خانه / 180-200 خطبه شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی / نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۱۹۸ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۱۹۸ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه ۱۹۹ صبحی صالح

۱۹۹- و من کلام له ( علیه ‏السلام  ) کان یوصی به أصحابه‏

الصلاه

تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلَاهِ وَ حَافِظُوا عَلَیْهَا وَ اسْتَکْثِرُوا مِنْهَا وَ تَقَرَّبُوا بِهَا فَإِنَّهَا کانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ کِتاباً مَوْقُوتاًأَ لَا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِینَ سُئِلُوا ما سَلَکَکُمْ فِی سَقَرَ قالُوا لَمْ نَکُ مِنَ الْمُصَلِّینَ‏

وَ إِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ وَ تُطْلِقُهَا إِطْلَاقَ الرِّبَقِ

وَ شَبَّهَ هَا رَسُولُ اللَّهِ ( صلى‏ الله ‏علیه ‏وآله‏ وسلم  )بِالْحَمَّهِ تَکُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ فَهُوَ یَغْتَسِلُ مِنْهَا فِی الْیَوْمِ وَ اللَّیْلَهِ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَمَا عَسَى أَنْ یَبْقَى عَلَیْهِ مِنَ الدَّرَنِ

وَ قَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ الَّذِینَ لَا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِینَهُ مَتَاعٍ وَ لَا قُرَّهُ عَیْنٍ مِنْ وَلَدٍ وَ لَا مَالٍ یَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رِجالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجارَهٌ وَ لا بَیْعٌ عَنْ ذِکْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاهِ وَ إِیتاءِ الزَّکاهِ

وَ کَانَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى‏الله‏علیه‏وآله  )نَصِباً بِالصَّلَاهِ بَعْدَ التَّبْشِیرِ لَهُ بِالْجَنَّهِ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ أْمُرْ أَهْلَکَ بِالصَّلاهِ وَ اصْطَبِرْ عَلَیْهافَکَانَ یَأْمُرُ بِهَا أَهْلَهُ وَ یَصْبِرُ عَلَیْهَا نَفْسَهُ

الزکاه

ثُمَّ إِنَّ الزَّکَاهَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلَاهِ قُرْبَاناً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَمَنْ أَعْطَاهَا طَیِّبَ النَّفْسِ بِهَا فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ کَفَّارَهً وَ مِنَ النَّارِ حِجَازاً وَ وِقَایَهً

فَلَا یُتْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ وَ لَا یُکْثِرَنَّ عَلَیْهَا لَهَفَهُ فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَیْرَ طَیِّبِ النَّفْسِ بِهَا یَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّهِ مَغْبُونُ الْأَجْرِ ضَالُّ الْعَمَلِ طَوِیلُ النَّدَمِ

الأمانه

ثُمَّ أَدَاءَ الْأَمَانَهِ فَقَدْ خَابَ مَنْ لَیْسَ مِنْ أَهْلِهَا إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ الْمَبْنِیَّهِ وَ الْأَرَضِینَ الْمَدْحُوَّهِ وَ الْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ‏الْمَنْصُوبَهِ فَلَا أَطْوَلَ وَ لَا أَعْرَضَ وَ لَا أَعْلَى وَ لَا أَعْظَمَ مِنْهَا

وَ لَوِ امْتَنَعَ شَیْ‏ءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ قُوَّهٍ أَوْ عِزٍّ لَامْتَنَعْنَ وَ لَکِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَهِ وَ عَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ وَ هُوَ الْإِنْسَانُ إِنَّهُ کانَ ظَلُوماً جَهُولًا

علم اللّه تعالى‏

إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لَا یَخْفَى عَلَیْهِ مَا الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِی لَیْلِهِمْ وَ نَهَارِهِمْ لَطُفَ بِهِ خُبْراً وَ أَحَاطَ بِهِ عِلْماً أَعْضَاؤُکُمْ شُهُودُهُ وَ جَوَارِحُکُمْ جُنُودُهُ وَ ضَمَائِرُکُمْ عُیُونُهُ وَ خَلَوَاتُکُمْ عِیَانُهُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج۱۲  

و من کلام له علیه السّلام و هو المأه و الثامن و التسعون من المختار فى باب الخطب

و هو مروىّ فی الکافی ببسط و اختلاف کثیر تطلع علیه بعد الفراغ من شرح ما أورده السیّد (ره) هناتعاهدوا أمر الصّلاه و حافظوا علیها، و استکثروا منها، و تقرّبوا بها، فانّها کانت على المؤمنین کتابا موقوتا، ألا تسمعون إلى جواب أهل النّار حیث سئلوا ما سلککم فی سقر، قالوا لم نک من المصلّین و انّها لتحتّ الذّنوب حتّ الورق، و تطلقها إطلاق الرّبق، و شبّهها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالحمّه تکون على باب الرّجل، فهو یغتسل منها فی الیوم و اللّیله خمس مرّات، فما عسى أن یبقى علیه من الدّرن، و قد عرف حقّها رجال من المؤمنین الّذین لا تشغلهم عنها زینه متاع، و لا قرّه عین من ولد و لا مال، یقول اللّه سبحانه: رِجالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجارَهٌ وَ لا بَیْعٌ عَنْ ذِکْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاهِ وَ إِیتاءِ الزَّکاهِ» و کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نصبا بالصّلاه بعد التّبشیر له بالجنّه، لقول اللّه سبحانه «وَ أْمُرْ أَهْلَکَ بِالصَّلاهِ وَ اصْطَبِرْ عَلَیْها» فکان یأمر أهله و یصبّر علیها نفسه.

ثمّ إنّ الزّکاه جعلت مع الصّلاه قربانا لأهل الإسلام، فمن أعطیها طیّب النّفس بها فإنّها تعجل له کفّاره، و من النّار حجازا و وقایه، فلا یتبعنّها أحد نفسه، و لا یکثرنّ علیها لهفه، فانّ من أعطاها غیر طیّب النّفس بها یرجو بها ما هو أفضل منها، فهو جاهل بالسّنّه، مغبون الاجر، ضالّ العمل، طویل النّدم.

ثمّ أداء الامانه فقد خاب من لیس من أهلها، إنّها عرضت على السّماوات المبنیّه، و الارضین المدحوّه، و الجبال ذات الطّول المنصوبه فلا أطول، و لا أعرض، و لا أعلى، و لا أعظم منها، و لو امتنع شی‏ء بطول، أو عرض، أو قوّه، أو عزّ، لامتنعن و لکن أشفقن من العقوبه، و عقلن ما جهل من هو أضعف منهنّ، و هو الانسان إنّه کان ظلوما جهولا. إنّ اللّه سبحانه لا یخفى علیه ما العباد مقترفون فی لیلهم و نهارهم، لطف به خبرا، و أحاط به علما، أعضائکم شهوده، و جوارحکم جنوده، و ضمائرکم عیونه، و خلواتکم عیانه.

اللغه

(تعاهدوا أمر الصّلاه) و روى تعهّدوا بدله یقال تعهّدت الشی‏ء و تعاهدته تردّدت إلیه و تفقّدته و أصلحته، و حقیقته تجدید العهد به، و فى الدّعاء عند الحجر الأسود: میثاقی تعهّدته لتشهد لی بالموافاه یوم القیامه، و فی روایه العلل عن أبی عبد اللّه علیه السّلام تعاهدته بدله، أى جدّدت العهد به، قال الفیومی: قال الفارابى: تعهّدته أفصح من تعاهدته، و قال ابن فارس و لا یقال تعاهدته، لأنّ التعاهد لا یکون إلّا من اثنین و یردّه کلام أمیر المؤمنین علیه السّلام على روایه السیّد، و دعاء الحجر على روایه العلل و ما فی الحدیث من قوله: تعاهدوا نعالکم عند أبواب مساجدکم.

و (حتّ) الرّجل الورق من الشجر حتا من باب مدّ أسقطه و أزاله، و تحاتت‏الشّجره تساقط ورقها و (الرّبق) وزان عنب جمع ربق بالکسر وزان حمل حبل فیه عدّه عرى یشدّ به البهم، و کلّ عروه ربقه و (الحمه) بفتح الحاء المهمله کلّ عین فیها ماء حارّ ینبع یستشفى بها الأعلاء، و فی بعض النّسخ بالجیم و هى البئر الکثیره الماء و (الدّرن) محرّکه الوسخ.

و (اقام الصّلاه) أصله إقوام مصدر أقوم مثل أکثر أکرم إکراما، و التّاء فی إقامه عوض من العین السّاقط بالاعلال، فلما اضیفت اقیمت الاضافه مقام حرف التّعویض و (نصب) نصبا کتعب وزنا و معنى فهو نصب.

و (یصبّر علیها نفسه) بالتثقیل أى یأمرها بالصّبر من صبّرته أى حملته على الصّبر بوعد الأجر، و قلت له: اصبر و یروى بالتّخفیف أى یحبس علیها نفسه و (القربان) کفرقان اسم لما یتقرّب به إلى اللّه من أعمال البرّ.

و قوله (فلا یتبعنّها) بنون التّوکید مثقّله من اتبعت فلانا لحقته قال تعالى فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ أى لحقهم و (العیان) بالکسر المعاینه یقال لقاه عیانا أى معاینه لم یشکّ فی رؤیته إیّاه.

الاعراب

قوله: على المؤمنین، متعلّق بقوله: موقوتا قوله: فما عسى أن یبقى علیه من الدّرن، کلمه ما نافیه و عسى تامّه بمعنى کاد، و أن یبقى علیه، فی موضع رفع بأنّه فاعل عسى کما فی قوله تعالى عَسى‏ أَنْ تَکْرَهُوا شَیْئاً و فاعل یبقى محذوف و من الدّرن بیان للفاعل المحذوف أى یبقى علیه شی‏ء من الدّرن.

و قوله تعالى: رجال، فاعل یسبّح المذکور قبل ذلک، قال سبحانه یُسَبِّحُ لَهُ فِیها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِیهِمْ و على قراءه یسبّح مبنیّا للمفعول فالجار و المجرور أعنی له نایب عن الفاعل و رجال مرفوع بفعل محذوف یدل علیه الفعل المذکور کأنّه بعد ما قیل یسبّح له سئل عن المسبّح فقیل: رجال، أى یسبّح له‏رجال على حدّ قول الشّاعر:

لیبک یزید ضارع لخصومه            و مختبط ممّا تطیح الطوایح‏

أى یبکیه ضارع، و قوله: طیّب النّفس، منصوب على الحال من فاعل أعطى، و قوله: غیر طیّب النّفس، و جمله یرجو بها منصوبان لفظا و محلا أیضا على الحال و قوله: لا یخفى علیه ما العباد مقترفون، کلمه ما موصوله منصوبه محلا مفعول یخفى و ما بعدها صله لها و العاید محذوف أى مقترفون له.

المعنى

اعلم أنّ مدار هذا الکلام الشّریف على فصول ثلاثه الفصل الاول فی الأمر بالصّلاه و الحثّ علیها و الفصل الثانی فی الترغیب فی الزّکاه و الالزام بها و الفصل الثالث فی التحضیض على أداء الأمانه و التّحذیر من المعاصی.

اما الفصل الاول

فهو قوله (تعاهدوا أمر الصلاه) أى جدّدوا العهد بها و راقبوا علیها فی أوقاتها المخصوصه و لا تضیّعوها و لا تغفلوا عنها، لأنها عماد الدّین، و معراج المؤمنین، و قربان کلّ تقىّ و مؤمن نقیّ، و أوّل ما یحاسب به العبد إن قبلت قبل ما سواها و إن ردّت ردّ ما سواها.

و قد ذمّ اللّه أقواما توانوا عنها و استهانوا بأوقاتها فقال: «فَوَیْلٌ لِلْمُصَلِّینَ الَّذِینَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ» قال أمیر المؤمنین علیه السّلام فی روایه الخصال: یعنی أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها.

(و حافظوا علیها) أى على أوقاتها و رعایه آدابها و سننها و حدودها و مراسمها و شروطها و أرکانها.

فلقد قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من ترک صلاته متعمّدا فقد هدم دینه.

و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لا تضیعوا صلاتکم فانّ من ضیع صلاته حشره اللّه تعالى مع قارون و فرعون و هامان لعنهم اللّه و أخزاهم و کان حقا على اللّه أن یدخله النار مع المنافقین فالویل لمن لم یحافظ على صلاته.

و قال أبو جعفر علیه السّلام إنّ الصلاه إذا ارتفعت فی أوّل وقتها رجعت إلى صاحبها و هی بیضاء مشرقه، تقول: حفظتنی حفظک اللّه و إذا ارتفعت فی غیر وقتها بغیر حدودها رجعت إلى صاحبها و هى سوداء مظلمه، تقول: ضیّعتنى ضیّعک اللّه.

و قد أمر اللّه عزّ و جل بمحافظتها فی الکتاب العزیز بقوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاهِ الْوُسْطى‏ وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِینَ.

قال أمین الاسلام الطبرسى: أى داوموا على الصلوات المکتوبات فی مواقیتها بتمام أرکانها، ثمّ خص الوسطى تفخیما لشأنها فقال: و الصّلوه الوسطى و قال المحدّث العلّامه المجلسى: و یدلّ بناء على کون الأمر مطلقا أو خصوص أمر القرآن للوجوب على وجوب المحافظه على جمیع الصّلوات إلّا ما أخرجها الدلیل، و ربما یستدلّ بها على وجوب صلاه الجمعه و العیدین و الایات، و لکن فی بعض الرّوایات أنّ المراد بها الصّلوات الخمس، و على تقدیر العموم یمکن تعمیمها بحیث یشمل النّوافل و التّطوّعات أیضا، فلا یکون الأمر على الوجوب، و یشمل رعایه السّنن فی الصلاه الواجبه أیضا کما یفهم من بعض الأخبار.

و خصّ الصلاه الوسطى بذلک بعد التعمیم لشدّه الاهتمام بها لمزید فضلها أو لکونها معرضه للضّیاع من بینها فهى الوسطى بین الصلاه وقتا أو عددا او الفضلى من قولهم للأفضل الأوسط.

و قد قال بتعیین کلّ من الصلوات الخمس قوم إلّا أنّ أصحابنا لم یقولوا بغیر الظهر و العصر کما یظهر من المنتهى و غیره.

فقال الشیخ فی الخلاف: إنّها الظهر و تبعه جماعه من أصحابنا و به قال زید بن ثابت عایشه و عبد اللّه بن شداد، لأنّها بین صلاتین بالنّهار، و لأنّها فى وسط النّهار، و لأنّها تقع‏ فى شدّه الحرّ و الهاجره وقت شدّه تنازع الانسان إلى النّوم و الرّاحه فکانت أشقّ، و أفضل العبادات أحمزها، و أیضا الأمر بمحافظه ما کان أشقّ أنسب و أهمّ و لأنّها أوّل صلاه فرضت و لأنها فی الساعه الّتی یفتح فیها أبواب السماء فلا تغلق حتّى تصلّى الظهر و یستجاب فیها الدّعاء.

