خانه / ***خطبه ها شرح و ترجمه میر حبیب الله خوئی / نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۱۹۲ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی») همام(صفات متقین)

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۱۹۲ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی») همام(صفات متقین)

خطبه ۱۹۳ صبحی صالح

۱۹۳- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  ) یصف فیها المتقین‏

روی أن صاحبا لأمیر المؤمنین ( علیه ‏السلام  ) یقال له همام کان رجلا عابدا فقال له یا أمیر المؤمنین صف لی المتقین حتى کأنی أنظر إلیهم فتثاقل ( علیه ‏السلام  ) عن جوابه

ثم قال یا همام اتق الله و أحسن ف إن الله مع الذین اتقوا و الذین هم محسنون فلم یقنع همام بهذا القول حتى عزم علیه فحمد الله و أثنى علیه و صلى على النبی ( صلى ‏الله ‏علیه‏ وآله  ) ثم قال( علیه ‏السلام  )

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِینَ خَلَقَهُمْ غَنِیّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِیَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِیَهُ مَنْ عَصَاهُ وَ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَهُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَیْنَهُمْ مَعَایِشَهُمْ وَ وَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْیَا مَوَاضِعَهُمْ

فَالْمُتَّقُونَ فِیهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَ مَشْیُهُمُ التَّوَاضُعُ

غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ

نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِی الْبَلَاءِ کَالَّتِی نُزِّلَتْ فِی الرَّخَاءِ وَ لَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِی کَتَبَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِی أَجْسَادِهِمْ طَرْفَهَ عَیْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ

عَظُمَ الْخَالِقُ فِی أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِی أَعْیُنِهِمْ فَهُمْ وَ الْجَنَّهُ کَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِیهَا مُنَعَّمُونَ وَ هُمْ وَ النَّارُ کَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِیهَا مُعَذَّبُونَ

قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَهٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَهٌ وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِیفَهٌ وَ حَاجَاتُهُمْ‏خَفِیفَهٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِیفَهٌ

صَبَرُوا أَیَّاماً قَصِیرَهً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَهً طَوِیلَهً تِجَارَهٌ مُرْبِحَهٌ یَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَادَتْهُمُ الدُّنْیَا فَلَمْ یُرِیدُوهَا وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا

أَمَّا اللَّیْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِینَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ یُرَتِّلُونَهَا تَرْتِیلًا یُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ یَسْتَثِیرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ

فَإِذَا مَرُّوا بِآیَهٍ فِیهَا تَشْوِیقٌ رَکَنُوا إِلَیْهَا طَمَعاً وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَیْهَا شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْیُنِهِمْ وَ إِذَا مَرُّوا بِآیَهٍ فِیهَا تَخْوِیفٌ أَصْغَوْا إِلَیْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِیرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِیقَهَا فِی أُصُولِ آذَانِهِمْ

فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَ أَکُفِّهِمْ وَ رُکَبِهِمْ وَ أَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ یَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِی فَکَاکِ رِقَابِهِمْ

وَ أَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِیَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْیَ الْقِدَاحِ یَنْظُرُ إِلَیْهِمُ النَّاظِرُ فَیَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَ یَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِیمٌ

لَا یَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِیلَ وَ لَا یَسْتَکْثِرُونَ الْکَثِیرَ فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ

إِذَا زُکِّیَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا یُقَالُ لَهُ فَیَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِی مِنْ غَیْرِی وَ رَبِّی أَعْلَمُ بِی مِنِّی بِنَفْسِی اللَّهُمَّ لَاتُؤَاخِذْنِی بِمَا یَقُولُونَ وَ اجْعَلْنِی أَفْضَلَ مِمَّا یَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِی مَا لَا یَعْلَمُونَ

فَمِنْ عَلَامَهِ أَحَدِهِمْ أَنَّکَ تَرَى لَهُ قُوَّهً فِی دِینٍ وَ حَزْماً فِی لِینٍ وَ إِیمَاناً فِی یَقِینٍ وَ حِرْصاً فِی عِلْمٍ وَ عِلْماً فِی حِلْمٍ

وَ قَصْداً فِی غِنًى وَ خُشُوعاً فِی عِبَادَهٍ وَ تَجَمُّلًا فِی فَاقَهٍ وَ صَبْراً فِی شِدَّهٍ وَ طَلَباً فِی حَلَالٍ وَ نَشَاطاً فِی هُدًى وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ

یَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَهَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ یُمْسِی وَ هَمُّهُ الشُّکْرُ وَ یُصْبِحُ وَ هَمُّهُ الذِّکْرُ یَبِیتُ حَذِراً وَ یُصْبِحُ فَرِحاً حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَهِ وَ فَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَهِ

إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَیْهِ نَفْسُهُ فِیمَا تَکْرَهُ لَمْ یُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِیمَا تُحِبُّ قُرَّهُ عَیْنِهِ فِیمَا لَا یَزُولُ وَ زَهَادَتُهُ فِیمَا لَا یَبْقَى یَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ

تَرَاهُ قَرِیباً أَمَلُهُ قَلِیلًا زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَهً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَکْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ حَرِیزاً دِینُهُ مَیِّتَهً شَهْوَتُهُ مَکْظُوماً غَیْظُهُ الْخَیْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ

إِنْ کَانَ فِی الْغَافِلِینَ کُتِبَ فِی الذَّاکِرِینَ وَ إِنْ کَانَ فِی الذَّاکِرِینَ لَمْ یُکْتَبْ مِنَ الْغَافِلِینَ یَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ یُعْطِی مَنْ حَرَمَهُ

وَ یَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِیداً فُحْشُهُ لَیِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْکَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ‏مُقْبِلًا خَیْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ

فِی الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَ فِی الْمَکَارِهِ صَبُورٌ وَ فِی الرَّخَاءِ شَکُورٌ لَا یَحِیفُ عَلَى مَنْ یُبْغِضُ وَ لَا یَأْثَمُ فِیمَنْ یُحِبُّ

یَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ یُشْهَدَ عَلَیْهِ لَا یُضِیعُ مَا اسْتُحْفِظَ وَ لَا یَنْسَى مَا ذُکِّرَ وَ لَا یُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لَا یُضَارُّ بِالْجَارِ وَ لَا یَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ

وَ لَا یَدْخُلُ فِی الْبَاطِلِ وَ لَا یَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ إِنْ صَمَتَ لَمْ یَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَ إِنْ ضَحِکَ لَمْ یَعْلُ صَوْتُهُ

وَ إِنْ بُغِیَ عَلَیْهِ صَبَرَ حَتَّى یَکُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِی یَنْتَقِمُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِی عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِی رَاحَهٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ

بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَهٌ وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِینٌ وَ رَحْمَهٌ لَیْسَ تَبَاعُدُهُ بِکِبْرٍ وَ عَظَمَهٍ وَ لَا دُنُوُّهُ بِمَکْرٍ وَ خَدِیعَهٍ

قَالَ فَصَعِقَ همام صعقه کانت نفسه فیها

فقال أمیر المؤمنین ( علیه‏ السلام  )

أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ کُنْتُ أَخَافُهَا عَلَیْهِ ثُمَّ قَالَ أَ هَکَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَهُ بِأَهْلِهَا فقال له قائل فما بالک یا أمیر المؤمنین

فقال ( علیه ‏السلام  )وَیْحَکَ إِنَّ لِکُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا یَعْدُوهُ وَ سَبَباً لَا یَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلًا لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّیْطَانُ عَلَى لِسَانِکَ

بسم اللّه الرحمن الرحیم

الحمد للّه الّذى شرح صدور المؤمنین بمصابیح العرفان و الیقین، و نوّر قلوب المتّقین بأنوار التقوى فى الدّین، فاهتدوا إلى المحجّه البیضاء و لزموا الشرع المبین، و سلکوا الجادّه الوسطى و تمسّکوا بالحبل المتین، و فاز العارفون منهم بعظیم الزلفى و حسن الماب، و خرجت أرواح الواصلین منهم من أبدانهم خوفا من العقاب و شوقا إلى الثواب.

و الصّلاه و السّلام على أشرف الأوّلین و الاخرین محمّد سیّد الأنبیاء و المرسلین‏و وصیّه و وزیره الوارث لعلمه، و الحامل لسرّه، و باب مدینه علمه، و دار حکمته علیّ أمیر المؤمنین و سیّد الوصیین، و آلهما الخائضین فی بحار أنوار الحقائق، و الغائصین فی لجج تیّار الدّقائق، أئمه المسلمین الهداه المهدیّین الأطیبین الأنجبین الغرّ المیامین:

هم هداه الورى و هم اکرم
النّاس أصولا شریفه و نفوسا

معشر حبّهم یجلّی الهموم‏
و مزایاهم تحلّی طروسا

کرموا مولدا و طابوا اصولا
و زکوا محتدا و طالوا غروسا

ملاؤا بالولاء قلبی رجاء
و بمدحى لهم ملئت الطروسا

أما بعد فهذا هو المجلّد السّادس من مجلّدات منهاج البراعه فی شرح نهج البلاغه إملاء راجی عفو ربّه الغنی «حبیب اللّه بن محمد بن هاشم الهاشمی العلوى الموسوى» وفّقه اللّه لما یتمنّاه و جعل عقباه خیرا من اولاه إنّه ولیّ الاحسان و الکریم المنّان.

