خانه / ***خطبه ها شرح و ترجمه میر حبیب الله خوئی / نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۱۹۷ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۱۹۷ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه ۱۹۸ صبحی صالح

۱۹۸- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  ) ینبه على إحاطه علم اللّه بالجزئیات، ثم یحث على التقوى، و یبین فضل الإسلام و القرآن‏

یَعْلَمُ عَجِیجَ الْوُحُوشِ فِی الْفَلَوَاتِ وَ مَعَاصِیَ الْعِبَادِ فِی الْخَلَوَاتِ وَ اخْتِلَافَ النِّینَانِ فِی الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ وَ تَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّیَاحِ الْعَاصِفَاتِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِیبُ اللَّهِ وَ سَفِیرُ وَحْیِهِ وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ

الوصیه بالتقوى‏

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی أُوصِیکُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِی ابْتَدَأَ خَلْقَکُمْ وَ إِلَیْهِ یَکُونُ مَعَادُکُمْ وَ بِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِکُمْ وَ إِلَیْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِکُمْ وَ نَحْوَهُ قَصْدُ سَبِیلِکُمْ وَ إِلَیْهِ مَرَامِی مَفْزَعِکُمْ

فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِکُمْ وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِکُمْ وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِکُمْ وَ صَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِکُمْ وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِکُمْ وَ جِلَاءُ عَشَا أَبْصَارِکُمْ‏وَ أَمْنُ فَزَعِ جَأْشِکُمْ وَ ضِیَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِکُمْ

فَاجْعَلُوا طَاعَهَ اللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِکُمْ وَ دَخِیلًا دُونَ شِعَارِکُمْ وَ لَطِیفاً بَیْنَ أَضْلَاعِکُمْ وَ أَمِیراً فَوْقَ أُمُورِکُمْ

وَ مَنْهَلًا لِحِینِ وُرُودِکُمْ وَ شَفِیعاً لِدَرَکِ طَلِبَتِکُمْ وَ جُنَّهً لِیَوْمِ فَزَعِکُمْ وَ مَصَابِیحَ لِبُطُونِ قُبُورِکُمْ وَ سَکَناً لِطُولِ وَحْشَتِکُمْ وَ نَفَساً لِکَرْبِ مَوَاطِنِکُمْ

فَإِنَّ طَاعَهَ اللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُکْتَنِفَهٍ وَ مَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَهٍ وَ أُوَارِ نِیرَانٍ مُوقَدَهٍ

فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا وَ احْلَوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا وَ انْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاکُمِهَا وَ أَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا

وَ هَطَلَتْ عَلَیْهِ الْکَرَامَهُ بَعْدَ قُحُوطِهَا. وَ تَحَدَّبَتْ عَلَیْهِ الرَّحْمَهُ بَعْدَ نُفُورِهَا وَ تَفَجَّرَتْ عَلَیْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا وَ وَبَلَتْ عَلَیْهِ الْبَرَکَهُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا

فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِی نَفَعَکُمْ بِمَوْعِظَتِهِ وَ وَعَظَکُمْ بِرِسَالَتِهِ وَ امْتَنَّ عَلَیْکُمْ بِنِعْمَتِهِ فَعَبِّدُوا أَنْفُسَکُمْ لِعِبَادَتِهِ وَ اخْرُجُوا إِلَیْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ

فضل الإسلام‏

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ دِینُ اللَّهِ الَّذِی اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ وَ اصْطَنَعَهُ عَلَى عَیْنِهِ وَ أَصْفَاهُ خِیَرَهَ خَلْقِهِ وَ أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ

أَذَلَّ الْأَدْیَانَ‏بِعِزَّتِهِ وَ وَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ وَ أَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِکَرَامَتِهِ وَ خَذَلَ مُحَادِّیهِ بِنَصْرِهِ وَ هَدَمَ أَرْکَانَ الضَّلَالَهِ بِرُکْنِهِ وَ سَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِیَاضِهِ وَ أَتْأَقَ الْحِیَاضَ بِمَوَاتِحِهِ

ثُمَّ جَعَلَهُ لَا انْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ وَ لَا فَکَّ لِحَلْقَتِهِ وَ لَا انْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ وَ لَا زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ وَ لَا انْقِلَاعَ لِشَجَرَتِهِ وَ لَا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ وَ لَا عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ

وَ لَا جَذَّ لِفُرُوعِهِ وَ لَا ضَنْکَ لِطُرُقِهِ وَ لَا وُعُوثَهَ لِسُهُولَتِهِ وَ لَا سَوَادَ لِوَضَحِهِ وَ لَا عِوَجَ لِانْتِصَابِهِ وَ لَا عَصَلَ فِی عُودِهِ وَ لَا وَعَثَ لِفَجِّهِ وَ لَا انْطِفَاءَ لِمَصَابِیحِهِ وَ لَا مَرَارَهَ لِحَلَاوَتِهِ

فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِی الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا وَ ثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا وَ یَنَابِیعُ غَزُرَتْ عُیُونُهَا وَ مَصَابِیحُ شَبَّتْ نِیرَانُهَا وَ مَنَارٌ اقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا وَ أَعْلَامٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا وَ مَنَاهِلُ رَوِیَ بِهَا وُرَّادُهَا.

جَعَلَ اللَّهُ فِیهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ وَ ذِرْوَهَ دَعَائِمِهِ وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ وَثِیقُ الْأَرْکَانِ رَفِیعُ الْبُنْیَانِ مُنِیرُ الْبُرْهَانِ مُضِی‏ءُ النِّیرَانِ عَزِیزُ السُّلْطَانِ مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُعْوِذُ الْمَثَارِ

فَشَرِّفُوهُ وَ اتَّبِعُوهُ وَ أَدُّوا إِلَیْهِ حَقَّهُ وَ ضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ

الرسول الأعظم‏

ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ( صلى‏ الله ‏علیه ‏وآله  )بِالْحَقِ‏حِینَ دَنَا مِنَ الدُّنْیَا الِانْقِطَاعُ وَ أَقْبَلَ مِنَ الْآخِرَهِ الِاطِّلَاعُ وَ أَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ وَ قَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ وَ خَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ

وَ أَزِفَ مِنْهَا قِیَادٌ فِی انْقِطَاعٍ مِنْ مُدَّتِهَا وَ اقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا وَ تَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَ انْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا وَ انْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا وَ عَفَاءٍ مِنْ أَعْلَامِهَا وَ تَکَشُّفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا وَ قِصَرٍ مِنْ طُولِهَا

جَعَلَهُ اللَّهُ بَلَاغاً لِرِسَالَتِهِ وَ کَرَامَهً لِأُمَّتِهِ وَ رَبِیعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَ رِفْعَهً لِأَعْوَانِهِ وَ شَرَفاً لِأَنْصَارِهِ

القرآن الکریم‏

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَیْهِ الْکِتَابَ نُوراً لَا تُطْفَأُ مَصَابِیحُهُ وَ سِرَاجاً لَا یَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَ بَحْراً لَا یُدْرَکُ قَعْرُهُ وَ مِنْهَاجاً لَا یُضِلُّ نَهْجُهُ وَ شُعَاعاً لَا یُظْلِمُ ضَوْءُهُ

وَ فُرْقَاناً لَا یُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَ تِبْیَاناً لَا تُهْدَمُ أَرْکَانُهُ وَ شِفَاءً لَا تُخْشَى أَسْقَامُهُ وَ عِزّاً لَا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَ حَقّاً لَا تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ

فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِیمَانِ وَ بُحْبُوحَتُهُ وَ یَنَابِیعُ الْعِلْمِ وَ بُحُورُهُ وَ رِیَاضُ الْعَدْلِ وَ غُدْرَانُهُ وَ أَثَافِیُّ الْإِسْلَامِ وَ بُنْیَانُهُ وَ أَوْدِیَهُ الْحَقِّ وَ غِیطَانُهُ

وَ بَحْرٌ لَا یَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ وَ عُیُونٌ لَا یُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ وَ مَنَاهِلُ‏

لَا یَغِیضُهَا الْوَارِدُونَ وَ مَنَازِلُ لَا یَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ وَ أَعْلَامٌ لَا یَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ وَ آکَامٌ لَا یَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ

جَعَلَهُ اللَّهُ رِیّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ وَ رَبِیعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ وَ مَحَاجَّ لِطُرُقِ الصُّلَحَاءِ وَ دَوَاءً لَیْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ وَ نُوراً لَیْسَ مَعَهُ ظُلْمَهٌ وَ حَبْلًا وَثِیقاً عُرْوَتُهُ وَ مَعْقِلًا مَنِیعاً ذِرْوَتُهُ

وَ عِزّاً لِمَنْ تَوَلَّاهُ وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ هُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ وَ عُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَکَلَّمَ بِهِ وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَ فَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ

وَ حَامِلًا لِمَنْ حَمَلَهُ وَ مَطِیَّهً لِمَنْ أَعْمَلَهُ وَ آیَهً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ جُنَّهً لِمَنِ اسْتَلْأَمَ وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَى وَ حَدِیثاً لِمَنْ رَوَى وَ حُکْماً لِمَنْ قَضَى

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج۱۲  

و من خطبه له علیه السّلام و هى المأه و السابعه و التسعون من المختار فى باب الخطب

و شرحها فی فصول ثلاثه:

الفصل الاول

یعلم عجیج الوحوش فی الفلوات، و معاصی العباد فی الخلوات، و اختلاف النّینان فی البحار الغامرات، و تلاطم الماء بالرّیاح العاصفات، و أشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله نجیب اللّه و سفیر وحیه، و رسول رحمته. أمّا بعد فإنّی أوصیکم بتقوى اللّه الّذی ابتدء خلقکم، و إلیه یکون معادکم، و به نجاح طلبتکم، و إلیه منتهى رغبتکم، و نحوه قصد سبیلکم، و إلیه مرامی مفزعکم، فإنّ تقوى اللّه دواء داء قلوبکم، و بصر عمى أفئدتکم، و شفاء مرض أجسادکم، و صلاح فساد صدورکم و طهور دنس أنفسکم، و جلاء غشاء أبصارکم، و أمن فزع جاشکم، و ضیاء سواد ظلمتکم.

فاجعلوا طاعه اللّه شعارا دون دثارکم، و دخیلا دون شعارکم، و لطیفا بین أضلاعکم، و أمیرا فوق أمورکم، و منهلا لحین ورودکم، و شفیعا لدرک طلبتکم، و جنّه لیوم فزعکم، و مصابیح لبطون قبورکم، و سکنا لطول وحشتکم، و نفسا لکرب مواطنکم. فإنّ طاعه اللّه حرز من متالف مکتنفه، و مخاوف متوقّعه، و أوار نیران موقده، فمن أخذ بالتّقوى غربت «عزبت خ» عنه الشّداید بعد دنوّها، و احلولت له الامور بعد مرارتها، و انفرجت عنه الأمواج بعد تراکمها، و أسهلت له الصّعاب بعد انصابها، و هطلت علیه الکرامه بعد قحوطها، و تحدّبت علیه الرّحمه بعد نفورها، و تفجّرت علیه النّعم بعد نضوبها، و وبلت علیه البرکه بعد إرذاذها. فاتّقوا اللّه الّذی نفعکم بموعظته، و وعظکم برسالته، و امتنّ علیکم بنعمته، فعبّدوا أنفسکم لعبادته، و اخرجوا إلیه من حقّ طاعته.

اللغه

(عجّ) عجّا من باب ضرب و عجیجا أیضا رفع صوته بالتّلبیه، و منه الحدیث أفضل الأعمال إلى اللّه العجّ و الثجّ، فالعجّ رفع الصّوت فی التّلبیه، و الثجّ إساله الدّماء من الذّبح و النحر فی الأضاحی.

و (النّینان) جمع نون و هو الحوت قال تعالى وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباًو نهر (غامر) أى کثیر الماء یغمر من یدخله أى یغطّیه و یستره، و غمره البحر من باب نصر أى إذا علاه و غطاه و (الطلبه) بکسر الّام ما طلبته.

و (غشاء) أبصارکم فی بعض النسخ بالغین المعجمه و المدّ وزان کساء و هو الغطاء قال تعالى فَأَغْشَیْناهُمْ فَهُمْ لا یُبْصِرُونَ أى جعلنا على أبصارهم غشاوه و غطاء و فی بعضها بالعین المهمله و القصر سوء البصر باللیل و النّهار مصدر عشى یقال عشى عشى من باب تعب ضعف بصره فهو أعشى و المرأه عشواء، و (الجاش) القلب.

و (الشّعار) الثّوب الملاصق للبدن و هو الذی یلی شعر الجسد و (الدّثار) ما فوق الشّعار من الثیاب و (دخله) الرّجل و دخله و دخیلته و دخیله نیّته و مذهبه و خلده و (المنهل) المشرب و الشرب و الموضع الذى فیه المشرب و (الطلبه) بکسر اللّام کالطلب محرّکه اسم من طالبه بحقه مطالبه، و قال الشارح المعتزلی: الطلبه ما طلبته من شی‏ء فیکون اسم عین.

و (النفس) محرّکه اسم وضع موضع المصدر الحقیقی من نفس تنفیسا و نفسا أى فرّج تفریجا و (الاوار) بضمّ الهمزه وزان غراب حرّ النّار و الشّمس و العطش و اللهب و (هطل) السّماء تهطل من باب ضرب امطرت هطلا و هو بالفتح تتابع المطر المتفرّق العظیم القطر و المطر الضعیف الدائم و (نضب) الماء نضوبا غار و (وبلت) السماء تبل امطرت وابلا و هو المطر الشدید الضخم القطر و (ارذّت) السماء بتشدید الذال المعجمه أمطرت رذاذا، و هو بالفتح کسحاب المطر الضّعیف أو الساکن الدائم الصغار القطر کالغبار.

الاعراب

الباء فی قوله: بالرّیاح سببیّه و نحوه منصوب بنزع الخافض، و الفاء فی قوله فانّ تقوى اللّه للتعلیل، و فی قوله: فاجعلوا فصیحه

المعنى

اعلم أنّ الغرض الأصلى من هذا الفصل من الخطبه الشریفه هو النصح و الموعظه و الوصیه بالتقوى و الطاعه و الترغیب علیهما بالتنبیه على عظم ما یترتب علیهما من الثمرات و المنافع المرّغبه، و صدّر الفصل باقتضاء صناعه البلاغه و رعایه براعه الاستهلال بذکر إحاطه علمه بجزئیات الموجودات تنبیها به على أنه عزّ و جلّ لا یخفى علیه طاعه المطیعین و معصیه المذنبین فقال علیه السّلام: (یعلم عجیج الوحوش فی الفلوات) أى صیاحها فیها بالتسبیح و رفع أصواتها إلى عزّ جنابه تبارک و تعالى بالتّقدیس و تضرّعها إلیه سبحانه فی إنجاح طلباتها و تنفیس کرباتها و سؤالها منه لدفع شدایدها.

و فیه حثّ للمخاطبین على الطلب و السّؤال و التّضرّع و الابتهال و الانابه إلیه عزّ و علا على کلّ حال، لأنهم أولى بذلک من الحیوانات العجم.

و یشهد بذلک الحدیث الذی قدّمناه: أفضل الأعمال إلى اللّه العجّ و الثجّ.

و فى حدیث آخر مروىّ فى الوسایل من الکافی عن حریز رفعه قال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لمّا أحرم أتاه جبرئیل فقال له: مر أصحابک بالعجّ و الثجّ، و العجّ رفع الصّوت بالتلبیه، و الثجّ نحر البدن.

و فى الکافی فی کتاب الدّعاء باسناده عن حنان بن سدیر عن أبیه قال: قلت لأبی جعفر علیه السّلام: أىّ العباده أفضل قال: ما من شی‏ء أفضل عند اللّه عزّ و جلّ من أن یسأل و یطلب ممّا عنده، و ما أحد أبغض إلى اللّه عزّ و جلّ ممّن یستکبر عن عبادته و لا یسأل ما عنده.