و روى الجمهور عن زید بن ثابت قال: کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یصلّى الظهر بالهاجره و لم یکن یصلّى صلاه أشدّ على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم منها فنزلت الایه.

و روى التّرمدى و أبو داود عن عایشه عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قرء حافظوا على الصلوات و الصلاه الوسطى و صلاه العصر.

قال فی المنتهى: و العطف یقتضى المغایره لا یقال: الواو زایده کما فی قوله تعالى وَ لکِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِیِّینَ لأنّا نقول: الزّیاده منافیه للأصل فلا یصار إلیه إلّا لموجب و المثال الذى ذکروه نمنع زیاده الواو فیه بل هى للعطف على بابها و قال فی مجمع البیان: کونها الظهر هو المرویّ عن الباقر و الصادق علیهما السّلام و روى فیه عن علیّ علیه السّلام أنّها الجمعه یوم الجمعه و الظهر فى سایر الأیام.

و قال السید المرتضى هى صلاه العصر و تبعه جماعه من أصحابنا، و به قال أبو هریره و أبو أیّوب و أبو سعید عبیده السلمانى و الحسن و الضّحاک و أبو حنیفه و أصحابه و أحمد و نقله الجمهور عن علیّ علیه السّلام قالوا لأنّها بین صلاتی لیل و صلاتی نهار.

و احتجّ السید ره باجماع الشیعه.

و المخالفون بما رووا عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله أنّه قال یوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاه الوسطى صلاه العصر ملأ اللّه بیوتهم و قبورهم نارا.

و فی الوسائل بعد روایه الأخبار الدّالّه على أنّها الظهر قال: و تقدّم ما یشعر بأنها العصر، و هو محمول على التّقیه فی الرّوایه.

و قیل: إنّها إحدى الصلوات الخمس لم یعیّنها اللّه و أخفاها فی جمله الصلوات‏ المکتوبه لیحافظوا على جمیعها کما أخفى لیله القدر فی لیالى شهر رمضان، و اسمه الأعظم فی جمیع الأسماء، و ساعه الاجابه فی ساعات الجمعه لئلا یتطرّق التّشاغل بغیرها بل یهتمّ غایه الاهتمام بالکلّ فیدرک کمال الفضل.

(و استکثروا منها) فانّها خیر موضوع فمن شاء أقلّ و من شاء أکثر.

روى فی البحار من البصایر عن محمّد بن الحسین عن عبد الرّحمن بن أبی هاشم ابن العتبه العابده قال: سمعت أبا جعفر علیه السّلام و ذکر عنده الصلاه فقال: إنّ فى کتاب علیّ علیه السّلام الذى إملا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ اللّه لا یعذّب على کثره الصلاه و الصیام و لکن یزیده جزاء «خیرا خ» و فى الوسایل عن الشیخ باسناده عن محمّد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السّلام قال: أتى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رجل فقال: ادع اللّه أن یدخلنی الجنّه فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: أعنّى بکثره السّجود.

و فیه عن الصدوق باسناده عن أبی جعفر العطار قال: سمعت الصادق جعفر ابن محمّد علیهما السّلام یقول: جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال: یا رسول اللّه کثرت ذنوبى و ضعف عملى، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: أکثر السّجود فانّه یحطّ الذنوب کما تحتّ الرّیح ورق الشجر.

(و تقرّبوا بها) إلى اللّه سبحانه فانّها قربان کلّ تقىّ.

کما رواه فی البحار من العیون باسناده عن محمّد بن الفضیل عن الرّضا علیه السّلام قال: الصلاه قربان کلّ تقىّ.

و فیه من ثواب الأعمال باسناده عن موسى بن بکر عن أبی الحسن علیه السّلام قال: صلاه النّوافل قربان کلّ مؤمن.

بل هى أفضل ما یتقرّب به إلیه تعالى.

کما یدلّ علیه ما رواه فی الکافى باسناده عن معاویه بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن أفضل ما یتقرّب به العباد إلى ربّهم فقال: ما أعلم شیئا بعد المعرفه أفضل من هذه الصلاه، ألا ترى أنّ العبد الصالح عیسى بن مریم علیهما السّلام قال: و أوصانى‏ بالصلاه و الزّکوه ما دمت حیّا، هذا.

و لمّا أمر بتعاهدها و محافظتها و التّقرّب بها عقّب علیه السّلام ذلک و علّله بوجوه مرغبه.

أحدها قوله (فانّها کانت على المؤمنین کتابا موقوتا) اقتباس من الایه الشریفه فى سوره النساء.

قال فی مجمع البیان: اختلف فی تأویله فقیل: إنّ الصلاه کانت على المؤمنین واجبه مفروضه و هو المرویّ عن الباقر و الصادق علیهما السّلام، و قیل: معناه فرضا موقوتا أى منجما تؤدّونها فی أنجمها.

و فی الکافى باسناده عن داود بن فرقد قال: قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام: قوله تعالى إِنَّ الصَّلاهَ کانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ کِتاباً مَوْقُوتاً قال: کتابا ثابتا و لیس إن عجّلت قلیلا أو أخّرت قلیلا بالذى یضرّک ما لم تضیّع تلک الاضاعه فانّ اللّه عزّ و جلّ یقول لقوم فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاهَ وَ اتَّبَعُوا.

و فیه عن زراره عن أبی جعفر علیه السّلام فی هذه الایه أى کتابا موجوبا «موجبا خ ل» هذا و تخصیص المؤمنین بالذکر فی الایه الشریفه لتحریصهم و ترغیبهم على حفظها و حفظ أوقاتها حالتى الأمن و الخوف و مراعاه جمیع حدودها فی حال الأمن و ایماء بأنّ ذلک من مقتضى الایمان و شعار أهله فلا یجوز أن تفوتهم و إنّ التّساهل فیها یخلّ بالایمان و انّهم هم المنتفعون بها لعدم صحّتها من غیرهم.

الثانی قوله (ألا تسمعون إلى جواب أهل النار) و الاستفهام للتقریر بما بعد النّفى أو للتوبیخ و التقریع، و الغرض منه تنبیه المخاطبین على أنّ ترک الصلاه یوجب دخول النار و سخط الجبار لیتحرزوا من ترکها و یحافظوا علیها.

و ذلک انّ أهل النار (حین سئلوا) أى سألهم أهل الجنّه على ما حکى اللّه عنهم فی سوره المدّثر بقوله: کُلُّ نَفْسٍ بِما کَسَبَتْ رَهِینَهٌ. إِلَّا أَصْحابَ الْیَمِینِ. فِی جَنَّاتٍ یَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِینَ. ما سَلَکَکُمْ فِی سَقَرَ. قالُوا لَمْ نَکُ مِنَ الْمُصَلِّینَ‏وَ لَمْ نَکُ نُطْعِمُ الْمِسْکِینَ. وَ کُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِینَ. وَ کُنَّا نُکَذِّبُ بِیَوْمِ الدِّینِ. حَتَّى أَتانَا الْیَقِینُ.

قال أمین الاسلام الطبرسى فی تفسیر الایه: کلّ نفس بما کسبت رهینه أى محبوسه بعملها مطالبه بما کسبته من طاعه أو معصیه، ثمّ استثنى سبحانه أصحاب الیمین وهم الذین یعطون کتبهم بأیمانهم و قال الباقر علیه السّلام نحن و شیعتنا أصحاب الیمین.

فی جنّات یتساءلون، أى یسأل بعضهم بعضا و قیل: یسألون عن المجرمین أى عن حالهم و عن ذنوبهم الّتی استحقوا بها النار.

ما سلککم فی سقر، هذا سؤال توبیخ أى تطلع أهل الجنّه على أهل النار فیقولون: ما أوقعکم فی النار.

قالوا لم نک من المصلّین، أى کنا لا نصلّى الصلاه المکتوبه على ما قرّرها الشرع، و فی هذا دلاله على أنّ الاخلال بالواجب یستحقّ به الذّم و العقاب، لأنهم علّقوا استحقاقهم العقاب بالاخلال بالصلاه، و فیه دلاله أیضا على أنّ الکفار مخاطبون بالعبادات الشرعیّه، لأنه حکایه عن الکفار بدلیل قوله: و کنا نکذّب بیوم الدّین.

و قوله: و لم نک نطعم المسکین، معناه لم نک نخرج الزّکوات الّتى کانت واجبه علینا، و الکفارات التی وجب دفعها إلى المساکین، و هم الفقراء.

و کنّا نخوض مع الخائضین أى کلّما غوى غاو بالدّخول فی الباطل غوینا معه و المعنى کنا نلوث أنفسنا فی المرور بالباطل کتلویث الرّجل بالخوض، فهؤلاء لما کانوا یجرون مع من یکذّب بالحقّ مشیعین لهم فى القول کانوا خائضین معهم.

و کنا نکذّب بیوم الدّین، مع ذلک أى نجحد یوم الجزاء و هو یوم القیامه.

حتّى أتینا الیقین، أى أتانا الموت على هذه الحاله، و قیل: حتّى جاءنا علم الیقین من ذلک بأن عاینّاه، هذا.

و فى الصافى عن الکافى عن الصادق علیه السّلام فی قوله: لم نک من المصلّین،قال علیه السّلام: لم نک من أتباع الأئمه الذین قال اللّه فیهم: و السابقون السابقون اولئک المقرّبون، أما ترى الناس یسمّون الذى یلی السابق فی الحلبه مصلّیا، فذلک الذى عنى حیث قال: لم نک من المصلّین أى لم نک من أتباع السابقین.

و عن الکاظم علیه السّلام یعنى أنا لم نتولّ وصیّ محمّد و الأوصیاء من بعده و لم نصلّ علیهم، و هذان لا ینافیان التفسیر المتقدّم لأنّ المتقدّم تنزیلها و هذا تأویلها.

(و) الثالث (انها لتحتّ الذّنوب حتّ الورق) أى تسقطها من الرّقاب سقوط الأوراق من الأشجار.

کما وقع التّصریح به فی روایه الوسایل من مجالس ابن الشّیخ باسناده عن سلمان الفارسى قال: کنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى ظلّ شجره فأخذ غصنا منها فنفضه فتساقط ورقه فقال: ألا تسألونى عمّا صنعت فقالوا: أخبرنا یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال: إنّ العبد المسلم إذا قام إلى الصلاه تحاطت خطایاه کما تحاطت ورق هذه الشجره، هذا.

و التشبیه فی کلامه علیه السّلام من قبیل تشبیه المعقول بالمحسوس، و کذلک فی قوله: (و تطلقها إطلاق الرّبق) و الکلام على القلب و المراد أنّها تطلق أعناق النفوس أى تفکّها من أغلال الذّنوب إطلاق أعناق البهایم من الأرباق.

و لمّا ذکر إسقاطها للذّنوب أیّده بقوله (و شبّهها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بالحمه تکون على باب الرّجل) و أشار إلى وجه الشّبه بقوله (فهو یغتسل منها) و یطهر جسده من الأوساخ (فی الیوم و اللّیله خمس مرّات فما عسى أن یبقى علیه) شی‏ء (من الدّرن) و کذلک من صلّى الصلوات الخمس لا یبقى علیه شی‏ء من الذّنوب.

و قد تقدّم فی شرح الخطبه المأه و التاسعه روایه متن الحدیث النّبوى من الفقیه عن الصادق علیه السّلام قال: قال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّما مثل الصلاه فیکم کمثل السرى و هو النهر على باب أحدکم یخرج إلیه فی الیوم و اللّیله یغتسل منه خمس مرّات فلم یبق الدرن على الغسل خمس مرّات، و لم یبق الذنوب على الصلاه خمس مرّات.

و الرابع ما أشار إلیه بقوله (و قد عرف حقّها) و قدرها (رجال من المؤمنین) و هو علیه السّلام رئیسهم و سیّدهم و أفضلهم حسبما تطلع علیه فی الأخبار الاتیه و هم (الذین لا تشغلهم عنها زینه متاع و لا قرّه عین من ولد و لا مال) لعلمهم بأنّ المال و البنین زینه الحیاه الدنیا و الباقیات الصالحات خیر عند ربهم ثوابا و خیر أملا.

(یقول اللّه سبحانه) فی وصفهم فی سوره النّور: فِی بُیُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ یُذْکَرَ فِیهَا اسْمُهُ یُسَبِّحُ لَهُ فِیها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ (رِجالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجارَهٌ وَ لا بَیْعٌ) من عطف الخاص على العام لشمول التجاره سایر أنواع المکاسب (عن ذکر اللّه و إقام الصّلوه و ایتاء الزکاه) یخافون یوما تتقلّب فیه القلوب و الأبصار.

قال فى مجمع البیان: روى مرفوعا أنّه سئل النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما قرء الایه أىّ بیوت هذه فقال: بیوتات الأنبیاء، فقام أبو بکر فقال: یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله هذا البیت منها لبیت علیّ و فاطمه، قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: نعم من أفاضلها.

و المراد بالرّفع التعظیم و رفع القدر من الأرجاس و التطهیر من المعاصى، و یذکر فیها اسمه أى یتلى فیها کتابه یسبّح له فیها بالغدوّ و الاصال أى یصلّى فیها بالبکر و العشایا، رجال لا تلهیهم، أى لا تشغلهم و لا تصرفهم، تجاره و لا بیع عن ذکر اللّه و إقام الصلاه، أى إقامه الصّلاه و ایتاء الزکاه أى إخلاص الطاعه للّه و قیل یرید الزکاه المفروضه.

و روى فی کتاب غایه المرام من تفسیر مجاهد و الى یوسف یعقوب بن سفین «کذا» قال ابن عبّاس فی قوله تعالى: وَ إِذا رَأَوْا تِجارَهً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَیْها وَ تَرَکُوکَ قائِماً إنّ دحیه الکلبی جاء یوم الجمعه من الشّام بالمسیره فنزل عند أحجار الزّیت ثمّ ضرب بالطبول لیأذن بقدومه و مضوا النّاس الیه إلّا علىّ و الحسن و الحسین و فاطمه و سلمان و أبو ذر و المقداد و صهیب و ترکوا النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قائما یخطب على المنبر، فقال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لقد نظر اللّه یوم الجمعه إلى مسجدى فلو لا هؤلاء الثمّانیه الّذین جلسوا فی مسجدى لاضطرمت المدینه على أهلها نارا و حصبوا بالحجاره کقوم لوط، فنزل فیهم: رجال لا تلهیهم تجاره و لا بیع.