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج۱۲  

و من خطبه له علیه السّلام و هى المأه و الثانیه و التسعون من المختار فى باب الخطب

و هی مرویّه فی الکافی فی باب علامات المؤمن و صفاته باختلاف کثیر تطلع علیه بعد الفراغ، من شرح ما أورده السیّد «ره» فی المتن.

قال «قده» روى أنّ صاحبا لأمیر المؤمنین علیه السّلام یقال له همّام: کان رجلا عابدا فقال له: یا أمیر المؤمنین صف لى المتّقین حتّى کأنّی أنظر الیهم، فتثاقل علیه السّلام عن جوابه ثمّ قال علیه السّلام یا همّام:

إتّق اللّه و أحسن فإنّ اللّه مع الّذین اتّقوا و الّذینهم محسنون، فلم یقنع همّام بذلک القول حتّى عزم علیه فحمد اللّه و أثنى علیه و صلّى على النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ثم قال: أمّا بعد فإنّ اللّه سبحانه خلق الخلق حین خلقهم غنیّا عن طاعتهم، آمنا من معصیتهم، لأنّه لا تضرّه معصیه من عصاه، و لا تنفعه طاعه من أطاعه، فقسّم بینهم معیشتهم، و وضعهم من الدّنیا مواضعهم. فالمتّقون فیها هم أهل الفضائل، منطقهم الصّواب، و ملبسهم الإقتصاد، و مشیهم التّواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه علیهم، و وقفوا أسماعهم على العلم النّافع لهم، نزلت أنفسهم منهم فی البلاء کالّذی نزلت فی الرّخاء، و لو لا الأجل الّذی کتب اللّه لهم لم تستقرّ أرواحهم فی أجسادهم طرفه عین شوقا إلى الثّواب و خوفا عن العقاب.

عظم الخالق فی أنفسهم فصغر ما دونه فی أعینهم، فهم و الجنّه کمن قد رآها فهم فیها منعّمون، و هم و النّار کمن قد رآها فهم فیها معذّبون، قلوبهم محزونه، و شرورهم مأمونه، و أجسادهم نحیفه، و حاجاتهم خفیفه، و أنفسهم عفیفه، صبروا أیّاما قصیره أعقبتهم راحه طویله، تجاره مربحه یسّرها لهم ربّهم، أرادتهم الدّنیا فلم‏یریدوها، و أسرتهم ففدوا أنفسهم منها.

أمّا اللّیل فصافّون أقدامهم تالین لأجزاء القرآن یرتّلونه ترتیلا یحزّنون به أنفسهم و یستثیرون به دواء دائهم، فإذا مروّا بایه فیها تشویق رکنوا إلیها طمعا، و تطلّعت نفوسهم إلیها شوقا، و ظنّوا أنّها نصب أعینهم، و إذا مرّوا بایه فیها تخویف أصغوا إلیها مسامع قلوبهم، و ظنّوا أنّ زفیر جهنّم و شهیقها فی أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم، و أکفّهم و رکبهم و أطراف أقدامهم، یطلبون إلى اللّه تعالى فی فکاک رقابهم. و أمّا النّهار فحلماء، علماء، أبرار، أتقیاء، قد براهم الخوف برى القداح، ینظر إلیهم النّاظر فیحسبهم مرضى و ما بالقوم من مرض، و یقول: قد خولطوا و قد خالطهم أمر عظیم، لا یرضون من أعمالهم القلیل، و لا یستکثرون الکثیر، فهم لأنفسهم متّهمون، و من أعمالهم مشفقون، إذا زکّی أحدهم خاف ممّا یقال له فیقول أنا أعلم بنفسی من غیری و ربّی أعلم منّی بنفسی، ألّلهمّ لا تؤاخذنی بما یقولون، و اجعلنی أفضل ممّا یظنّون، و اغفر لی ما لا یعلمون.

فمن علامه أحدهم أنّک ترى له قوّه فی دین، و حزما فی لین،و إیمانا فی یقین، و حرصا فی علم، و علما فی حلم، و قصدا فی غنى، و خشوعا فی عباده، و تجمّلا فی فاقه، و صبرا فی شدّه، و طلبا فی حلال و نشاطا فی هدى، و تحرّجا عن طمع، یعمل الأعمال الصّالحه و هو على وجل، یمسی و همّه الشّکر، و یصبح و همّه الذّکر، یبیت حذرا، و یصبح فرحا: حذرا لما حذّر من الغفله، و فرحا بما أصاب من الفضل و الرّحمه، إن استصعبت علیه نفسه فیما تکره لم یعطها سؤلها فیما تحبّ قرّه عینه فیما لا یزول، و زهادته فیما لا یبقى، یمزج الحلم بالعلم، و القول بالعمل.

تراه قریبا أمله، قلیلا زلله، خاشعا قلبه، قانعه نفسه، منزورا أکله «أکله خ»، سهلا أمره، حریزا دینه، میّته شهوته، مکظوما غیظه، الخیر منه مأمول، و الشّرّ منه مأمون، إن کان فی الغافلین کتب فی الذّاکرین، و إن کان فی الذّاکرین لم یکتب من الغافلین، یعفو عمّن ظلمه، و یعطی من حرمه، و یصل من قطعه، بعیدا فحشه، لیّنا قوله، غائبا منکره، حاضرا معروفه، مقبلا خیره مدبرا شرّه، فی الزّلازل وقور، و فی المکاره صبور، و فی الرّخاء شکور لا یحیف على من یبغض، و لا یأثم فیمن یحبّ، یعترف بالحق‏ قبل أن یشهد علیه، لا یضیّع ما استحفظ، و لا ینسى ما ذکّر، و لا ینابز بالألقاب، و لا یضارّ بالجار، و لا یشمت بالمصائب، و لا یدخل فی الباطل، و لا یخرج من الحقّ.

إن صمت لم یغمّه صمته، و إن ضحک لم یعل صوته، و إن بغی علیه صبر حتّى یکون اللّه تعالى هو الّذی ینتقم له، نفسه منه فی عناء و النّاس منه فی راحه، أتعب نفسه لاخرته، و أراح النّاس من نفسه، بعده عمّن تباعد عنه زهد و نزاهه، و دنوّه ممّن دنا منه لین و رحمه، لیس تباعده بکبر و عظمه، و لا دنوّه بمکر و خدیعه. قال: فصعق همام صعقه کانت نفسه فیها

فقال أمیر المؤمنین: أما و اللّه لقد کنت أخافها علیه، ثمّ قال علیه السّلام: هکذا تصنع المواعظ البالغه بأهلها، فقال له قائل: فما بالک یا أمیر المؤمنین فقال علیه السّلام: ویحک إنّ لکلّ أجل وقتا لا یعدوه، و سببا لا یتجاوزه فمهلا لا تعد لمثلها فانما نفث الشیطان على لسانک.

اللغه

(عزم) على الأمر یعزم من باب ضرب عزما و معزما و عزمانا و عزیما و عزیمه و عزمه أراد فعله و قطع علیه أوجدّ فیه فهو عازم و عزم الأمر نفسه عزم علیه و عزم على الرّجل اقسم و (الاقتصاد) ضدّ الافراط و (صغر) من باب شرف و فرح صغاره و صغرا و صغرا و صغرانا أى حقر و انحطّ قدره فهو صغیر کحقیر لفظا و معنا و (ثار) ثورا و ثورانا أى هاج و أثار الغبار و استثاره هیّجه.

و (تطلّع) الى وروده استشرف و (صغى) إلى الشی‏ء کرضى مال إلیه و أصغى الیه سمعه أى أماله نحوه و (حنیت) العود حنوا و حناء عطفته فانحنى و تحنّى، و حنت الناقه على ولدها حنوا عطفت و یقال لکلّ ما فیه اعوجاج من البدن کعظم اللّحى و الضلع و نحوهماالحنو بالکسر و الفتح.

و (برى) السّهم و العود و القلم یبریها بریا نحتها و (القداح) جمع القدح بالکسر فیهما و هو السّهم قبل أن یراش و ینصل و (اختلط) فلان و خولط فی عقله أى فسد عقله و اختلّ فهو خلط بیّن الخلاطه أى أحمق، و خالطه مخالطه مازجه و خالطه الدّاء خامره و (تجمل) فلان تزیّن و تکلّف الجمیل و (نزر) الشی‏ء ککرم نزرا و نزاره و نزورا قلّ فهو نزر و نزیر و منزور أى قلیل.

و (اکله) فی بعض النسخ بفتح الهمزه و سکون الکاف فیکون مصدرا و فی بعضها بضمّهما و هو الرّزق و الحظّ من الدّنیا فیکون اسما و (الحریز) الحصین یقال هذا حرز حریز أى حصن حصین و الحریزه من الابل الّتی لا تباع نفاسه و (المنابزه) و التنابز التّعایر و التداعى بالألقاب و (صعق) صعقا کسمع و صعقا بالتحریک و صعقه غشى علیه و الصعق بالتحریک أیضا شدّه الصوت و (نفث) ینفث من باب ضرب و نصر نفخ.

الاعراب

قوله: حین خلقهم ظرف زمان، و فی بعض النسخ حیث خلقهم بدله، و قوله: نزلت أنفسهم منهم فی البلاء کالّذی نزلت فی الرّخاء، اختلف الشّراح فی اعراب قوله کالذی، فقال الشارح المعتزلی تقدیر الکلام من جهه الاعراب: نزلت أنفسهم منهم فی حال البلاء نزولا کالنزول الذی نزلت منهم فی حال الرّخاء، فموضع کالّذی نصب لأنّه صفه مصدر محذوف، و الذی الموصول قد حذف العاید الیه و هو الهاء فی نزلته کقولک: ضربت الّذی ضربت أى ضربت الذی ضربته.

