أصحاب القیاس طلبوا العلم بالقیاس فلم یزدادوا من الحق إلا بعدا إن دین الله لا یصاب بالقیاس.

أقول: سیأتی الکلام فی الجامعه عند ترجمه الإمام جعفر بن محمد الصادق علیهما السلام و ابن شبرمه هو عبد الله بن شبرمه القاضی کان یعمل بالقیاس.

۴- و فیه عن الحسین بن میاح عن أبیه عن أبی عبد الله علیه السلام قال: ان إبلیس قاس نفسه بادم فقال: خلقتنی من نار و خلقته من طین فلو قاس الجوهر الذی خلق الله منه آدم بالنار کان ذلک أکثر نورا و ضیاء.

۵- و فیه بإسناده عن عیسى بن عبد الله القرشی قال: دخل أبو حنیفه على أبی عبد الله علیه السلام فقال له: یا أبا حنیفه بلغنی أنک تقیس قال: نعم، قال: لا تقس فان أول من قاس إبلیس حین قال: خلقتنی من نار و خلقته من طین فقاس ما بین النار و الطین و لو قاس نوریه آدم بنوریه النار عرف فضل ما بین النورین و صفاء أحدهما على الاخر.

أقول: إن هذین الخبرین من الأخبار الأنیقه و العلوم الدقیقه التی صدرت من بیت أهل العصمه و تجلت من مشکاه الإمامه و بدت من فروع شجره النبوه لاحتوائهما على لطیفه قدسیه عرشیه لم یعهد صدور مثلها عن غیر بیت الال فی ذلک العصر، و لعمری لو لم تکن لرسول الله صلى الله علیه و آله و آله الطاهرین معجزات فعلیه أصلا لکفى أمثال هذه الأخبار الصادره عنهم علیهم السلام فی صدق مقالتهم بأنهم سفراء الله لخلقه و وسائط فیضه. و بالجمله قال علیه السلام فی الأول منهما فلو قاس الجوهر الذی خلق الله منه آدم بالنار کان ذلک أکثر نورا و ضیاء و فی الثانی و لو قاس نوریه آدم بنوریه النار عرف فضل ما بین النورین و صفاء أحدهما على الاخر. و ذلک الجوهر النوری هو النفس الناطقه المجرده و الروح المقدسه التی من عالم الأمر لا سیما روحه القدسیه النبویه التی بها صار مسجود الملائکه، و معلوم أن هذا النور المعنوی لا نسبه له إلى الأنوار الحسیه کنور النار و السراج و الشمس و القمر و النجوم و أمثالها لأنه لا یکون منغمرا فی الزمان و المکان و الأجسام بل هو فوق‏ الزمان و الزمانیات و لذا به یظهر ما لا یظهر بالأنوار الحسیه فان الحسیه یظهر المحسوسات بخلاف النور العقلی فانه یظهر المعقولات و فوق المحسوسات فلا یقاس أحدهما بالاخر فان العقلانی بمراحل عن الجسمانی و لذا قال ولی الله الأعظم فلو قاس الجوهر الذی خلق الله منه آدم بالنار کان ذلک أکثر نورا و ضیاء.

و أیضا ان کلامه علیه السلام یدل على تجرد الروح و تنزهه عن الجسم و الجسمانیات کما أنه یدل ان شیئیه الشی‏ء بصورته لا بمادته، و قیاس إبلیس و هم حیث توهم ان الفضل و الشرف بماده البدن و أن شیئیه الأشیاء بمادتها و لم یعلم أن الانسان إنسان بجوهره المجرد النوری العقلانی و انما الشیئیه بالصوره لانه لم یکن له نصیب من هذا النور القدسی النبوی حتى یرى نسبه سائر الأنوار بالقیاس إلیه و یعرفه حق المعرفه.

و اعلم أن الوجود الکامل من ماده ناقصه أفضل من موجود ناقص من ماده کامله و ذلک لما تحقق فی الحکمه العالیه أن الصوره هی الأصل و الماده فرعها و شیئیه الموجودات بصورها لا بالماده.

۶- فی الکافی: ان علیا علیه السلام قال: من نصب نفسه للقیاس لم یزل دهره فی التباس و من دان الله بالرأى لم یزل دهره فی ارتماس.