و فیه عن محمّد بن العباس عن محمّد بن همّام عن محمّد بن إسماعیل عن عیسى بن‏ داود قال: حدّثنا الامام موسى بن جعفر عن أبیه علیهما السّلام فی قول اللّه عزّ و جلّ فِی بُیُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ الایه قال: بیوت آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بیت علیّ و فاطمه و الحسن و الحسین و حمزه و جعفر علیهم السّلام، قلت: بالغدوّ و الاصال، قال: الصّلاه فی أوقاتها، قال: ثمّ وصفهم اللّه عزّ و جل: رِجالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجارَهٌ وَ لا بَیْعٌ عَنْ ذِکْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاهِ وَ إِیتاءِ الزَّکاهِ یَخافُونَ یَوْماً تَتَقَلَّبُ فِیهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ، قال: هم الرّجال لم یخلط اللّه معهم غیرهم، ثمّ قال: لِیَجْزِیَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ یَزِیدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، قال: ما اختصّهم به من المودّه و الطّاعه المفروضه و صیّر مأواهم الجنّه و اللّه یرزق من یشاء بغیر حساب.

(و) الخامس انّ فی المحافظه على الصلاه أسوه بالنّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فلقد (کان رسول اللّه نصبا بالصلاه) أى تعبا بها کلّ التعب.

حتى روى انّه کان یصلّى اللّیل کلّه و یعلّق صدره بحبل حتّى لا یغلبه النّوم فعاتبه اللّه على ذلک و أنزل علیه «طه ما أَنْزَلْنا عَلَیْکَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏» و أمره بأن یخفّف على نفسه و ذکر أنّه ما أنزل علیه الوحى لیتعب کلّ هذا التّعب.

روى فى الصافى من الاحتجاج عن الکاظم عن أبیه عن آبائه عن أمیر المؤمنین علیهم السّلام قال: لقد قام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عشر سنین على أطراف أصابعه حتّى تورّمت قدماه و اصفرّ وجهه یقوم اللّیل أجمع حتّى عوتب فی ذلک فقال اللّه عزّ و جلّ طه ما أَنْزَلْنا عَلَیْکَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ بل لتسعد.

قیل: الشقاء شایع بمعنى التّعب و منه أشقى من رایض المهر و سیّد القوم أشقاهم، و لعلّه عدل الیه للاشعار بأنّه انزل إلیه لیسعد.

و قوله (بعد التبشیر له بالجنّه) إشاره إلى أنّه لم یکن مواظبته على الصّلاه شوقا إلى الجنّه و لا خوفا من النّار بل قد کان نصبا بها مع وجود تلک البشاره متحملا کلّ التعب امتثالا (لقول اللّه سبحانه) و أمره له بالصبر علیها فی سوره طه حیث قال:«»(وَ أْمُرْ أَهْلَکَ بِالصَّلاهِ وَ اصْطَبِرْ عَلَیْها) لا نَسْئَلُکَ رِزْقاً. نَحْنُ نَرْزُقُکَ وَ الْعاقِبَهُ لِلتَّقْوى‏.

قال فی مجمع البیان: معناه و أمر یا محمّد أهل بیتک و أهل دینک بالصلاه و اصبر على فعلها، و فى الصافى و داوم علیها، لا نسألک أن ترزق نفسک و لا أهلک، بل کلّفناک العباده و أداء الرّساله و ضمنا رزق الجمیع، نحن نرزقک و إیّاهم ففرّغ بالک للاخره، و العاقبه المحموده لذوى التقوى.

قال فى مجمع البیان روى أبو سعید الخدرى قال: لمّا نزلت هذه الایه کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یأتی باب فاطمه و علیّ تسعه أشهر عند کلّ صلاه فیقول: الصلاه رحمکم اللّه إِنَّما یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَ یُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً.

قال و قال أبو جعفر علیه السّلام أمره اللّه أن یخصّ أهله دون النّاس لیعلم النّاس أنّ لأهله عند اللّه منزله لیست للنّاس، فأمرهم مع النّاس عامّه ثمّ أمرهم خاصّه.

و فى الصافى من العیون عن الرّضا علیه السّلام فی هذه الایه قال: خصّنا اللّه هذه الخصوصیّه إذ أمرنا مع الامّه باقامه الصّلاه ثمّ خصّنا من دون الامّه فکان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یجی‏ء إلى باب علىّ و فاطمه بعد نزول هذه الایه تسعه أشهر کلّ یوم عند حضور کلّ صلاه خمس مرّات فیقول: الصّلاه رحمکم اللّه و ما أکرم اللّه أحدا من ذرارى الأنبیاء بمثل هذه الکرامه الّتی أکرمنا بها و خصّنا من دون جمیع أهل بیتهم.

(فکان) صلّى اللّه علیه و آله و سلّم (یأمر) بها (أهله و یصبّر علیها نفسه) أى یأمر نفسه بالصبر و التحمّل على تعبها، هذا.

و قد تقدّم فی شرح الخطبه المأه و التاسعه تفصیل الکلام فی فضل الصّلاه و آدابها و أسرارها و عقاب تارکها. فلیراجع هناک.

و أما الفصل الثانی

فقد أشار الیه بقوله (ثمّ إنّ الزکاه جعلت مع الصّلاه قربانا لأهل الاسلام)یعنی کما جعل اللّه سبحانه الصّلاه قربانا للمسلمین یتقرّبون بها إلیه تعالى، جعل الزکاه أیضا قربانا لهم مثلها.

و یدلّ على ذلک أنّه سبحانه عقّب الأمر باقام الصّلاه فی أکثر آیات کتابه العزیز بالأمر بایتاء الزّکاه، فجعل الزکاه تالی الصّلاه فی المطلوبیّه.

و یشهد به أیضا ما فی الوسایل عن الصّدوق باسناده عن المجاشعی عن الرّضا علیه السّلام عن آبائه عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال: بنی الاسلام على خمس خصال: على الشّهادتین، و القرینتین، قیل له: أمّا الشهادتان فقد عرفناهما، فما القرینتان قال: الصّلاه و الزّکاه، فانّه لا یقبل إحداهما إلّا بالاخرى، و الصیام و حجّ البیت من استطاع إلیه سبیلا، و ختم ذلک بالولایه.

و قد مضی الکلام فی فضلها و عقوبه تارکها و أقسامها فی شرح الخطبه المأه و التاسعه بما لا مزید علیه فلیراجع ثمّه.

و لما ذکر کونها قربانا لأهل الاسلام نبّه على شرط قربانیّتها و هو کون اتیانها عن وجه الخلوص و طیب النفس، و سرّ ذلک ما قدّمناه فی شرح الخطبه الّتی أشرنا الیه، و محصّل ما قدّمناه أنّ الاسلام موقوف على توحید الربّ عزّ و جلّ و کمال توحیده عباره عن الاخلاص له، و معنى الاخلاص إفراده بالمعبودیّه و المحبوبیّه و اخلاء القلب عن محبّه ما سواه فلا یجتمع محبه المال مع محبّته تعالى.

(ف) علم من ذلک أنّ (من أعطاها طیّب النفس بها) حبّا له تعالى و امتثالا لأمره و ابتغاء لمرضاته و تقرّبا إلیه عزّ و جلّ (فانها) حینئذ تقرّبه إلیه و توجب حبّه تعالى له و القرب و الزّلفى لدیه و (تجعل له) من الذّنوب (کفاره و من النار حجازا و وقایه) أى حاجزا مانعا من النار و وقایه من غضب الجبار.

کما یشهد به ما رواه فی الفقیه عن الصادق علیه السّلام قال: خیارکم سمحاؤکم و شرارکم بخلاؤکم، و من خالص الایمان البرّ بالاخوان، و السعى فى حوائجهم، و انّ البارّ بالاخوان لیحبّه الرّحمن، و فی ذلک مرغمه للشیطان، و تزحزح عن النیران‏ و دخول الجنان ثمّ قال علیه السّلام لجمیل: یا جمیل أخبر بهذا غرر«» أصحابک، قلت: جعلت فداک من غرر أصحابی قال: هم البارّون بالاخوان فى العسر و الیسر، ثمّ قال: یا جمیل اعلم أنّ صاحب الکثیر یهوّن علیه ذلک و إنما مدح اللّه فى ذلک صاحب القلیل فقال فى کتابه وَ الَّذِینَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِیمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ یُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَیْهِمْ وَ لا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمْ.

و بعد ذلک (ف) اللّازم أن (لا یتبعنها أحد) من المعطین لها (نفسه و لا یکثرنّ علیها لهفه) و تحسّره، لأنّ اتباع النّفس و إکثار اللّهف کاشف عن محبّته لها و هو ینافی محبّته تعالى فکیف یتقرّب باعطائها إلیه و یبتغی القرب و الزّلفى لدیه (فانّ من أعطاها) على وجه الاکراه (غیر طیّب النّفس بها) و الحال أنّه (یرجو) و یتوقّع (بها ما هو أفضل منها) من رضوان اللّه تعالى و الخلد فی جنانه (فهو) کاذب فى دعوى المحبّه (جاهل بالسّنه) لأنّ السّنه فى أدائها أن یکون بطیب النفس، و لذلک مدح اللّه الباذلین للمال کذلک بقوله وَ یُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ کانَ بِهِمْ خَصاصَهٌ و قوله وَ یُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْکِیناً وَ یَتِیماً وَ أَسِیراً. إِنَّما نُطْعِمُکُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِیدُ مِنْکُمْ جَزاءً وَ لا شُکُوراً.

(مغبون الأجر) لأنّ الأجر مترتّب على العمل، فاذا کان العمل لا على وجه الرّضا یکون الجزاء المترتّب علیه کذلک، و من هنا قیل: کما تدین تدان، و قد قال سبحانه وَ ما آتَیْتُمْ مِنْ رِباً لِیَرْبُوَا فِی أَمْوالِ النَّاسِ فَلا یَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَ ما آتَیْتُمْ مِنْ زَکاهٍ تُرِیدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِکَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ.

(ضالّ العمل) حیث أتا به على غیر الوجه المطلوب شرعا (طویل النّدم) فی الاخره على ما فوّته على نفسه من الأجر الجزیل و الجزاء الجمیل

و اما الفصل الثالث

فهو ما أشار إلیه بقوله (ثمّ أداء الامانه) الّتى جعل اللّه المحافظه علیها من وصف المؤمنین الموصوفین فى قوله قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِینَ هُمْ فِی صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ إلى قوله وَ الَّذِینَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ و الأخبار فى فضلها بالغه حدّ الاستفاضه.

منها ما فى البحار من الکافى عن الحسین بن أبى العلا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ لم یبعث نبیّا إلّا بصدق الحدیث و أداء الامانه إلى البرّ و الفاجر.

و من قرب الاسناد عن ابن طریف عن ابن علوان عن جعفر عن أبیه علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: الأمانه تجلب الغنى و الخیانه تجلب الفقر.

و من الامالى عن عمر بن یزید قال: سمعت الصادق علیه السّلام یقول: اتّقوا اللّه و علیکم بأداء الأمانه إلى من ائتمنکم. فلو أنّ قاتل أمیر المؤمنین ائتمننى على أمانه لأدّیتها إلیه.

و عن الثمالى عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام قال: سمعته علیه السّلام یقول لشیعته: علیکم بأداء الأمانه فو الذى بعث محمّدا بالحقّ نبیّا لو أنّ قاتل أبی الحسین بن علیّ علیهما السّلام ائمننى على السیف الذى قتله به لأدّیته إلیه.

و عن أحمد بن محمّد الهمدانی عن أبی جعفر الثّانى عن آبائه علیهم السّلام عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال: لا تنظروا إلى کثره صلاتهم و صومهم و کثره الحجّ و المعروف و طنطنتهم باللّیل، و لکن انظروا إلى صدق الحدیث و أداء الأمانه.

و عن الحسین بن أبی العلا عن الصادق علیه السّلام قال: سمعته یقول: أحبّ العباد إلى اللّه عزّ و جلّ رجل صدوق فی حدیثه محافظ على صلاته و ما افترض اللّه علیه مع أداء الأمانه، ثمّ قال علیه السّلام: من اؤتمن على أمانه فأدّاها فقد حلّ ألف عقده من عنقه من عقد النّار، فبادروا بأداء الأمانه، فانّ من اؤتمن على أمانه وکّل به إبلیس مأئه شیطان من مرده أعوانه لیضلّوه و یوسوسوا إلیه حتّى یهلکوه إلّا من عصم اللّه عزّ و جلّ.

(فقد) علم من ذلک أنّه (خاب من لیس من أهلها) أى خسر فی الدنیا و فی الاخره من لم یکن من أهلها، بل کان من أهل الخیانه، فانّ الخیانه حسبما عرفت تجلب الفقر فی الدّنیا و النار فی العقبى و خسر أهلها خسرانا عظیما.

و ان شئت أن تعرف عظم الخطب و مزید ثقل التّکلیف فیها فاستمع لما یتلى علیک من قوله: (إنّها عرضت على السّماوات المبنیّه و الأرضین المدحوّه) المبسوطه على الماء (و الجبال) الرّاسیات (ذات الطول المنصوبه) المرفوعه على الأرض و لکنّها مع أنّها أعظم ما خلق اللّه عزّ و جلّ فی الکون (فلا أطول و لا أعرض و لا أعلى و لا أعظم منها) امتنعن من حمل هذا التکلیف، أى تکلیف الأمانه و أبین أن یحملنها لثقلها و صعوبتها لا للعظمه و الاستکبار عن الطاعه، بل للخوف و الاشفاق من المعصیه.

(و لو امتنع شی‏ء بطول أو عرض أو قوّه أو عزّ لامتنعن) بل کنّ أولى بالامتناع بما لهنّ من أوصاف العظمه التی لیست فی غیرهنّ (و لکن أشفقن من العقوبه و غفلن ما جهل من هو أضعف منهن و هو الانسان) فحملها مع ما به من الضعف و النقصان (انّه کان ظلوما جهولا) قال الشارح البحرانى: و ذکر کون السماوات مبنیّه و الأرض مدحوّه و الجبال بطولها و عرضها و عظمتها، تنبیه للانسان على جرئته على المعاصى و تضییع هذه الأمانه إذا هى لها و حملها و تعجب منه فی ذلک، فکأنّه یقول: إذا کانت هذه الأجرام العلویه التی لا أعظم منها قد امتنعت من حمل هذه الأمانه حین عرضت علیها فکیف حملها من هو أضعف منها.

أقول: تحقیق هذا المقام یحتاج إلى بسط الکلام.

قال اللّه تعالى فی سوره الأحزاب إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَهَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَیْنَ أَنْ یَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ کانَ ظَلُوماً جَهُولًا.