و فیه عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن حمّاد بن عیسى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال سمعته یقول: ادع و لا تقل قد فرغ من الأمر، فانّ الدّعاء هو العباده إنّ اللّه عزّ و جلّ یقول وَ قالَ رَبُّکُمُ ادْعُونِی أَسْتَجِبْ لَکُمْ إِنَّ الَّذِینَ و قال: ادْعُونِی أَسْتَجِبْ لَکُمْ.

و فیه بسنده عن میسر بن عبد العزیز عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال لی: یا میسر ادع و لا تقل إنّ الأمر قد فرغ منه، إنّ عند اللّه عزّ و جلّ منزله لا تنال إلّا بمسأله، و لو أنّ عبدا سدّفاه و لم یسأل لم یعط شیئا فاسأل تعط، یا میسر إنه لیس من باب یقرع إلّا یوشک أن یفتح لصاحبه.

(و) یعلم (معاصى العباد فی الخلوات) بمقتضى عموم علمه بالسرّ و الخفیّات و ما تحت الثرى و فوق الأرضین و السّماوات، و فیه تحذیر للسامعین عن ارتکاب الخطیئات و حثّ لهم عن الازعاج من السیئات و تخصیصها بها لکون الخلوه مظنّه الوقوع فی المعصیه بعدم وجود الرّادع و الحاجز.

(و اختلاف النینان فی البحار الغامرات) أى تردّدها فیها و سبحها فی البحر صعودا و هبوطا طولا و عرضا (و تلاطم الماء بالرّیاح العاصفات) أى اضطراب ماء البحار و تراکم أمواجها بالرّیاح الشّدیده الهبوب، ثمّ عقّب بالشهاده بالرّساله فقال: (و أشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نجیب اللّه) أى الکریم الحسیب أفضل الناس حسبا و نسبا شرّفه اللّه تعالى بهذا الوصف الشامخ و اختاره به من خلقه.

(و سفیر وحیه و رسول رحمته) کما قال عزّ من قائل وَ ما أَرْسَلْناکَ إِلَّا رَحْمَهً لِلْعالَمِینَ أى نعمه علیهم لأنّ ما بعث به سبب لصلاح معاشهم و معادهم موجب للسّعاده الدائمه و کونه رحمه للکفّار أمنهم به من الخسف و المسخ و عذاب الاستیصال قال فی مجمع البیان: قال ابن عباس: رحمه للبرّ و الفاجر و المؤمن و الکافر فهو رحمه للمؤمن فی الدنیا و الاخره و رحمه للکافر بأن عوفى ممّا أصاب الامم من الخسف و المسخ.

قال: و روی أنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال لجبرئیل علیه السّلام لما نزلت هذه الایه: هل أصابک من هذه الرّحمه شی‏ء قال: نعم إنّى کنت أخشى عاقبه الأمر فامنت بک لما أثنى اللّه علىّ بقوله «ذِی قُوَّهٍ عِنْدَ ذِی الْعَرْشِ مَکِینٍ» و قیل: إنّ الوجه فی أنّه نعمه على الکافر أنّه عرّضه للایمان و الثّواب الدائم و هداه و إن لم یهتد کمن قدّم‏الطعام إلى جائع فلم یأکل فانّه منعم علیه و إن لم یقبل.

(أمّا بعد فانّى اوصیکم) عباد اللّه (ب) ما لا أزال اوصیکم به أعنى (تقوى اللّه الذى ابتدء خلقکم) و فى الاتیان بهذه الجمله و ما یتلوها من الجملات الوصفیه تعظیم لشأنه عزّ و جلّ و تأکید للغرض المسوق له الکلام، لأنّ العلم باتّصافه بهذه الصفات یوجب مزید الملازمه بالتقوى و المواظبه على أوامره و نواهیه عزّ و تعالى.

و المراد بهذه الجمله انّ اللّه الذى حباکم خلعه الخلقه و أخرجکم من العدم و أفاض علیکم نعمه الوجود الّتی هى أصل جمیع النّعم صغیرها و کبیرها و جلیلها و حقیرها أحرى بأن یخشى منه و یتّقى و لا یقابل نعمه العظام بالکفران و آلائه الجسام بالتّمرّد و الطغیان.

(و إلیه یکون معادکم) أى عودکم و رجوعکم یوم حشرکم و نشرکم، فانّ الکلّ إلیه راجعون فیجازیهم بما کانوا یعملون، و أمّا الذین اتّقوا، فأولئک هم الفائزون و أما الذین ظلموا فلا ینفع معذرتهم و لا هم یستعتبون کما قال عزّ من قائل: إِنَّ الْمُتَّقِینَ فِی ظِلالٍ وَ عُیُونٍ. وَ فَواکِهَ مِمَّا یَشْتَهُونَ. کُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِیئاً بِما کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. إِنَّا کَذلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ.

(و به نجاح طلبتکم و إلیه منتهى رغبتکم) أى الظفر بمطالبکم و قضاء مقاصدکم و نیل حوائجکم، فانّه تعالى قاضى حوائج السائلین و منجح طلبات الرّاغبین، و من کان هذا شأنه یجب أن یطاع و یعبد لا أن یعصى لحکمه و یتمرّد.

(و نحوه قصد سبیلکم) لأنّه منتهى سیر السالکین و غایه مراد المریدین، فلا بدّ من سلوک صراطه المستقیم المؤدّى إلى قربه و زلفاه، و هو صراط الملازمین لطاعته و تقواه و أمّا غیرهم فانّهم عن الصراط لناکبون، و عن لقائه محرومون.

(و إلیه مرامى مفزعکم) یعنى إذا دهمکم الخوف و الفزع ترمیکم الأفزاع نحوه، لأنه یجیب المضطرّ إذا دعاه و یکشف السوء عنه إذا ناداه.

و فى الحدیث لیس وراء اللّه مرمى، قال الطریحی: أى مقصد ترمى إلیه الامال و یوجه نحوه الرّجاء، تشبیها بالهدف الّتی ترمى إلیها السّهام، و إذا کان شأنه العزیز انّه إذا فاجاکم الفزع فالیه تضرّعون، و إذا مسّکم الضرّ فالیه تجأرون، فلا بدّمن أن یطاع و لا یعصى و یذکر و لا ینسى.

ثمّ لمّا وصف اللّه عزّ و علا بأوصاف توجب منه الاتّقاء أردفه بالتنبیه على منافع التّقوى و الثمرات المترتّبه علیها فی الدّین و الدّنیا لمزید الحثّ و الترغیب إلیها فقال: (فانّ تقوى اللّه دواء داء قلوبکم) یعنى أنّها رافعه للأمراض القلبیّه و الرّزائل النّفسانیه الموبقه من البخل و الحسد و النفاق و العداوه و البغضاء و غیرها، لأنها مضادّه لها کما أنّ الدواء ضدّ الدّاء (و بصر عمى افئدتکم) بیان ذلک أنّ حصول وصف العمى للأعمى لمّا کان موجبا لعجزه عن إدراکه للمحسوسات، و سببا لضلاله عن الطریق، فکذلک حصول هذا الوصف للأفئده الناشی من اتّباع الهوى و الانهماک فی الشهوات، موجب لقصورها عن إدراک المعقولات، و عن الاهتدا إلى الصراط المستقیم.

و کما أنّ بحسّ البصر یرتفع عمى الأبصار الظاهره و یحصل إدراک المحسوسات فکذلک بالتقوى یرتفع عمى الأفئده و یتمکّن من إدراک المعقولات و یهتدى إلى الصراط المستقیم، لکونها مانعه من متابعه الهوى و انهماک الشهوات الموجبین لعماها، و هذا معنى کونها بصرا لعمى أبصار الأفئده.

روى فی الصافی فی تفسیر قوله تعالى أَ فَلَمْ یَسِیرُوا فِی الْأَرْضِ فَتَکُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ یَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ یَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لکِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِی فِی الصُّدُورِ من التوحید و الخصال عن السجاد علیه السّلام أنّ للعبد أربع أعین: عینان یبصر بهما أمر دینه و دنیاه، و عینان یبصر بهما أمر آخرته، فاذا أراد اللّه بعبد خیرا فتح اللّه له العینین اللّتین فی قلبه فأبصر بهما الغیب و أمر آخرته، و إذا أراد اللّه به غیر ذلک ترک القلب بما فیه.

و فیه من الکافی عن الصادق علیه السّلام إنّما شیعتنا أصحاب الأربعه أعین: عینان فی الرّأس، و عینان فی القلب، ألا و إنّ الخلایق کلّهم کذلک إلّا أنّ اللّه عزّ و جلّ فتح أبصارکم و أعمى أبصارهم.

(و شفاء مرض أجسادکم) هذا وارد مورد الغالب، لأنّ عمده سبب المرض هوالشبع و البطنه و أهل التقوى لکونه متّصفا بقلّه الأکل و قناعته بالحلال حسبما عرفت فی الخطبه المأه و الثانیه و التّسعین و شرحها یسلم جسده غالبا من الأمراض و الأسقام.

و یرشد إلى ذلک ما رواه المحدّث الجزائرى فی زهر الرّبیع أنّ حکیما نصرانیا دخل على الصادق علیه السّلام فقال: أ فى کتاب ربّکم أم فى سنّه نبیّکم شی‏ء من الطب فقال: أما فی کتاب ربّنا فقوله تعالى کُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا و أما فی سنّه نبیّنا: الاسراف فی الاکل رأس کلّ داء و الحمیّه منه أصل کلّ دواء.

و فیه أیضا عنه علیه السّلام أنه لو سئل أهل القبور عن السبب و العلّه فی موتهم لقال اکثرهم: التخمه.

و فیه أیضا قال: و روى أنّ المؤمن یاکل فی معاء واحد و الکافر یا کل فی سبعه أمعاء.

و قد تقدّم فی شرح الفصل الثانی من الخطبه المأه و التاسعه و الخمسین فصل واف فی فواید الجوع و آفات الشّبع فلیراجع ثمه.

(و صلاح فساد صدورکم) لأنّ فساد الصدور و هو کونها ساقطه عن الاعتبار خالیه عن المنفعه إنّما ینشأ من طریان ما یفسدها من الغلّ و الحقد و الحسد و نحوها من الوساوس النّفسانیه علیها، و بالتقوى یرتفع هذه کلّها و یحصل صلاحها، و به یظهر أیضا معنى قوله: (و طهور دنس أنفسکم) لأنّ هذه الطوارى أیضا أوساخ موجبه لتدنّس النّفوس بها، و التقوى مطهره لذلک الدّنس و الوسخ.

(و جلاء غشاء أبصارکم) یعنى أنّ التّقوى تجلو و تکشف غطاء أبصار البصایر و تستعدّ بذلک لادراک المعقولات، کما أنّ الباصره إذا ارتفع حجابها و انجلى غشاوتها تصلح لادراک المبصرات.

(و أمن فزع جاشکم) إذ بها تحصل قوّه القلب فی الدّنیا، و هى أمان من أفزاع یوم القیامه و أخاویفها کما قال تعالى فی سوره الأعراف فَمَنِ اتَّقى‏ وَ أَصْلَحَ‏فَلا خَوْفٌ عَلَیْهِمْ وَ لا هُمْ یَحْزَنُونَ و فی سوره النّمل مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَهِ فَلَهُ خَیْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ یَوْمَئِذٍ آمِنُونَ و فی سوره الأنبیاء لا یَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَکْبَرُ وَ تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِکَهُ هذا یَوْمُکُمُ الَّذِی کُنْتُمْ تُوعَدُونَ (و ضیاء سواد ظلمتکم) الظاهر أنّ المراد بالظلمه هو ظلمه القلوب الحاصله لها من اکتساب الاثام و انهماک الشهوات، فانّ المعاصى توجب ظلمه القلب و اسوداد الوجه، و بالتّقوى و الطاعه یحصل له نور و ضیاء و استعداد لقبول الافاضات الالهیّه، هذا.

و لا یخفى ما فی هذه الفقره و ما تقدّمت علیها من الفقرات السّبع من حسن المطابقه و لطفها.

و لمّا أوصى بالتّقوى و رغّب فیها بالتنبیه على ما یترتّب علیها من الثمرات العظیمه أکّد ذلک بالأمر بملازمه الطاعه المحصّله لها و بالغ فی المواظبه علیها فقال: (فاجعلوا طاعه اللّه شعارا دون دثارکم) أى بمنزله الشّعار الملاصق للبدن لا الدّثار الذى فوق الشعار، و هو إشاره إلى المواظبه علیها باطنا لا ظاهرا فقط، و أکّد استبطانها بقوله: (و دخیلا دون شعارکم) أى داخلا فی باطنکم تحت الشعار، و بقوله (و لطیفا بین أضلاعکم) و هو غایه المبالغه فی ادخالها فی الباطن، و آکد دلاله علیه من سابقیه و الغرض منه جعلها مکنونا فی الخلد متمکّنا فی القلوب.

و قوله: (و أمیرا فوق امورکم) أى یکون ورودکم و صدورکم فی امورکم الدنیویّه بأمره و نهیه کسایر الامراء بالنّسبه إلى الرّعیّه.

(و منهلا لحین ورودکم) أى مشربا تشربون من صفوها و عذبها حین الورود یوم القیامه کما قال عزّ من قائل إِنَّ الْأَبْرارَ یَشْرَبُونَ مِنْ کَأْسٍ کانَ مِزاجُها کافُوراً. عَیْناً یَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ یُفَجِّرُونَها تَفْجِیراً.

(و شفیعا لدرک طلبتکم) أى واسطه و وسیله لادراک مطالبکم الدّنیویّه و الاخرویهإذ بالتّقوى و الطاعه یحصل الاستعداد لدرکها کما قال تعالى فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِکُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَیْ عَدْلٍ مِنْکُمْ وَ أَقِیمُوا الشَّهادَهَ لِلَّهِ ذلِکُمْ یُوعَظُ بِهِ مَنْ کانَ یُؤْمِنُ بِاللَّهِ فقد دلّ قوله: یجعل له مخرجا، على أنّها حصن حصین و حرز حریز بها یحصل النّجاه من الشدائد و الوقایه من المکاره، و قوله: و یرزقه من حیث لا یحتسب على أنّها کنز کاف بها یدرک المطالب و یفاز بالمارب، و قوله: و من یتوکل على اللّه فهو حسبه، على أنّه تعالى کاف لمن توکّل علیه و اکتفاه، قادر على إنجاح ما یبتغیه و یتمنّاه (و جنّه لیوم فزعکم) أى وقایه یوم القیامه من النّار و غضب الجبّار کما قال تعالى ثُمَّ نُنَجِّی الَّذِینَ اتَّقَوْا.

و مصابیح لبطون قبورکم) فانّ القبر بیت الظّلمه، و العمل الصّالح یضی‏ء قبر صاحبه کما یضی‏ء المصباح الظلمه على ما جاء فی الخبر.

(و سکنا لطول وحشتکم) أی فی القبور فانّها بیت الغربه و الوحده و الوحشه و الأعمال الصّالحه کما ورد فی أخبار کثیره تتصوّر فی صور حسنه یستأنس بها صاحبها و یسکن إلیها و یطیب بها نفسه و یرفع عنه وحشه القبر.

روى فی الکافی بسنده عن سالم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: ما من موضع قبر إلّا و هو ینطق کلّ یوم ثلاث مرّات: أنا بیت التراب أنا بیت البلا أنا بیت الدّود.

قال علیه السّلام: فاذا دخله عبد مؤمن قال مرحبا و أهلا أما و اللّه لقد کنت احبّک و أنت تمشی على ظهری فکیف إذا دخلت بطنى فسترى ذلک.

قال: فیفسح له مدّ البصر و یفتح له باب یرى مقعده من الجنّه.