و تبعه على ذلک الشّارح البحرانی حیث قال: و الّذی خلقه مصدر محذوف و الضمیر العاید إلیه محذوف أیضا، و التقدیر: نزلت کالنّزول الّذى نزلته فی الرّخاء ثمّ احتمل وجها آخر و قال: و یحتمل أن یکون المراد بالذی الذین فحذف النّون کما فی قوله تعالى کَالَّذِی خاضُوا و یکون المقصود تشبیه هم حال نزول أنفسهم منهم فی البلاء بالّذین نزلت أنفسهم منهم فی الرّخاء.

و قال بعضهم: إنّه لا بدّ من تقدیر مضاف لأنّ تشبیه الجمع بالواحد لا یصحّ، أى کلّ واحد منهم إذا نزلت فی البلاء یکون کالرّجل الذی نزلت نفسه فی الرّخاء و نحوه قوله تعالى مَثَلُ الَّذِینَ کَفَرُوا کَمَثَلِ الَّذِی یَنْعِقُ.

أقول: و أنت خبیر بأنّ هذه کلّها تکلّفات یأبی عنها الذّوق السّلیم مضافا إلى ما فى الوجه الاخر الذی احتمله البحرانی و کذلک الوجه الأخیر الذی حکیناه عن بعضهم أنّ المنساق من ظاهر کلامه علیه السّلام تشبیه إحدى حالتى المتّقین بحالتهم الاخرى لا تشبیه هم بغیرهم من أهل الرّخاء.

ثمّ بعد الغضّ عن ذلک و البناء على ما ذکر فلا حاجه فی تصحیح تشبیه الجمع بالمفرد إلى تأویل ما هو المفرد ظاهرا بالجمع و المصیر إلى حذف النون کما تمحّله الأوّل، أو تأویل الجمع بالمفرد بالمصیر إلى تقدیر المضاف کما تجشّمه الاخر، لجواز تقدیر موصوف الذی لفظ الرّهط و الجمع و نحوهما ممّا یکون مفردا لفظا و جمعا فی المعنى، و یکون المعنى نزلت أنفسهم منهم فی البلاء کالرّهط أو الجمع الذی نزلت نفسهم منهم فی الرّخاء.
قال نجم الأئمه بعد ما قال بأنه قد یحذف نون الذین مستشهدا

بقول الشاعر:

و إنّ الّذی حانت بفیح دمائهم
هم القوم کلّ القوم یا امّ خالد

و یجوز فی هذا أن یکون مفردا وصف به مقدّر مفرد اللّفظ مجموع المعنی أى و انّ الجمع الّذى و انّ الجیش الّذى کقوله تعالى مَثَلُهُمْ کَمَثَلِ الَّذِی اسْتَوْقَدَ فحمل على اللّفظ أى الجمع الّذى استوقد نارا، ثمّ قال: بنورهم فحمل على المعنی و لو کان فی الایه مخفّفا من الّذین لم یجز إفراد الضّمیر العاید إلیه و کذا قوله تعالى وَ الَّذِی جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولئِکَ هُمُ الْمُتَّقُونَ و هذا کثیر أعنی ذکر الّذی مفردا موصوفا به مقدّر مفردا للّفظ مجموع المعنى و أمّا حذف النّون من الّذین فهو قلیل، انتهى.

و بعد ذلک کلّه فالأقرب عندی أن یجعل الّذى مصدریّا بأن یکون حکمه حکم‏ماء المصدریّه کما ذهب الیه یونس و الأخفش فی قوله سبحانه ذلِکَ الَّذِی یُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِینَ آمَنُوا أى ذلک تبشیر اللّه و کذلک قالا فی قوله تعالى کَالَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ کانُوا و على هذا فیکون المعنی: نزلت أنفسهم منهم فى البلاء مثل نزولها فی الرّخاء و هذا لا تکلّف فیه أصلا.

و قوله: تجاره مربحه، بالرّفع على أنّه خبر محذوف المبتدأ، أى تجارتهم تجاره مربحه، و فی بعض النسخ بالنصب على المصدر أى اتّجروا تجاره.
و قوله: أمّا اللیل فصافون، بالنصب على الظرف، و الناصب، إما لتضمّنها معنی الفعل أو الخبر کما فی نحو قولک: أما الیوم فأنا ذاهب و أمّا إذا قلت اما فی الدّار فزید، فالعامل هو أما لا غیر کما فى قولهم أما العبید فذو عبید، أى مهما ذکرت العبید فهو ذو عبید، هذا.

و یروى بالرّفع على الابتداء فیحتاج إلى العاید فی الخبر أى صافّون أقدامهم فیها و قوله: تالین حال من فاعل صافّون أو من الضمیر المجرور بالاضافه فی أقدامهم: و الأول أولى، و جمله یرتّلونه حال من فاعل تالین، و فی بعض النسخ یرتّلونها، فالضمیر عاید إلى أجزاء القرآن، و نصب أعینهم بنصب النصب على الظرفیه، و یروى بالرّفع على أنه خبر انّ و المصدر بمعنی المفعول.

و قوله: یطلبون إلى اللّه فی فکاک رقابهم، تعدیه الطلب بحرف الجرّ أعنی إلى لتضمینه معنی التضرع و فی للظرفیه المجازیه، أى یتضرّعون إلیه سبحانه فی فکاک رقابهم.
و أما ما قاله الشارح المعتزلی من أنّ الکلام على الحقیقه مقدّر فیه حال محذوفه یتعلّق بها حرف الجرّ أى یطلبون الى اللّه سائلین فى فکاک رقابهم لأنّ طلبت لا یتعدّى بحرف الجرّ فلیس بشى‏ء لأنّ تأویل الطلب بالسؤال لا ینهض باثبات ما رامه کما لا یخفى.

و فى فی قوله: و قوّه فی دین، ظرف لغو متعلّق بقوّه، و فی قوله: و حزما فی لین ظرف مستقرّ متعلّق بمقدّر صفه لقوله حزما، و فى المعطوفات بعد ذلک فی بعضهاظرف لغو و فى بعضها ظرف مستقرّ وصف لسابقه، فتدبّر تفهم.

المعنى

اعلم أنه قد (روى أنّ صاحبا لأمیر المؤمنین) أى رجلا من أصحابه و شیعته و موالیه (یقال له همام) بالتشدید، و هو کما فی شرح المعتزلی همام بن شریح بن یزید بن مرّه بن عمر بن جابر بن یحیى بن الأصهب بن کعب بن الحارث بن سعد ابن عمرو بن ذهل بن سیف بن سعد العشیره.
و فی البحار و الأظهر أنه همام بن عباده بن خثیم ابن أخ الرّبیع بن خثیم أحد الزّهاد الثمانیه کما رواه الکراجکی فی کنزه.

و کیف کان فقد (کان رجلا عابدا) زاهدا ناسکا (فقال له یا أمیر المؤمنین صف لى المتّقین) و اشرح لی حالهم (حتّى کأنى أنظر إلیهم) و ابصر بهم لأقتفی آثارهم و أقتبس أنوارهم.
(فتثاقل علیه السّلام عن جوابه) قال الشارح المعتزلی تثاقله علیه السّلام عن الجواب لعلمه بأنّ المصلحه فى تأخیر الجواب، و لعلّه کان فى مجلسه علیه السّلام من لا یحبّ أن یجیب و هو حاضر، فلما انصرف أجاب، أو لأنّه رأى أنّ تثاقله عنه یزید شوق همام إلى سماعه فیکون أنجع فى موعظته، أو أنه تثاقل عنه لترتیب المعانی و نظمها فى ألفاظ مناسبه ثمّ النطق بها کما یفعله المتروّی فی الخطبه و القریض.

و الأولى ما قاله الشارح البحرانى: من أنه علیه السّلام تثاقل عنه لما رأى من استعداد نفسه لأثر الموعظه و خوفه علیه أن یخرج به خوف اللّه إلى انزعاج نفسه و صعوقها.
(ثمّ) إنه علیه السّلام بعد تثاقله عن الجواب و وصف حال المتّقین تفصیلا لما رآه من المصلحه المقتضیه لترک التفصیل أجابه بجواب إجمالى و (قال) له (یا همام اتّق اللّه و أحسن) یعنى أنّ الفرض علیک القیام بالتقوى و الأخذ بها على قدر ما حصل لک المعرفه به من معناها و حقیقتها من الکتاب و السنه، و تبین لک إجمالا من ماهیّتها کما یعرفها جمیع المؤمنین، و الزائد عن ذلک غیر مفروض علیک و لا یجب البحث عنه‏و قد تقدّم شرح معناها و حقیقتها و بعض ما یترتّب علیها من الثمرات الدنیویّه و الاخرویّه فی شرح الخطبه الرّابعه و العشرین، و قد روینا هناک عن الصّادق علیه السّلام انّه قال فی تفسیرها: أن لا یفقدک اللّه حیث أمرک و لا یراک حیث نهاک، هذا.