و قد اختلف أقوال المفسّرین کالأخبار فی تفسیر هذه الایه فی مواضع:

الاول

أنّ المراد بالأمانه المعروضه ما ذا فقیل: هی ما أمر اللّه به من طاعته و نهى عنه من معصیته، و بعباره اخرى هى التکالیف و الأحکام الشرعیّه المطلوبه من الانسان، فانّ اللّه سبحانه لما اقتضت عنایته لایجاد هذه العباده المخصوصه، و أن یجعل فی الأرض خلیفه لعمارتها، خلق الانسان و جعله واسطه بین الملک و الحیوان. فهو کالحیوان فی الشهوه و الغضب و التناسل و سایر القوى البدنیّه المخصوصه بالحیوان، و کالملک فی العقل و العلم و العباده و سایر الکمالات النفسانیّه، فلو کان خالیا من العقل و الفهم لم یتأهل لمعرفته و عبادته الخاصه کسایر أصناف الحیوان، و لو کان خالیا عن الشهوه و الغضب مثل الملک لم یصلح لعماره الأرض و خلافته. و لذلک قال اللّه للملائکه وَ إِذْ قالَ رَبُّکَ لِلْمَلائِکَهِ فاذا هذه العباده الخاصه لا یصلح لها إلّا الانسان، و هى المراد بالامانه فی الایه.

و یؤید هذا القول ما فی الصافى من العوالى أنّ علیّا علیه السّلام إذا حضر وقت الصّلاه یتململ و یتزلزل و یتلوّن فیقال له: ما لک یا أمیر المؤمنین فیقول: جاء وقت الصلاه وقت أمانه عرضها اللّه على السموات و الأرض و الجبال فأبین أن یحملنها و أشفقن منها.

و قیل: هى أمانات الناس و الوفاء بالعهود.

و یؤیده ما فى البحار من مشکاه الأنوار نقلا من کتاب المحاسن قال: و سئل أبو عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَهَ الایه ما الذى عرض علیهنّ و ما الذى حمل الانسان و ما کان هذا قال: فقال: عرض علیهنّ الأمانه بین الناس و ذلک حین خلق الخلق.

و عن بعض أصحابه رفعه قال: قال لابنه یا بنیّ أدّ الأمانه یسلم لک دنیاک و آخرتک و کن أمینا تکن غنیّا.

و قیل: إنّ المراد بها الامامه قال فى تفسیر القمّی: الأمانه هى الامامهو الأمر و النّهى، و الدلیل على أنّ الأمانه هى الامامه قول اللّه عزّ و جلّ للائمّه إِنَّ اللَّهَ یَأْمُرُکُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها یعنى الامامه، فالأمانه هى الامامه عرضت على السماوات و الأرض و الجبال فأبین أن یحملنها أن یدّعوها أو یغصبوها أهلها و أشفقن منها، و حملها الانسان، یعنى الأوّل إنّه کان ظلوما جهولا، انتهى.

و یدل على ذلک أخبار کثیره مثل ما فى البحار من کنز الفواید عن إسحاق ابن عمّار عن أبى عبد اللّه علیه السّلام فى هذه الایه، قال: یعنى ولایه أمیر المؤمنین.

و من جامع الأخبار و العیون عن الحسین بن خالد قال: سألت الرّضا علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَهَ الایه قال: الأمانه الولایه من ادّعاها بغیر حقّ فقد کفر.

و من جامع الأخبار عن أبی بصیر قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَهَ الایه قال: الامانه الولایه و الانسان أبو الشرور المنافق.

و من البصایر عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام فی قول اللّه تبارک و تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَهَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَیْنَ أَنْ یَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ قال: الولایه أبین أن یحملنها کفرا بها، و حملها الانسان، و الانسان الذى حملها أبو فلان. إلى غیر هذه مما لا نطیل بروایتها.

قال المحدّث العلامه المجلسیّ بعد روایه هذه الرّوایات: على تأویلهم علیهم السّلام یکون اللام فی الانسان للعهد و هو أبو الشرور أى أبو بکر أو للجنس و مصداقه الأوّل فی هذا الباب أبو بکر، و المراد بالحمل الخیانه، و المراد بالولایه الخلافه و ادعائها بغیر حقّ، فعرض ذلک على أهل السّماوات و الأرض أو علیهما بأن یبیّن لهم عقوبه ذلک و قیل لهم: هل تحملون ذلک، فأبوا إلّا هذا المنافق و أضرابه حیث حملوا ذلک مع ما بیّن لهم من العقاب المترتّب علیه

الثانی

اختلفوا فی المراد بعرض الأمانه على السّماوات و الأرض.

فقیل: إنّ المراد به عرضها على نفس الأرض و السّماء و إنّه تعالى لمّا خلق هذه الأجرام خلق فیها فهما و قال: إنّى فرضت فریضه و خلقت جنّه لمن أطاعنی و نارا لمن عصانی: فقلن: نحن مسخّرات لأمرک لا نحتمل فریضه و لا نبتغى ثوابا و لا عقابا، و لمّا خلق آدم عرض علیه مثل ذلک فحمله و کان ظلوما لنفسه بتحمّلها ما یشقّ علیها، جهولا لو خامه عاقبته.

و هذا القول أعنی عرضها على نفس السّماوات و الأرض مرویّ عن ابن عبّاس و یدلّ علیه ظاهر کلام أمیر المؤمنین علیه السّلام فی المتن حیث قال: و عقلن ما جهل من هو أضعف منهنّ.

و یشهد به أیضا ما رواه فى البحار و غایه المرام من مناقب أبى بکر الشیرازى فى نزول القرآن فى شأن علىّ علیه السّلام بالاسناد عن مقاتل عن محمّد بن حنفیّه عن أمیر المؤمنین فى قوله «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَهَ» عرض اللّه أمانتی على السماوات السبع بالثواب و العقاب فقلن ربنا لا نحملنها بالثواب و العقاب و لکنا نحملها بلا ثواب و لا عقاب، و انّ اللّه عرض أمانتی و ولایتی على الطیور، فأوّل من آمن بها البزاه البیض و القنابر و أوّل من جحدها البوم و العنقا، فلعنهما اللّه تعالى من بین الطیور، فأما الیوم فلا تقدر أن تظهر بالنهار لبغض الطیر لها، و أما العنقا فغابت فى البحار و إنّ اللّه عرض أمانتى على الأرضین فکلّ بقعه آمنت بولایتى جعلها طیبه زکیه و جعل نباتها و ثمرتها حلوا عذبا و جعل ماءها زلالا، و کلّ بقعه جحدت إمامتى و أنکرت ولایتى جعلها سبخا و جعل نباتها مرّا علقما، و جعل ثمرها العوسج و الحنظل، و جعل ماءها ملحا اجاجا ثمّ قال: و حملها الانسان، یعنى امتک یا محمّد ولایه أمیر المؤمنین و امامته بما فیها من الثواب و العقاب، إنه کان ظلوما لنفسه جهولا لأمر ربّه، من لم یؤدّها بحقّها ظلوم غشوم.

و محصّل هذا القول أنّ المراد بالأمانه التکلیف بالعبودیّه على وجهها و التقرّب بها إلى اللّه سبحانه کما ینبغی لکلّ عبد بحسب استعداده لها، و أعظمها الولایه و الخلافه الالهیّه، ثمّ تسلیم من لم یکن من أهلها لأهلها و عدم ادّعاء منزلتها لنفسه، ثمّ سایرالتکالیف الشرعیه، و المراد بعرضها على السماوات و الأرض و الجبال اعتبارها بالاضافه إلى استعدادهنّ و بابائهنّ الاباء الطبیعى الذى هو عباره عن عدم اللّیاقه و الاستعداد، و بحمل الانسان قابلیّته و استعداده لها و تحمّله إیاها و کونه ظلوما جهولا، تقصیره فى أدائها لما غلب علیه من القوّه الشهویّه و الغضبیه.

و قیل: إنّ المراد العرض على أهلها فحذف المضاف و اقیم المضاف الیه مقامه، و عرضها علیهم هو تعریفها إیاهم انّ فی تضییع الامانه الاثم العظیم، و کذلک فى ترک أوامر اللّه و احکامه، فبیّن سبحانه جرءه الانسان على المعاصى و اشفاق الملائکه من ذلک، فیکون المعنى عرضنا الأمانه على أهل السماوات و الأرض و الجبال من الملائکه و الجنّ و الانس فابى أهلهنّ أن یحملوا ترکها و عقابها و الماثم فیها و أشفقن أهلها من حملها، و حملها الانسان إنه کان ظلوما لنفسه بارتکاب المعاصى، جهولا بموضع الامانه فى استحقاق العقاب على الخیانه فیها.

و قیل: إنه على وجه التقدیر الّا أنه جرى علیه لفظ الواقع، لأنّ الواقع أبلغ من المقدّر، و المعنى انه لو کانت السماوات و الأرض و الجبال عاقله ثمّ عرضت علیها الأمانه و هى وظایف الدّین اصولا و فروعا و بما فیها من الوعد و الوعید، لاستثقلت ذلک مع کبر أجسامها و شدّتها و قوّتها و لامتنعت من حملها خوفا من القصور عن أداء حقّها، ثمّ حملها الانسان مع ضعف جسمه و لم یخف الوعید لظلمه و جهله.

الثالث

قوله: و حملها الانسان.

المراد بالانسان إمّا نوع الانسان أى بنو آدم، أو خصوص امّه محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، فالمراد بحملهم لها قبولهم للاتیان بما کلّف علیهم من الطاعات و العبادات و التسلیم لامامه أئمه الدین، و کونه ظلوما جهولا لعدم خروجهم عن عهده التکلیف و عدم وفائهم بما حملوه من طاعه الأئمّه و تقصیرهم فی أداء الأمانه، و هو وصف للجنس باعتبار أغلب أفراده إذ الأنبیاء و الأولیاء و المؤمنون القائمون بوظایف العبودیّه الرّاعون‏ لعهد الامامه خارجون من عموم الایه قطعا.

و إمّا خصوص فرد منه و هو أبو بکر حسبما تقدّم فی الأخبار، و علیه فالمراد بحمله للامانه أى الخلافه ادّعائه لها لنفسه من غیر استحقاق و أهلیّه، و بعباره اخرى خیانته و تقصیره فیها و ظلمه على من کان مستحقّا به و جهله بمرتبه نفسه حیث وضعها موضعا لیس له.

و قیل: إنّ المراد بالانسان هو آدم علیه السّلام، و اعترض علیه فی مجمع البیان بقوله و لا یجوز أن یکون الانسان محمولا على آدم لقوله «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ» فکیف یکون من اصطفاه اللّه من بین خلقه موصوفا بالظلم و الجهل.

هذا تفصیل ما قیل أو یقال فی تفسیر الایه الشریفه، و قد ظهر منه اختلافهم فی المراد بالأمانه المذکوره فیها على أقوال.

و أمّا فی کلام أمیر المؤمنین علیه السّلام فالظاهر أنّ المراد بها خصوص الأمانه المعهوده بین الخلق حسبما عرفتها فى الأخبار المتقدّمه، و انّما قلنا: إنّ الظاهر ذلک، لاشعار تقدیم ذکر الصلاه و الزکاه علیها على عدم کون المراد بها مطلق التکالیف الشرعیّه، بل التکلیف المخصوص الّذى فی عداد الصّلاه و الزکاه القسیم لهما.

لکن الأظهر بمقتضى الحال و المقام، و أنّ وصیّته بهذا الکلام إلى أصحابه کان فی مقام الحرب مع النّاکثین و القاسطین و المارقین حسبما تعرفه فى التکمله الاتیه هو: أنّ المراد بها الامامه و الولایه، فیکون غرضه بقوله: ثمّ أداء الأمانه فقد خاب من لیس من أهلها آه الطعن و التعریض على المعارضین له و الجاحدین لولایته و النّاصبین له العداوه من معاویه و طلحه و الزّبیر و أتباعهم و أهل النهر و أمثالهم بکونهم خائبین خاسرین، لعدم کونهم أهلا للامانه أى الخلافه و الولایه، و بأنّهم حملوا و ادّعوا ما أبت السماوات و الأرض و الجبال على کبر أجرامهما من حملها و ادّعائها، و أشفقن من ذلک، و بأنّهم کانوا متّصفین بالظّلم و الجهل حیث ظلموه علیه السّلام حقّه و جهلوا بشأنه و مقامه.

و کیف کان فلمّا أمر و أوصى أصحابه بالصّلاه و الزّکاه و أداء الأمانه، و شدّدالترغیب فیها و التحذیر من مخالفتها بکون الخائن أو المقصّر ظلوما جهولا، عقّبه بالتّنبیه على أنّ کلّ ما یفعله العباد من خیر أو شرّ بعین اللّه الّتی لا تنام و علمه الّذى لا تخفى علیه خافیه لتأکید تحضیض المخاطبین بمواظبه هذه العبادات الثلاث و سایر الحسنات و تحذیرهم من مخالفتها فقال: (إنّ اللّه سبحانه لا یخفى علیه) و لا یعزب عن علمه (ما العباد مقترفون) أى مکتسبون له من خیر أو شرّ حسن أو قبیح (فى لیلهم و نهارهم) یعنی أنّ اللیل و النهار سیّان بالنسبه إلى علمه، و لیس کغیره من مخلوقاته یکون إدراکه للمحسوسات بطریق الاحساس حتّى تکون ظلمه اللّیل حجابا و حجازا عن إدراکه.

و قدّم اللیل على النهار لمزید الاهتمام من حیث کونها مظنّه لاختفاء ما یفعل فیها من المعاصی، و أردف بالنهار لدفع توهّم الاختصاص.

(لطف به خبرا) أراد به علمه بخفیّات أفعال العباد و خبرویّته بها، و اللّطیف الخبیر حسبما تقدّم فی شرح الخطبه السابقه من جمله أسمائه الحسنى عزّ و علا.

و تسمیته باللّطیف من جهه علمه بالشی‏ء اللّطیف مثل البعوضه و أخفى منها و موضع النشوء منها و العقل و الشهوه للفساد و الحدب على نسلها و نقلها الطعام و الشراب إلى أولادها فی المفاوز و الأودیه و القفار.

و معنى الخبیر هو الّذى لا تعزب عنه الأخبار الباطنه فلا یجرى شی‏ء فی الملک و الملکوت و لا تتحرّک ذرّه و لا تضطرب نفس و لا تطمئنّ إلّا و یکون عنده خبره، و هو بمعنى العلیم إلّا أنّ العلم إذا اضیف إلى الخفایا الباطنه سمّى خبره، و قد مرّ تفصیل نفاذ علمه فی خفاء الأشیاء فی الفصل الثامن من الخطبه التسعین.

(و أحاط به علما) و قد تقدّم فی شرح غیر واحده من الخطب المتقدّمه کالخطبه الاولى و الخطبه التاسعه و الأربعین و الخامسه و الثمانین و غیرها تحقیق إحاطه علمه تعالى بالکلّیات و الجزئیات و لا حاجه إلى الاعاده.

(أعضاؤکم شهوده) یعنی أنّها تشهد على العباد بما اقترفوه من المعاصی و الاثام.

(و جوارحکم جنوده) یعنی أنّها تکون معینه له علیهم، و ذلک لأنّ جنودالملک عباره عن أعوانه على أعدائه فتلک الأعضاء و الجوارح لما شهدت على المجرمین بما فعلوه صارت بمنزله المعین له بذلک الاعتبار.