۷- و فیه أیضا قال أبو جعفر علیه السلام: من أفتى الناس برأیه فقد دان الله بما لا یعلم و من دان الله بما لا یعلم فقد ضاد الله حیث أحل و حرم فیما لا یعلم.

۸- و فی کتاب القضاء من الوسائل: ان ابن شبرمه قال دخلت أنا و أبو حنیفه على جعفر بن محمد فقال لأبی حنیفه: اتق الله و لا تقس فی الدین برأیک فإن أول من قاس إبلیس إلى أن قال: و یحک ایهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟ قال: قتل النفس. قال: فان الله عز و جل قد قبل فی قتل النفس شاهدین و لم یقبل فی الزنا إلا أربعه. ثم أیهما أعظم الصلاه أم الصوم؟ قال: الصلاه. قال: فما بال الحائض تقضی الصیام و لا تقضى الصلاه فکیف یقوم لک القیاس فاتق الله و لا تقس. قال:فایهما اکبر البول أو المنی؟ قلت: البول، قال: فلم أمر الله تعالى فی البول بالوضوءو فی المنی بالغسل. قال: فأیما أضعف المرأه أو الرجل؟ قلت: المرأه، قال:فلم جعل الله تعالى فی المیراث للرجل سهمین و للمرأه سهم أ فیقاس لک هذا؟ قلت:لا. قال: فبم حکم الله فیمن سرق عشر دراهم القطع و إذا قطع الرجل ید رجل فعلیه دیتها خمسه آلاف درهم أ فیقاس لک هذا؟ قلت: لا. الحدیث.

و فی الوافی (ص ۵۹ م ۱) روی عن أبی حنیفه أنه قال: جئت إلى حجام لیحلق رأسی فقال لی: ادن میامنک و استقبل القبله و سم الله فتعلمت منه ست خصال لم تکن عندى فقلت له: مملوک أنت أم حر؟ فقال: مملوک؟ قلت: لمن؟ قال لجعفر بن محمد الصادق علیهما السلام قلت: أشاهد أم غائب؟ قال: شاهد فصرت إلى بابه و استأذنت علیه فحجبنی و جاء قوم من أهل الکوفه فاستأذنوا فاذن لهم فدخلت معهم فلما صرت عنده قلت له: یا ابن رسول الله لو أرسلت إلى أهل الکوفه فنهیتهم أن یشتموا أصحاب محمد فانى ترکت بها أکثر من عشره الف یشتمونهم، فقال:

لا یقبلون منى فقلت: و من لا یقبل منک و أنت ابن رسول الله فقال: أنت أول من لا یقبل منى دخلت داری بغیر إذنی و جلست بغیر أمری و تکلمت بغیر رأیی و قد بلغنی أنک تقول بالقیاس قلت: نعم قال: ویحک یا نعمان أول من قاس الله إبلیس- ثم ذکر قریب ما نقلناه عن الوسائل و کذا هذا الخبر مذکور فی مجلس یوم الجمعه التاسع من رجب سنه سبع و خمسین و أربعمائه فراجع.

و الأخبار فی النهی عن القیاس فی الدین و السر فی نهیه کثیره فی کتب الروایه فعلیک بکتاب القضاء من الوسائل و المجلد الأول من البحار و الکافی و باب البدع و الرأى و المقائیس من الوافی (ص ۵۶ م ۱).

المنقول من الزمخشری فی ربیع الأبرار قال یوسف بن أسباط: رد أبو حنیفه على رسول الله صلى الله علیه و آله للفرس سهمان و للرجل سهم، قال أبو حنیفه: لا أجعل سهم بهیمه أکثر من سهم المؤمن. و اشعر رسول الله صلى الله علیه و آله و أصحابه البدن و قال أبو حنیفه: الاشعار مثله. و قال صلى الله علیه و آله: البیعان بالخیار ما لم یتفرقا، و قال أبو حنیفه: إذا وجب البیع فلا خیار. و کان صلى الله علیه و آله یقرع بین نسائه إذا اراد سفرا و أقرع أصحابه، و قال أبو حنیفه القرعه قمار.