قال: و یخرج من ذلک رجل لم تر عیناه شیئا قطّ أحسن منه فیقول: یا عبد اللّه ما رأیت شیئا قط أحسن منک فیقول: أنا رأیک الحسن الّذى کنت علیه و عملک الصّالح الّذى کنت تعمله قال: ثمّ یؤخذ روحه فتوضع فی الجنّه حیث رأى منزله ثمّ یقال له: نم قریر العین فلا تزال نفحه من الجنّه یصیب جسده و یجد لذّتها و طیبها حتّى یبعث.

و فى البحار من المحاسن باسناده عن أبی بصیر عن أحدهما علیها السّلام قال: إذا مات العبد المؤمن دخل معه فی قبره ستّه صور فیهنّ صوره أحسنهنّ وجها و أبهاهنّ هیئه و أطیبهنّ ریحا و أنظفهنّ صوره.

قال: فیقف صوره عن یمینه و اخرى عن یساره و اخرى بین یدیه و اخرى خلفه و اخرى عند رجله، و تقف الّتى هی أحسنهنّ فوق «رأسه ظ»، فان اتى عن یمینه منعته الّتى عن یمینه، ثم کذلک إلى أن یؤتى من الجهات السّتّ قال: فتقول أحسنهنّ صوره: و من أنتم جزاکم اللّه خیرا فتقول الّتى عن یساره: أنا الزکاه، و تقول الّتی بین یدیه: أنا الصّیام، و تقول الّتی خلفه: أنا الحجّ و العمره، و تقول الّتی عند رجلیه: أنا برّ من وصلت من إخوانک، ثمّ یقلن: من أنت فأنت أحسننا وجها و أطیبنا ریحا و أبهانا هیئه فتقول: أنا الولایه لال محمّد صلوات اللّه علیهم أجمعین.

(و نفسا لکرب مواطنکم) أى سعه و روحا لکرب منازل الاخره و مواقف القیامه (فانّ طاعه اللّه حرز من متالف مکتنفه) أى عوذه من المهالک المحیطه (و مخاوف متوقّعه) أى مخاوف الاخره المنتظره الوقوع (و آوار نیران موقده) أراد به حرّ نار الجحیم.

(فمن أخذ بالتّقوى) و عمل صالحا (غربت) أى بعدت و غابت (عنه الشّدائد بعد دنوّها) أى شداید الاخره و أهاویلها، و یجوز أن یراد بها الأعمّ لأنّ المتّقى بقناعته و خفّه مؤنته و اعتزاله من مخالطه أبناء الدّنیا و مجالستهم سالم غالبا من المحن و الشّداید و ایذاء أبناء النّوع.

(و احلولت له الامور بعد مرارتها) أى صارت الأمرار الدّنیویه و الاخرویه حلوا له، أمّا الدّنیویه کضیق العیش و الجوع و الفقر و العرى و ما ضاهاها فلما له من الرّضا بالقضاء، و أما الاخرویه کمشاقّ الطاعات و العبادات فلکونها أحلى و ألذّ عنده من کلّ شی‏ء و إن کان مرّا فی ذوقه فی مبدء السلوک، و ذلک لما له من علم الیقین بأنّ هذه المشقّه القلیله توجب راحه طویله، و تلک المراره الیسیره تجلب لذّه دائمه.

(و انفرجت عنه الأمواج بعد تراکمها) أى انکشفت عنه أمواج الفتن الدّنیویه بعد تراکمها و کثرتها، و ذلک لأنّ الاخذ بالتقوى لکونه بمعزل من الدّنیا و أهلها سالم من الفتن و المحن التی ابتلی بها أهلها.

(و أسهلت له الصّعاب بعد انصبابها) أى صارت الامور الصعبه و المشاق النفسانیه سهله له بعد ایقاعها ایاه فی النصب و التعب، و ذلک لما عرفت آنفا من أنّ المتّقى لمعرفته بعظم ما یترتّب على طاعته و تقواه من الثمرات الاخرویه یسهل علیه کلّ خطب و یهون له الشدائد (و هطلت علیه الکرامه بعد قحوطها) شبه کرامه اللّه سبحانه الشامله للمتقى بالمطر العظیم القطر المتتابع على سبیل الاستعاره المکنیه، و إثبات الهطل تخییل و القحوط ترشیح. و نظیرها الفقرتان المتقدّمتان فانهما أیضا من قبیل الاستعاره المکنیه التخییلیه الترشیحیه.

و المراد أنّ أهل التقوى انصبت علیه و تتابعت فی حقه کرامه اللّه العزیز عزّ و جلّ بسبب اتصافه بالتقوى بعد احتباسها و منعها عنه، و ذلک قبل أن یستعدّ بالتقوى لها و یشهد بذلک أی بافاضه کرامته على المتقی صریحا نصّ قوله سبحانه یا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناکُمْ.

(و تحدبت علیه الرحمه بعد نفورها) أى تعطفت علیه الرحمه الالهیه بعد ما کانت نافره عنه حین ما لم یکن متصفا بالتقوى و مستعدا لها، و هذه الفقره أیضا مثل سوابقها حیث شبه الرحمه بالناقه العاطفه على ولدها على سبیل الاستعاره بالکنایه و أثبت التحدّب تخییلا و النفور ترشیحا.

(و تفجّرت علیه النّعم بعد نضوبها) إمّا استعاره مکنیه مثل ما مرّت تشبیها للنعم بالینابیع الجاریه المنفجره، فیکون ذکر التفجّر و النضوب تخییلا و ترشیحا، أى انفجرت علیه ینابیع النعم بعد اغورارها.

و یجوز أن یراد بالتفجر التتابع بعلاقه الملازمه فیکون مجازا مرسلا، و النعم قرینه التجوز أو ارید بالتفجر الافاضه و الجامع التتابع و الدوام فیکون استعاره تبعیه و على هذین الاحتمالین فیراد بالنضوب الفقدان مجازا و لا یخفى على المتدبّر أنّ هذین الاحتمالین یأتیان أیضا فی بعض القراین المتقدّمه کالقرینه المتأخّره أعنى قوله:

(و وبلت علیه البرکه بعد ارذاذها) فیجوز أن تکون الاستعاره بالکنایه بأن یشبه البرکه بالمطر الشدید العظیم القطر و الوبل و الارذاذ تخییل و ترشیح، و أن تکون استعاره تبعیه بأن یستعار الوبل للفیض الکثیر و الجامع الکثره، و أن یکون مجازا مرسلا و یراد بالوبل النزول، و على التقدیرین فیراد بالارذاذ القلّه و الضعف مجازا.

ثمّ بعد التنبیه على جمله من ثمرات التقوى و المنافع العظیمه المترتّبه علیها عاد إلى الأمر بها تأکیدا و تقویه لما قدّم فقال: (فاتّقوا اللّه الذی نفعکم بموعظته) و هى ما وعظکم بها فی کتابه المبین و لسان نبیّه الأمین و هداکم بها إلى الجنّه و أنقذکم بها من النار و أىّ منفعه أعظم من هذه و أنفع.

(و وعظکم برسالته) التی بعث بها رسله و لم یبق عذر لعاذر بعد مواعظهم البلیغه فی ترک التقوى و الطاعه.

(و امتنّ علیکم بنعمته) الغیر المحصاه التی لا یجوز للعاقل أن یقابلها بالکفران و یکافئها بترک التقوى و الطاعه و العصیان.

(فعبّدوا أنفسکم لعبادته) أى ذللوها لحمل أثقال العباده.

(و اخرجوا إلیه من حقّ طاعته) أى من طاعته التی هو حق علیکم و ثابت فی ذمتکم، أو من طاعته التی حقیق به عزّ و جلّ أى اخرجوا إلیه من کمال طاعته التی یلیق بحضرته.

الترجمه

می داند خداوند تبارک و تعالى صداى وحشیان را در بیابانها، و معصیتهاى بندگان را در مکان خلوت، و تردّد ماهیان را در دریاهاى گود، و تلاطم آب دریاها را با بادهاى تند و زنده، و شهادت مى ‏دهم باین که محمّد مصطفى صلوات اللّه و سلامه علیه و آله بنده نجیب خداست و ایلچى وحى او و پیغمبر رحمت اوست.

اما پس از ثناى خدا پس بدرستى که من وصیّت می کنم شما را بتقوى و پرهیزکارى خداوندى که ایجاد فرموده خلقت شما را و بسوى اوست بازگشت شماو با عنایت اوست رسیدن مطالب شما و بطرف اوست قصد راه شما و بسوى اوست نشانگاه فزع و خوف شما پس بدرستى که تقوى دواى درد قلبهاى شماست، و چشم کورى دلهاى شما، و شفاى ناخوشى بدنهاى شما، و صلاح فساد سینهاى شما، و پاکیزگى کثافت نفسهاى شماست، و جلاى پردهاى بصرهاى شما، و خاطر جمعى خوف قلبهاى شما، و روشنى سیاهى تاریکى قلب شما است.

پس بگردانید طاعت و عبادت پروردگار را لباس باطنى خودتان نه لباس ظاهرى و داخل در باطن خود نه شعار ظاهرى، و چیزى لطیف در میان دندهاى خودتان، و أمیر حکمران بالاى جمیع کارهاى خودتان و محل آب خور از براى زمان ورود آن، و واسطه از براى درک مطالب خودتان، و سپر از براى روز فزع خود و چراغها از براى بطون قبرهاى خود، و مایه انس از براى طول وحشت خود، و فرج و راحت از براى اندوه و محنت مواطن خودتان.

پس بدرستى که طاعت خدا حرز است، از مهلکه ‏هاى محیطه و از محلّهاى خوفى که متوقعست و از حرارت آتشهاى روشن شده، پس کسى که اخذ نمود تقوى را غایب شد از آن شدتها بعد از نزدیکى آنها باو، و شیرین شد از براى او کارها بعد از تلخى آنها، و منکشف شد از او موجها بعد از تراکم و تلاطم آنها، و آسان شد از براى او کارهاى صعب بعد از مشقت انداختن آنها، و بارید باو باران‏هاى کرامت بعد از قحطى آن، و برگشت با مهربانى بر او رحمت خدا بعد از رمیدن آن، و منفجر شد بر او چشمهاى نعمتها بعد از نایابى آنها، و بارید بأو باران برکت با شدّت بعد از ضعف و قلّت آن.

پس پرهیز نمائید از خدا چنان خداوندى که نفع بخشید بشما با موعظه بالغه خود، و موعظه فرمود بشما با رسالت رسولان خود، و منت گذاشت بر شما با نعمت فراوان خود، پس ذلیل نمائید نفسهاى خودتان را با بار عبادت او، و خارج شوید بسوى او از حق اطاعت او که لایق حضرت او است

الفصل الثانی

ثمّ إنّ هذا الإسلام دین اللّه الّذی اصطفاه لنفسه، و اصطنعه على عینه، و أصفاه خیره خلقه، و أقام دعائمه على محبّته، أذلّ الادیان بعزّته، و وضع الملل برفعه، و أهان أعدائه بکرامته، و خذل محادّیه بنصره، و هدم أرکان الضّلاله برکنه، و سقى من عطش من حیاضه، و أتاق الحیاض بمواتحه. ثمّ جعله لا انفصام لعروته، و لا فکّ لحلقته، و لا انهدام لاساسه و لا زوال لدعائمه، و لا انقلاع لشجرته، و لا انقطاع لمدّته، و لا عفاء لشرایعه، و لا جذّ لفروعه، و لا ضنک لطرقه، و لا وعوثه لسهولته و لا سواد لوضحه، و لا عوج لانتصابه، و لا عصل فى عوده، و لا وعث لفجّه، و لا انطفاء لمصابیحه، و لا مراره لحلاوته. فهو دعائم أساخ فی الحقّ أسناخها، و ثبّت لها أساسها، و ینابیع غزرت عیونها، و مصابیح شبّت نیرانها، و منار اقتدى بها سفّارها، و أعلام قصد بها فجاجها، و مناهل روى بها ورّادها، جعل اللّه فیه منتهى رضوانه، و ذروه دعائمه، و سنام طاعته.

فهو عند اللّه وثیق الارکان، رفیع البنیان، منیر البرهان، مضی‏ء النّیران، عزیز السّلطان، مشرف المنار، معوز المثار، فشرّفوه، و أدّوا إلیه حقّه، وضعوه مواضعه.

اللغه

(اصطنعه على عینه) افتعال من الصنع و الصنع اتّخاذ الخیر لصاحبه کذا فی مجمع البیان، و قیل: من الصنیعه و هى العطیه و الاحسان و الکرامه یقال اصطنعتک لنفسى اخترتک لأمر أستکفیکه و اصطنع خاتما أمر أن یصنع له قال تعالى فی سوره طه مخاطبا لموسى علیه السّلام وَ اصْطَنَعْتُکَ لِنَفْسِی. اذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوکَ بِآیاتِی. وَ لا تَنِیا فِی ذِکْرِی.

و قال الشارح المعتزلی: اصطنعه على عینه کلمه یقال لما یشتدّ الاهتمام به، تقول للصانع: اصنع لى خاتما على عینى، أى اصنعه صنعه کالصّنعه التی تصنعها و أنا حاضر اشاهدها.

و قال الزّمخشرى فی الکشاف فی تفسیر قوله تعالى أَنِ اقْذِفِیهِ فِی التَّابُوتِ لتربى و یحسن إلیک و أنا مراعیک و راقبک کما یرعى الرّجل الشی‏ء بعینه إذا اعتنى به، و تقول للصانع اصنع هذا على عینى أنظر إلیک لئلّا تخالف به عن مرادى و (الخیره) بفتح الیاء وزان عنبه کالخیره بسکونها اسم من اخترت الرّجل أى فضلته على غیره و (الدّعائم) جمع الدّعامه بالکسر عماد البیت و الخشب المنصوب للتعریش و (حادّه) محادّه عادّه و غاضبه و خالفه مأخوذ من الحدد و هو الغضب قال تعالى یُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ.

و (تئق) الحوض من باب فرح امتلأ ماء و أتاق الحیاض ملأها و (المواتح) جمع الماتح و هو الذى یستقى بالدّلو من المتح و هو الاستقاء یقال متحت الدّلوأى استخرجتها و (عروه) الکوز مقبضه و (الجذ) بالذّال المعجمه القطع أو القطع المستأصل، و فی بعض النسخ بالحاء المهمله و هو القطع و فی بعضها بالجیم و الدّال المهمله و هو القطع أیضا و الفعل فی الجمیع کمدّ.

و (وعث) الطریق و عوثه من باب قرب و تعب إذا شقّ على السالک فهو وعث و قیل: الوعث رمل دقیق تغیب فیه الأقدام فهو شاق، ثمّ استعیر لکلّ أمر شاقّ من تعب و أثم و غیر ذلک، و منه و عثاء السفر أى شدّه النصب و التعب.

و (الوضح) محرّکه بیاض الصبح و القمر و محجّه الطریق و (العصل) محرّکه الاعوجاج فی صلابه و منه العصال بالکسر و هو السهم المعوّج و (الفج) الطریق الواسع بین الجبلین و (ساخت) قوائمه فی الأرض أى غابت و ساخت بهم الأرض أى خسفت و یعدى بالهمزه فیقال: أساخه اللّه و (الینبوع) العین ینبع منه الماء أى یخرج و قیل: الجدول الکثیر الماء و هو أنسب و (غزر) الماء بضمّ الزّاء المعجمه غزاره کثر فهو غزیر و (شبت نیرانها) بضمّ الشین بالبناء على المفعول أى اوقدت و (ورّادها) جمع وارد قال الشارح المعتزلی: و روى روّادها جمع رائد و هو الذى یسبق القوم فیرتاد لهم الماء و الکلاء و (ذروه) الشی‏ء بالکسر و الضمّ أعلاه و (سنام) بالفتح وزان سحاب أیضا أعلاه و (عوز) الشی‏ء عوزا من باب تعب عزّ فلم یوجد، و عزت الشی‏ء أعوزه من باب قال احتجت إلیه فلم أجده، و أعوزنى مثل أعجزنى وزنا و معنى، و أعوز الرّجل إعوازا افتقر، و أعوزه الدّهر أفقره و (ثار) الغبار یثور ثورا و ثورانا هاج، و ثار به الناس أى وثبوا علیه، و فلان أثار الفتنه أى هیّجها، و المثار مصدر أو اسم للمکان.