و یشهد بشهاده الأعضاء و الجوارح قول اللّه تعالى فی سوره یس «الْیَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ أَفْواهِهِمْ وَ تُکَلِّمُنا أَیْدِیهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما کانُوا یَکْسِبُونَ أى نستنطق الأعضاء الّتی کانت لا تنطق فی الدّنیا لتشهد علیهم و نختم على أفواههم الّتی عهد منها النطق و هذا حقیقه الختم یوضع على أفواه الکفار بمنعها من النطق و الکلام.

قال علیّ بن إبراهیم القمّی قال: إذا جمع اللّه عزّ و جل الخلق یوم القیامه دفع إلى کلّ انسان کتابه فینظرون فیه فینکرون أنّهم عملوا من ذلک شیئا، فتشهد علیهم الملائکه فیقولون: یا ربّ ملائکتک یشهدون لک، ثمّ یحلفون أنّهم لم یعملوا من ذلک شیئا و هو قول اللّه عزّ و جلّ یَوْمَ یَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِیعاً فَیَحْلِفُونَ لَهُ کَما یَحْلِفُونَ لَکُمْ فاذا فعلوا ذلک ختم اللّه على ألسنتهم و تنطق جوارحهم بما کانوا یکسبون و قال تعالى فی سوره فصّلت وَ یَوْمَ یُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ یُوزَعُونَ. حَتَّى. إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَیْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِما کانُوا یَعْمَلُونَ. وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَیْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِی أَنْطَقَ کُلَّ شَیْ‏ءٍ وَ هُوَ خَلَقَکُمْ أَوَّلَ مَرَّهٍ وَ إِلَیْهِ تُرْجَعُونَ. وَ ما کُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ یَشْهَدَ عَلَیْکُمْ سَمْعُکُمْ وَ لا أَبْصارُکُمْ وَ لا جُلُودُکُمْ وَ لکِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا یَعْلَمُ کَثِیراً مِمَّا تَعْمَلُونَ.

قال أمین الاسلام الطبرسیّ: أى یحبس أوّلهم على آخرهم لیتلاحقوا و لا یتفرّقوا، حتّى إذا جاءوا النّار الّتی حشروا إلیها شهد علیهم سمعهم بما قرعه من الدّعاء إلى الحقّ فأعرضوا عنه و لم یقبلوه، و أبصارهم بما رأوا من الایات الدّالّه على وحدانیّه اللّه تعالى فلم یؤمنوا، و سایر جلودهم بما باشروه من المعاصی و الأفعال القبیحه.

و قیل فی شهاده الجوارح قولان: أحدهما أنّ اللّه تعالى یبیّنها بیّنه الحیّ و یلجئها إلى الاعتراف و الشهاده بما فعله أصحابها، و الاخر أنّ اللّه یفعل فیها الشهاده أى یجعل فیها کلاما، و إنّما نسب الکلام إلیها لأنّه لا یظهر إلّا من جهتها.

و قیل فیه وجه ثالث: و هو أنّ معنى شهادتها و کلامها أنّ اللّه تعالى یجعل‏فیها من الایات ما یدلّ على أنّ أصحابها عصوا اللّه بها، فسمّى ذلک شهاده منها کما یقال: عیناک تشهدان بسهرک.

و قیل: إنّ المراد بالجلود الفروج.

أقول: و هو المروىّ فى الصافى عن الکافى عن الصادق علیه السّلام و من الفقیه عن أمیر المؤمنین علیه السّلام.

ثمّ أنطق اللّه ألسنتهم فیقولون لجلودهم: لم شهدتم علینا، فتقول فی جوابهم أنطقنا اللّه الّذى أنطق کلّ شی‏ء، ثمّ قال سبحانه: و هو خلقکم الایه، و لیس هذا من جواب الجلود.

و قوله: و ما کنتم تستترون أن یشهد علیکم سمعکم و لا أبصارکم و لا جلودکم، معناه و ما کنتم تستخفون أى لم یکن یتهیّأ لکم أن تستتروا أعمالکم عن هذه الأعضاء لأنّکم کنتم بها تعملون، فجعلها اللّه شاهده علیکم یوم القیامه، و لکن ظننتم أنّ اللّه لا یعلم کثیرا ممّا تعملون فاجترأتم على المعاصی لذلک، و قیل: بل معناهما کنتم تترکون المعاصی حذرا أن یشهد علیکم جوارحکم بها لأنکم ما کنتم تظنّون ذلک، و لکن ظننتم أنّ اللّه لا یعلم کثیرا ممّا تعملون، لجهلکم باللّه فهان علیکم ارتکاب المعاصی لذلک، هذا.

و فى الصافى من الکافى عن الباقر علیه السّلام و لیست تشهد الجوارح على مؤمن إنّما تشهد على من حقّت علیه کلمه العذاب، فأمّا المؤمن فیعطى کتابه بیمینه قال اللّه عزّ و جلّ یَوْمَ نَدْعُوا کُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِیَ کِتابَهُ بِیَمِینِهِ فَأُولئِکَ یَقْرَؤُنَ».

و قوله (و ضمائرکم عیونه) قال الشارح البحرانی: أی طلایعه و جواسیسه کقوله تعالى یا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ و تلک الشهاده بلسان الحال، انتهى.

أقول: یعنی أنّ الضمائر لا تخفى ما فیها من الأسرار و لا تکتمها علیه تعالى کما أنّ من شأن الجاسوس المراقب بشی‏ء أن لا یکتمه ممّن و کلّه به، و على ذلک‏فالمراد بالضّمایر القلوب، و یحتمل أن یکون المراد بالضّمایر ما یضمره القلوب من الأسرار و الخفیّات.

و العیون جمع العین بمعنى الحاضر و هو أحد معانیه کما فی القاموس و غیره، فیکون المعنى أنّ جمیع ما أضمره نفوسکم فهو حاضر لدیه سبحانه غیر محجوب عنه کما قال تعالى وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما کُنْتُمْ تَکْتُمُونَ و قال قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِی صُدُورِکُمْ أَوْ تُبْدُوهُ یَعْلَمْهُ اللَّهُ.

و محصّل المراد أنّه لا یخفى ما فی النفوس علیه عزّ و جل کما یخفى على غیره، فیکون مساقه مساق قوله علیه السّلام فی الخطبه التسعین: عالم السرّ من ضمایر المضمرین و نجوى المتحافتین، و قوله فی الخطبه المأه و السابعه: خرق علمه باطن غیب السترات و أحاط بغموض عقاید السّریرات.

و قوله (و خلواتکم عیانه) قال البحرانی: کنی بالخلوات عمّا یفعل فیها من معاصی اللّه مجازا، و إنّما خصصها لأنها مظنّه المعصیه، و یحتمل أن یرید بالخلوه مصدر قولک خلوت اخلو لا المکان، فیکون حقیقه، و ظاهر کونها عیانا للّه أى معاینه له.

و کلّ ذلک تحذیر و تنفیر عن تحریک الجوارح و الخلوه بها فیما لا ینبغی من المعاصی، و باللّه التوفیق و العصمه.

تذییل

الایه الّتی استدل بها أمیر المؤمنین علیه السّلام فی هذا الکلام على وجوب المحافظه على الصلاه أعنی قوله تعالى حکایه عن المجرمین لَمْ نَکُ مِنَ الْمُصَلِّینَ مما استدلّ بها أکثر أصحابنا الاصولیّون کالمعتزله على أنّ الکفار مکلّفون بالفروع حسبما أشار إلیه أمین الاسلام الطبرسیّ «ره» أیضا فی تفسیر الایه على ما حکیناه عنه سابقا، و حیث إنّ هذه المسأله من المسائل الغامضه المعظمه، و یتفرّع علیها کثیر من الأحکام الشرعیّه فلا بأس بتحقیق الکلام و بسطه فیها لکونها حقیقا بذلک.

فأقول و باللّه التوفیق: المشهور بین أصحابنا بل کاد أن یکون اجماعا أنّ الکفّار مکلّفون بفروع العبادات کما أنّهم مکلّفون باصول الاعتقادات و هو مذهب جمهور العامّه أیضا، و لم ینقلوا فیها خلافا إلّا عن أبی حنیفه و لم أجد منّا مخالفا أیضا إلّا شرذمه من الأخباریّه کالأمین الاسترابادى و صاحب الحدائق و صاحب الوافی، و هو الحقّ الموافق للتحقیق، و استدلّ له بوجوه: الاول عموم الأدلّه على التکالیف مثل قوله تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ و قوله وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ و قوله یا أَیُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّکُمُ و یا أَیُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّکُمُ و غیرها، فانّها یشمل الکافر مثل شمولها للمؤمن.

و الاعتراض علیه بحملها على المؤمنین حملا للمطلق على المقیّد و العامّ على الخاصّ کما فی الحدائق فاسد، لما تطلع علیه عند ذکر أدلّه الخصم.

الثانی أنّ الکفر لا یصلح للمانعیّه حیث إنّ الکافر متمکّن من الاتیان بالایمان أوّلا حتّى یصیر متمکّنا من الفروع.

و اعترض علیه صاحب الحدائق أیضا بأنّه مصادره محضه.

و فیه مع عدم کونه مصادره لأنّ المدعى أنّ الکفّار مکلّفون بالعبادات و مخاطبون بها، و الدّلیل أنّ ما زعمه الخصم مانعا من توجّه الخطاب علیهم و من الاتیان بها على الوجه الصحیح و هو الکفر لا یصلح للمانعیّه فکیف یکون مصادره.

و محصّله أنّ ما دلّ على التکلیف بالفروع عام و لا یمنع من ذلک عدم التمکن من الصحیح حال الکفر لأنّ الامتناع بالاختیار لا ینافی الاختیار، على أنّ الایمان من شرایط الوجود الّتی یجب تحصیلها على المکلّف لا شرایط الوجوب، فلا مانع من التکلیف حال عدمها مع التمکّن منها.

الثالث قوله تعالى لَمْ نَکُ مِنَ الْمُصَلِّینَ فانّه حکایه عن الکفّار و أنّهم علّلوا دخولهم النّار بترکهم للصّلاه على ما تقدّم تفصیله سابقا.

و اعترض صاحب الحدائق أیضا ما یحمل على المخالفین المقرّین بالاسلام إذ لا تصریح فیه بالکفّار، و یدلّ علیه ما ورد فی تفسیر علیّ بن إبراهیم من تفسیرها باتّباع الائمه، أى لم نک من أتباع الأئمه و هو مروىّ عن الصادق علیه السّلام حسبما عرفت سابقا و عن الکاظم علیه السّلام یعنی أنّا لم نتولّ وصیّ محمّد من بعده و لم نصلّ علیهم.

و فیه إنّ الصلاه حقیقه شرعیّه فی الأرکان المخصوصه و ظاهر معنى المصلّین هو المقیمون للصلاه أى الأرکان المخصوصه و الحمل على المعنى اللّغوى أى التابعین خلاف الظاهر المتبادر منه فلا وجه لحملها على المخالفین، و إنکار التصریح فیه بالکفار مورد تعجّب لأنّ قوله حکایه عنهم: و کنّا نکذّب بیوم الدّین، صریح فی کونهم کافرین منکرین للمعاد فکیف یکونون مقرّین بالاسلام و أمّا الخبران المروّیان عن الصّادق و الکاظم علیهما السّلام فلا دلاله فیهما، لکونهما تفسیرا بالباطن کما قلناه عند شرح المتن فلا یوجبان رفع الید عن الظاهر، و یشهد بذلک استدلال أمیر المؤمنین علیه السّلام فی هذا الکلام الّذى نحن فی شرحه بظاهرها على وجوب المحافظه على الصلوات الخمس و تعاهدها.

الرابع قوله تعالى فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى. وَ لکِنْ کَذَّبَ وَ تَوَلَّى.

و اعترض علیه أیضا بجواز حمل الصّلاه فیها على ما دلّت علیه الأخبار فی الایه الاولى و أنّ اللفظ من الألفاظ المجمله المتشابهه المحتاج فی تعیین المراد منها إلى التوقیف، فالاستدلال بها و الحال کذلک مردود بتصادم الاحتمالات و الدّخول تحت قوله فَیَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ الایه، على أنّ ما ذکرنا من المعنى هو الموجود فی تفسیر علیّ بن إبراهیم کما لا یخفى على من راجعه.

و فیه أوّلا منع کون الایه من المتشابهات الّتی یتّبعها الّذین فی قلوبهم زیغ، بل من المحکمات الّتی تؤخذ بظواهرها و هنّ امّ الکتاب، و ظاهر الایه کما ترى أنّه لم یصدّق بکتاب اللّه و رسوله و لا صلّى للّه و لکن کذّب بالکتاب و الرّسول و أعرض عن الایمان، و هذا وصف الکافر لا المخالف.

و یدلّ على ذلک ما فى مجمع البیان قال: و جاءت الرّوایه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أخذ بید أبى جهل ثمّ قال له: أَوْلى‏ لَکَ فَأَوْلى‏«» فأولى. ثمّ أولى لک فقال أبو جهل: بأىّ شی‏ء تهدّدنى لا تستطیع أنت و ربّک أن تفعلا بى شیئا و انّی لأعزّ أهل هذا الوادى، فأنزل اللّه سبحانه کما قال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم هذا.

و أمّا ما فى تفسیر علىّ بن إبراهیم من أنه کان سبب نزولها أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله دعا إلى بیعه علىّ یوم غدیر خم فلمّا بلّغ الناس و أخبرهم فى علىّ ما أراد أن یخبر رجع الناس فاتکى معاویه على المغیره بن شعبه و أبى موسى الأشعرى ثمّ أقبل یتمطّى«» نحوه و یقول: ما نقرّبا لولایه لعلىّ أبدا و لا نصدّق محمّدا مقالته، فأنزل اللّه جلّ ذکره فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى الایات، فصعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم المنبر و هو یرید البراءه منه فأنزل اللّه عزّ و جلّ لا تُحَرِّکْ بِهِ لِسانَکَ لِتَعْجَلَ بِهِ فسکت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

فالجواب عنه أنّ ظاهر قوله سبحانه: فلا صدّق و لا صلّى و لکن کذّب و تولّى، یفید أنّه لم یصدّق أصلا لا ظاهرا و لا باطنا، و لم یقم الصّلاه بل کذّب و أعرض ظاهرا و باطنا، و هذا شأن الکافر لا المخالف المصدّق ظاهرا فقط، و المکذّب المعرض باطنا فقط.

و على ذلک فاللّازم ترجیح الرّوایه المفیده لکون المراد بهذه الایه هو أبو جهل الکافر کما فى مجمع البیان على ما تفسیر القمىّ المفید کون المراد بها معاویه لأنّ فى الأخذ بالرّوایه الأولى إبقاء الایه على ظاهرها و الأخذ بالثانى یوجب صرفها إلى خلاف ما هو الظاهر المتبادر.

و یؤید کون المراد به أبو جهل أنّ هذه الایه فى سوره القیامه و هى مکیّه کما صرّح به فى مجمع البیان فى تفسیر هذه السوره و رواه أیضا فى تفسیر سوره هل أتى فانّه یقوى الظنّ بکون نزولها بمکّه فى حقّ أبى جهل لا فى غدیر خم فى حقّ معاویه، و اللّه العالم.