و أما الإجماع فبعد الفراغ عن حجیته و البحث عن أقسامه فنقول: ان من المعلوم عدم قیام إجماع فی کل واقعه واقعه.

و أما البراءه الأصلیه فلأنه یلزم منها ارتفاع أکثر الأحکام الشرعیه إذ یقال الأصل برائه الذمه من وجوب أو حرمه.

أما الاستصحاب فعدم صلاحیته للمحافظه بدیهی فلأنه یستلزم الیقین السابق و الشک اللاحق حتى یجری و أنی یکون کل حکم من الأحکام فی کل موضع مع عدم تناهیها کذلک، على أن الاستصحاب و القیاس و الخبر الواحد لا تفید إلا ظنا و الظن لا یغنى من الحق شیئا. فاذا اتضح عدم صلاحیه هذه الأقسام لحفظ الدین و حجه على الناس بحیالها بلا قیم مبین و مفسر بعد خاتم النبیین فلم یبق أن یکون الحافظ للشرع إلا العالم و العالم مطلقا فقد دریت انه لم یکن حافظا فبقى العالم المعصوم المنصوب من الله اعنی الإمام بالحق و ذلک هو المطلوب و قد اشار الباری تعالى إلیه بقوله: و لو ردوه إلى الرسول و إلى أولی الأمر منهم لعلمه الذین یستنبطونه منهم‏ (النساء: ۸۶) ثم إن لأئمتنا صلوات الله علیهم احتجاجات على من ذهب إلى أن الکتاب وحده بلا قیم کاف للعباد کل واحد منها حجه بالغه و برهان تام أبان الفصل و أفحم الخصم ترکنا الاتیان بها روما للاختصار فعلیک بکتاب الاحتجاج للطبرسی و اصول الکافی للکلینی و الارشاد للمفید و المجلد الرابع من البحار للمجلسی.

ثم مضى فی الخطبه الثالثه و العشرین و المأه قوله علیه السلام: و هذا القرآن إنما هو مسطور بین الدفتین لا ینطق بلسان و لا بد له من ترجمان- إلى آخر ما قال. فراجع فتبصر.

احتجاج ثامن الائمه علیه السلام على المخالفین فی امر الإمامه

روى الشیخ الجلیل الصدوق رضوان الله علیه فی المجلس السابع و التسعین من أمالیه و کذا الشیخ الجلیل الطبرسی فی الاحتجاج و ثقه الاسلام الکلینی فی الکافی (الوافی ص ۱۱۵ م ۲) روایه جامعه کافیه فی أمر الإمامه عن الرضا علی بن‏

موسى ثامن الأئمه الهداه المهدیین تهدى بغاه الرشد للتی هو أقوم جعلناها خاتمه بحثنا لیختم بالخیر ختامه مسک و فی ذلک فلیتنافس المتنافسون و فی الأمالی.

حدثنا الشیخ الجلیل أبو جعفر محمد بن علی بن الحسین بن موسى بن بابویه القمی رضی الله عنه قال: حدثنا محمد بن موسى بن المتوکل قال: حدثنا محمد بن یعقوب قال: حدثنا أبو محمد القاسم بن العلی عن عبد العزیز بن مسلم قال: کنا فی أیام علی بن موسى الرضا علیهما السلام بمرو فاجتمعنا فی مسجد جامعها فی یوم جمعه فی یدی مقدمنا فأدار الناس أمر الإمامه و ذکروا کثره اختلاف الناس فدخلت على سیدی و مولاى الرضا علیه السلام فأعلمته ما خاض الناس فیه فتبسم علیه السلام ثم قال:

یا عبد العزیز جهل القوم و خدعوا عن أدیانهم إن الله عز و جل لم یقبض نبیه صلى الله علیه و آله حتى أکمل له الدین و أنزل علیه القرآن فیه تفصیل کل شی‏ء بین فیه الحلال و الحرام و الحدود و الأحکام و جمیع ما یحتاج الناس إلیه کملا فقال عز و جل‏ ما فرطنا فی الکتاب من شی‏ء و انزل فیه فی حجه الوداع و هی آخر عمره صلى الله علیه و آله‏ الیوم أکملت لکم دینکم و أتممت علیکم نعمتی و رضیت لکم الإسلام دینا و أمر الامامه من تمام الدین و لم یمض صلى الله علیه و آله حتى بین لامته معالم دینهم و أوضح لهم سبیله و ترکهم على قصد الحق و أقام لهم علیا علیه السلام علما و ما ترک شیئا یحتاج إلیه الامه إلا بینه فمن زعم أن الله عز و جل لم یکمل دینه فقد رد کتاب الله و من رد کتاب الله فهو کافر فهل تعرفون قدر الإمامه و محلها من الأمه فیجوز فیها اختیارهم؟

إن الامامه أجل قدرا و أعظم شأنا و أعلى مکانا و أمنع جانبا و أبعد غورا من أن یبلغها الناس بعقولهم أو ینالوها برأیهم أو یقیموا إماما باختیارهم. إن الإمامه خص الله بها إبراهیم الخلیل علیه السلام بعد النبوه و الخله مرتبه ثالثه و فضیله شرفه الله بها فأشار بها ذکره فقال عز و جل‏ إنی جاعلک للناس إماما قال الخلیل مسرورا؟؟؟ بها و من ذریتی‏ قال الله تبارک و تعالى‏ لا ینال عهدی الظالمین‏ فابطلت هذه‏ الایه إمامه کل ظالم إلى یوم القیامه و صارت فی الصفوه.

ثم أکرمه الله أن جعلها فی ذریته أهل الصفوه و الطهاره فقال عز و جل‏ و وهبنا له إسحاق و یعقوب نافله و کلا جعلنا صالحین و جعلناهم أئمه یهدون بأمرنا و أوحینا إلیهم فعل الخیرات و إقام الصلاه و إیتاء الزکاه و کانوا لنا عابدین‏ فلم یزل فی ذریته یرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها النبی صلى الله علیه و آله فقال جل جلاله‏ إن أولى الناس بإبراهیم للذین اتبعوه و هذا النبی و الذین آمنوا و الله ولی المؤمنین‏ فکانت له الخاصه فقلدها النبی صلى الله علیه و آله علیا علیه السلام بأمر ربه عز و جل على رسم ما فرض الله فصارت فی ذریته الأصفیاء الذین آتاهم الله العلم و الایمان بقوله عز و جل‏ و قال الذین أوتوا العلم و الإیمان لقد لبثتم فی کتاب الله إلى یوم البعث‏ و هی فی ولد علی علیه السلام خاصه إلى یوم القیامه إذ لا نبی بعد محمد صلى الله علیه و آله فمن أین یختار هؤلاء الجهال؟

إن الامامه هی منزله الأنبیاء و إرث الأوصیاء إن الامامه خلافه الله عز و جل و خلافه الرسول و مقام أمیر المؤمنین و میراث الحسن و الحسین. إن الامامه زمام الدین و نظام المسلمین و صلاح الدنیا و عز المؤمنین. إن الإمامه اس الاسلام النامی و فرعه النامی.

بالامام تمام الصلاه و الزکاه و الصیام و الحج و الجهاد و توفیر الفی‏ء و الصدقات و إمضاء الحدود و الأحکام و منع الثغور و الأطراف.

الامام یحل حلال الله و یحرم حرام الله و یقیم حدود الله و یذب عن دین الله و یدعو إلى سبیل ربه بالحکمه و الموعظه الحسنه و الحجه البالغه.

الامام کالشمس الطالعه للعالم و هی فی الافق بحیث لا تنالها الأیدی و الأبصار.

الامام البدر المنیر و السراج الظاهر و النور الساطع و النجم الهادی فی غیاهب الدجى و البلد القفار و لجج البحار.

الامام الماء العذب على الظماء و الدال على الهدى و المنجی من الردى.

الامام النار على الیفاع الحار لمن اصطلى و الدلیل على الملک من فارقه فهالک.

الإمام السحاب الماطر و الغیث الهاطل و الشمس المضیئه و الأرض البسیطه و العین الغزیره و الغدیر و الروضه.

الإمام الأمین الرفیق و الوالد الرقیق و الأخ الشفیق و مفزع العباد فی الداهیه.