و المراد بقوله: و أحسن هو الاحسان فی العمل، یعنی أنّ اللازم علیک الأخذ بالتقوى و القیام بالحسنى من الأعمال الصّالحه.
و هذا الّذى قلنا أولى ممّا قاله الشارح البحرانی من أنّ معنی کلامه أنّه أمره بتقوى اللّه أى فی نفسه أن یصیبها فادح بسبب سؤاله، و أحسن أى أحسن إلیها بترک تکلیفها فوق طوقها.
و کیف کان فلمّا أمره بالتّقوى و الاحسان علّله بقوله (فانّ اللّه مع الّذین اتّقوا و الّذین هم محسنون) ترغیبا له إلى القیام بهما، و هو اقتباس من الایه الشریفه خاتمه سوره النحل، یعنی أنّه سبحانه مع الّذین اتّقوا ما حرّم علیهم و أحسنوا فیما فرض علیهم أى معین لهم و ناصر لهم و هو ولیّهم فى الدّنیا و الاخره.

(فلم یقنع همّام بذلک القول) و لم یکتف بالاجمال (حتّى عزم علیه علیه السّلام) و أقسم و ألحّ فی السؤال.
(ف) أجاب علیه السّلام مسئوله و أنجح مأموله و (حمد اللّه) عزّ و جلّ (و أثنى علیه) بما هو أهله (و صلّى على النبیّ و آله ثمّ قال أما بعد فانّ اللّه سبحانه خلق الخلق حین خلقهم غنیا عن طاعتهم آمنا من معصیتهم).

و انما مهّد هذه المقدّمه لأنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما کان بصدد شرح حال المتقین تفصیلا حسبما اقترحه همام و کان ربما یسبق إلى الأوهام القاصره أنّ ما یأتی به المتّقون من مزایا الأعمال و الصالحات و ما کلّفهم اللّه سبحانه به من محامد الخصال و القربات من أجل حاجه منه تعالى عن ذلک إلیها، قدّم هذه المقدّمه تنبیها على کونه سبحانه منزّها عن ذلک، متعالیا عن صفات النقص و الحاجه فی الأزل کما فی الأبد، و أنه لم یکن غرضه تعالى من الخلق و الایجاد تکمیل ذاته بجلب المنفعه و دفع المضرّه کما فى سایر الصناع البشریه یعملون الصنائع لافتقارهم إلیها و استکمالهم بها بما فی ذاتهم‏من النقص و الحاجه، و أمّا اللّه الحیّ القیّوم فهو الغنىّ الکامل المطلق فی ذاته و صفاته و أفعاله و لم یخلق ما خلقه لتشدید سلطان و لا تخوّف من عواقب زمان و لا استعانه على ندّ مثاور و لا شریک مکائر و لا ضدّ منافر حسبما عرفته فی الخطبه الرّابعه و الستّین و شرحها بما لا مزید علیه.

و هذا معنى قوله (لأنه لا تضرّه معصیه من عصاه و لا تنفعه طاعه من أطاعه) و قد تقدّم فى شرح الخطبه المأه و الخامسه و الثمانین أنّ غرضه من الخلق و الایجاد و من الأمر بالطاعه و الانقیاد هو ایصال النفع إلى العباد و إکمالهم بالتکالیف الشرعیّه و رفعهم بالعمل بها إلى حظایر القدس و محافل الانس.
و قوله (فقسّم بینهم معایشهم و وضعهم من الدّنیا مواضعهم) تفریع على قوله: خلق الخلق لا تقریر و تاکید، لغناه المطلق کما قاله الشارح البحرانی.

و المراد أنه تعالى أعطى کلّ شی‏ء خلقه ثمّ هدى و قسّم بینهم معیشتهم أى ما یعیشون به فى الحیاه الدّنیا من أنواع الرّزق و الخیر و المنافع و النعماء، و وضع کلا منهم موضعه اللّایق بحاله من الفقر و الیسار و الغنى و الافتقار و السعه و الاقتار على ما یقتضیه حکمته البالغه و توجبه المصلحه الکامله کما اشیر الیه فى قوله عزّ و جلّ أَ هُمْ یَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّکَ نَحْنُ قَسَمْنا بَیْنَهُمْ مَعِیشَتَهُمْ فِی الْحَیاهِ الدُّنْیا وَ هذا.

و انما فرّع علیه السّلام هذه الجمله على ما سبق و عقّبه بها لتکون توطئه و تمهیدا بقوله (فالمتّقون فیها هم أهل الفضایل) یعنی أنّ معایش الخلق فى الدّنیا لما کانت بحسب تقسیم اللّه سبحانه و اقتضاء حکمته اقتضى العنایه الالهیه و النظم الأصلح فى حقّ المتّقین بمقتضى کونهم من أهل السبق و القربى أن یکون عیشهم فى الدّنیا بخلاف معایش سایر الخلق و یکون حرکاتهم و سکناتهم و حالاتهم وراء حالات أبناء الدّنیا، فاتّصفوا بالفضایل النفسانیه و تزیّنوا بمکارم الأخلاق و محامد الأوصاف الّتی فصّلها علیه السّلام بالبیان البدیع و التفصیل العجیب.

اولها أنّ (منطقهم الصواب) و هو ضدّ الخطاء یعنى أنهم لا یسکتون عما ینبغی أن یقال فیکونون مفرّطین، و لا یقولون ما ینبغی أن یسکت عنه فیکونون مفرطین‏و یحتمل أن یراد به خصوص توحید اللّه تعالى و تمجیده و الصّلاه على نبیّه و به فسّر فی قوله سبحانه لا یَتَکَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً.

(و) الثانی أنّ (ملبسهم الاقتصاد) أى التوسّط بین الافراط و التفریط، و فی الاسناد توسّع یعنى أنّ لباسهم لیس بثمین جدا مثل لباس المترفین المتکبّرین، و لا بذله کلباس أهل الابتذال و الخسّه و الدّنائه بل متوسّط بین الأمرین.

(و) الثالث أنّ (مشیهم التواضع) و فى الاسناد أیضا توسّع، یعنى أنهم لا یمشون على وجه الأشر و البطر و الخیلاء لنهى اللّه سبحانه عن المشى على هذا الوجه فى قوله «وَ لا تَمْشِ فِی الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّکَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا و أمره بخلافه فى قوله «وَ اقْصِدْ فِی مَشْیِکَ».

و قد روى فى الکافی عن عمرو بن أبی المقدام عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: فیما أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى داود: کما أنّ أقرب الناس من اللّه المتواضعون کذلک أبعد الناس من اللّه المتکبّرون.

(و) الرابع أنهم (غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه علیهم) امتثالا لأمره تعالى به فى قوله قُلْ لِلْمُؤْمِنِینَ یَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ یَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِکَ أَزْکى‏ لَهُمْ أى یغضّوا أبصارهم عما لا یحلّ لهم النظر الیه.
و فى الوسائل من الکافى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام کلّ عین باکیه یوم القیامه إلّا ثلاثه أعین: عین غضّت عن محارم اللّه، و عین سهرت فی طاعه اللّه، و عین بکت فی جوف اللّیل من خشیه اللّه.

(و) الخامس أنّهم (وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم) فی الدّنیا و الاخره الموجب لکمال القوّه النظریه و الحکمه العملیّه، و أعرضوا عن الاصغاء إلى اللّغو و الأباطیل کالغیبه و الغناء و الفحش و الخناء و نحوها، و قد وصفهم اللّه سبحانه بذلک فی قوله «وَ الَّذِینَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ» و فی قوله «وَ الَّذِینَ لا یَشْهَدُونَ الزُّورَ وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا کِراماً».

و السادس أنّهم (نزلت أنفسهم منهم فی البلاء کالّذى نزلت فی الرّخاء) یعنی‏أنّهم موطّنون أنفسهم على ما قدّره اللّه فی حقّهم من الشدّه و الرّخاء و السّراء و الضّراء و الضّیق و السّعه و المنحه و المحنه و محصّله وصفهم بالرّضاء بالقضاء.

روى فی الکافی عن ابن سنان عمّن ذکره عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قلت له: بأیّ شی‏ء یعلم المؤمن بأنّه مؤمن قال علیه السّلام: بالتسلیم للّه و الرّضا فیما ورد علیه من سرور أو سخط.
و فى روایه أخرى فیه عنه علیه السّلام قال: رأس طاعه اللّه الصّبر و الرّضا عن اللّه فیما أحبّ العبد أو کره، و لا یرضى عبد عن اللّه فیما أحبّ أو کره إلّا کان خیرا له فیما أحبّ أو کره.

و عن محمّد بن عذافر عن أبیه عن أبی جعفر علیه السّلام قال: بینا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی بعض أسفاره إذ لقیه رکب فقالوا: السّلام علیک یا رسول اللّه، فقال: ما أنتم فقالوا: نحن المؤمنون یا رسول اللّه، قال: فما حقیقه ایمانکم قالوا: الرّضا بقضاء اللّه، و التفویض الى اللّه، و التسلیم لأمر اللّه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: علماء حکماء کادوا أن یکونوا من الحکمه أنبیاء، فان کنتم صادقین فلا تبنوا ما لا تسکنون، و لا تجمعوا ما لا تأکلون، و اتّقوا اللّه الّذى إلیه ترجعون.