الخامس قوله تعالى وَ وَیْلٌ لِلْمُشْرِکِینَ الَّذِینَ لا یُؤْتُونَ الزَّکاهَ و هو نصّ صریح فی المطلوب.

السادس قوله تعالى وَ إِذا قِیلَ لَهُمُ ارْکَعُوا لا یَرْکَعُونَ ذمّ اللّه المکذّبین بترکهم للرّکوع.

قال فی الصّافی: روی أنها نزلت فی ثقیف حین أمرهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالصّلاه فقالوا لا نحنى، و فی روایه لا نجبّى فانّها سبّه، رواها فی المجمع قال: فقال: لا خیر فی دین لیس فیه رکوع و سجود أقول: أى لا نحنى بالمهمله و النّون أى لا نعطف ظهورنا و على الرّوایه بالجیم و الباء الموحّده المشدّده أى لا ننکبّ على وجوهنا و هما متقاربان.

و أما ما فی تفسیر علیّ بن إبراهیم عن الصّادق علیه السّلام قال: إذا قیل لهم تولّوا الامام لم یتولّوه، فهو تفسیر بالباطن لا یوجب صرف الید عن الظاهر کما لا یخفى و احتج القائلون بالعدم بوجوه، فصّلها صاحب الحدائق فی مبحث غسل الجنابه من الکتاب المذکور لا بأس بذکر عبارته على تفصیلها ثمّ نتبع کلّ وجه وجه بما یتوجّه علیه من وجوه الکلام و ضروب الملام.

فأقول: قال فی الحدائق: المشهور بین الأصحاب رضی اللّه عنهم بل کاد أن یکون إجماعا أنّه یجب الغسل على الکافر لأنّ الکفّار مکلّفون بالفروع و لم ینقلوا فی المسأله خلافا من أحد من الخاصه بل من العامه إلّا عن أبی حنیفه، قالوا: لکن لا یصحّ منه حال کفره لاشتراط الصحّه بالاسلام و لا یجبّه الاسلام و إنّ جبّ الصّلاه لخروجها بدلیل خاص و ما ذکروه منظور عندی من وجوه: الاول عدم الدّلیل على التّکلیف المذکور و هو دلیل العدم کما هو مسلّم بینهم، و ما استدلّوا به هما سیأتى ذکره مدخول بما سنذکره.

أقول: و فیه انک قد عرفت الأدلّه المحکمه على هذا التکلیف کما عرفت اندفاع الاعتراضات التی اعترض بها علیها.

الثانی الأخبار الدّاله على توقف التکلیف على الاقرار و التصدیق بالشهادتین منها ما رواه فى الکافى فی الصحیح عن زراره قال: قلت للباقر علیه السّلام: أخبرنی عن معرفه الامام منکم واجبه على جمیع الخلق قال: إنّ اللّه تعالى بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى الناس أجمعین رسولا و حجّه للّه على خلقه فی أرضه، فمن آمن باللّه و بمحمّد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و اتبعه و صدّقه فانّ معرفه الامام منّا واجبه علیه، و من لم یؤمن باللّه و رسوله و لم یتبعه و لم یصدّقه و یعرف حقّهما فکیف یجب علیه معرفه الامام، و هو لا یؤمن باللّه و رسوله و یعرف حقّهما الحدیث.

و هو کما ترى صریح الدّلاله على خلاف ما ذکروه و أنه متى لم یجب معرفه الامام قبل الایمان باللّه و رسوله فبالطریق الأولى معرفه سایر الفروع التی هی متلقّاه من الامام، و الحدیث صحیح السند باصطلاحهم صریح الدّلاله فلا وجه لردّه و طرحه و العمل بخلافه إلّا مع الغفله عن الوقوف علیه.

قال: و إلى العمل بالخبر المذکور ذهب المحدّث الکاشانی حیث قال فی الوافی بعد نقله ما صورته: و فی هذا الحدیث دلاله على أنّ الکفار لیسوا مکلّفین بشرایع الاسلام کما هو الحقّ، خلافا لما اشتهر بین أصحابنا، انتهى.

قال: و یظهر ذلک أیضا من الأمین الاسترابادى فی الفواید المدنیّه حیث صرّح فیها بأنّ حکمه اللّه اقتضت أن یکون تعلّق التکالیف بالناس على التدریج بأن یکلّفوا أوّلا بالاقرار بالشهادتین ثمّ بعد صدور الاقرار عنهم یکلّفون بسایر ما جاء به النبیّ صلّى اللّه علیه و آله.

و من الأحادیث الدّاله على ذلک صحیحه زراره فی الوافی ثمّ ساق الرّوایه بتمامها.

قال: و قال أیضا بعد نقل جمله من أخبار المیثاق المأخوذ على العباد فی عالم الذّرّ بالتوحید و الامامه و نقل جمله من الأخبار الدّاله على فطره الناس على التوحید و أنّ المعرفه من صنع اللّه تعالى ما لفظه: أقول: هنا فوائد إلى أن قال: الثالثه أنه یستفاد منها أنّ ما زعمه الأشاعره من أنّ مجرّد تصوّر الخطاب من غیر سبق معرفه إلهامیه بحقایق العالم، و بأنّ له رضا و سخطا و أنه لا بدّ له من معلّم من جهته لیعلّم الناس ما یصلحهم و ما یفسدهم کاف فی تعلّق التکلیف لهم لیس بصحیح، انتهى و اعترض علیه أوّلا بأنّ الاستدلال یتوقف على القیاس بطریق الأولى، و هو ممن أنکره فی مقدّمات الکتاب و أنکره أشدّ الانکار فکیف یجوز له التمسک به فی هذا المقام مضافا إلى أنه مع القول بحجّیته کما هو الحقّ الحقیق بالاتباع الموافق للایه و للأخبار المسلّم عند کافّه علمائنا الأبرار حتى عند المستدلّ فی مواضع عدیده و منها هذا الموضع یتوقّف على ثبوت الحکم فی المقیس علیه و مسلمیّته و قبوله و عدم مخالفته للضروره، و الأمر فی المقام لیس کذلک و ذلک فانّه لا خلاف و لا إشکال عند أحد حتّى عند المستدلّ حیث جعل محلّ نزاعه مع کافّه العلماء عدا أبی حنیفه فی خصوص الفروع، و الامامه من الاصول لا من الفروع إجماعا منه و من علمائنا.

و ثانیا أنّ مقتضى هذه الصحیحه عدم التکلیف بالامامه و سایر الفروع إلّا بتصدیق اللّه و رسوله و هو حقیقه فی التّصدیق و الاذعان القلبی لا مجرّد الاقرار باللّسان، و على تقدیر تسلیم العموم فالمراد هنا التّصدیق القلبی جزما لقوله علیه السّلام و یعرف حقّهما، فانّ المعرفه لیس ممّا یتوهّم فیه حصوله باللّسان خاصّه بل هو أمر قلبیّ جزما و إذعان نفسانیّ قطعا فحینئذ تدلّ هذه الصحیحه على أنّ المنافقین و منهم الخلفاء الثلاثه لم یکونوا مأمورین بالامامه و لا سایر الفروع، و مقتضى هذا أنّه لم یکن علیهم اثم فی غصب الخلافه و سایر ما فعلوه بالنّسبه إلى أهل البیت من ضرب فاطمه علیها السّلام و غصب حقّها و إضرام النّار حول بیتها و إلقاء الحبل على رقبه مولینا أمیر المؤمنین علیه السّلام و غیر ذلک ممّا فعلوه بالنّسبه إلیهم و إلى غیرهم من البدع الّتی ابتدعوها فی الدّین و تضییع دین خاتم النّبیین و سیّد المرسلین، و کذا ما فعله یزید و سایر جنود المخالفین مع سبط الرّسول الأمین و ما فعله المخالفون بالنسبه إلى شیعتهم و غیر ذلک، و فی جمیع ذلک لم یکونوا مأثومین أصلا بل هم و غیرهم من الکفّار الّذین لم یصدر منهم شی‏ء من ذلک متساویین فی عقاب واحد، و هو عدم الایمان باللّه و رسوله، و ذلک من حیث عدم تصدیقهم للّه و رسوله و معرفه حقّهما فانّهم‏و إن أقرّوا باللّسان إلّا أنّهم لم یصدقوهما قلبا و لم یعرفوا حقّهما، فبمقتضى الصّحیحه نظرا إلى عدم إیمانهم باللّه و رسوله و معرفتهم حقّهما کیف یکلّفهم اللّه تعالى بالامامه و سایر الفروع، و لیس فی الصحیحه أنّ مجرّد الاقرار باللّسان کان فی ذلک، و على هذا لم یکن لشکاویهم علیهم السّلام عن المخالفین و الخلفاء الثلاثه و طعنهم و لعنهم و إثبات الویل علیهم و تکفیرهم من الجهات الّتی ذکرت و تفسیقهم و کذا طعن علمائنا و منهم المستدلّ علیهم وجه، بل کان لغوا محضا و یلزمه أنّه لو فعل ذلک أو شیئا من ذلک غیر المنافقین من سایر الکفّار الذین لم یقروا بالاسلام بالنّسبه إلى ساده الأنام و فاطمه بنت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سبطیه علیهما السّلام و غیرهم من شیعتهم و أولادهم و ذراریهم بالقتل و النهب و الاسر أنّه لم یکن علیهم فی ذلک شی‏ء، و یکونون هم و سایر من لم یحدث أمثال هذا عنه فی العقاب متساویین، و قطعیّ أنّ المستدلّ لا یقول به أیضا إذا القول بذلک من أشنع الشّنایع و أقبح الفضایح، و هل کان مراد النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله بقوله فی حقّ فاطمه علیها السّلام من آذاها فقد آذانی و غیر ذلک بالنّسبه إلیها و إلى غیرها من الحسنین و أمیر المؤمنین علیهم السّلام و أولادهم خصوص المؤمنین المصدّقین للّه و لرسوله العارفین بحقّهما، أو المراد منه الأعمّ بل ملحوظ نظره خصوص المخالفین أ فیجوّز المستدلّ ذلک بالنّسبه إلى غیرهم فیحکم بجواز اسر غیرهم للسادات و العلویّات و الفاطمیّات و قتلهم و نهب أموالهم و هتک عرضهم و غیر ذلک من النّاس بل الأنبیاء ما هذا إلّا شی‏ء عجیب أقرب من الکفر لو لم یکن کفرا.

و ثالثا انّ المخالفین عند المستدلّ کفار حقیقه بالکفر المقابل للاسلام، فیلزمه جریان أحکامهم فیه و منها القول الذى استحدثه من عدم العقاب على ترک شی‏ء من التکالیف ما هذا إلّا أمر غریب و شی‏ء عجیب و بالجمله فانّ الصحیحه صریحه فی عدم تکلیف المخالفین بالامامه و لا بشی‏ء من الفروع، و یفصح عنه قوله علیه السّلام: فکیف یجب علیه معرفه الامام و هو لا یؤمن باللّه و رسوله، و یعرف حقّهما، و ذلک بالتّقریب الذى تقدّم، و نزید حینئذ وجه دلالته على ذلک هنا فنقول: إنّ مقتضاها أنّ التّکلیف بالامامه فرع الایمان باللّه و رسوله و هو على ما عرفوه و ورد به الخبر و قد ذکره فی أوّل کتاب الصّلاه هو الاقرار باللّسان و التصدیق بالجنان و العمل بالأرکان و لا ریب فی أنّ ذلک لم یتحقّق فی حقّ الخلفاء الثلاث لعدم تصدیقهم بالجنان، هذا أ فتجوّز أیّها العاقل أنّ الکفّار المحاربین للنّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الکاسرین لأسنانه و القاتلین للمسلمین فی زمنه صلّى اللّه علیه و آله و المتصدّین لایقاع البلایا و المحن علیه أن یکونوا فی جمیع ذلک معذورین غیر مأثومین و أنّ دعاءه صلّى اللّه علیه و آله علیهم فی بعض الحروب کان عبثا و لغوا بلا منشاء و أنّ المنشأ هو عدم الاقرار مع أنّه لا وجه لدعائه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علیهم فی ذلک الحین خاصّه دون غیرهم أولهم فی غیر تلک الحال.

و رابعا أنّ هذه الصحیحه معارضه بما فی التهذیب فی باب أنّ الجزیه واجبه على جمیع أهل الکتاب عن محمّد بن یعقوب الکلینی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن حماد عن حریز قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن صدقات أهل الذّمّه و ما یؤخذ من جزیتهم من ثمن خمورهم و لحم خنازیرهم و میتتهم، قال علیه السّلام: علیهم الجزیه فی أموالهم یؤخذ منهم من ثمن لحم الخنزیر أو خمر کل ما أخذوا منهم من ذلک فوزر ذلک علیهم و ثمنه للمسلمین حلال، یأخذونه فی جزیتهم.

و هذا الخبر لیس فی سنده من یتوقّف فیه سوى إبراهیم بن هاشم و هو على المشهور حسن کالصحیح و عند المحقّقین من المتأخّرین کما ذکره المستدلّ و ارتضاه ثقه، و السّند المشتمل علیه إذا کان الباقی من رجال السّند لا یتوقّف فیه صحیح، هذا مع أنّه لم یقل بهذا الاصطلاح الذى تصدّى لنا سلبه متأخّر و أصحابنا شکر اللّه سعیهم، فالحدیث حجّه عنده و لو کان راویه من أکذب البریّه و صرّح بکذبه الأئمه و تصحیح سنده منّا تبرعیّ و سدّ لباب فرار الخصم لو ادّعى مراعاه الصّحه فى السّند بعد وقوع المعارضه بینه و بین ما صحّ سنده، و مع صحّه سنده کما ترى صریح فی ثبوت الوزر علیهم فی استحلالهم ثمن ما لا یحلّ ثمنه فی ملّه الاسلام و مع ثبوت الوزر علیهم فی ذلک یثبت فی المعاصى الّتی ذکرناها الّتی هى أشدّ منها و مقتضى الأولویّه الّتی تمسّک بها فی اثبات مطلبه ثبوت الوزر علیهم فی المعاصى التی هى أشدّ بطریق الأولویّه هذا، مضافا إلى عدم القول بالفصل‏

 

منهاج‏البراعهفی‏شرح‏نهج‏البلاغه(الخوئی)، ج ۱۲   ، صفحه‏ى ۳۵۲

قال المحقّق الثانی المحقق الشیخ على بعد ذکر هذا الخبر: فیه دلاله على أنّ الکافر یؤخذ بما یستحلّه إذا کان حراما فی شریعه الاسلام و أنّ ما یأخذونه على اعتقاد الحلّ حلال علینا و إن کان ذلک الأخذ حراما عندنا.

و مراده بقوله: یؤخذ بما یستحلّه المؤاخذه علیه و ایجاب ذلک العقاب لا أخذ الجزیه لتبادر الأوّل من العباره.