الاعراب

قوله: على عینه ظرف مستقرّ حال من فاعل اصطنع، و قوله: على محبّه یحتمل أن یکون ظرف لغو متعلّق بقوله أقام فالضمیر راجع إلى اللّه، و أن یکون ظرفا مستقرّا حالا من فاعل أقام أو من الضمیر فی دعائمه، فالضمیر فیه على الأوّل‏أیضا راجع إلى اللّه، و على الثانی فیعود إلى الاسلام، و یجوز جعل على بمعنى اللّام للتعلیل کما فى قوله تعالى وَ لِتُکَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداکُمْ و على هذا فایضا ظرف لغو و الضّمیر یصحّ عوده إلى اللّه و إلى الاسلام فتدبّر، و الباء فی قوله: بعزّته للسّببیّه، و قوله: ثمّ جعله لا انفصام لعروته المفعول الثّانی لجعل محذوف و جمله لا انفصام لعروته صفه له.

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام لمّا أوصى فی الفصل السّابق بالتّقوى و الطّاعه أردفه بهذا الفصل المتضمّن لشرف الاسلام و فضایله لکونهما من شئونه فقال: (ثمّ إنّ هذا الاسلام دین اللّه) أى لا دین مرضىّ عند اللّه سوى الاسلام و هو التّوحید و التّدرّع بالشّرع الّذی جاء به محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کما قال تعالى إِنَّ الدِّینَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ و قال وَ مَنْ یَبْتَغِ غَیْرَ الْإِسْلامِ دِیناً فَلَنْ یُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِی الْآخِرَهِ مِنَ الْخاسِرِینَ أى من یطلب غیره دینا یدین به لن یقبل منه بل یعاقب علیه و هو من الهالکین فی الاخره، و فیه دلاله على أنّ الدّین و الاسلام واحد و هما عبارتان عن معبر واحد، و هو التّسلیم و الانقیاد بما جاء به النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

و هو (الّذی اصطفاه) اللّه و اختاره من بین سایر الأدیان (لنفسه) أى لأن یکون طریقا إلى معرفته و طاعته مؤدّیا إلى جنّته.

(و اصطنعه على عینه) أى اتّخذه صنعه و اختاره حالکونه مراعیا حافظا له مراقبا علیه مشاهدا ایّاه، و یجوز جعل العین مجازا فی العلم فیکون المعنى أنّه اصطنعه و أسّس قواعده على ما ینبغی و على علم منه به أى حالکونه عالما بدقایقه و نکاته أو بشرفه و فضله.

و یحتمل أن یکون معنى اصطنعه أنّه طلب صنعته أى انّه أمر بصنعته و القیام به حالکونه بمرئى منه أى کالمصنوع المشاهد له، و ذلک أنّ من صنع لغیره شیئا و هو ینظر إلیه صنعه کما یحبّ و لا یتهیّأ له خلافه أو أنّه أمر بأن یصنع أی بصنعه‏و صنیعته أى بکرامته و الاتیان به على وجه الکمال.

و على هذا الاحتمال فالصّانع له أى المأمور بالصّنعه و الصنع و الصنیعه المکلّفون المطلوب منهم الاسلام.

و هذا نظیر ما قاله المفسّرون فی قوله تعالى وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَیْنِی على قراءه لتصنع بلفظ الأمر مبنیّا للمفعول. إنّ المعنى لیصنعک غیرک أى لتربّى و تغذّى و یحسن إلیک بمرئى منّی أى یجرى امرک على ما ارید من الرّفاهه.

(و أصفاه خیره خلقه) أى آثر و اختار للبعثه به خیره خلقه محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، أو جعل خیره خلقه خالصا لتبلیغه دون غیره.

(و أقام دعائمه على محبّته) أى أثبت أرکان الاسلام فوق محبّته تعالى، فانّ من أحبّه سبحانه أسلم له، أو أنّه قام دعائم حالکونه تعالى محبّا له أو حال کون الاسلام محبوبا له تعالى، أو لأجل حبّه إیاه، أو لأجل محبوبیّته عنده على الاحتمالات المتقدّمه فی الاعراب.

ثمّ المراد بدعائمه إما مطلق أرکانه التی یأتی تفصیلها منه علیه السّلام فی أوائل باب المختار من حکمه و هو الأنسب.

أو خصوص ما اشیر إلیه فی الحدیث المرویّ فی البحار من أمالى الصدوق بسنده عن المفضل عن الصادق علیه السّلام قال: بنی الاسلام على خمس دعائم: على الصّلاه، و الزّکاه، و الصوم، و الحجّ، و ولایه أمیر المؤمنین و الأئمّه من ولده صلوات اللّه علیهم (أذلّ الأدیان بعزّته) أراد بذلّتها نسخها أو المراد ذلّه أهلها على حذف المضاف و یحتملهما قوله (و وضع الملل برفعه) و یصدّق هاتین القرینتین صریحا قوله تعالى هُوَ الَّذِی أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِینِ الْحَقِّ لِیُظْهِرَهُ عَلَى.

(و أهان أعداءه بکرامته) أى أهان أعداء الاسلام و هم الیهود و النصارى و المشرکون و کلّ من عانده و لم یتدیّن به من أهل الملل المتقدّمه، و إهانتهم بالقتل و الاستیصال و أخذ الجزیه و الذلّ و الصّغار.

(و خذل محادّیه بنصره) أى ترک نصره المخالفین للاسلام المحادّین له و أخزاهم‏بنصرته للاسلام و أهله.

(و هدم أرکان الضّلاله برکنه) رکن الشی‏ء جانبه الّذى یستند إلیه و یقوم به، فاستعار أرکان الضلاله للعقاید المضلّه أو رؤساء أهل الضّلاله أو الأصنام، و أراد برکنه أصوله و قواعده أو النّبی أو کلمه التوحید.

(و سقى من عطش من حیاضه) المراد بمن عطش الجاهل بقواعد الاسلام المبتغی له، و بالحیاض النّبی و الأئمّه سلام اللّه علیهم المملوون بمیاه العلوم الحقّه، أو الأعمّ الشامل للعلماء الرّاشدین أیضا و یسقیه هدایته له إلى الاستفاده و أخذ علوم الدّین عنهم علیهم السّلام.

(و أتاق الحیاض بمواتحه) أى ملأ صدور اولى العلم علیهم السّلام من زلال المعارف الحقّه و العلوم الدّینیه بوساطه المبلّغین من اللّه تعالى من الملائکه و روح القدس و الالهامات الالهیّه. و إن ارید بالحیاض الأعمّ الشامل للعلماء فیعمّم المواتح للأئمه لأنهم یستفیدون من علومهم علیهم السّلام و یستضیئون بأنوارهم علیهم السّلام و قیل هنا: معان اخر، و الأظهر ما قلناه.

(ثمّ جعله) وثیقا (لا انفصام لعروته) کما قال تعالى قَدْ تَبَیَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَیِّ فَمَنْ یَکْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ یُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَکَ بِالْعُرْوَهِ الْوُثْقى‏ لَا انْفِصامَ لَها.

قال أمین الاسلام الطبرسی «قد» قد ظهر الایمان من الکفر و الحقّ من الباطل، فمن یکفر بما خالف أمر اللّه و یصدق باللّه و بما جاءت به رسله فقد تمسّک و اعتصم بالعصمه الوثیقه و عقد لنفسه من الدّین عقدا وثیقا لا یحلّه شبهه، لا انفصام لها أى لا انقطاع لها کما لا ینقطع من تمسک بالعروه کذلک لا ینقطع أمر من تمسّک بالایمان، و محصّله أنّ من اعتصم بعروه الاسلام فهی تؤدّیه إلى غایه مقصده من رضاء الحقّ و رضوانه و نزول غرفات جنانه لأنّها وثیقه لا ینقطع و لا تنفصم.

(و) جعله محکما (لا فکّ لحلقته) قال الشّارح البحرانی: کنایه عن عدم انقهار أهله و جماعته.

(و) مشیّدا (لا انهدام لأساسه) قال البحرانی: استعار لفظ الأساس للکتاب و السّنه الّذین هما أساس الاسلام، و لفظ الانهدام لاضمحلالهما انتهى، و لا بأس به، و قد یفسّر فی بعض الرّوایات بالولایه.

و هو ما رواه فی البحار من أمالی الشیخ باسناده عن جابر بن یزید عن أبی جعفر محمّد بن علیّ بن الحسین عن أبیه عن جدّه علیهم السّلام قال: لمّا قضى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مناسکه من حجّه الوداع رکب راحلته و أنشأ یقول: لا یدخل الجنّه إلّا من کان مسلما، فقام الیه أبو ذر الغفارى فقال: یا رسول اللّه و ما الاسلام فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: الاسلام عریان و لباسه التقوى، و زینته الحیاء، و ملاکه«» الورع و کماله الدّین، و ثمرته العمل، و لکلّ شی‏ء أساس و أساس الاسلام حبّنا أهل البیت.

(و) ثابتا (لا زوال لدعائمه) قال البحرانی: استعار لفظ الدّعائم لعلمائه أو للکتاب و السنه و قوانینهما، و أراد بعدم زوالها عدم انقراض العلماء أو عدم القوانین الشرعیّه، انتهى.

و الأولى أن یراد بالدّعائم ما یأتی تفصیلها منه علیه السّلام فی أوائل باب المختار من حکمه علیه السّلام و هو ثالث أبواب النّهج.

(و) راسخا (لا انقلاع لشجرته) الظاهر أنّه من قبیل اضافه المشبّه به على المشبّه کما فی لجین الماء، و المراد أنّ الاسلام کشجره ثابته أصلها ثابت و فرعها فى السماء کما اشیر الیه فی قوله مثل کلمه طیّبه کَشَجَرَهٍ طَیِّبَهٍ الایه.

قال الطبرسی: قال ابن عبّاس: هی کلمه التوحید شهاده أن لا إله إلّا اللّه کشجره زاکیه نامیه راسخه اصولها فى الأرض عالیه أغصانها، و ثمارها فی السماء، و أراد به المبالغه فی الرّفعه و الأصل سافل و الفرع عال إلّا أنه یتوصّل من الأصل إلى الفرع.

قال: و قیل: انّه سبحانه شبّه الایمان بالنّخله لثبات الایمان فی قلب المؤمن کثبات النخله فی منبتها، و شبّه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخله،و شبّه ما یکسبه المؤمنون من برکه الایمان و ثوابه فی کلّ وقت و حین بما ینال من ثمره النخله فی أوقات السّنه کلّها من الرّطب و التّمر.

و فى البحار من علل الشرائع باسناده عن معمّر بن قتاده عن أنس بن مالک فی حدیث قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال حبیبی جبرئیل علیه السّلام: إنّ مثل هذا الدّین کمثل شجره ثابته الایمان أصلها، و الصّلاه، عروقها، و الزّکاه ماؤها، و الصّوم سعفها، و حسن الخلق ورقها، و الکفّ عن المحارم ثمرها، فلا تکمل شجره إلّا بالثمر کذلک الایمان لا یکمل إلّا بالکفّ عن المحارم.

(و) متمادیا (لا انقطاع لمدّته) لاستمراره و بقائه إلى یوم القیامه.

(و) جدیدا (لا عفاء لشرایعه) أى لا اندراس لما شرع اللّه منه لعباده و لا انمحاء لطرقه و شعبه الّتی یذهب بسالکها إلى حظایر القدس و محافل الانس (و) زاکیا (لا جذّ لفروعه) أى لا ینقطع ما یتفرّع علیه من الأحکام الّتی یستنبطها المجتهدون بأفکارهم السلیمه من الکتاب و السّنه، و یحتمل أن یراد بها ما یتفرّع علیه من الثّمرات و المنافع الدنیویّه و الاخرویه.

(و) وسیعا (لا ضنک لطرقه) أى لا ضیق لمسالکه بحیث یشقّ على السّالکین سلوکه، و المراد أنها ملّه سمحه سهله لیس فیها ثقل على المکلّفین کما کان فی الملل السّابقه.

قال تعالى الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِیَّ الْأُمِّیَّ الَّذِی یَجِدُونَهُ مَکْتُوباً عِنْدَهُمْ فِی التَّوْراهِ وَ الْإِنْجِیلِ یَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ یَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْکَرِ وَ یُحِلُّ لَهُمُ الطَّیِّباتِ وَ یُحَرِّمُ عَلَیْهِمُ الْخَبائِثَ وَ یَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِی کانَتْ عَلَیْهِمْ.

قال أمین الاسلام الطبرسی: معناه یبیح لهم المستلذّات الحسنه و یحرّم علیهم القبایح و ما تعافه الأنفس، و قیل: یحلّ لهم ما اکتسبوه من وجه طیّب و یحرّم علیهم ما اکتسبوه من وجه خبیث، و قیل: یحلّ لهم ما حرّمه علیهم رهبانیّهم و أحبارهم و ما کان یحرّمه أهل الجاهلیه من البحائر و السوائب و غیرها، و یحرّم علیهم المیته و الدّم و لحم الخنزیر و ما ذکر معها.

و یضع عنهم إصرهم أى ثقلهم شبّه ما کان على بنی إسرائیل من التکلیف الشدیدبالثقل، و ذلک إن اللّه سبحانه جعل توبتهم أن یقتل بعضهم و جعل توبه هذه الامّه الندم بالقلب حرمه للنّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

و الاغلال الّتی کانت علیهم قیل: یرید بالأغلال ما امتحنوا به من قتل نفوسهم فی التوبه و قرض ما یصیبه البول من أجسادهم و ما أشبه ذلک من تحریم السّبت و تحریم العروق و الشحوم و قطع الأعضاء الخاطئه و وجوب القصاص دون الدّیه انتهى.

و قیل: الاصر الثقل الّذى یأصر حامله أى یحبسه فى مکانه لفرط ثقله.

و قال الزّمخشرى: هو مثل لثقل تکلیفهم و صعوبته نحو اشتراط قتل الأنفس فى صحّه توبتهم، و کذلک الاغلال مثل لما کان فى شرایعهم من الأشیاء الشّاقه نحو بت القضاء بالقصاص عمدا کان أو خطاء من غیر شرع الدّیه، و قطع الأعضاء الخاطئه، و قرض موضع النّجاسه من الجلد و الثوب و إحراق الغنایم، و تحریم العروق فى اللّحم و تحریم السبت.

و عن عطا کانت بنو اسرائیل إذا قامت تصلّى لبسوا المسوح و غلّوا أیدیهم إلى الأعناق، و ربّما ثقب الرّجل ترقوته و جعل فیها طرف السّلسله و أوثقها إلى السّاریه یحبس نفسه على العباده.

(و) سهلا (لا وعوثه لسهولته) یعنی أنّه على حدّ الاعتدال من السهوله، و لیس سهلا مفرطا کالوعث من الطریق یتعسّر سلوکه و یشقّ المشى فیه لرسوب الأقدام.

(و) واضحا (لا سواد لوضحه) یعنى أنّ بیاضه لا یشوبه الظلام کما قال النّبى صلّى اللّه علیه و آله: بعثت الیکم بالحنیفیّه السمحقه السهله البیضاء، و بیاضه کنایه عن صفائه عن کدر الباطل.

(و) مستقیما (لا عوج لانتصابه) أى لا اعوجاج لقیامه کما قال تعالى قُلْ إِنَّنِی هَدانِی رَبِّی إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ. دِیناً قِیَماً مِلَّهَ إِبْراهِیمَ حَنِیفاً وَ ما کانَ مِنَ الْمُشْرِکِینَ و المراد أنّه صراط مستقیم مؤدّ لسالکه إلى الجنّه، و رضوان اللّه تعالى لیس فیه عوج و لا أمت.

(و) مستویا (لا عصل فى عوده) و هو أیضا کنایه عن استقامته و ادائه إلى الحقّ.