(و) السابع أنه (لو لا الأجل الّذى کتب اللّه لهم لم تستقرّ أرواحهم فی أجسادهم طرفه عین شوقا إلى الثواب و خوفا من العقاب) و هو إشاره إلى غایه نفرتهم عن الدّنیا و فرط رغبتهم إلى الاخره لما عرفوا من عظمه وعده و وعیده، یعنی أنّهم بکلیّتهم متوجّهون إلى العقبى مشتاقون إلى الانتقال إلیها شدّه الاشتیاق، لا مانع لهم من الانتقال إلّا الاجال المکتوبه و عدم بلوغها غایتها.
روى فی الوسائل من الکافی عن أبی حمزه قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام: من عرف اللّه خاف اللّه و من خاف اللّه سخت نفسه عن الدّنیا.

و الثامن أنّه (عظم الخالق فی أنفسهم فصغر ما دونه فی أعینهم) علما منهم بأنّه سبحانه موصوف بالعظمه و الکبریاء و الجلال غالب على الأشیاء کلّها، قادر قاهر علیها، و انّ کلّ من سواه مقهور تحت قدرته داخر ذلیل فی قید عبودیّته، فهوسبحانه عظیم السلطان عظیم الشأن و غیره أسیر فی ذلّ الامکان مفتقر الیه لا یقدر على شی‏ء إلّا باذنه.
و أشار علیه السّلام بهذا الوصف إلى شدّه یقین المتّقین و غایه توکّلهم و أنّ اعتصامهم فی جمیع امورهم به و توکلهم علیه و أنهم لا یهابون معه ممّن سواه.

روى فی الکافی عن أبى بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: لیس شی‏ء إلّا و له حدّ قال: قلت: جعلت فداک فما حدّ التوکّل قال: الیقین، قلت: فما حدّ الیقین قال: ألّا تخاف مع اللّه شیئا.
و عن مفضل عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى داود: ما اعتصم بی عبد من عبادى دون أحد من خلقی عرفت ذلک من نیّته ثمّ تکیده السماوات و الأرض و من فیهنّ الّا جعلت له المخرج من بینهنّ، و ما اعتصم عبد من عبادى بأحد من خلقی عرفت ذلک من نیّته إلّا قطعت أسباب السماوات من یده و أسخت الأرض من تحته و لم ابال بأیّ واد هلک، هذا.

و لما ذکر فی الوصف السابع شدّه اشتیاق المتّقین إلى الجنّه و خوفهم من العقاب أتبعه بقوله (فهم و الجنّه کمن قد رآها فهم فیها منعّمون و هم و النار کمن قد رآها و هم فیها معذّبون) إشاره إلى أنهم صاروا فى مقام الرّجاء و الشوق إلى الثواب و قوّه الیقین بحقایق وعده سبحانه بمنزله من رأى بحسّ بصره الجنّه و سعادتها، فتنعّموا فیها و التذّوا بلذائذها، و فى مقام الخوف من النار و العقاب و کمال الیقین بحقایق وعیده تعالى بمنزله من شاهد النّار و شقاوتها فتعذّبوا بعذابها و تألّموا بالامها.

و محصّله جمعهم بین مرتبتی الخوف و الرّجاء و بلوغهم فیه إلى الغایه القصوى، و هی مرتبه عین الیقین کما قال علیه السّلام مخبرا عن نفسه. لو کشف الغطاء ما ازددت یقینا، و هذه المرتبه أعنی مرتبه عین الیقین مقام جلیل لا یبلغه إلّا الأوحدی من النّاس.

و قد روى فی الکافی عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم صلّى بالنّاس الصبح فنظر إلى شاب فی المسجد و هو یخفق و یهوى برأسه مصفرّا لونه قد نحف جسمه و غارت عیناه فی رأسه، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله:کیف أصبحت یا فلان قال: أصبحت یا رسول اللّه موقنا، فعجب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من قوله و قال: إنّ لکلّ یقین حقیقه فما حقیقه یقینک فقال: إنّ یقینی یا رسول اللّه هو الّذى أحزننی و أسهر لیلى و أظمأ هو اجرى فعزفت نفسی عن الدّنیا و ما فیها حتّى کأنّی أنظر إلى عرش ربّی و قد نصب للحساب و حشر الخلایق لذلک و أنا فیهم، و کانّی أنظر إلى أهل الجنّه یتنعّمون فی الجنّه و یتعارفون على الأرائک یتکئون، و کأنّى أنظر إلى أهل النّار و هم فیها معذّبون مصطرخون، و کأنّى الان أسمع زفیر النّار یدور فى مسامعى، فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: هذا عبد نوّر اللّه قلبه بالایمان ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم له: الزم ما أنت علیه، فقال الشّاب: ادع اللّه لى یا رسول اللّه أن ارزق الشهاده معک، فدعا له رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فلم یلبث أن خرج فی بعض غزوات النّبی فاستشهد بعد تسعه نفر و کان هو العاشر.
و قد مرّ هذا الحدیث فى شرح الخطبه المأه و الثالثه عشر، و رویناه هنا أیضا لاقتضاء المقام کما هو ظاهر.

و التاسع أنّ (قلوبهم محزونه) لما غلب علیهم من الخوف.روى فى الکافى عن معروف بن خربوز عن أبی جعفر علیه السّلام قال: صلّى أمیر المؤمنین علیه السّلام بالناس الصبح بالعراق فلما انصرف و عظهم فبکى و أبکاهم من خوف اللّه ثمّ قال: أما و اللّه لقد عهدت أقواما على عهد خلیلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أنهم لیصبحون و یمسون شعثا غبرا خمصا بین أعینهم کرکب المعزى یبیتون لربّهم سجّدا و قیاما، یراوحون بین أقدامهم و جباههم، و یناجون فى فکاک رقابهم من النار، و اللّه لقد رأیتهم مع هذا و هم خائفون مشفقون.

و فیه عن أبى حمزه عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام قال: صلّى أمیر المؤمنین علیه السّلام الفجر و لم یزل فى موضعه حتّى صارت الشمس على قدر رمح و أقبل على الناس بوجهه فقال: و اللّه لقد أدرکت أقواما یبیتون لربّهم سجدا و قیاما یخالفون بین جباههم و رکبهم کأنّ زفیر النار فى آذانهم، إذا ذکر اللّه عندهم مادوا کما یمید الشجر کأنّما القوم باتوا غافلین، قال علیه السّلام: ثمّ قام فما رئی ضاحکا حتّى قبض.

(و) العاشر أنّ (شرورهم مأمونه) لأنّ مبدء الشرور و المفاسد کلّها و رأس کلّ خطیئه هو حبّ الدّنیا، و المتّقون زاهدون فیها معرضون عنها مجانبون عن شرّها و فسادها.

(و) الحادى عشر أنّ (أجسادهم نحیفه) لا تعاب أنفسهم بالصیام و القیام و قناعتهم بالقدر الضرورى من الطعام.

(و) الثانی عشر أنّ (حاجاتهم خفیفه) لاقتصارهم من حوائج الدّنیا على ضروریّاتها و عدم طلبهم منها أکثر من البلاغ.

(و) الثالث عشر أنّ (أنفسهم عفیفه) أى مصونه عن المحرّمات لکسرهم سوره القوّه الشهویّه.
روى فی الوسائل من الکافى عن منصور بن حازم عن أبی جعفر علیه السّلام قال: ما من عباده أفضل عند اللّه من عفّه فرج و بطن.

و عن عبد اللّه بن میمون القداح عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: کان أمیر المؤمنین علیه السّلام یقول: ما من عباده أفضل من عفّه بطن و فرج

و الرابع عشر أنّهم (صبروا أیاما قصیره أعقبتهم) تلک الأیّام القصیره (راحه طویله) یعنى أنهم صبروا فى دار الدّنیا على طوارق المصائب و على مشاق الطاعات و عن لذّات المعاصى بل احتملوا جمیع مکاره الدّنیا و استعملوا الصبر فى جمیع أهوالها فأوجب ذلک السعاده الدائمه فى الدّار الاخره.

و یدلّ على ذلک ما رواه فى الکافى عن حمزه بن حمران عن أبى جعفر علیه السّلام قال: الجنّه محفوفه بالمکاره و الصبر، فمن صبر على المکاره فى الدّنیا دخل الجنّه، و جهنّم محفوفه باللّذات و الشهوات فمن أعطى نفسه لذّتها و شهوتها دخل النار.
و فیه عن أبی حمزه الثمالی قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام: من ابتلى من المؤمنین ببلاء فصبر علیه کان له مثل أجر ألف شهید.

و فیه عن العزرمی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: سیأتی على النّاس زمان لا ینال فیه الملک إلّا بالقتل و التّجبّر، و لا الغنى إلّا بالغصب و البخل،و لا المحبّه إلّا باستخراج الدّین و اتباع الهوى، فمن أدرک ذلک الزّمان فصبر على الفقر و هو یقدر على الغنى، و صبر على البغضه و هو یقدر على المحبّه، و صبر على الذّل و هو یقدر على العزّ آتاه اللّه ثواب خمسین صدّیقا ممّن صدّق بی، هذا و فی وصف أیّام الصبر بالقصر و الرّاحه بالطول تحریص و ترغیب الیه، و أکّد ذلک بقوله (تجاره مربحه) استعار لفظ التجاره لاکتسابهم الرّاحه فی مقابل الصبر، و رشّح بلفظ الرّبح.

و کونها مربحه باعتبار قصر مدّه الصّبر على المکاره و طول مدّه الرّاحه و فناء الشّهوات الدّنیویّه و اللّذائذ النّفسانیّه و بقاء السّعادات الاخرویّه مضافه إلى خساسه الاولى فی نفسها و حقارتها، و نفاسه الثّانیه و شرافتها.