و به اعترف من کتاب الزّکاه فی مسأله استحباب ما سوى الزّکاه من الحقوق التی فى المال من الضّغث بعد الضغث و الحفنه بعد الحفنه یوم الجذاذ حیث إنه من القائلین بالاستحباب مستندا إلى روایه معاویه بن شریح قال: سمعت الصادق علیه السّلام یقول: فی الزّرع حقّ تؤخذ به و حقّ تعطیه.

حیث قال: المتبادر من هذه العباره العقاب على ترکه، و هو کنایه عن الوجوب و الالزام به شرعا.

و استشهد لذلک بما فی المصباح المنیر من قوله: و أخذ بذنبه، عاقبه علیه، و إن کان فی الاستشهاد نوع تأمّل.

و هذه الصّحیحه مع صراحتها فی ذلک معتضده بعمل کافّه العلماء إلّا أبا حنیفه على اعترافه و معتضده بأدلّه العقلاء الّتی دیدنه التمسّک بها فکیف یعارضها التی ذکرها المستدلّ.

مضافا إلى معارضه الکتاب العزیز لها قال اللّه تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِکُونَ نَجَسٌ فَلا یَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ و قد نهاهم اللّه عن القرب من المسجد الحرام و بمقتضى الصّحیحه لم یکن لهذا التّکلیف وجه، و کذا تکلیفهم بالجزیه و أخذها منهم و ایجابها علیهم.

و یدلّ على أنّهم مکلّفون بشریعه الاسلام و فروعها زیاده على الایمان قوله عزّ من قائل: قاتِلُوا الَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْیَوْمِ الْآخِرِ وَ لا یُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا یَدِینُونَ دِینَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِینَ أُوتُوا الْکِتابَ حَتَّى یُعْطُوا الْجِزْیَهَ عَنْ یَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ‏

انظر ایّدک اللّه تعالى إلى ظهور هذه الایه فی کونهم مکلّفین بتحریم ما حرّم اللّه و التّدین بدین الحق بل و صراحتها فی ذلک، فانّهم لو لم یکونوا مکلّفین بذلک لما کان لإرداف قوله: لا یحرّمون ما حرّم اللّه، إلى آخره بقوله: لا یؤمنون باللّه و لا بالیوم الاخر و إیراد ذلک فی بیان منشاء مقابلتهم و أخذ الجزیه منهم وجه، إذ کان عدم الایمان کافیا فی ذلک، فیصیر الإرداف المذکور لغوا بحتا و خالیا عن الفایده بالمرّه تعالى اللّه عن ذلک علوّا کبیرا.

و قال سبحانه أیضا وَ الَّذِینَ لا یَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا یَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِی حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لا یَزْنُونَ وَ مَنْ یَفْعَلْ ذلِکَ یَلْقَ أَثاماً. یُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ یَوْمَ الْقِیامَهِ انظر إلى صراحه هذه الایه أیضا فجعل العذاب المضاعف جزاء لهم على الأفعال المذکوره و من جملتها قتل النفس و الزّنا، فلو لا أنّ کلا من الامور المذکوره یصیر سببا لضعف العذاب یوم القیامه أو المجموع من حیث المجموع لما کان لتأخیر الاشاره أى لفظه ذلک عن جمیع ذلک وجه، بل کان المناسب بل اللازم دفعا لتوهّم الاشتراک إردافها بالأمر الأوّل فقط و هو الشّرک لیفید انفراده فی السّببیّه.

و الایات الظاهره فی ذلک کثیره، و العمل بالصّحیحه یوجب ردّها بأجمعها و أىّ عاقل یرضى بهذا و قد أمروا علیهم السّلام فی أخبار کثیره مستفیضه بالأخذ بما وافق الکتاب، و هذه الأخبار متلقّاه بالقبول حتّى عند المستدلّ فالصّحیحه الموافقه له و هى ما ذکرناها ترجّح على الصحیحه المخالفه له و هى ما ذکرها.

و بعد هذا کلّه نقول: الذى یفهم من الصحیحه غیر ما فهمه المستدلّ و ذکره، بل المراد منها و اللّه العالم و قائله أعلم: أنّ مخاطبه الکفّار المنکرین غیر المقرّین باللّه و رسوله إلى معرفه الامام الذى هو نائبه و خلیفته و من تجب إطاعته و توجیه الخطاب بذلک إلیهم یکاد أن یکون ذلک لغوا، و ذلک لا یستلزم عدم إرادتها و مطلوبیّتها منهم.

و نظیر ذلک فی الشّرع کثیر منه تکلیف النائم و کذا الغافل و کذا فاقدالطهور عند المحقّقین فی الأخیر و عند الکلّ فی الأوّلین بقضاء الصلاه التی فاتتهما الذى هو عباره عن تدارک ما فات اتفاقا، فلو لا أنّ الصلاه مراده و مطلوبه منهم فی تلک لأحوال لما کان للأمر بالقضاء معنى.

و لذلک مثال فی العرف کأن یکون لشخص عبد لا یطیعه و یعصیه فلا یأمره باطاعه وکیله مثلا، و لا یوجه إلیه الخطاب باطاعه الوکیل مع أنّه لو وجّهه لا یطیعه جزما، فانّ ذلک لا یوجب عدم المطلوبیّه منه و عدم إرادته على وجه الوجوب و اللزوم لینحصرا فیما دلّ علیه الأمر الخطابىّ.

فالمراد بقوله علیه السّلام: کیف یجب علیه معرفه الامام، أنّه کیف یوجّه الخطاب إلیه.

و لذلک مثال آخر و هو أنّ الأمر بالشی‏ء عند المحقّقین لا یستلزم الامر بما هو مقدّمه لوجوده، و یقولون بعدم حرمته من حیث إنّها مقدّمه و مع ذلک یقولون إنّ الخطاب بالاباحه و عدم الحرمه یکون لغوا و إن کان ما تضمّنه الخطاب حقّا، و یکون مثله کبیان الواضحات مثل أنّ النّائم لا یبصر و الأسود الزّنجى لا یعلم الغیوب و أمثال ذلک، فعدم توجّه الخطاب من حیث القبح فی الصدور لا یستلزم عدم ما تضمّنه لو صدر و قبحه و ذلک واضح لا یخفى.

قال صاحب الحدائق: و منها ما رواه الثقه الجلیل أحمد بن أبی طالب الطبرسی فی الاحتجاج عن أمیر المؤمنین علیه السّلام فی حدیث الزّندیق الذى جاء إلیه مستدّلا علیه باى القرآن قد اشتبهت حیث قال علیه السّلام: فکان أوّل ما قیّدهم به الاقرار بالوحدانیّه و الرّبوبیّه و شهاده أن لا إله إلّا اللّه، فلمّا أقرّوا بذلک تلاه بالاقرار لنبیّه صلّى اللّه علیه و آله بالنّبوه و الشهاده بالرّساله، فلمّا انقادوا لذلک فرض علیهم الصلاه ثمّ الصوم ثمّ الحجّ، الحدیث.

و فیه بعد تسلیم حجّیته بحسب السند حیث إنّه لیس من أخبار الکتب التی یدعى قطعیّتها، أنّ التکلیفات فی صدر الاسلام و أوّل البعثه صدرت تدریجا و لم ینسخ‏الشریعه السابقه دفعه، بل إنّما نسخ شیئا فشیئا، و لیس ذلک من محلّ النزاع فی شی‏ء، فانّه لا ریب أنّهم متعبّدون بشریعتهم السابقه، و لکن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لم ینسخها عنهم دفعه بل أبقاهم فی أوّل الشریعه على شریعتهم و نسخ منها شیئا فشیئا فأوجب علیهم بعض التکالیف تدریجا، و ذلک لا یستلزم عدم کونها مکلّفین بالتکالیف فی شریعتنا بعد انتساخ شریعتهم، قال: و منها ما رواه الثقه الجلیل علىّ بن إبراهیم القمّى فی تفسیره عن الصادق علیه السّلام فی تفسیر قوله تعالى وَ وَیْلٌ لِلْمُشْرِکِینَ الَّذِینَ لا یُؤْتُونَ الزَّکاهَ وَ هُمْ بِالْآخِرَهِ هُمْ کافِرُونَ حیث قال علیه السّلام: أ ترى أنّ اللّه عزّ و جلّ طلب من المشرکین زکاه أموالهم و هم یشرکون به حیث یقول: و ویل للمشرکین الذین لا یؤتون الزّکوه و هم بالاخره هم کافرون، إنّما دعى اللّه العباد للایمان به فاذا آمنوا باللّه و رسوله افترض علیهم الفرض.

قال المحدّث الکاشانی فی کتاب الصافی بعد نقل الحدیث المذکور: أقول: هذا الحدیث یدلّ على ما هو التحقیق عندی من أنّ الکفّار غیر مکلّفین بالأحکام الشرعیّه ما داموا باقین على الکفر، انتهى.

و فیه بعد تسلیم السّند الحمل على التّقیّه لکونه مذهب أبی حنیفه کما اعترف، و هو قد کان فی زمان مولینا الصادق علیه السّلام و من تلامذته، و مذهبه کان مشهورا بینهم فی زمانه.

و الشاهد على الحمل على التّقیّه و تعیّنه أنّه مع عدم هذا الحمل یلزم مناقضه مضمون الخبر لنصّ الایه، فانّها صریحه فى أنّ المراد بالمشرکین هم الکفّار الذین لا یؤمنون بالاخره حیث وصفهم فیها بقوله: وَ هُمْ بِالْآخِرَهِ هُمْ کافِرُونَ.

و حینئذ فمقتضى الخبر أنّ مورد الایه إمّا المسلمون أو الذین لا نعرفهم أولا مورد لها، و الأخیران باطلان جزما و کذلک الأوّل لأنّه یلزم أن یکون المسلمون و المؤمنون مشرکین کافرین بیوم الاخر، فیحکم بنجاستهم و کفرهم و عدم قربهم من المسجد الحرام و غیر ذلک من أحکام الکفر، کما فعل ذلک المستدلّ فی الحکم‏ بکفر المخالفین من حیث إطلاق الکفر علیهم فی الأخبار و جعلهم بذلک کفارا حقیقه بالکفر المقابل للاسلام فاذا کان مؤمن لا یؤتى الزّکاه یلزم الحکم بکفره و شرکه و نجاسته و استحقاقه للخلود فی النار و هو قطعىّ الفساد عند المستدلّ و عند الکلّ، هذا.

مع أنّ الشرک و الکفر بالاخره الواقعین فی الایه وصفا لمن لا یؤتی الزکاه حقیقه فیمن صدر عنه هذان الوصفان، و لیس المسلم کذلک جزما و وجدانا، و حینئذ فالعمل بالخبر یستلزم إلغاء الایه و عدم وجود مصداق لها أو القول بکفر من لا یؤت الزّکاه من المؤمنین و شرکه و ترتّب أحکامهما علیه و لا أراه یقول به.

و بالجمله ظاهر الخبر مناقض لصریح الایه و قد قالوا فی أخبار کثیره: ما خالف الکتاب فاضربوه على الحائط، و أىّ مخالفه أشدّ من هذه المخالفه.

و لو قیل بکون هذا الخبر تفسیرا لها و وجوب المصیر إلیه لزم منه طرح تلک الأخبار و یلزم منه أن لا یوجد مصداق تلک الأخبار الامره لضرب المخالف للقرآن على الحائط إذ کلّ خبر مخالف یحتمل أن یکون تفسیرا للقرآن و إن لم یرد فی تفسیره فأىّ خبر یعلم منه المخالفه للقرآن.

و بمقتضى جمیع ما ذکر یتعیّن الحمل على التقیّه الّتی هی باعتراف المستدلّ رأس کلّ آفه و بلیّه.

مع أنّه یحتمل أن یکون المراد بهذا الخبر ما قدّمناه فی الاعتراض على الخبر الأوّل من أنّ عدم توجّه الخطاب إلیهم لا ینافی مطلوبیّته منهم، أو ما قدّمناه فی الاعتراض على الخبر الثانی من أنّهم فی صدر الاسلام و أوّل البعثه لم یؤمروا بذلک، و إنّما کلّفوا بالتکالیف شیئا فشیئا، و إلیه یشیر قوله علیه السّلام فی آخر الخبر: إنّما دعا اللّه العباد للایمان، و على ذلک فلا دلاله فیه على ما رامه.

قال صاحب الحدائق: و مما یدلّ على ذلک ما ورد عن الباقر علیه السّلام فی تفسیر قوله تعالى یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا اللَّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ حیث قال: کیف یأمر بطاعتهم و یرخّص فی‏منازعتهم، إنّما قال ذلک للمأمورین الذین قیل لهم أطیعوا اللّه و أطیعوا الرّسول.

أقول: تمام الحدیث ما رواه فی الکافی عن برید العجلى قال: تلا أبو جعفر علیه السّلام أطیعوا اللّه و أطیعوا الرّسول و اولى الأمر منکم فان خفتم تنازعا فی الأمر فارجعوه إلى اللّه و إلى الرّسول و إلى اولى الأمر منکم، ثمّ قال: کیف یأمر بطاعتهم و یرخّص فی منازعتهم إنما قال ذلک للمأمورین الذین قیل لهم أطیعوا اللّه و أطیعوا الرّسول.

و هو کما ترى لا دلاله فیه على ما رامه المستدلّ بوجه، بل محصّل معناه أنّه کان فی مصحفهم علیهم السّلام فارجعوه مکان فردّوه و یحتمل أن یکون تفسیرا له کما أنّ قوله فان خفتم تنازعا للأمر تفسیر لقوله فان تنازعتم فی شی‏ء، و یستفاد منه أیضا أنّه کان فی مصحفهم و إلى اولى الأمر منکم، فیدلّ على أنّه لا یدخل أولو الأمر فی المخاطبین بقوله: إن تنازعتم، کما زعمه المفسّرون من المخالفین، فقوله: کیف یأمر بطاعتهم و یرخّص فى منازعتهم، یرید به أنّ اللّه سبحانه أمر بطاعتهم أولا بقوله: و أطیعوا الرّسول و اولى الأمر منکم، و مع ذلک فلا یجوز إدخالهم فی المخاطبین بقوله: فان تنازعتم إذ وجوب الاطاعه لا یجتمع مع التّرخیص فی المنازعه فلا بدّ أن یکون المقصود بالخطاب غیرهم، و هم الذین امروا أوّلا باطاعه اللّه و الرّسول و اولى الأمر، فامروا ثانیا عند التّنازع بالرّد و الرّجوع إلیهم أیضا، فافهم جیّدا.