(و) یسیرا (لا وعث لفجّه) أراد بالفجّ مطلق الطریق مجازا من إطلاق المقیّدعلى المطلق و یمکن إراده المعنى الحقیقى و یکون النظر فى التشبیه إلى أنه الجادّه الوسطى بین طرفى الافراط و التفریط، کما أنّ الفجّ هو الطریق الواسع بین الجبلین.

(و) مضیئا (لا انطفاء لمصابیحه) الظاهر أنّ المراد بمصابیحه أئمه الدّین و أعلام الیقین الذینهم مصابیح الدّجى و منار الهدى، و أراد بعدم انطفائها عدم خلوّ الأرض منهم علیهم السّلام.

(و) حلوا (لا مراره لحلاوته) لأنه أحلى و ألذّ فى أذواق المتدیّنین من کلّ حلو، و لذیذ لا یشوبه مراره مشقّه التکلیف.

کما قال الصادق علیه السّلام فی قوله تعالى یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا کُتِبَ عَلَیْکُمُ الصِّیامُ: لذّه ما فى النداء أزال تعب العباده و العناء.

(فهو دعائم أساخ فى الحقّ أسناخها) یعنى أنّ الاسلام دعائم العبودیّه فلا ینافی حملها علیه هنا لما تقدّم سابقا من إضافتها إلیه فى قوله: أقام دعائمه على محبّته، و قوله: و لا زوال لدعائمه، نظرا إلى أنّ ظهور الاضافه فی التغایر.

وجه عدم المنافاه أنّ الغرض فیما سبق تشبیه الاسلام و الدّین بالبیت فأثبت له الدّعائم على سبیل الاستعاره المکنیّه التخییلیه، فهو لا ینافی کون الاسلام نفسه أیضا دعائم لکن للعبودیّه.

و یمکن دفع المنافاه بوجه آخر و هو أنّا قد بیّنا فیما سبق أنّ المراد بدعائم الاسلام إمّا الدعائم الّتی یأتی تفصیلها منه علیه السّلام فی باب المختار من حکمه أو خصوص العبادات الخمس أعنى الصلاه و الزّکاه و الصّوم و الحجّ و الولایه حسبما اشیر إلیه فی الحدیث الذى رویناه من البحار و فی أحادیث کثیره غیره ترکنا ذکرها، و على أىّ تقدیر فلمّا کان قوام الاسلام بتلک الدّعائم و ثباته علیها حتّى أنّه بدونها لا ینتفع بشی‏ء من أجزائه فجعله نفس تلک الدّعائم مبالغه من باب زید عدل.

و یوضح ذلک ما فی البحار من الکافی عن زراره عن أبی جعفر علیه السّلام فی حدیث قال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قال: الصّلاه عمود دینکم.

و فى الکافى أیضا باسناده عن عبید بن زراره عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال‏رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: مثل الصّلاه مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود نفعت الأطناب و الأوتاد و الغشاء، و إذا انکسر العمود لم ینفع طناب و لاوتد و لا غشاء.

و أما قوله: أساخ فی الحقّ أسناخها، فمعناه أنّه تعالى أثبت اصولها فی الحقّ یعنی أنّه بناء محکم بنی على الحقّ و ثبت قوائمه علیه دون الباطل کما قال تعالى فَأَقِمْ وَجْهَکَ لِلدِّینِ حَنِیفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِی فَطَرَ النَّاسَ عَلَیْها لا تَبْدِیلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِکَ الدِّینُ الْقَیِّمُ أى ذلک الدّین المستقیم الحقّ.

(و ثبّت لها أساسها) أى أحکم لهذه الدّعائم أبنیتها.

(و ینابیع غزرت عیونها) یعنی جداول و أنهار کثیره ماء عیونها الّتى تجریان منها، و الظاهر أنّه من التّشبیه البلیغ، و المراد أنّ الاسلام بما تضمّنه من الأحکام الکثیره الاسلامیّه بمنزله ینابیع وصفها ما ذکر، و وجه الشّبه أنّ الینابیع منبع مادّه حیاه الأبدان و الأحکام الاسلامیّه منشأ مادّه حیاه الأرواح، إذ بامتثالها یحصل القرب من اللّه المحصّل لحیاه الأبد.

و فی وصف المشبّه به بغزاره العیون إشاره إلى ملاحظه ذلک الوصف فی جانب المشبّه أیضا لأنّ الأحکام الاسلامیّه صادره عن صدر النّبوّه و صدور الأئمه الّتی هى معادن العلوم الالهیّه و عیونها، و کفى بها کثره و غزاره.

(و مصابیح شبّت نیرانها) و هو أیضا من التّشبیه البلیغ، یعنی أنّ الاسلام بما فیه من الطّاعات و العبادات الّتی من وظایفه مثل المصابیح الموقده النّیران المشتعله الّتی هی فی غایه الاضاءه، و وجه الشّبه أنّ المصابیح الّتی وصفها ذلک کما أنها ترفع الظلام المحسوسه، فکذلک الطاعات الموظفه فی دین الاسلام إذا اقیست علیها تنوّر القلوب و تجلو ظلمتها المعقوله.

(و منار اقتدى بها سفّارها) یعنی أنّه بما فیه من الأدلّه السّاطعه و البراهین القاطعه الّتی یستدلّ بها العلماء فی المقاصد، مثل منائر یهتدى بها المسافرون فی الفلوات، و إضافه سفار إلى ضمیر المنار من التّوسع.

و مثله قوله (و أعلام قصد بها فجاجها) أى مثل أعلام قصد بنصب تلک الأعلام‏إهداء المسافرین فی تلک الفجاج.

(و مناهل روى بها ورّادها) یعنی أنّه بما فیه من العلوم الاسلامیّه النقلیّه و العقلیّه بمنزله مشارب تروى بمائها العطاش الواردون إلیها.

(جعل اللّه فیه منتهى رضوانه) أى غایه رضاه لکونه أتمّ الوسایل و أکملها فی الایصال إلى قربه و زلفاه کما اشیر إلیه فی قوله حُرِّمَتْ عَلَیْکُمُ الْمَیْتَهُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِیرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَیْرِ و قوله إِنَّ الدِّینَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ.

(و ذروه دعائمه) الظاهر أنّ المراد بالدعائم العبادات التی بنیت علیها بیت العبودیّه، و لما کان دین الاسلام أشرف الأدیان و أفضلها تکون العبادات الموظفه فیه أفضل العبادات و أعلاها، و إضافه الدعائم إلى اللّه من باب التّشریف و التکریم باعتبار أنّها مجعولات له سبحانه أو من أجل کونها مطلوبه له تعالى.

و به یظهر أیضا معنى قوله (و سنام طاعته) و یستفاد من بعض الأخبار أنّ ذروه الاسلام و سنامه هو خصوص الجهاد.

و هو ما رواه فی البحار من الکافی باسناده عن سلیمان بن خالد عن أبی جعفر علیه السّلام قال: ألا اخبرک بأصل الاسلام و فرعه و ذروه سنامه قلت: بلى جعلت فداک، قال: أمّا أصله فالصّلاه، و فرعه الزّکاه، و ذروه سنامه الجهاد.

قال المحدّث العلامه المجلسی: الاضافه فی ذروه سنامه بیانیّه أو لامیّه إذ للسّنام الذى هو ذروه البعیر ذروه أیضا هو أرفع أجزائه، و إنما صارت الصلاه أصل الاسلام لأنه بدونها لا یثبت على ساق، و الزّکاه فرعه لأنه بدونها لا تتمّ، و الجهاد ذروه سنامه لأنه سبب لعلوّه و ارتفاعه، و قیل: لأنه فوق کل برّ کما ورد فی الخبر و کیف کان (فهو عند اللّه وثیق الأرکان) لابتنائه على أدلّه محکمه و اصول متقنه (رفیع البنیان) کنایه عن علوّ شأنه و رفعه قدره على سایر الأدیان.

(منیر البرهان) أى الدّلیل الدّال على حقیّته من الایات و المعجزات الباهره منیر واضح.

(مضی‏ء النیران) کنایه عن کون أنواره أى العلوم و الحکم الثاقبه التی فیه فی غایهالضیاء بحیث لا تخفى على الناظر المتدبّر.

(عزیز السلطان) یرید أنّ حجّته قویّه أو أنّ سلطنته غالبه على سایر الأدیان کما قال تعالى لِیُظْهِرَهُ عَلَى الدِّینِ کُلِّهِ.

(مشرف المنار) أى مرتفع المناره قال الشارح البحرانی: و کنى به عن علوّ قدر علمائه و أئمته و انتشار فضلهم و الهدایه بهم.

(معوز المثار) قیل: أى یعجز الناس ازعاجه و إثارته لقوّته و ثباته و متانته و قال البحرانی: أى یعجز الخلق إثاره دفائنه و استخراج ما فیه من کنوز الحکمه و لا یمکنهم استقصاؤها، و فی بعض النسخ معوز المثال أى یعجز الخلق عن الاتیان بمثله، و فی بعضها معوز المنال أى یعجزون عن النیل و الوصول إلى نکاته و دقائقه و أسراره.

(فشرّفوه) أى عظّموه و عدّوه شریفا و اعتقدوه کذلک (و اتّبعوه و أدّوا إلیه حقّه) أى ما یحقّه من الاتّباع الکامل (و ضعوه مواضعه) أراد به الکفّ عن تغییر أحکامه و العلم بمرتبته و مقداره الذى جعله اللّه له، أو العمل بجمیع ما تضمّنه من الأوامر و النواهی، و فّقنا اللّه لذلک بجاه محمّد و آله سلام اللّه علیه و علیهم.

الترجمه

فصل ثانى از این خطبه شریفه در وصف اسلام است و ذکر فضایل آن مى‏ فرماید: پس بدرستى این اسلام دین خداست که پسند فرموده آنرا از براى خودش و برگزیده آنرا در حالتى که عالمست بفضیلت آن، و خالص گردانیده بأو بهترین خلق خود را که پیغمبر آخر الزّمان صلّى اللّه علیه و آله باشد، و بر پا داشته ستونهاى آن را بر بالاى محبّت خود، ذلیل نموده دینها را بسبب عزیزى آن، و پست فرموده ملّتها را بجهت بلندى آن، و خوار نموده دشمنهاى خود را بجهت گرامى داشتن آن، و ذلیل کرده معاندین خود را با یارى کردن آن، و خراب کرده أرکان ضلالت و گمراهى را با رکن آن، و سیراب فرموده تشنگان را از حوضهاى آن، و پر کرده حوضها رابا آب کشندگان آن.

پس گردانیده آن را که گسیخته نمى‏ شود جاى دستگیر آن، و فک نمى ‏شود حلقه آن، و خرابى نیست اساس آن را و زوال نیست ستونهاى آن را، و بر کندگى نیست درخت آن را، و انقطاع نیست مدّت او را، و اندراس نیست شریعتهاى او را و بریدگى نیست شاخهاى او را، و تنگى نیست راههاى آنرا، و دشوارى نیست أز براى سهولت آن، و سیاهى نیست از براى سفیدى آن، و کجى نیست أز براى استقامت آن و اعوجاج نیست از براى چوب آن، و صعوبت نیست از براى راههاى آن، و خاموشى نیست چراغهاى آن را، و تلخى نیست شیرینی آنرا.

پس آن اسلام ستونهائیست که ثابت و محکم کرده خدا در حقّ اصلهاى آنها را، و بغایت مستحکم نموده از براى آنها بنیانهاى آنها را، و نهرهاى پر آبیست که زیاده است آبهاى چشمهاى آنها، و چراغهائیست که أفروخته شده آتشهای آنها و مناره‏هائیست که هدایت یافته با آنها مسافران آنها، و علمهائیست که قصد کرده شده با آنها راه روندگان گدوکهاى آنها، و سرچشمه‏ هائیست که سیراب شده با آنها واردین به آنها، گردانیده است خداوند تبارک و تعالى در او غایت رضاى خود را، و بلندتر ستونهاى خود را، و کوهان طاعت خود را.

پس او است در نزد خدا که محکم است رکنهاى آن، و بلند است بنائى آن نورانى است دلیل آن، روشن است آتشهاى آن، عزیز است سلطنت آن، بلند است مناره آن، نا یابست معارضه گرى آن، پس مشرّف و گرامى دارید او را، و تبعیّت نمائید بان، و أدا کنید بأو حقّ او را و بگذارید او را جائى که لایق او است

الفصل الثالث و الرابع فى بعثه النبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و نبذ من فضایل القران

ثمّ إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله حین دنا من الدّنیا الانقطاع، و أقبل من الاخره الاطّلاع، و أظلمت بهجتها بعد إشراق، و قامت بأهلها على ساق، و خشن منها مهاد، و أزف منها قیاد، فی انقطاع من مدّتها، و اقتراب من أشراطها، و تصرّم من أهلها، و انفصام من حلقتها، و انتشار من سببها، و عفاء من أعلامها، و تکشّف من عوراتها، و قصر من طولها جعله اللّه سبحانه بلاغا لرسالته، و کرامه لامّته، و ربیعا لاهل زمانه، و رفعه لاعوانه، و شرفا لأنصاره. ثمّ أنزل علیه الکتاب نورا لا تطفا مصابیحه، و سراجا لا یخبو توقّده و بحرا لا یدرک قعره، و منهاجا لا یضلّ نهجه، و شعاعا لا یظلم ضوئه و فرقانا لا یخمد برهانه، و بنیانا لا تهدم أرکانه، و شفاء لا تخشى أسقامه و عزّا لا تهزم أنصاره، و حقّا لا تخذل أعوانه. فهو معدن الایمان و بحبوحته، و ینابیع العلم و بحوره، و ریاض العدل و غدرانه و أثافیّ الاسلام و بنیانه، و أودیه الحقّ و غیطانه، و بحرلا ینزفه المستنزفون «المنتزفون خ ل»، و عیون لا ینضبها الماتحون، و مناهل لا یغیضها الواردون و منازل لا یضلّ نهجها المسافرون، و أعلام لا یعمى عنها السّایرن، و آکام لا یجوز عنها القاصدون. جعله اللّه ریّا لعطش العلماء، و ربیعا لقلوب الفقهاء، و محاجّ لطرق الصّلحاء، و دواء لیس معه «بعده خ ل» داء، و نورا لیس معه ظلمه و حبلا وثیقا عروته، و معقلا منیعا ذروته، و عزّا لمن تولّاه، و سلما لمن دخله، و هدى لمن ائتمّ به، و عذرا لمن انتحله، و برهانا لمن تکلّم به، و شاهدا لمن خاصم به، و فلجا لمن حاجّ به، و حاملا لمن حمله، و مطیّه لمن أعمله، و آیه لمن توسّم، و جنّه لمن استلام، و علما لمن وعى، و حدیثا لمن روى، و حکما لمن قضى.

اللغه

(الاطلاع) الاشراف من موضع عال و (السّاق) الشّدّه قال تعالى وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ أى اتّصلت آخر شدّه الدّنیا بأوّل شدّه الاخره و (المهاد) بالکسر کالمهد موضع یهیّا للصّبی و الفراش و (قاد) الرّجل الفرس قودا من باب قال و قیادا بالکسر و هو نقیض السّوق قال الخلیل: القود أن یکون الرّجل أمام الدّابه آخذا بقیادها، و السّوق أن یکون خلفها، فان قادها لنفسه قیل: اقتادها، و المقود بالکسر الحبل یقاد به، و القیاد مثله مثل لحاف و ملحف.

و (العوره) السوءه و کلّ أمر یستحى منه و (الطول) الامتداد یقول طال الشی‏ءطولا بالضمّ امتدّ و خلاف العرض، و فی بعض النسخ من طولها وزان عنب و هو حبل تشدّ به قائمه الدّابه أو تشدّ و تمسک طرفه و ترسلها ترعى، و طال طولک و طیلک و طیالک أى عمرک أو مکثک أو غیبتک.

(و منهاجا لا یضلّ نهجه) المنهاج و النهج وزان فلس الطریق الواضح، و نهج الطریق نهجا من باب منع سلکه، و یضلّ من باب الافعال و فی بعض النسخ بصیغه المجرّد.