و أکّد ثالثا بقوله (یسّرها لهم ربّهم) یعنی أنّ فوزهم بتلک النّعمه العظمى و السّعاده الدّائمه قد حصل بتوفیق اللّه سبحانه و تأییده و لطفه، ففیه ایماء إلى توجّه العنایه الرّبانیّه إلیهم و شمول الألطاف الالهیّه علیهم و إلى کونهم بعین رحمه اللّه و کرامته

و الخامس عشر أنّهم (أرادتهم الدّنیا فلم یریدوها) أى أرادت عجوزه الدّنیا أن تفتنهم و تغرّهم و أن یتزوّجوا بها، فأعرضوا عنها و زهدوا فیها بما کانوا یعرفونه من حالها و أنّها قتّاله غوّاله ظاهره الغرور کاسفه النّور یونق منظرها و یوبق مخبرها قد تزیّنت بغرورها و غرّت بزینتها لا تفی بأحد من أزواجها الباقیه کما لم تف بأزواجها الماضیه.

(و) السادس عشر أنّ الدّنیا (أسرتهم ففدوا أنفسهم منها) الأشبه أن یکون المراد بقوله: أسرتهم، هو الاشراف على الاسر، یعنی أنّهم بمقتضى المزاج الحیوانی و القوى النّفسانیّه الّتی لهم کاد أن تغرّهم الدّنیا فیمیلوا إلیها و یقعوا فی قید اسره و سلسله رقیّته، لکنّهم نظروا إلیها بعین البصیره و عرفوها حقّ المعرفه و غلب عقلهم على شهوتهم فرغبوا عنها و زهدوا فیها و أعرضوا عن زبرجها و زخارفها، فالمراد بفداء أنفسهم منها هو الاعراض عن الزّخارف الدّنیویّه، فکأنّهم بذلوا تلک الزّخارف‏لها و خلصوا أنفسهم منها.

و إنّما أتى بالواو فی قوله: أرادتهم الدّنیا و لم یریدوها، و بالفاء فی قوله: و أسرتهم ففدوا أنفسهم منها، لعدم التّرتیب بین الجملتین المتعاطفتین فى القرینه السّابقه، بخلاف هذه القرینه فانّ الفدیه مترتّبه على الاسر کما لا یخفى.
و السابع عشر اتّصافهم بالتهجّد و قیام اللیل و إلیه أشار بقوله (أمّا اللیل فصافّون أقدامهم) فیها للصّلاه علما منهم بما فیه من الفضل العظیم و الأجر الخطیر و قد مدح اللّه القیام فیها و القائمین فی کتابه الکریم بقوله «سِیماهُمْ فِی وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ».

قال الصّادق علیه السّلام فی تفسیره: هو السّهر فی الصّلاه و بقوله «أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّیْلِ ساجِداً وَ قائِماً یَحْذَرُ الْآخِرَهَ وَ یَرْجُوا رَحْمَهَ رَبِّهِ» و قال تعالى أیضا إِنَّ ناشِئَهَ اللَّیْلِ هِیَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِیلًا».
قال الصّادق علیه السّلام فیه قیام الرّجل عن فراشه یرید به وجه اللّه تعالى عزّ و جلّ لا یرید به غیره.
و کفى فى فضله ما رواه فی الفقیه عن جابر بن إسماعیل عن جعفر بن محمّد عن أبیه علیهما السّلام أنّ رجلا سأل علیّ بن أبی طالب عن قیام اللّیل بالقرآن، فقال علیه السّلام ابشر: من صلّى من اللیل عشر لیله مخلصا ابتغاء ثواب اللّه قال اللّه لملائکته: اکتبوا لعبدی هذا من الحسنات عدد ما انبت فی اللیل من حبّه و ورقه و شجره و عدد کلّ قصبه و خوص و مرعى.

و من صلّى تسع لیله أعطاه اللّه عشر دعوات مستجابات و أعطاه اللّه کتابه بیمینه.
و من صلّى ثمن لیله أعطاه اللّه أجر شهید صابر صادق النّیه و شفّع فی أهل بیته.
و من صلّى سبع لیله خرج من قبره یوم یبعث و وجهه کالقمر لیله البدر حتى‏یمرّ على الصراط مع الامنین و من صلّى سدس لیله کتب من الأوابین و غفر له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر.
و من صلّى خمس لیله زاحم إبراهیم خلیل الرّحمن فی قبّته.
و من صلّى ربع لیله کان فی أوّل الفائزین حتى یمرّ على الصراط کالریح العاصف و یدخل الجنه بلا حساب.
و من صلّى ثلث لیله لم یلق ملکا إلّا غبطه لمنزلته من اللّه و قیل ادخل من أىّ أبواب الجنه شئت.
و من صلّى نصف لیله فلو اعطى ملؤ الأرض ذهبا سبعین ألف مرّه لم یعدل جزاه و کان له بذلک عند اللّه أفضل من سبعین رقبه یعتقها من ولد إسماعیل علیه السّلام.

و من صلّى ثلثی لیله کان له من الحسنات قدر رمل عالج أدناها حسنه أثقل من جبل احد عشر مرّات.
و من صلّى لیله تامّه تالیا لکتاب اللّه راکعا و ساجدا و ذاکرا اعطى من الثواب ما أدناه یخرج من الذنوب کما ولدته امّه، و یکتب له عدد ما خلق اللّه من الحسنات و مثلها درجات و یثبت النّور فی قبره و ینزع الاثم و الحسد من قلبه، و یجار من عذاب القبر و یعطى براءه من النّار و یبعث من الامنین، و یقول الربّ لملائکته یا ملائکتی انظروا إلى عبدى أحیا لیله ابتغاء مرضاتی اسکنوه الفردوس و له فیها مأئه ألف مدینه فى کلّ مدینه جمیع ما تشتهى الأنفس و تلذّ الأعین و لم یخطر على بال سوى ما أعددت له من الکرامه و المزید و القربه، هذا.
و لما وصف قیامهم بالصّلاه فی اللّیل أشار إلى قراءتهم و وصف قراءتهم تفصیلا بقوله (تالین لأجزاء القرآن) فانّ البیوت الّتی یتلى فیها القرآن تضی‏ء لأهل السّماء کما تضی‏ء الکواکب لأهل الأرض کما روى فی غیر واحد من الأخبار و تکثر برکتها و تحضرها الملائکه و تهجرها الشّیاطین کما رواه فی الکافی عن ابن القداح عن أبی عبد اللّه علیه السّلام عن أمیر المؤمنین علیه السّلام.

(یرتّلونه ترتیلا) قال فی مجمع البحرین: التّرتیل فی القرآن التّأنی و تبیین الحروف بحیث یتمکّن السّامع من عدّها.
و فى الکافی عن عبد اللّه بن سلیمان قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِیلًا قال: قال أمیر المؤمنین علیه السّلام: بیّنه تبیانا و لا تهذّه هذّ الشّعر، و لا تنثره نثر الرّمل، و لکن افزعوا قلوبکم القاسیه و لا یکن همّ أحدکم آخر السّوره.

و فى مجمع البحرین عن أمیر المؤمنین علیه السّلام: ترتیل القرآن حفظ الوقوف و بیان الحروف، و فسّر الوقوف بالوقف التامّ و هو الوقوف على کلام لا تعلّق له بما بعده لا لفظا و لا معنا، و بالحسن و هو الّذی له تعلّق، و فسّر الثانی بالاتیان بالصّفات المعتبره عند القراءه من الهمس و الجهر و الاستعلاء و الاطباق.

و عن الصّادق علیه السّلام الترتیل أن تتمکث فیه و تحسن به صوتک، و إذا مررت بایه فیها ذکر الجنه فاسأل اللّه الجنه، و إذا مررت بایه فیها ذکر النار فتعوّذ باللّه من النار.
و قوله علیه السّلام (یحزنون به أنفسهم) أى یقرؤنه بصوت حزین.
روى فی الکافی عن ابن أبی عمیر عمّن ذکره عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: إنّ القرآن نزل بالحزن فاقرءوه بالحزن.
و فى الوسائل من الکافی عن حفص قال: ما رأیت أحدا أشدّ خوفا على نفسه من موسى بن جعفر علیهما السّلام و لا أرجى للناس منه، و کانت قراءته حزنا، فاذا قرء فکأنه یخاطب إنسانا.

و قوله: (و یستثیرون به دواء دائهم) الظاهر أنّ المراد بدائهم هو داء الذّنوب الموجب للحرمان من الجنّه و الدّخول فی النّار، و بدوائه هو التّدبّر و التفکّر الموجب لقضاء ما علیهم من الحقّ و سؤال الجنّه و طلب الرّحمه و المغفره و التعوّذ من النّار عند قراءه آیتی الوعد و الوعید.

کما أوضحه و شرحه بقوله (فاذا مرّوا بایه فیها تشویق) إلى الجنّه (رکنوا)أى مالوا و اشتاقوا (إلیها طمعا و تطلعت) أى أشرفت (نفوسهم إلیها شوقا و ظنّوا أنّها نصب أعینهم) أى أیقنوا أنّ تلک الایه أى الجنّه الموعوده بها معدّه لهم بین أیدیهم و إنما جعلنا الظنّ بمعنی الیقین لما قد مرّ من اتّصافهم بعین الیقین و أنهم و الجنّه کمن قد رآها فهم فیها منعّمون.