الثالث لزوم تکلیف ما لا یطاق إذ تکلیف الجاهل بما هو جاهل به تصوّرا و تصدیقا عین تکلیف ما لا یطاق، و هو ممّا منعته الأدله العقلیّه و النّقلیه لعین ما تقدّم فی حکم معذوریه الجاهل، و إلیه یشیر کلام الذخیره فی مسأله الصلاه مع النّجاسه عامدا حیث نقل عن بعضهم الاشکال فی إلحاق الجاهل بالعامد، و قال بعده: و الظاهر أنّ التکلیف متعلّق بمقدّمات الفعل کالنّظر و السعى و التعلّم، و إلّا لزم تکلیف الغافل أو التکلیف بما لا یطاق، و العقاب یترتّب على ترک النظر «إلی أن قال» و لا یخفى أنّه یلزم على هذا أن لا یکون الکفّار مخاطبین بالأحکام و إنّما یکونون‏مخاطبین بمقدّمات الأحکام، و هذا خلاف ما قرّره الأصحاب رضی اللّه عنهم و تحقیق المقام من المشکلات.

قال صاحب الحدائق بعد نقل هذا الکلام: لا إشکال بحمد اللّه سبحانه فیما ذکره بعد ورود الأخبار بمعذوریّه الجاهل حسبما مرّ، و ورودها بخصوص الکافر کما نقلنا هنا، و لکنّهم یدورون مدار الشّهره فی جمیع الأحکام و إن خلت عن الدّلیل فی المقام سیّما مع عدم الوقوف على ما یضادّها من أخبار أهل الذکر علیهم السّلام.

و فیه أوّلا أنّ هذا الدّلیل أخصّ من المدّعى لا یشمل من تصوّر أحکام الاسلام و عرفه.

و ثانیا إن کان مراده بذلک الجاهل المستضعف الذى لا یعرف الاسلام، و لم یسمع صیته أصلا فلا کلام فیه.

و إن أراد من سمع صیت الاسلام و عرفه فلا نسلم أنّه جاهل تصوّرا و تصدیقا بل لا ریب أنّه عالم بالشّرایع الموظفه و لو إجمالا.

نعم لیس عالما بذلک تفصیلا فهو متصوّر لما فی الاسلام من شریعه و أحکام کما أنّا مثلا عارفون بدین أهل الکفر و أنّ لهم شرایع و أحکاما و إن کنّا جاهلین بذلک تفصیلا، و هذا القدر من العلم یکفى.

و لذلک انّ أصحابنا لا یعذرون الجاهل فی الأحکام نظرا إلى علمه بذلک إجمالا و لو لم یکف هذا المقدار لزم أن لا یکلّف المقرّ باللّه و رسوله بمعرفه الامام و الفروع أصلا حتّى الصّلاه و الزّکاه و الحجّ و لا یعاقب بترکها أیضا، و یکون الأمر بالمعرفه الوارده فی الأخبار لیس فیه فایده، و من الفروع وجوب تحصیل المعرفه بالأحکام و على ما ذکره یلزم أن لا یکونوا مکلّفین، و هو ممّن یقول بوجوب تحصیل المعرفه على المسلمین.

و على قوله لم یکن فرق بینها و بین سایر الواجبات و المحرّمات إذ الجهل الذى هو علّه لعدم تعلّق التکلیف بما وراء المعرفه من حیث استلزامه التکلیف بمالا یطاق جاء فی نفس المعرفه أیضا فأنّى له بالفارق، هذا.

مع أنّه لو صحّ ما ذکر یلزم قبح التکلیف بالاصول أیضا لاتّحاد العلّه بل ازدیادها فیها، و ذلک فانّ من تیقّن بطلان الاسلام فضلا عن أن یجهله مکلّف بالاصول جزما فتکلیف من هو جاهل بها أولى کما لا یخفى.

و یلزم على ذلک خروج اکثر الکفار لو لم یکن کلّهم عن التکلیف بالاسلام لاستحاله تکلیف الجاهل فضلا عن العالم، و لا ریب أنّ کلّ من دان بدین إلّا من شذّ متیقّن بدینه جازم بصحّته، ففی حال الجزم و الیقین کیف یکلّف بالعلم ببطلان ما علمه و فساد ما تیقّن به.

و بذلک یظهر أنّهم لیسوا مکلّفین بالاصول و الحال أنّ المستدلّ لا یقول به، و لیت شعرى کیف لا یلتزم به مع اقتضاء دلیله ذلک و جریانه فیه بل أولى بالجریان کما عرفت، هذا.

و قد یقرّر هذا الدّلیل أعنی لزوم التکلیف بما لا یطاق بوجه آخر و هو أنّ الکافر غیر قادر على الاتیان بالعباده الصّحیحه المشروطه بالایمان.

و اجیب عنه بأنّا نقول انّهم مکلّفون بالفروع حال الکفر لا بشرط الکفر فالکفر ظرف للتّکلیف لا للمکلّف فلا یلزم التکلیف بما لا یطاق.

الرابع الأخبار الدّاله على وجوب طلب العلم کقولهم علیهم السّلام طلب العلم فریضه على کلّ مسلم فانّ موردها المسلم دون مجرّد البالغ العاقل.

و فیه أنّ الاستدلال بتلک الأخبار موقوف على القول بحجیّه مفهوم اللّقب و هو مع کونه خلاف التّحقیق لا یقول به المستدلّ أیضا فلا وجه لاستدلاله بها على المدّعى.

الخامس اختصاص الخطاب القرآنى بالذین آمنوا، و ورود یا أیّها النّاس فی بعض و هو الأقلّ یحمل على المؤمنین حملا للمطلق على المقیّد و العام على الخاص کما هو القاعده المسلّمه بینهم.

و الجواب ما قدّمنا فی الدّلیل السّابق، و هو أنّ دلالته من حیث مفهوم‏اللّقب الذى لیس بحجّه عنده و عند المحقّقین.

تکمله

هذا الکلام الشّریف له علیه السّلام حسبما أشرنا إلیه مروىّ فی الکافی عن على ابن إبراهیم عن أبیه عن بعض أصحابه عن أبی حمزه عن عقیل الخزاعى أنّ أمیر المؤمنین صلوات اللّه علیه کان إذا حضر الحرب یوصى للمسلمین بکلمات یقول: تعاهدوا الصّلاه و حافظوا علیها، و استکثروا منها، و تقرّبوا بها فانّها کانت على المؤمنین کتابا موقوتا، و قد علم ذلک الکفّار حین سئلوا، ما سلککم فی سقر قالوا لم نک من المصلّین و قد عرف حقّها من طرقها و أکرم بها من المؤمنین الذین لا یشغلهم عنها زین متاع و لا قرّه عین من مال و لا ولد یقول اللّه عزّ و جلّ: رِجالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجارَهٌ وَ لا بَیْعٌ عَنْ ذِکْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاهِ، و کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم منصبا«» لنفسه بعد البشرى له بالجنّه من ربّه فقال عزّ و جلّ: وَ أْمُرْ أَهْلَکَ بِالصَّلاهِ وَ اصْطَبِرْ عَلَیْها، الایه، فکان یأمر بها أهله و یصبر علیها نفسه.

ثمّ إنّ الزکاه جعلت مع الصلاه قربانا لأهل الاسلام على أهل الاسلام، و من لم یعطها طیب النّفس بها یرجو بها من الثّمن ما هو أفضل منها فانّه جاهل بالسنه مغبون الأجر ضالّ العمر طویل النّدم بترک أمر اللّه عزّ و جلّ و الرغبه عمّا علیه صالحو عباد اللّه یقول اللّه عزّ و جلّ: وَ یَتَّبِعْ غَیْرَ سَبِیلِ الْمُؤْمِنِینَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى من الأمانه فقد خسر من لیس من أهلها و ضلّ عمله عرضت على السّماوات المبنیّه و الأرض المهاد و الجبال المنصوبه فلا أطول و لا أعرض و لا أعلى و لا أعظم و لو امتنعن «امتنعت خ ل» من طول أو عرض أو عظم أو قوّه أو عزّه امتنعن، و لکن أشفقن من العقوبه.

ثمّ إنّ الجهاد أشرف الأعمال بعد الاسلام، و هو قوام الدّین و الأجر فیه عظیم مع العزّه و المنعه و هو الکرّه فیه الحسنات و البشرى بالجنّه بعد الشّهاده و بالرّزق غدا عند الرّب و الکرامه یقول اللّه عزّ و جلّ: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِینَ قُتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْیاءٌ، الایه.

ثمّ إنّ الرّعب و الخوف من جهاد المستحقّ للجهاد و المتوازرین على الضلال ضلال فی الدّین و سلب للدّنیا مع الذلّ و الصّغار، و فیه استیجاب النار بالفرار من الزّحف عند حضره القتال یقول اللّه عزّ و جلّ: یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِذا لَقِیتُمُ الَّذِینَ کَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ.

فحافظوا على أمر اللّه عزّ و جلّ فی هذه المواطن الّتی الصّبر علیها کرم و سعاده، و نجاه فی الدّنیا و الاخره من فظیع الهول و المخافه، فانّ اللّه عزّ و جلّ لا یعبأ بما العباد مقترفون لیلهم و نهارهم لطف به علما، و کان «کل خ ل» ذلک فی کتاب لا یضلّ ربّى و لا ینسى، فاصبروا و صابروا و اسألوا النّصر، و وطنوا أنفسکم على القتال و اتّقوا اللّه عزّ و جلّ، فانّ اللّه مع الّذین اتّقوا و الّذینهم محسنون.

بیان

رواه المحدّث العلامه المجلسیّ فی البحار من الکافی کما رویناه و قال بعد نقله: قوله: من طرقها، لعلّه من الطروق بمعنى الاتیان باللّیل أى واظب علیها فی اللّیالى و قیل: أى جعلها دأبه و صنعته من قولهم هذا طرقه رجل أى صنعته.

و لا یخفى ما فیه و لا یبعد أن یکون تصحیف طوّق بها على المجهول أى ألزمها کالطّوق بقرینه اکرم بها على بناء المجهول أیضا.

قوله على أهل الاسلام، الظاهر أنّه سقط هنا شی‏ء قوله: من الأمانه، لعلّه بیان لسبیل المؤمنین، أى المراد بسبیل المؤمنین ولایه أهل البیت علیهم السّلام و هی الامانه المعروفه.

قوله علیه السّلام: و هو الکرّه، أى الحمله على العدوّ و هی فی نفسها أمر مرغوب فیه اذ لیس هو الّا مرّه واحده و حمله فیها سعاده الأبد، و یمکن أن یقرأ الکرّه بالهاء، أى هو مکروه للطباع فیکون إشاره إلى قوله تعالى: کُتِبَ عَلَیْکُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ کُرْهٌ لَکُمْ، و لعلّه أصوب.

و قال الجوهرى: زحف إلیه زحفا، مشى و الزّحف الجیش یزحفون إلى العدوّ، و قوله: لطف به، الضمیر راجع إلى الموصول فی قوله: ما العباد مقترقون.

الترجمه

از جمله کلام بلاغت نظام آن امام است وصیّت می کرد با آن أصحاب خود را مى ‏فرمود: مواظبت نمائید بأمر نماز و محافظت نمائید بر آن و بسیار کنید از گذاردن آن و تقرّب جوئید بدرگاه پروردگار با آن، پس بدرستى که بوده است آن نماز بر مؤمنین فرض واجب، آیا گوش نمى ‏کنید بسوى جواب اهل آتش وقتى که سؤال کرده شدند که چه باعث شد بامدن شما در دوزخ، گفتند نبودیم ما در دنیا از نماز گذارندگان، و بدرستى که آن نماز مى‏ ریزد گناهان را مثل ریختن برک از درختان و بر مى‏ دارد قید گناهان را از گردن گناه کاران مثل برداشتن بند ریسمان از گردن حیوان.

و تشبیه فرموده است نمازهاى پنج گانه را حضرت رسالتماب صلوات اللّه و سلامه علیه و آله بچشمه آب گرمى که باشد در خانه مرد پس بشوید آن مرد بدن خود را در آن چشمه در روز و شب پنج دفعه، پس نزدیک نیست که باقى ماند بر بدن او چرکى و کثافتى، و بتحقیق که شناخت قدر نماز را مردانى از مؤمنین که مشغول نمى‏ کند ایشان را از آن نماز زینت متاع دنیا و نه چشم روشنى از اولاد و نه مال آن مى‏ فرماید حق تعالى در شان ایشان: رِجالٌ لا تُلْهِیهِمْ الایه، یعنى تسبیح کند خداوند را مردانى که مشغول نمى‏ نماید ایشان را تجارت و خرید و فروش از ذکر پروردگار و از اقامه نماز و از دادن زکاه و بود حضرت رسول خدا بغایت متحمل بمشقّت و زحمت نماز با وجود این که بشارت بهشت داده بود او را بجهت فرمایش خدا که خطاب فرمود او را که: امر کن اهل خود را بنماز و صبر کن برحمت آن، پس بود آن بزرگوار امر مى ‏فرمود اهل خود را و وادار مى‏ نمود نفس خود را بر آن.

پس از آن بدرستى که زکاه گردانیده شده با نماز مایه تقرّب خدا از براى اهل اسلام پس کسى که عطا نماید زکاه را در حالتى که با طیب نفس بدهد آنرا پس بدرستى که باشد آن از براى او کفّاره گناهان و حاجب و مانع از آتش سوزان، پس البتّه نباید احدى چشمش بر پشت آن بدوزد، و البته نباید غمگین و پریشان شود بان از جهت این که هر کسى که بدهد زکاه را با وجه إکراه و عدم طیب نفس در حالتى که امیدوار باشد بجهت دادن آن ثوابى را که أفضل باشد از آن پس آن کس جاهلست بسنّت، مغبونست در اجرت، گمراهست در عمل، دراز است پشیمانى و ندامت آن.

پس از آن أداء أمانت است پس بتحقیق که نومید شد کسى که نبوده از أهل آن، بدرستى که آن امانت اظهار شد بر آسمانهاى بنا شده، و بر زمینهاى فرش شده، و بر کوههائى که صاحب بلندى و منصوبست بر زمین، پس نیست هیچ چیز درازتر و پهن‏تر و بلندتر و بزرگتر از آنها، و اگر امتناع مى‏ نمودى چیزى بجهت درازى یا پهنى یا بجهت قوّت یا عزّت هر آینه آنها امتناع مى‏ کردند، و لکن ترسیدند از عذاب پروردگار، و فهمیدند چیزى را که جاهل شد بان کسى که ضعیفتر از ایشان بود که عبارت باشد از انسان، بدرستى که آن انسان بسیار ظالمست بسیار نادان، بدرستى که خداى تعالى مخفى نمى‏ ماند بر او چیزى که بندگان کسب نمایند آنرا در شب و روز خودشان، لطیف خبیر است به کار ایشان، و محیط است با علم خود بان، أعضاء شما شاهدان اویند، و جوارح شما لشکران او، و قلبهاى شما جاسوسان او، و خلوتهاى شما آشکار است در نظر آن

منهاج ‏البراعه فی ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(الخوئی)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

بازدیدها: ۳۰

حتما ببینید

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۲۳۷/۱ شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

خطبه ۲۳۹ صبحی صالح ۲۳۹- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  ) یذکر فیها …

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

*

code