و (الغدران) جمع الغدیر و هو النهر و (الأثافی) بفتح الهمزه و تشدید الیاء کاثاف جمع الاثفیه بالضمّ و بالکسر و هو الحجر یوضع علیه القدر و الأثافی الأحجار الموضع علیها القدر على شکل مثلّث و (نضب) الماء نضوبا من باب قعد غار فی الأرض و ینضب بالکسر من باب ضرب لغه.

و (غاض) الماء غیضا من باب سار نضب و قلّ، و غاضه اللّه بتعدّى و لا یتعدّى فالماء مغیض قال الشارح المعتزلی و روى لا یغیضها بالضمّ على قول من قال أغضت الماء و هی لغه غیر مشهوره.

و (الأکمه) بالتحریک التلّ، و قیل: شرفه کالرّابیه و هو ما اجتمع من الحجاره فی مکان واحد، و ربّما غلظ و الجمع اکم و اکمات مثل قصبه و قصب و قصبات و جمع الاکم اکام مثل جبل و جبال، و جمع الاکام اکم بضمّتین مثل کتاب و کتب و جمع الاکم أکام مثل عنق و أعناق هکذا قال الفیومی.

و (المحجّه) بالفتح جادّه الطریق و (الفلج) بالضّم اسم من الفلج و هو الظفر و الفوز و فلج بحجّته أثبتها، و أفلج اللّه حجّته أظهرها و (وعى) الحدیث وعیا من باب وعد حفظه و جمعه و تدبّره.

الاعراب

قوله: فی انقطاع من مدّتها ظرف لغو متعلّق بقوله أزف و فی بمعنى مع و یحتمل أن یکون ظرفا مستقرّا متعلّقا بمقدّر حالا من قیاد، و قوله: نورا بدل من الکتاب، و قوله: و منهاجا لا یضلّ نهجه إن کان من باب الافعال فنهجه منصوب على‏المفعول و الفاعل ضمیر مستکن راجع إلى منهاجا، و إن کان بصیغه المجرّد فهو مرفوع على الفاعل و اسناد الفعل الیه من المجاز العقلی أو المصدر بمعنى الفاعل فمجاز لغویّ و الاسناد حینئذ على حقیقته.

المعنى

اعلم أنّه علیه السّلام لمّا ذکر فی الفصل السّابق فضل الاسلام و شرفه أردفه بهذا الفصل و أشار فیه إلى بعثه من جاء بالاسلام، و شرح حال زمان البعثه تنبیها بذلک على عظم ما ترتّب على بعثه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من الفوائد العظیمه، ثمّ عقّب بذکر أعظم نعمه أنعم اللّه به على عباده ببعثه و هو تنزیل الکتاب العزیز و ذلک قوله: (ثمّ إن اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم) بالهدى و دین الحقّ (حین دنا من الدّنیا الانقطاع و أقبل من الاخره الاطلاع) الظاهر أنّ المراد به قرب انقطاع دنیا کلّ امّه و إقبال آخرتهم بحضور موتهم حسبما عرفت تفصیله فى شرح قوله: أمّا بعد فانّ الدّنیا قد أدبرت و آذنت بوداع و أنّ الاخره قد أقبلت و أشرفت باطلاع، من الخطبه الثامنه و العشرین.

و یحتمل أن یراد به قرب زوالها بالکلّیه و إشراف الاخره و القیامه الکبرى بناء على أنّ ما مرّ من عمر الدّنیا أکثر ممّا بقى، و یعضده بعض الأخبار.

مثل ما رواه فی البحار من البرسی فی مشارق الأنوار عن الثمالی عن علیّ ابن الحسین علیهما السّلام قال: إنّ اللّه خلق محمّدا و علیّا و الطیّبین من ذریّتهما من نور عظمته و أقامهم أشباحا قبل المخلوقات، ثمّ قال الظنّ إنّ اللّه لم یخلق خلقا سواکم بلى و اللّه لقد خلق اللّه ألف ألف آدم و ألف ألف عالم و أنت و اللّه فی آخر تلک العوالم.

و فیه أیضا من جامع الأخبار قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: إنّ موسى سأل ربّه عزّ و جلّ أن یعرّفه بدء الدّنیا منذکم خلقت فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى موسى تسألنی عن غوامض علمی فقال: یا ربّ أحبّ أن أعلم ذلک، فقال: یا موسى خلقت الدّنیا منذ مأئه ألف ألف عام عشر مرات و کانت خرابا خمسین ألف عام، ثمّ بدءت فی عمارتها فعمرتها خمسین ألف عام، ثمّ خلقت فیها خلقا على مثال البقر یأکلون رزقى‏و یعبدون غیرى خمسین ألف عام، ثمّ امتّهم کلّهم فی ساعه واحده، ثمّ خربت الدّنیا خمسین ألف عام، ثمّ بدءت فی عمارتها فمکثت عامره خمسین ألف عام، ثمّ خلقت فیها بحرا فمکث البحر خمسین ألف عام لا شی‏ء مجاجا من الدّنیا یشرب، ثمّ خلقت دابّه و سلّطتها على ذلک البحر فشربه بنفس واحد، ثمّ خلقت خلقا أصغر من الزّنبور و أکبر من البقّ فسلّطت ذلک الخلق على هذه الدّابّه فلدغها و قتلها، فمکثت الدّنیا خرابا خمسین ألف عام، ثمّ بدءت فی عمارتها فمکثت خمسین ألف سنه، ثمّ جعلت الدّنیا کلّها آجام القصب و خلقت السّلاحف و سلّطتها علیها فأکلتها حتّى لم یبق منها شی‏ء، ثمّ أهلکتها فی ساعه واحده فمکثت الدّنیا خرابا خمسین ألف عام، ثمّ بدءت فی عمارتها فمکثت عامره خمسین ألف عام، ثمّ خلقت ثلاثین آدم ثلاثین ألف سنه من آدم إلى آدم ألف سنه، فأفنیتهم کلّهم بقضائی و قدرى، ثمّ خلقت فیها ألف ألف مدینه من الفضّه البیضاء، و خلقت فی کلّ مدینه مأئه ألف ألف قصر من الذّهب الأحمر، فملئت المدن خردلا عند الهواء یومئذ ألذّ من الشهد و أحلى من العسل و أبیض من الثلج، ثمّ خلقت طیرا أعمى و جعلت طعامه فی کلّ ألف سنه حبّه من الخردل أکلها کلّها حتّى فنیت، ثمّ خرّبتها فمکثت خرابا خمسین ألف عام ثمّ بدءت فی عمارتها فمکثت عامره خمسین ألف عام، ثمّ خلقت أباک آدم بیدى یوم الجمعه وقت الظهر و لم أخلق من الطین غیره، و أخرجت من صلبه النبیّ محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

و هذان الخبران کما ترى یعضدان ما ذکرناه من کون الغابر من الدّنیا أکثر من الباقی.

لکن العلامه المجلسی «قد» قال فی المجلّد التاسع من البحار بعد ایراد روایه البرسی: لا أعتمد على ما تفرّد بنقله، و قال فی المجلّد الرّابع عشر بعد روایه الخبر الثانی من جامع الأخبار: هذه من روایات المخالفین أوردها صاحب الجامع فأوردتها و لم أعتمد علیها.

فعلى ذلک لا یمکن التعویل علیهما مع منافاتهما لما رواه المحدّث الجزائرى‏فى الأنوار عن ابن طاوس «ره» أنّ عمر الدّنیا مأئه ألف سنه یکون منها عشرون ألف سنه ملک جمیع أهل الدّنیا، و یکون ثمانون ألف سنه منها مدّه ملک آل محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الأولى ردّ علم ذلک إلى اللّه و الرّاسخون فى العلم علیهم السّلام هذا.

و قوله (و أظلمت بهجتها بعد اشراق) أراد به أنّه سبحانه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على حین فتره من الرّسل بعد ما کانت الدّنیا مبتهجه بوجودهم مشرقه مضیئه بأنوار هدایتهم، فأظلمت بهجتها أى ذهب حسنها و نضارتها بطول زمان الفتره و تمادى مدّه الغفله و الضلاله.

(و قامت بأهلها على ساق) قد مضى تحقیق معنى هذه الجمله فی شرح الخطبه المأه و الثامنه و الثلاثین فلیراجع ثمّه و محصّل المراد بلوغها حین بعثته إلى غایه الشدّه بأهلها لما کانت علیه العرب حینئذ من ضیق العیش و الضّر و الحروب و القتل و الغاره و إثاره الفتن و تهییج الشرور و المفاسد کما قال علیه السّلام فی الخطبه السّادسه و العشرین: إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نذیرا للعالمین و أمینا على التنزیل، و أنتم معشر العرب على شرّ دین و فى شرّ دار منیخون بین حجاره خشن و حیات صمّ، تشربون الکدر، و تأکلون الجشب، و تسفکون دمائکم و تقطعون أرحامکم آه.

(و خشن منها مهاد) کنایه عن عدم الاستقرار بها و فقدان طیب العیش و الرّاحه، لأنّ ذلک إنّما یتمّ بانتظام الشرائع و ثبات قوانین العدل و یرتفع بارتفاعها.

(و أزف منها قیاد) أى قرب منها اقتیاد أهلها و تعریضهم بالهلاک و الفناء، أو انقیادها بنفسها للعدم و الزّوال، و الثانی أظهر بملاحظه الظروف الّتی بعدها أعنی قوله.

(فی انقطاع من مدّتها) و انخراطها فی سلک العدم.

(و اقتراب من أشراطها) أی آیاتها و علاماتها الدّالّه على زوالها، و المراد بها أشراط السّاعه الّتی اشیر الیها فی قوله تعالى فَهَلْ یَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَهَ أَنْ تَأْتِیَهُمْ بَغْتَهً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها و قوله وَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَهِ فَلا تَمْتَرُنَّ و قوله فَارْتَقِبْ یَوْمَ تَأْتِی السَّماءُ بِدُخانٍ. مُبِینٍ یَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ.

و انّما جعلها من أشراط الدّنیا مع کونها من أشراط السّاعه لوقوعها فی الدّنیا مع أنّها کما تدلّ على قرب القیامه تدلّ على انقطاع الدّنیا و تمامها، فتکون أشراطا لهما معا، و مضى تفصیل هذه الأشراط فی شرح الخطبه المأه و التاسعه و الثمانین.

و روى فی الصافی فی حدیث أشراط السّاعه: أوّل الایات الدّخان و نزول عیسى و نار تخرج من قعر عدن ابین تسوق النّاس إلى المحشر.

و فى البحار من مجمع البیان و روى عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال: بادروا بالأعمال ستّا: طلوع الشمس من مغربها، و الدّابّه، و الدّجّال، و الدّخان، و خویصه أحدکم أى موته، و أمر العامّه یعنی القیامه.

(و تصرّم من أهلها) أى انقطاع منهم (و انفصام من حلقتها) أى انکسار و اندراس من نظام أهلها و اجتماعهم على الشریعه و الدّین (و انتشار من سببها) أى تفرّق من حبلها و ربقتها المشدوده بها رقاب أهلها و هو حبل الاسلام.

(و عفاء من اعلامها) أى دروس منها و هو کنایه عن فقدان الأنبیاء و العلماء الصّالحین الذین یهتدى بهم فی ظلمات الجهاله و یستضاء بأنوارهم فی بوادى الضّلاله.

(و تکشّف من عوراتها) أى ظهور من معایبها و مساویها الّتی کانت مستوره بحجاب الشرائع و استار الاسلام.

(و قصر من طولها) أى من تمادیها و امتدادها أو المراد قصر عمرها على روایه طول بکسر الطّاء و فتح الواو.

و تعدید هذه الحالات الّتی کان علیها النّاس حین بعثه صلّى اللّه علیه و آله و شرحها و بسطها تذکیرا للمخاطبین بأنّ بعثه فی مثل تلک الحالات أعظم من منّ اللّه تعالى به على عباده، لیؤدّ السامعون بتذکّره و ذکراه وظایف شکر تلک النعمه العظمى، و یقوموا بمراسم حمده حیث أنقذهم ببعثه سلام اللّه علیه و آله من ورطات الکفر و الضّلال، و أنجاهم من العقاب و الوبال.

(جعله اللّه سبحانه بلاغا لرسالته) أى تبلیغا لها کما فی قوله تعالى قُلْ أَطِیعُوا اللَّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ أى إلّا أداء الرّساله و بیان الشریعه أو کفایه لها کما فی قوله‏تعالى فی وصف القرآن هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَ لِیُنْذَرُوا بِهِ أى موعظه بالغه کافیه، و على المعنیین فلا بد من جعل المصدر بمعنى الفاعل أى جعله عزّ و جلّ مبلّغا للرساله أو کافیا لها أى غیر محتاج معه إلى رسول آخر، و لذلک کان صلّى اللّه علیه و آله خاتم النّبوه.

(و کرامه لامّته) أى أکرمهم عزّ و جلّ بجعله رسولا لهم و جعلهم امّه له صلّى اللّه علیه و آله و فضّلهم بذلک على سایر الامم.

(و ربیعا لأهل زمانه) تشبیهه بالرّبیع إمّا من أجل ابتهاجهم ببهجه جماله و بدیع مثاله کما یبتهج النّاس بالرّبیع و نضراته و طراوته، أو من أجل أنّ أهل زمانه قد خرجوا بوجوده الشریف من ضنک المعیشه إلى الرّخا و السعه، کما أنّ الناس یخرجون فی الرّبیع من جدب الشتاء و ضیق عیشها إلى الدّعه و الرفاهه.

(و رفعه لأعوانه و شرفا لأنصاره) یحتمل رجوع الضمیرین الى اللّه کما فی الفقره الاولى و إلى محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کما فی الفقرتین الأخیرتین، و على أىّ تقدیر فالمراد بالأعوان و الأنصار المسلمون أمّا کونهم أنصارا له صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فواضح، و أمّا جعلهم أنصارا و عونا للّه عزّ و جلّ على الاحتمال الأول فلکونهم أنصار دین اللّه و أعوان رسوله، أضافهما إلیه تعالى تشریفا و تکریما.

و کیف کان فقد شرف اللّه تعالى المسلمین و رفع شأنهم فى الدّنیا و الاخره بمتابعتهم لرسوله و معاونتهم له و سلّطهم على محادّیه و جاحدیه لعنهم اللّه تعالى و عذّبهم عذابا ألیما، هذا.

و لمّا ذکر بعثه النّبی صلّى اللّه علیه و آله و أشار إلى بعض فواید بعثه أردفه بذکر أعظم معجزات النّبوه و هو الکتاب العزیز، و أشار إلى جمله من أوصافه و مزایاه تنبیها على علوّ قدره و عزّه شأنه فقال: (ثمّ أنزل علیه الکتاب) و عدّ به اثنین و أربعین منقبه.

أولها کونه (نورا لا تطفى مصابیحه) أمّا أنّه نور فلاهتداء النّاس به من ظلمات الجهل کما یهتدى بالنور المحسوس فی ظلمه اللّیل قال تعالى إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ یَهْدِی لِلَّتِی هِیَ أَقْوَمُ و أمّا مصابیحه فاستعاره لطرق الاهتداء و فنون العلوم الّتی تضمّنها القرآن.

(و) الثانیه کونه (سراجا لا یخبو توقده) أمّا أنّه سراجا فلما مرّ آنفا، و أمّا، أنّه لا یخبو توقّده فالمراد به عدم انقطاع اهتداء النّاس به و استضاءتهم بنوره.

(و) الثالثه کونه (بحرا لا یدرک قعره) استعاره البحر له باعتبار اشتماله على النکات البدیعه و الأسرار الخفیّه و دقایق العلوم الّتی لا یدرکها بعد الهمم و لا ینالها غوص الفطن کما لا یدرک الغائص قعر البحر العمیق.

(و) الرابعه کونه (منهاجا لا یضلّ نهجه) أى طریقا واضحا مستقیما إلى الحقّ لا یضلّ سالکه أو لا یضلّ سلوکه.