الإمام أمین الله فی أرضه و حجته على عباده و خلیفته فی بلاده و الداعی إلى الله و الذاب عن حرم الله.

الامام المطهر من الذنوب المبرأ من العیوب مخصوص بالعلم موسوم بالحلم نظام الدین و عز المسلمین و غیظ المنافقین و بوار الکافرین.

الامام واحد دهره لا یدانیه أحد و لا یعادله عالم و لا یوجد به بدل و لا له مثل و لا نظیر، مخصوص بالفضل کله من غیر طلب منزله و لا اکتساب بل اختصاص من المفضل الوهاب فمن ذا الذی یبلغ بمعرفه الإمام أو یمکنه اختیاره؟

هیهات هیهات ضلت العقول و تاهت الحلوم و حارت الألباب و حسرت العیون و تصاغرت العظماء و تحیرت الحکماء و تقاصرت الحلماء و حصرت الخطباء و جهلت الألباب و کلت الشعراء و عجزت الأدباء و عیت البلغاء عن وصف شأن من شأنه أو فضیله من فضائله فأقرت بالعجز و التقصیر. و کیف یوصف أو ینعت بکنهه أو یفهم شی‏ء من أمره أو یوجد من یقوم مقامه و یغنى غناه لا، کیف و أین و هو بحیث النجم من أیدى المتناولین و وصف الواصفین فأین الاختیار من هذا و این العقول عن هذا و أین یوجد مثل هذا؟

أظنوا أن ذلک یوجد فی غیر آل الرسول صلى الله علیه و آله؟ کذبتهم و الله أنفسهم و منتهم الأباطیل و ارتقوا مرتقى صعبار حضا تزل عنه إلى الحضیض أقدامهم راموا إقامه الإمام بعقول حائره بائره ناقصه و آراء مضله فلم یزدادوا منه إلا بعدا قاتلهم الله أنی یؤفکون؟ لقد راموا صعبا و قالوا إفکا و ضلوا ضلالا بعیدا و وقعوا فی الحیره إذ ترکوا الإمام عن بصیره و زین لهم الشیطان أعمالهم و صدهم عن السبیل و کانوا مستبصرین رغبوا عن اختیار الله و اختیار رسوله إلى اختیارهم و القرآن ینادیهم‏ و ربک یخلق ما یشاء و یختار ما کان لهم الخیره سبحان الله و تعالى عما یشرکون‏ و قال عز و جل‏ و ما کان لمؤمن و لا مؤمنه إذا قضى الله و رسوله أمرا أن یکون لهم الخیره من أمرهم‏ و قال عز و جل‏ ما لکم کیف تحکمون أم لکم کتاب فیه تدرسون إن لکم فیه لما تخیرون أم لکم أیمان علینا بالغه إلى یوم القیامه إن لکم لما تحکمون سلهم أیهم بذلک زعیم أم لهم شرکاء فلیأتوا بشرکائهم إن کانوا صادقین‏ و قال عز و جل: أ فلا یتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، أم طبع الله‏ على قلوبهم فهم لا یفقهون*، أم قالوا سمعنا و هم لا یسمعون‏، إن شر الدواب عند الله الصم البکم الذین لا یعقلون و لو علم الله فیهم خیرا لأسمعهم و لو أسمعهم لتولوا و هم معرضون‏، و قالوا سمعنا و عصینا، بل هو فضل الله یؤتیه من یشاء و الله ذو الفضل العظیم*.

فکیف لهم باختیار الإمام و الإمام عالم لا یجهل راع لا ینکل معدن القدس و الطهاره و النسک و الزهاده و العلم و العباده مخصوص بدعوه الرسول و هو نسل المطهره البتول لا مغمز فیه فی نسب و لا یدانیه ذو حسب فی البیت من قریش و الذروه من هاشم و العتره من الرسول و الرضا من الله شرف الأشراف و الفرع من عبد مناف نامی العلم کامل اللحم مضطلع بالإمامه عالم للسیاسه مفروض الطاعه قائم بأمر الله ناصح لعباد الله حافظ لدین الله.