(و إذا مرّوا بایه فیها تخویف) و تحذیر من النار (أصغوا) أى أمالوا (إلیها مسامع قلوبهم و ظنّوا) أى علموا (أنّ زفیر جهنّم و شهیقها) أى صوت توقدها (فى اصول آذانهم) أو المراد زفیر أهلها و شهیقهم، و الزّفیر إدخال النفس و الشهیق إخراجه، و منه قیل: إنّ الزّفیر أوّل الصوت و الشهیق آخره، و الزّفیر من الصّدر و الشهیق من الحلق، و کیف کان فالمراد أنهم و النار کمن قد رآها فهم فیها معذّبون.

و محصل المراد أنّ المتّقین یقرؤن القرآن بالتّرتیل و الصوت الحسن الحزین و یشتدّ رجاؤهم عند قراءه آیات الرّجا و خوفهم عند تلاوه آیات الخوف.
روى فی الوسائل عن الشیخ عن البرقی و ابن أبی عمیر جمیعا عن بعض أصحابنا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: ینبغی للعبد إذا صلّى أن یرتّل فی قراءته فاذا مرّ بایه فیها ذکر الجنّه و ذکر النار سأل اللّه الجنه و تعوّذ باللّه من النار، و إذا مرّ بیا أیها الناس و یا أیها الّذین آمنوا یقول لبّیک ربّنا.

و عنه عن عثمان بن عیسى عن سماعه قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام ینبغی لمن قرء القرآن إذا مرّ بایه فیها مسأله أو تخویف أن یسأل عند ذلک خیر ما یرجو و یسأل العافیه من النار و من العذاب.
و فیه عن الکلینی عن الزّهرى فی حدیث قال: کان علیّ بن الحسین علیهما السّلام إذا قرء مالک «ملک» یوم الدّین یکرّرها حتى یکاد أن یموت، هذا.

و لما ذکر علیه السّلام وصف قیامهم و قراءتهم أشار إلى رکوعهم بقوله (فهم حانون) أى عاطفون (على أوساطهم) یعنی أنّهم یحنون ظهرهم فى الرّکوع أى یمیلونه فی استواء من رقبتهم و من ظهرهم من غیر تقویس.

و أشار إلى سجودهم بقوله (مفترشون لجباههم واه کفّهم و رکبهم و أطراف أقدامهم)أى باسطون لهذه الأعضاء السبعه فی حاله السجده على الأرض قال سبحانه وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً.
قال فی مجمع البیان روى أنّ المعتصم سأل أبا جعفر محمّد بن علیّ بن موسى الرّضا علیه السّلام عن هذه الایه فقال علیه السّلام: هی الأعضاء السبعه التی یسجد علیها.

و فى الوسائل عن الشیخ باسناده عن زراره قال: قال أبو جعفر علیه السّلام قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: السجود على سبعه أعظم: الجبهه، و الیدین، و الرّکبتین، و الابهامین من الرّجلین، و ترغم بأنفک إرغاما أمّا الفرض فهذه السبعه و أمّا الارغام بالأنف فسنّه من النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

و قوله علیه السّلام (یطلبون إلى اللّه تعالى فی فکاک رقابهم) إشاره إلى العلّه الغائیّه لهم من عباداتهم اللیلیه، یعنى أنهم یتضرّعون الیه سبحانه و یلحّون فی فکاک رقابهم من النار و ادخالهم الجنه.
و الثامن عشر اتّصافهم بأوصاف یطلع علیها النّاظرون لهم نهارا، و إلیه أشار بقوله (و أمّا النّهار فحلماء علماء أبرار أتقیاء) یعنی أنّهم متّصفون بالحلم و العلم و البرّ و التّقوى.

أما الحلم فهو فضیله متوسّطه بین رذیلتی المهانه و الافراط فی الغضب، و هو من جنود العقل و یقابله السّفه و هو من جنود الجهل، کما فی الحدیث المرویّ فی الکافی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام.
قال صدر المتألهین فی شرح الکافی: الحلم الاناه و هو من شعب الاعتدال فی الغضب، و السفه الخفّه و الطیش، و سفه فلان رأیه إذا کان مضطربا لا استقامه له فیکون من شعب الافراط فی الغضب ضدّ الحلم الذی من شعب الاعتدال فیه.

و قال بعض شرّاح الکافی: الحلم الاناه و التثبّت فی الامور، و هو یحصل عن الاعتدال فى القوّه الغضبیه و یمنع من الانفعال عن الواردات المکروهه المؤذیه، و من آثاره عدم جزع النفس عند الامور الهایله و عدم طیشها فى المؤاخذه و عدم صدورحرکات غیر منتظمه منها و عدم إظهار المزیه على الغیر و عدم التهاون فى حفظ ما یجب حفظه شرعا و عقلا.

أقول و یشهد بفضل هذا الوصف: ما رواه فى الکافى عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ اللّه یحبّ الحییّ الحلیم العفیف المتعفّف.
و عن سعید بن یسار عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: إذا وقع بین رجلین منازعه نزل ملکان فیقولان للسفیه منهما: قلت و قلت و أنت أهل لما قلت ستجزى بما قلت، و یقولان للحلیم منهما: صبرت و حلمت سیغفر اللّه لک إن أتممت ذلک، قال: فان ردّه الحلیم علیه ارتفع الملکان، هذا.

و فى بعض النسخ بدل قوله علیه السّلام فحلماء: فحکماء بالکاف فیفید اتّصافهم بالحکمه و هو أیضا من جنود العقل، و یقابله الهوى و هو من جنود الجهل کما فى الحدیث الذی أشرنا إلیه.
قال صدر المتألهین فى شرح هذا الحدیث من الکافى: الحکمه هى العلم بحقایق الأشیاء کما هى بقدر الطاقه و العمل على طبقه، و الهوى الرّأى الفاسد و اتّباع النفس شهواتها الباطله، و یحتمل أن یکون المراد بالحکمه ما یستعمل فى کتب الأخلاق و هو التوسط فى القوّه الفکریّه بین الافراط الذی هو الجربزه و التفریط الذى هو البلاهه فیکون المراد بالهوى الجربزه بما یلزمها من الاراء الفاسده و العقائد الباطله، لأنّها تضادّ الحکمه التی بهذا المعنى، و کلا المعنیین من صفات العقل و ملکاته و مقابلاتهما من صفات الجهل و توابعه.

و أما العلم فهو أیضا من جنود العقل، و یقابله الجهل کما فى الحدیث المتقدّم إلیه الاشاره، و المراد بکونهم علماء کما لهم فی القوّه النظریه بالعلم النظرى الذی هو معرفه الصانع و صفاته و العلم الشرعى الذى هو معرفه تکالیفه و أحکامه.

و أما البر فقد یطلق و یراد به الصادق، و قد یطلق على الذى من عادته الاحسان‏و بهما فسّر قوله «انّه هو البرّ الرّحیم» و کثیرا ما یخصّ الأبرار بالأولیاء و الزّهاد و العبّاد و به فسّر قوله تعالى إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِی نَعِیمٍ أى الأولیاء المطیعون فی الدّنیا و قال فی مجمع البیان فی تفسیر قوله إِنَّ الْأَبْرارَ یَشْرَبُونَ مِنْ کَأْسٍ کانَ مِزاجُها کافُوراً هو جمع البرّ المطیع للّه المحسن فی أفعاله، و قال الحسن: هم الّذین لا یؤذون الذّر و لا یرضون الشرّ و قیل: هم الذین یقضون الحقوق اللازمه و النّافله.

و اما التقوى فالمراد به هنا الخوف، یعنى أنّهم خائفون من اللّه تعالى و تارکون جمیع القبایح البدنیّه و النفسانیّه.
و أشار إلى کمال خوفهم بقوله (قد بریهم الخوف برى القداح) أى نحتهم مثل نحت السّهام و صاروا مثلها فی الدّقه و النحافه و إنّما یفعل الخوف ذلک لاشتغال النّفس المدبّره للبدن به عن النظر فی صلاح البدن و وقوف القوّه الشّهویّه و الغاذیه عن أداء بدل ما یتحلّل.

و قد کان هذا الوصف أعنی کمال الخوف من اللّه سبحانه و نحول البدن من شدّته مأثورا عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام.
فقد روى المفید فی الارشاد عن أبی جعفر علیه السّلام قال: کان علیّ بن الحسین علیهما السّلام یصلّى فی الیوم و اللّیله ألف رکعه و کانت الرّیح تمیله بمنزله السّنبله.
و فیه أیضا عن عبد اللّه بن محمّد القرشی قال: کان علیّ بن الحسین علیهما السّلام إذا توضّأ یصفرّ لونه فیقول له أهله: ما هذا الّذی یغشاک فیقول: أ تدرون لمن أتأهّب للقیام بین یدیه.

و فیه أیضا عن سعید بن کلثوم عن الصّادق علیه السّلام فی حدیث مدح فیه علیّ بن أبی طالب بما هو أهله و أطراه إلى أن قال: و ما أشبهه من ولده و لا أهل بیته أحد أقرب شبها به فی لباسه و فقهه من علیّ بن الحسین علیهما السّلام، و لقد دخل ابنه أبو جعفر علیه فاذا هو قد بلغ من العباده ما لم یبلغه أحد فرآه قد اصفرّ لونه من السّهر و رمصت عیناه من البکاء و دبرت جبهته و انخرم أنفه من السّجود و ورمت ساقاه و قدماه من‏القیام فی الصّلاه قال أبو جعفر: فلم أملک حین رأیته بتلک الحال البکاء فبکیت رحمه له الحدیث.