(و) الخامسه کونه (شعاعا لا یظلم ضوءه) أى حقّا لا یدانیه شکّ و ریب أى لا یشوبه ظلمه الباطل فیغطیه و یستره کما قال تعالى ذلِکَ الْکِتابُ لا رَیْبَ فِیهِ و قال لا یَأْتِیهِ الْباطِلُ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِیلٌ مِنْ حَکِیمٍ حَمِیدٍ.

قال الطبرسی: قیل: إنّ الباطل الشیطان و معناه لا یقدر الشیطان أن ینقص منه حقّا أو یزید فیه باطلا، و قیل: لا یأتیه الباطل من جهه من الجهات فلا تناقض فی ألفاظه.

و لا کذب فی اخباره و لا یعارض و لا یزاد فیه و لا یغیّر بل هو محفوظ حجه على المکلّفین إلى یوم القیامه، و یؤیّده قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.

(و) السادسه کونه (فرقانا لا یخمد برهانه) أى فارقا بین الحقّ و الباطل و فاصلا بینهما لا ینتفی براهینه الجلیّه و بیّناته الّتی بها یفرق بینهما کما قال تعالى إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ و قال هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَیِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ.

(و) السابعه کونه (بنیانا لا تهدم أرکانه) شبّهه ببنیان مرصوص وثیق الأرکان فاستعار له لفظه و الجامع انتظام الاجزاء و اتّصال بعضها ببعض، و قوله: لا تهدم أرکانه، ترشیح للاستعاره، و فیه إشاره إلى أنّ البنیان الوثیق کما أنّه مأمون من التّهافت و الهدم و الانفراج فکذلک الکتاب العزیز محفوظ من طروّ النقص و الخلل و الاندراس.

(و) الثامنه کونه (شفاء لا تخشى أسقامه) یعنی انّه شفاء للأبدان و الأرواح.

أمّا الأبدان فبالتجربه و العیان مضافا إلى الأحادیث الوارده فی خواصّ أکثر الایات المفیده للاستشفاء و التعویذ بها.

مثل ما فی الکافی باسناده عن السّکونی عن أبی عبد اللّه عن آبائه علیهم السّلام قال: شکى رجل إلى النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم وجعا فی صدره فقال: استشف بالقرآن فانّ اللّه عزّ و جلّ یقول: وَ شِفاءٌ لِما فِی الصُّدُورِ.

و عن سلمه بن محرّز قال: سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول: من لم یبرءه الحمد لم یبرءه شی‏ء.

و عن إبراهیم مهزم عن رجل سمع أبا الحسن علیه السّلام یقول: من قرء آیه الکرسی عند منامه لم یخف الفالج انشاء اللّه، و من قرءها فی دبر کلّ فریضه لم یضرّه ذو حمه.

و فى مجمع البیان من کتاب العیاشی باسناده انّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال لجابر بن عبد اللّه الأنصارى: ألا اعلمک أفضل سوره أنزلها اللّه فی کتابه قال: فقال له جابر: بلى بأبى أنت و أمّی یا رسول اللّه علّمنیها، قال: فعلّمه الحمد أمّ الکتاب، ثمّ قال: یا جابر ألا اخبرک عنها قال: بلى بأبى أنت و امّى فأخبرنی، فقال: هى شفاء من کلّ داء إلّا السّام، و السّام الموت، إلى غیر هذه ممّا لا حاجه إلى ایرادها.

و أمّا الأرواح فلأنّه بما تضمّنه من فنون العلوم شفاء لأمراض الجهل.

فقد ظهر بذلک کونه شفاء للأبدان من الأوجاع و الأسقام، و شفاء للقلوب من کلّ شک و ریب و شبهه، و یصدق ذلک قوله تعالى فی سوره السجده قُلْ هُوَ لِلَّذِینَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفاءٌ و فی سوره بنی اسرائیل وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَهٌ لِلْمُؤْمِنِینَ. وَ لا یَزِیدُ الظَّالِمِینَ إِلَّا خَساراً.

قال أمین الاسلام الطبرسی وجه الشّفاء فیه من وجوه: منها ما فیه من البیان الّذى یزیل عمى الجهل و حیره الشکّ.

و منها ما فیه من النظم و التألیف و الفصاحه البالغه حدّ الاعجاز الّذى یدلّ على صدق النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فهو من هذه الجهه شفاء من الجهل و الشکّ و العمى فی الدّین و یکون شفاء للقلوب.

و منها أنّه یتبرّک به و بقراءته و یستعان به على دفع العلل و الأسقام و یدفع اللّه به کثیرا من المکاره و المضارّ على ما یقتضیه الحکمه.

و منها ما فیه من أدّله التوحید و العدل و بیان الشرائع فهو شفاء للنّاس فی دنیاهم‏و آخرتهم، و رحمه للمؤمنین أى نعمه لهم، و إنّما خصّهم بذلک لأنّهم المنتفعون به، انتهى.

فقد تحصّل من ذلک أنّه شفاء لا یخاف أن یعقب سقما، لأنّ الکمالات النفسانیه الحاصله من قراءته و تفکّره و تدبّر آیاته تصیر ملکات راسخه لا تتبدّل بأضدادها و لا تتغیّر.

(و) التاسعه کونه (عزا لا تهزم أنصاره) أى لا تغلب و لا تقهر.

(و) العاشره کونه (حقّا لا تخذل أعوانه) و المراد بأعوانه و أنصاره هم المسلمون العارفون بحقّه العاملون بأحکامه و عدم هزمهم و خذلانهم نصّ قوله تعالى لَنْ یَجْعَلَ اللَّهُ لِلْکافِرِینَ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ سَبِیلًا.

قال فی مجمع البیان فیه أقوال: أحدها أنّ المراد لن یجعل اللّه للیهود على المؤمنین نصرا و لا ظهورا.

و قیل: لن یجعل اللّه للکافرین على المؤمنین سبیلا بالحجّه و إن جاز أن یغلبوهم بالقوّه، لکن المؤمنین منصورون بالدّلاله و الحجّه.

و قیل: لن یجعل لهم فی الاخره علیهم سبیلا لأنّه مذکور عقیب قوله فَاللَّهُ یَحْکُمُ بَیْنَهُمْ یَوْمَ الْقِیامَهِ بیّن اللّه سبحانه أنّه إن یثبت لهم سبیل على المؤمنین فی الدّنیا بالقتل و القهر و النهب و الاسر و غیر ذلک من وجوه الغلبه فلن یجعل لهم یوم القیامه علیهم سبیلا.

و الحادیه عشر ما أشار إلیه بقوله (فهو معدن الایمان و بحبوحته).

أمّا أنّه معدن الایمان، فلأنّ المعدن عباره عن منبت الجوهر من ذهب و فضّه و نحوهما، و لمّا کان الایمان باللّه و رسوله جوهرا نفیسا لا جوهر أنفس منه و لا أغلى عند ذوى العقول، و کان یستفاد من القرآن و یستخرج منه جعله معدنا له.

و أمّا أنّه بحبوحته و وسطه فلأنّ الایمان بجمیع أجزائه و شرایطه و مراسمه یدور علیه، فهو بمنزله القطب و المرکز لدائره الایمان کما هو ظاهر.

(و) الثانیه عشر أنّه (ینابیع العلم و بحوره)أمّا أنّه ینابیع العلم فلأنّ العلوم بجمیع أقسامه منه تفیض کالعیون الجاریه منها الماء.و أمّا أنّه بحوره فلاحتوائه بفنون العلم کاحتواء البحر بمعظم الماء

(و) الثالثه عشر أنّه (ریاض العدل و غدرانه).أمّا کونه ریاض العدل فلأنّ الرّیاض عباره عن مجامع النّبات و الزّهر و الرّیاحین الّتی تبتهج النفوس بخضرتها و نضرتها، و تستلذّ الطباع بحسنها و بهجتها کما قال تعالى حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَهٍ فشبّه التّکالیف الشرعیّه المجعوله عن وجه العدل و الحکمه بالزّهر و النبات الحسن لایجابها لذّه الأبد و جعل الکتاب العزیز ریاضا لها لاجتماعها فیه و استنباطها منه.

و أمّا کونه غدران العدل فلأنّ الغدیر عباره عن مجمع الماء فشبّه الأحکام العدلیّه بالماء لما فیها من حیاه الأرواح کما أنّ بالماء حیاه الأبدان و جعله غدیرا لجامعیّته لها.

(و) الرابعه عشر أنّه (أثافیّ الاسلام و بنیانه) لما قد عرفت من أنّ الأثافی عباره عن الأحجار الّتی علیها القدر، فجعله أثافى للاسلام لاستقراره و ثباته علیه مثل استقرار القدر على الأثافی.

و بهذا الاعتبار أیضا جعل الصلاه و الزّکاه و الولایه أثافیه فی حدیث البحار من الکافی عن الصّادق علیه السّلام قال: أثافی الاسلام ثلاثه: الصلاه، و الزکاه، و الولایه لا تصحّ واحده منهنّ إلّا بصاحبتها.

قال العلّامه المجلسیّ: و إنّما اقتصر علیها لأنها أهمّ الأجزاء و یدلّ على اشتراط قبول کلّ منها بالاخرین، و لا ریب فی کون الولایه شرطا لصحّه الاخریین.

(و) الخامسه عشر أنّه (أودیه الحقّ و غیطانه) یعنی أنّ طالب الحقّ إنّما یجده فی هذه الأودیه و الأراضى المطمئنه قال الشارح البحرانی: و اللّفظان مستعاران باعتبار کونه معدنا للحقّ و مظنّه له، کما أنّ الأودیه و الغیطان مظانّ الکلاء و الماء.

(و) السادسه عشر أنّه (بحر لا ینزفه المستنزفون) أى لا ینزحه کلّه و لا یفنیه‏المستقون، و هو إشاره إلى عدم انتهاء العلوم المستفاده منه، فانّ فیه علم ما کان و ما یکون و ما هو کائن إلى یوم القیامه حسبما عرفت فی شرح الفصل السّابع عشر من الخطبه الاولى.

(و) السابعه عشر أنّه (عیون لا ینضبها الماتحون) أى لا یغیّرها المستسقون.

(و) الثامنه عشر أنّه (مناهل لا یغیضها الواردون) أى مشارب لا ینقص مائها الواردون على کثره ورودهم علیها.

(و) التاسعه عشر أنّه (منازل لا یضلّ نهجها المسافرون) یعنی أنّه منازل السّالکین إلى اللّه لا یضلّ مسافروه منهاج تلک المنازل لکونه واضحا جلیّا و جادّه مستقیمه

(و) العشرون أنّه (أعلام لا یعمى عنها السّائرون) لاستنارتها و اضاءتها.

(و) الحادیه و العشرون أنّه (آکام لا یجوز عنها القاصدون) قال الشّارح البحرانی: استعار لفظ الاعلام و الاکام للأدلّه و الامارات فیه على طریق إلى معرفته و احکامه باعتبار کونها هادیه إلیها کما تهدى الأعلام و الجبال على الطّرق.

و الثانیه و العشرون أنّه (جعله اللّه تعالى ریّا لعطش العلماء) شبّه شدّه اشتیاق نفوس العلماء و حرصهم على المعارف الحقّه الالهیّه بعطش العطاش، و حیث إنّ الکتاب العزیز کان رافعا لغللهم جعله مرویّا لهم کما یروى الماء الغلیل.

(و) الثالثه و العشرون أنّه جعله سبحانه (ربیعا لقلوب الفقهاء) لابتهاج قلوبهم به و استلذاذهم منه کما یبتهج النّاس بالرّبیع.

(و) الرابعه و العشرون أنّه جعله (محاجّ لطرق الصلحاء) أى جواد واضحه مستقیمه لا عوج فیها و لا خفاء، لأنّه یهدى للّتی هی أقوم.

(و) الخامسه و العشرون أنّه جعله (دواء لیس معه داء) حسبما عرفته فی شرح قوله: و شفاء لا تخشى أسقامه.

(و) السادسه و العشرون أنّه جعله (نورا لیس معه ظلمه) أى حقّا لا یشوبه باطل حسبما عرفته فی شرح قوله، و شعاعا لا یظلم نوره.

و فى الکافى باسناده عن أبى جمیله قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام: کان فی وصیّه أمیر المؤمنین علیه السّلام أصحابه: إنّ هذا القرآن هدى النهار و نور اللّیل المظلم على ما کان من جهد و فاقه.

و فیه عن طلحه بن زید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: إنّ هذا القرآن فیه منار الهدى و مصابیح الدّجى فلیجل جال بصره و یفتح للضیاء نظره فانّ التّفکّر حیاه قلب البصیر کما یمشی المستنیر فی الظّلمات بالنور.

(و) السابعه و العشرون أنّه جعله (حبلا وثیقا عروته) لا یخشى من انفصامه من تمسّک به و اتّبع بأحکامه نجا و من ترکه هلک.

(و) الثامنه و العشرون أنّه جعله (معقلا منیعا ذروته) أى ملجأ و حصنا حصینا یمنع الملتجى إلیه من أن یناله المکروه و سوء العذاب.

(و) التاسعه و العشرون أنّه جعله (عزّا لمن تولّاه) یعنی من اتّخذه ولیّا و ألقى إلیه أزمّه اموره و عمل بأوامره و نواهیه فهو عزّه له فی الدّارین.

(و) الثلاثون أنّه جعله عزّ و جلّ (سلما لمن دخله) قال الشارح البحرانی أى أمنا، و دخوله الخوض فی تدبّر مقاصده و اقتباسها و بذلک الاعتبار یکون مأمنا من عذاب اللّه و من الوقوع فی الشّبهات الّتی هی مهاوى الهلاک، و قیل: استعار لفظ السّلم باعتبار عدم اذاه لمن دخله فهو کالمسالم له.

(و) الحادیه و الثلاثون أنّه جعله (هدى لمن ائتمّ به) و هو واضح کما قال تعالى ذلِکَ الْکِتابُ لا رَیْبَ فِیهِ هُدىً لِلْمُتَّقِینَ.

(و) الثانیه و الثلاثون أنه جعله (عذرا لمن انتحله) و لعلّ المراد کونه عذرا منجیا من العذاب یوم القیامه لمن دان به و جعله نحلته و قیل: إنّ المراد أنّ من انتسب الیه بأن جعل نفسه من أهل القرآن و افتخر بذلک کان القرآن نفسه عذرا له، لعلوّ شأنه، و ما ذکرناه أقرب.

(و) الثالثه و الثلاثون أنّه جعله (برهانا لمن تکلّم به) أى حجّه واضحه و بیانا جلیا لمن احتجّ به.

(و) الرابعه و الثلاثون أنه جعله (شاهدا لمن خاصم به) أى دلیلا محکما للمستدلّ.

(و) الخامسه و الثلاثون أنّه جعله (فلجأ لمن حاجّ به) أى ظفرا و فوزا للمخاصم یعنی أنّ من خاصم و احتجّ به فاز بمقصده و غلب خصمه.

روى فی البحار من کنز الفواید باسناده عن أبی جعفر علیه السّلام قال: یا معشر الشّیعه خاصموا بسوره إنّا أنزلناه فی لیله القدر تفلجوا، فو اللّه إنّها لحجّه اللّه تبارک و تعالى على الخلق بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و إنّها لسیّده دینکم و إنّها لغایه علمنا، یا معشر الشّیعه خاصموا بحم و الکتاب المبین فانّها لولاه الأمر خاصه بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

(و) السادسه و الثلاثون أنه جعله (حاملا لمن حمله) یعنی أنّ من حمل القرآن و حفظه و عمل به و اتّبع أحکامه حمله القرآن إلى دار القدس و غرفات الجنان.

روى فی الکافی باسناده عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: یا معاشر قرّاء القرآن اتّقوا اللّه عزّ و جلّ فیما حملکم من کتابه فانی مسئول و انکم مسئولون، إنّی مسئول عن تبلیغ الرّساله، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من کتاب اللّه و سنّتی.

و فیه عن السکونى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: حمله القرآن عرفاء أهل الجنّه و المجتهدون قوّاد أهل الجنّه و الرّسل سادات أهل الجنّه.