إن الأنبیاء و الأئمه یوفقهم الله عز و جل و یؤتیهم من مخزون علمه و حلمه ما لا یؤتیه غیرهم فیکون علیهم «علمهم ظ» فوق کل أهل زمانهم فی قوله جل و عز فمن یهدی إلى الحق أحق أن یتبع أمن لا یهدی إلا أن یهدى فما لکم کیف تحکمون‏ و قوله جل و عز و من یؤت الحکمه فقد أوتی خیرا کثیرا و قوله عز و جل فی طالوت‏ إن الله اصطفاه علیکم و زاده بسطه فی العلم و الجسم و الله یؤتی ملکه من یشاء و الله واسع علیم‏ و قال عز و جل لنبیه صلى الله علیه و آله‏ و کان فضل الله علیک عظیما. و قال عز و جل فی الأئمه من أهل بیته و عترته و ذریته‏ أم یحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتینا آل إبراهیم الکتاب و الحکمه و آتیناهم ملکا عظیما فمنهم من آمن به و منهم من صد عنه و کفى بجهنم سعیرا.

و أن العبد إذا اختاره الله عز و جل لامور عباده شرح صدره لذلک و أودع قلبه ینابیع الحکمه و ألهمه العلم الهاما فلم یعى بعده بجواب و لا یحیر فیه عن الصواب و هو معصوم مؤید موفق مسدد قد أمن الخطایا و الزلل و العثار و خصه الله بذلک لیکون حجته على عباده و شاهده على خلقه و ذلک فضل الله یؤتیه من یشاء و الله ذو الفضل العظیم.

فهل یقدرون على مثل هذا فیختاروه أو یکون مختارهم بهذه الصفه فیقدموه تعدوا و بیت الله الحق و نبذوا کتاب الله وراء ظهورهم کأنهم لا یعلمون و فی کتاب الله الهدى و الشفاء فنبذوه و اتبعوا أهوائهم فذمهم الله و مقتهم أنفسهم فقال عز و جل‏ و من أضل ممن اتبع هواه بغیر هدى من الله إن الله لا یهدی القوم الظالمین‏ و قال:فتعسا لهم و أضل أعمالهم‏ و قال عز و جل‏ کبر مقتا عند الله و عند الذین آمنوا کذلک یطبع الله على کل قلب متکبر جبار. انتهى الحدیث الشریف‏.

«الأئمه بعد الرسول صلى الله علیه و آله هم آله علیهم السلام لا غیر»

الإمام بعد رسول الله صلى الله علیه و آله بلا فصل هو علی بن أبى طالب و بعده ابنه الحسن بن علی بن أبی طالب المجتبى و بعده اخوه الحسین بن علی سید الشهداء ثم ابنه علی ابن الحسین زین العابدین ثم ابنه محمد بن علی باقر علوم النبیین ثم ابنه جعفر بن محمد الصادق ثم ابنه موسى بن جعفر الکاظم ثم ابنه علی بن موسى الرضا ثم ابنه محمد بن علی الجواد التقی ثم ابنه علی بن محمد النقی الهادی ثم ابنه الحسن ابن علی العسکری ثم ابنه الإمام القائم المنتظر الحجه بن الحسن علیهم السلام.

و یدل علیه وجوه من الأدله العقلیه و النقلیه أما العقلیه فقد قدمنا البحث عنها و لا تنطبق إلا علیهم سلام الله علیهم و أما النقلیه فکثیر من الایات و الأخبار

المتواتره عن النبی صلى الله علیه و آله و ظهور معجزات کثیره عنهم علیهم السلام عقیب ادعائهم الإمامه مما أتى بها متکلمو الشیعه فی کتبهم الکلامیه و رواها فرق المسلمین فی آثارهم و أسفارهم القیمه و التعرض بذکر کل واحد منها و النقل عن ماخذها و تقریر دلالتها على التفصیل و البسط یؤدى إلى تألیف مجلدات علیحده و نحن بعون الله تعالى نحررها موجزه فی ابحاثنا الاتیه، و انما الأهم من غرضنا فی المقام اقامه البراهین العقلیه فی وجود الإمام و قد أتینا بطائفه منها فی ضمن هذه الخطبه التی فی أوصاف آل محمد علیهم السلام لیزداد الطالب للحق بصیره.

و لکن لما کان أمیر المؤمنین علی علیه السلام وصف آل محمد صلى الله علیه و آله بأنهم عیش العلم و موت الجهل و انهم دعائم الاسلام و غیرها من الأوصاف المذکوره فی الخطب السابقه فلنذکر نبذه من أحوالهم و شرذمه من آثارهم کى یکون أنموذجا للطالب فی أنوار علومهم و عظم مقامهم و إن کانت عقولنا قاصره عن اکتناه ما جبل فی نفوسهم القدسیه و الارتقاء إلى مرتبتهم العرشیه و نعم ما اشار إلیه العارف الرومی بالفارسیه.

در نیابد حال پخته هیچ خام‏ پس سخن کوتاه باید و السلام‏

و فی الحقیقه مدحنا إیاهم علیهم السلام راجع إلینا اعنی أنا إذا مدحناهم مدحنا أنفسنا لأنا نخبر عن حسن سریرتنا و طیب سجیتنا و سلامه عین بصیرتنا کالذی یمدح الشمس یخبر عن شده نور بصره و سلامه عینه و قد قال رسول الله صلى الله علیه و آله: لا یحبنا إلا مؤمن تقى و لا یبغضنا إلا منافق شقی. و نعم ما قال العارف المذکور أیضا:

مادح خورشید مداح خود است‏ که دو چشمم روشن و نامرمد است‏
ذم خورشید جهان ذم خود است‏ که دو چشمم کور و تاریک و بد است‏
تو ببخشا بر کسى کاندر جهان‏ شد حسود آفتاب کامران‏
تا ندش پوشید هیچ از دیده‏ها و ز طراوت دادن پوسیده‏ها
یا ز نور بى‏حدش تانند کاست‏ یا بدفع جاه او تانند خاست‏
نور مردان مشرق و مغرب گرفت‏ آسمانها سجده کردند از شگفت‏
هر کسى کو حاسد کیهان بود آن حسد خود مرگ جاویدان بود
شمع حق را پف کنى تو اى عجوز هم تو سوزى هم سرت اى گنده‏پوز
کى شود دریا ز پوز سگ نجس‏ کى شود خورشید از پف منطمس‏
مه فشاند نور و سگ عوعو کند هر کسى بر خلقت خود مى‏تند
اى بریده آن لب و حلق و دهان‏ که کند تف سوى ماه آسمان‏
سوى گردون تف نیابد مسلکى‏ تف برویش باز گردد بى شکى‏
تا قیامت تف بر او بارد ز رب‏ همچو تبت بر روان بو لهب‏

و کذا قال العارف الجامی فی الدفتر الأول من سلسله الذهب.

مادح أهل بیت در معنى‏ مدحت خویشتن کند یعنى‏
مؤمنم موقنم خداى شناس‏ وز خدایم بود امید و هراس‏
از کجیها در اعتقادم پاک‏ نیست از طعن کج نهادم باک‏
دوستدار رسول و آل ویم‏ دشمن خصم بد سگال ویم‏
جوهر من ز دکان ایشانست‏ رخت من از دکان ایشانست‏

إلى أن قال:

این نه رفض است محض ایمان است‏ رسم معروف أهل عرفانست‏
رفض اگر هست حب آل نبی‏ رفض فرض است بر ذکى و غبی‏[۱]

 

منهاج ‏البراعه فی ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(الخوئی)//میر حبیب الله خوئی

___________________________________________________________

[۱] ( ۱)- بیت العارف الجامى کانما یشیر إلى ما قال الشافعی:

\s\iُ قالوا: ترفضت، قلت: کلا\z ما الرفض دینى و لا اعتقادى‏\z لکن تولیت غیر شک‏\z خیر امام و خیر هاد\z ان کان حب الوصى رفضا\z فاننى أرفض العباد\z\E\E

[۲] هاشمى خویى، میرزا حبیب الله، منهاج البراعه فی شرح نهج البلاغه (خوئى) – تهران، چاپ: چهارم، ۱۴۰۰ ق.

بازدیدها: ۳۵