و عن عمرو بن جمیع عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: إنّ أحقّ النّاس بالتخشّع فی السّرّ و العلانیه لحامل القرآن، و إنّ أحقّ النّاس فی السرّ و العلانیه بالصلاه و الصّوم لحامل القرآن، ثمّ نادى بأعلى صوته یا حامل القرآن تواضع به یرفعک اللّه و لا تعزّ زبه فیذلّک اللّه، یا حامل القرآن تزیّن به للّه یزیّنک اللّه به و لا تزیّن به للنّاس فیشینک اللّه به، من ختم القرآن فکأنّما ادرجت النّبوه بین جنبیه و لکنّه لا یوحى إلیه، و من جمع القرآن فنوله لا یجهل مع من یجهل علیه و لا یغضب فیمن یغضب علیه و لا یحدّ فیمن‏یحدّ علیه و لکنّه یعفو و یصفح و یغفر و یحلم لتعظیم القرآن، و من اوتى القرآن فظنّ أنّ أحدا من النّاس اوتى أفضل ممّا اوتى فقد عظّم ما حقّر اللّه، و حقّر ما عظّم اللّه.

(و) السابعه و الثلاثون أنّه جعله (مطیّه لمن أعمله) أى مرکبا سریع السّیر یبلغ بمن أعمله إلى منزله و مقصده، و هو حظایر القدس و مجالس الانس، و المراد باعماله هو حفظه و المواظبه علیه و عدم الغفله عنه.

روى فی الکافی باسناده عن ابن أبی یعفور قال: سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول: إنّ الرّجل إذا کان یعلم السّوره ثمّ نسیها و ترکها و دخل الجنّه أشرفت علیه من فوق فى أحسن صوره فتقول: تعرفنی فیقول: لا، فتقول: أنا سوره کذا و کذا لم تعمل بی و ترکتنی أما و اللّه لو عملت بی لبلغت بک هذه الدّرجه، و أشارت بیدها إلى فوقها.

و عن یعقوب الأحمر قال: قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام: إنّ علیّ دینا کثیرا و قد دخلنی شی‏ء ما کاد القرآن یتفلّت منی، فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام: القرآن القرآن إنّ الایه من القرآن و السّوره لتجی‏ء یوم القیامه حتّى تصعد ألف درجه یعنی فی الجنّه، فتقول: لو حفظتنی لبلغت بک ههنا.

و عن أبی بصیر قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام: من نسی سوره من القرآن مثّلت له فی صوره حسنه و درجه رفیعه فی الجنّه، فاذا رآها قال: ما أنت ما أحسنک لیتک لی، فیقول: أما تعرفنی أنا سوره کذا و کذا و لو لم تنسنی لرفعتک إلى هذا.

(و) الثامنه و الثلاثون أنّه جعله (آیه لمن توسّم) أى دلاله للمتفکّر المعتبر و علامه یستدلّ بها المتفرّس، و أصل التوسّم هو النظر فی السمه أى العلامه الدّاله قال تعالى إِنَّ فِی ذلِکَ لَآیاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِینَ أى دلالات للمتفکّرین المعتبرین.

قال فی مجمع البیان: و قد صحّ عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله أنّه قال: اتّقوا فراسه المؤمن و انّه ینظر بنور اللّه، و قال: إن للّه عبادا یعرفون الناس بالتوسّم ثمّ قرء هذه الایه.

(و) التاسعه و الثلاثون أنه جعله (جنّه لمن استلام) أى وقایه و سلاحا لطالب‏الدّرع و السلاح، و المراد کونه وقایه لقارئه من مکاره الدّنیا و الاخره أما الاخره فواضحه، لأنه یوجب النجاه من النار و الخلاص من غضب الجبار جلّ جلاله.

و أما الدّنیا فیدلّ على کونه وقایه من مکارهها صریح قوله تعالى وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَیْنَکَ وَ بَیْنَ الَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَهِ حِجاباً مَسْتُوراً.

قال الطبرسیّ: قال الکلبیّ: و هم أبو سفیان و النّضر بن الحرث و أبو جهل و امّ جمیل امرأه أبی لهب، حجب اللّه رسوله عن أبصارهم و کانوا یأتونه و یمرّون به و لا یرونه.

و فى الصافى من قرب الاسناد عن الکاظم علیه السّلام انّ امّ جمیل امرأه أبی لهب أتته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین نزلت سوره تبّت و مع النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أبو بکر بن أبی قحافه، فقال: یا رسول اللّه هذه امّ جمیل منخفضه أو مغضبه تریدک و معها حجر ترید أن ترمیک به فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: إنّها لا ترانی، فقالت لأبی بکر: أین صاحبک قال: حیث شاء اللّه، قالت: لقد جئته و لو أراه لرمیته فانّه هجانی و اللّات و العزّى إنّی لشاعره، فقال أبو بکر: یا رسول اللّه لم ترک قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: لا، ضرب اللّه بینی و بینها حجابا مستورا.

و أما سایر النّاس فیشهد بکونه جنّه لهم من المکاره.

ما رواه فی الکافی باسناده عن الاصبغ بن نباته عن أمیر المؤمنین علیه السّلام أنّه قال: و الّذى بعث محمّدا بالحقّ و أکرم أهل بیته ما من شی‏ء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابه من صاحبها أو آبق إلّا و هو فی القرآن، فمن أراد ذلک فلیسألنی عنه.

قال: فقام الیه رجل فقال: یا أمیر المؤمنین أخبرنی عمّا یؤمن من الحرق و الغرق فقال علیه السّلام: اقرء هذه الایات إِنَّ وَلِیِّیَ اللَّهُ الَّذِی نَزَّلَ الْکِتابَ وَ هُوَ… وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ-  الى قوله سُبْحانَهُ-  وَ تَعالى‏ عَمَّا یُشْرِکُونَ فمن قرأها فقد أمن من الحرق و الغرق، قال: فقرأها رجل و اضطرمت النار فی بیوت جیرانه و بیته وسطها فلم یصبه شی‏ء.

ثمّ قام الیه رجل آخر فقال: یا أمیر المؤمنین إنّ دابتی استصعبت علیّ و أنا منها على وجل فقال: اقرء فی اذنها الیمنی أَ فَغَیْرَ دِینِ اللَّهِ یَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً فقرأها فذلّت له دابّته.

و قام إلیه آخر فقال: یا أمیر المؤمنین إنّ أرضی أرض مسبعه إنّ السباع تغشى منزلی و لا تجوز حتى تأخذ فریستها فقال: اقرء لَقَدْ جاءَکُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِکُمْ عَزِیزٌ عَلَیْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِیصٌ عَلَیْکُمْ بِالْمُؤْمِنِینَ رَؤُفٌ رَحِیمٌ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِیَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَیْهِ تَوَکَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِیمِ فقرأهما الرّجل فاجتنبته السباع.

ثمّ قام إلیه آخر فقال: یا أمیر المؤمنین إنّ فی بطنی ماء أصفر فهل من شفاء فقال: نعم بلا درهم و لا دینار و لکن اکتب على بطنک آیه الکرسی و تغسلها و تشربها و تجعلها ذخیره فی بطنک فتبرء باذن اللّه عزّ و جلّ، ففعل الرّجل فبرء باذن اللّه.

ثمّ قام إلیه آخر فقال: یا أمیر المؤمنین أخبرنی عن الضّالّه فقال علیه السّلام اقرء یس فی رکعتین و قل: یا هادى الضالّه ردّ علیّ ضالّتی ففعل فردّ اللّه علیه ضالّته.

ثمّ قام إلیه آخر فقال: یا أمیر المؤمنین أخبرنی عن الابق فقال علیه السّلام: اقرء «أَوْ کَظُلُماتٍ فِی بَحْرٍ لُجِّیٍّ یَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ-  إلى قوله-  وَ مَنْ لَمْ یَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» فقالها الرّجل فرجع إلیه الابق.

ثمّ قام إلیه آخر فقال: یا أمیر المؤمنین أخبرنی عن السّرق فانّه لا یزال قد یسرق لی الشی‏ء بعد الشی‏ء لیلا، فقال له: اقرء إذا آویت إلى فراشک «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ-  إلى قوله-  وَ کَبِّرْهُ تَکْبِیراً» ثمّ قال أمیر المؤمنین علیه السّلام: من بات بأرض قفر فقرأ هذه الایه إِنَّ رَبَّکُمُ اللَّهُ الَّذِی خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِی سِتَّهِ أَیَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ-  إلى قوله-  تَبارَکَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِینَ حرسته الملائکه و تباعدت عنه الشّیاطین.

قال: فمضى الرّجل فاذا هو بقریه خراب فبات فیها و لم یقرأ هذه الایه فغشاه الشّیاطین و إذا هو آخذ بخطمه فقال له صاحبه: انظره، و استیقظ الرّجل فقرأ الایه فقال الشیطان لصاحبه: ارغم اللّه أنفک احرسه الان حتّى یصبح.

فلمّا أصبح رجع الى أمیر المؤمنین علیه السّلام فأخبره فقال له رأیت فی کلامک الشفاء و الصّدق و مضى بعد طلوع الشمس فاذا هو بأثر شعر الشّیاطین مجتمعا فی الأرض.

(و) الاربعون أنّه جعله (علما لمن وعى) أى علما کاملا بالمبدإ و المعاد لمن حفظه و عقله و جعله فی وعاء قلبه قال الطریحی: و فی الحدیث لا یعذّب اللّه قلبا وعی القرآن، أى عقل القرآن ایمانا منه و عملا، فأمّا من حفظ ألفاظه و ضیّع حدوده فهو غیر واع له، و فیه: خیر القلوب أوعاها، أى أحفظها للعلم و أجمعها له.

(و) الحادیه و الاربعون أنّه جعله (حدیثا لمن روى) قال أمین الاسلام الطبرسی فی تفسیر قوله تعالى اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِیثِ کِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِیَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِینَ یَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ یعنى القرآن، و إنّما سمّاه اللّه حدیثا لأنّه کلام اللّه و الکلام سمّى حدیثا کما یسمّى کلام النبىّ حدیثا، لأنه حدیث التنزیل بعد ما تقدّمه من الکتب المنزله على الأنبیاء، و هو أحسن الحدیث لفرط فصاحته و لاعجازه و لاشتماله على جمیع ما یحتاج المکلّف إلیه من التنبیه على أدلّه التوحید و العدل و بیان أحکام الشرائع و غیر ذلک من المواعظ و قصص الأنبیاء و الترغیب و الترهیب، کتابا متشابها یشبه بعضه بعضا و یصدق بعضه بعضا لیس فیه اختلاف و تناقض، و قیل: إنه یشبه کتب اللّه المتقدّمه و ان کان أعم و أجمع و أنفع.

(و) الثانیه و الاربعون أنه جعله (حکما لمن قضى) یعنى من یقضى بین الناس، فالقرآن حکم له لا حکم له غیره لأنه الحکم الحقّ و غیره باطل کما قال تعالى وَ مَنْ لَمْ یَحْکُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِکَ هُمُ الظَّالِمُونَ و فى آیه اخرى فَأُولئِکَ هُمُ الْفاسِقُونَ و فى ثالثه فَأُولئِکَ هُمُ الْکافِرُونَ.

قیل فى توجیهه: إنّ الحاکم بغیر ما أنزل اللّه إن کان لا مع الاعتقاد فهو إمّا ظالم أو فاسق، و ان حکم بذلک مع اعتقاد أنّه غیر ما أنزل اللّه فهو کافر، هذا.

و قد تقدّم فی شرح الفصل السابع عشر من الخطبه الاولى و غیره فصل واف فی فضل الکتاب العزیز و ما یتعلّق به فلیراجع هناک، و نسأل اللّه سبحانه أن یجعلنا من العارفین بفضله، و العاملین بأحکامه، و الواعین لعلمه، و الرّاوین لحدیثه، و القاضین‏بحکمه بجاه محمّد و آله سلام اللّه علیه و علیهم.

الترجمه

فصل سیّم و چهارم از این خطبه در بیان بعثت حضرت رسالتماب صلوات اللّه و سلامه علیه و آله و اشاره بر فواید بعثت است و ذکر نزول کتاب کریم و إشاره بر مناقب آن مى‏ فرماید: پس بدرستى که خداوند تعالى مبعوث فرمود محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه علیه و آله را با حقّ هنگامى که نزدیک شده از دنیاى فانى بریده شدن آن، و اقبال کرده بود از آخرت مشرف بودن آن، و ظلمانى شده بود شکفتگى دنیا بعد از روشنائى آن، و بر پا ایستاده بود بأهل خود بغایت شدّت، و ناهموار شده بود از آن بساط آن، و نزدیک شده بود از آن انقیاد آن بزوال در انقطاع مدّت آن، و نزدیکى علامتهاى فناى آن، و بریده شدن أهل آن، و گسیخته شدن حلقه آن، و تفرّق ریسمان آن، و اندراس علمهاى آن، و انکشاف قبایح آن، و کوتاهى درازى آن.

گردانید او را حق تعالى کفایت کننده از براى رسالت خود، و کرامت از براى امّت او، و بهار از براى أهل زمان او، و سر بلندى بجهت اعوان او، و شرف مر یاران او را.

پس نازل فرمود بر آن بزرگوار کتاب عزیز خود را نورى که خاموش نمى باشد چراغهاى آن، و چراغى که نابود نمى‏گردد اشتعال آن، و دریائى که درک نمى‏ شود ته آن، و جاده واضحى که ضلالت نمى ‏افتد سالک آن، و شعائى که تاریک نمى‏ باشد روشنائى آن، و فرقانى که خاموش نمى‏ شود برهان و دلیل آن، و بنیادى که خراب نمى ‏شود رکنهاى آن، و شفائى که ترسیده نمى ‏شود مرض‏هاى آن، و عزیزى که مغلوب نمى‏ باشد ناصران آن، و حقى که خوار نمى‏ باشد یاران آن.

پس آن کتاب معدن ایمان و وسط او است، و چشمهاى علم و دریاهاى او است و باغهاى عدالت و گودالهاى آب او است، و پایهاى اسلام و بنیان او است، و بیابانهاى‏حق و گودیهاى او است، و دریائیست که نمى ‏تواند بکشد آب آن را آب کشندگان و چشمهائیست که تمام نمى‏ کند آب آنرا آب بردارندگان، و سرچشمه‏ هائى است که ناقص نمى‏ نماید آن را واردان، و منزلهائیست که گم نمى‏ کند راه آن را مسافران، و علامتهائیست که نابینا نمى‏ شود از آنها سیر کنندگان، و تلهائیست که تجاوز نمى‏ نماید از آنها قاصدان.

گردانید خداوند آن را سیرابى از براى تشنگى عالمیان، و بهار از براى قلبهاى فقیهان، و راههاى روشن از براى طرق صالحان، و دوائى که نیست بعد از آن دردى، و نورى که نیست با وجود آن ظلمتى، و ریسمانى که محکم است جاى دستگیر آن، و پناهگاهى که مانع است بلندى آن، و عزیزى از براى کسى که آنرا بجهت خود دوست اخذ نموده باشد، و أمن امان أز براى کسى که داخل آن شود و هدایت از براى کسى که اقتدا نماید بان، و عذر از براى کسى که نسبت آنرا بخود بدهد، و برهان واضح بجهت کسى که با آن تکلّم نماید، و شاهد صادق بجهت کسى که مخاصمه نماید با آن، و غلبه و ظفر براى کسى که احتجاج کند با آن، و بردارنده مر حاملان خود را، و مرکب از براى کسى که إعمال نماید آنرا، و علامت از براى کسى که تفکر نماید، و زره از براى کسى که طالب سلاح باشد، و علم کامل کسی را که حفظ کند آنرا، و حدیث صحیح کسى را که روایت نماید، و حکم بحق از براى کسى که حکم نماید.

منهاج ‏البراعه فی ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(الخوئی)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

بازدید: ۷

حتما ببینید

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۲۰۴ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه ۲۰۵ صبحی صالح ۲۰۵- و من کلام له ( علیه ‏السلام  ) کلم به …

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

*

code