و قد کان شیعتهم علیهم السّلام أیضا متّصفون بذلک.
کما رواه فی الوسایل من الخصال عن عمرو بن أبی المقدام عن أبیه قال: قال لی أبو جعفر علیه السّلام یا أبا المقدام إنّما شیعه علىّ الشّاحبون النّاحلون الذّابلون، ذابله شفاههم خمیصه بطونهم متغیّره ألوانهم مصفرّه وجوههم، إذا جنّهم اللّیل اتّخذوا الأرض فراشا و استقبلوا الأرض بجباههم، کثیر سجودهم کثیره دموعهم کثیر دعاؤهم کثیر بکاؤهم یفرح النّاس و هم محزونون.

و فیه من أمالی ابن الشیخ قال: روى انّ أمیر المؤمنین خرج ذات لیله من المسجد و کانت لیله قمراء فأمّ الجبانه و لحقه جماعه یقفون أثره فوقف علیهم ثمّ قال: من أنتم قالوا: شیعتک یا أمیر المؤمنین، فتفرّس فی وجوههم قال: فما لى لا أرى علیکم سیماء الشیعه قالوا: و ما سیماء الشیعه یا أمیر المؤمنین قال: صفر الوجوه من السهر عمش العیون من البکاء حدب الظهور من القیام خمص البطون من الصیام ذبل الشفاه من الدّعاء علیهم غبره الخاشعین، هذا.
و لغلبه الخوف علیهم و نحول أجسادهم و انحلال أعضائهم و شحب ألوانهم من الجدّ و الاجتهاد فی العباده (ینظر إلیهم الناظر فیحسبهم مرضى و) الحال أنه (ما بالقوم من مرض و) لتوجّه نفوسهم بالملاء الأعلى، و خروج أفعالهم عن المعتاده المتعارفه بین الناس (یقول) الناظر لهم إنهم (قد خولطوا) أى اختلّ عقلهم و فسد (و) الحال أنهم ما خولطوا بل (قد خالطهم) أى مازجهم (أمر عظیم) من الخوف فتولهوا لأجله.

التاسع عشر أنّهم (لا یرضون من أعمالهم القلیل) أى لا یقنعون بالقلیل لعلمهم بشرف الغایات المقصوده من العبادات و عظم ما یترتّب علیها من الثمرات، و هو العتق من النار و الدّخول فى الجنه و الوصول إلى رضوان اللّه الذی هو أعظم اللّذات و أشرف الغایات.

و لذلک أنّ أولیاء الدّین و أئمه التقوى و الیقین کان هممهم مقصوره على الجدّ و الاجتهاد و التفرّغ للعباده.
و لقد قام رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کما فى روایه الاحتجاج عن الکاظم عن أبیه عن آبائه عن أمیر المؤمنین علیهم السّلام عشر سنین على أطراف أصابعه حتى تورّمت قدماه و اصفرّ وجهه یقوم اللّیل أجمع حتى عوتب فى ذلک فقال اللّه تعالى «طه ما أَنْزَلْنا عَلَیْکَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏» بل لتسعد به.

و فى روایه الکافى عن أبى بصیر عن الباقر علیه السّلام قال: کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عند عایشه لیلتها فقالت: یا رسول اللّه لم تتعب نفسک و قد غفر لک ما تقدّم من ذنبک و ما تأخّر فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: یا عایشه ألا أکون عبدا شکورا و کان أمیر المؤمنین علیه السّلام یصلّی فى الیوم و اللّیله ألف رکعه، و کذلک ولده علیّ بن الحسین علیهما السّلام حسبما عرفت آنفا.

و روى فى الوسایل من العلل عن أبى حمزه قال: سألت مولاه لعلیّ بن الحسین علیهما السّلام بعد موته فقلت: صفى لى امور علىّ بن الحسین علیهما السّلام فقالت: اطنب أو اختصر فقلت: بل اختصری، قال: ما أتیته بطعام نهارا قطّ و لا فرشت له فراشا بلیل قطّ.

و روى فیه أیضا من العیون عن عبد السلام بن صالح الهروى فى حدیث انّ الرّضا علیه السّلام کان ربما یصلّى فى یومه و لیلته ألف رکعه، و انما ینفتل من صلاته ساعه فى صدر النهار و قبل الزّوال و عند اصفرار الشمس، فهو فى هذه الأوقات قاعد فى صلاه «مصلاه ظ» یناجى ربه.
إلى غیر ذلک من الأخبار الوارده فى وصف عباداتهم علیهم السّلام، و کفى فى تأکد المداومه على العباده و التفرّغ لها بقوله سبحانه وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ.

روى فى الوسایل من العلل بسنده عن جمیل بن درّاج قال: قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام: جعلت فداک ما معنى قول اللّه عزّ و جلّ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ فقال: خلقهم للعباده.

و فیه عن الکلینی عن عمر بن یزید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال فى التوراه مکتوب یا ابن آدم تفرغ لعبادتى أملاء قلبک غنى و لا أکلک إلى طلبک، و علىّ أن أسدّ فاقتک و أملاء قلبک خوفا منّى.
و عن عمر بن جمیع عن أبى عبد اللّه علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: أفضل النّاس من عشق العباده فعانقها و أحبّها بقلبه و باشرها بجسده و تفرغ لها فهو لا یبالى على ما أصبح من الدّنیا على عسر أم یسر.

و عن أبى جمیله قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام: قال اللّه تبارک و تعالى: یا عبادى الصّدیقین تنعّموا بعبادتى فى الدّنیا فانّکم تنعّمون بها فى الاخره.
(و) العشرون أنّهم (لا یستکثرون) من أعمالهم (الکثیر) أى لا یعجبون بکثره العمل و لا یعدّونه کثیرا و ان أتعبوا فیه أنفسهم و بلغوا غایه جهدهم، لمعرفتهم بأنّ ما أتوا به من العبادات و إن بلغت فی کثرتها غایه الغایات زهیده قلیله فی جنب ما یترتّب علیها من الثّمرات، کما أشار إلیه فی الخطبه الثانیه و الخمسین بقوله: فو اللّه لو حننتم حنین الوله العجال و دعوتهم بهدیل الحمام و جأرتم جؤار المتبتّلی الرّهبان و خرجتم إلى اللّه من الأموال و الأولاد التماس القربه الیه فی ارتفاع درجه عنده أو غفران سیئه أحصتها کتبه و حفظها رسله، لکان قلیلا فیما أرجو لکم من ثوابه و أخاف علیکم من عقابه، هذا.

مع ما فی استکثار العمل من العجب الموجب لاهباطه و للوقوع فی الخزى العظیم و العذاب الألیم.
روى فی الوسائل من الخصال عن سعد الاسکاف عن أبی جعفر علیه السّلام قال: ثلاث قاصمات الظّهر: رجل استکثر عمله، و نسى ذنوبه، و أعجب برأیه.

و من الخصال عن عبد الرّحمن بن الحجاج عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال ابلیس: إذا استمکنت من ابن آدم فی ثلاث لم ابال ما عمل فانّه غیر مقبول: إذا استکثر عمله، و نسى ذنبه، و دخله العجب.
و فیه عن الکلینی عن سماعه قال: سمعت أبا الحسن علیه السّلام یقول: لا تستکثرواالخیر و لا تستقلّوا قلیل الذّنوب.
و عن الکلینی عن یونس عن بعض أصحابه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حدیث: قال موسى بن عمران لابلیس: أخبرنی بالذّنب الّذى إذا أذنبه ابن آدم استحوذت علیه قال: إذا أعجبته نفسه، و استکثر عمله، و صغر فی عینه ذنبه.

و قال: قال اللّه عزّ و جلّ لداود: یا داود بشّر المذنبین و أنذر الصّدیقین، قال: کیف ابشّر المذنبین و أنذر الصدّیقین قال: یا داود بشّر المذنبین أنی أقبل التوبه و أعفو عن الذّنب، و أنذر الصدّیقین أن لا یعجبوا بأعمالهم فانّه لیس عبد أنصبه للحساب إلّا هلک و لمّا ذکر عدم رضاهم بالقلیل و اعجابهم بالکثیر فرّع علیه قوله (فهم لأنفسهم متّهمون و من أعمالهم مشفقون) یعنی أنّهم یتّهمون أنفسهم و ینسبونها إلى التقصیر فی العباده.

روى فی الوسائل عن الکلینی عن سعد بن أبی خلف عن أبی الحسن موسى علیه السّلام قال: قال لبعض ولده: یا بنیّ علیک بالجدّ و لا تخرجنّ نفسک من حدّ التقصیر فی عباده اللّه عزّ و جل فانّ اللّه لا یعبد حقّ عبادته.
و عن الفضل بن یونس عن أبی الحسن علیه السّلام قال: أکثر من أن تقول: اللّهم لا تجعلنی من المعارین و لا تخرجنی من التقصیر، قال: قلت له: أمّا المعارون فقد عرفت إنّ الرّجل یعار الدّین ثمّ یخرج منه، فما معنی لا تخرجنی من التقصیر فقال: کلّ عمل ترید به وجه اللّه فکن فیه مقصّرا عند نفسک فانّ النّاس کلّهم فی أعمالهم فیما بینهم و بین اللّه مقصّرون إلّا من عصمه اللّه.

و عن أبی عبیده الحذاء عن أبی جعفر علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: قال اللّه عزّ و جلّ: لا یتّکل العاملون لی على أعمالهم الّتی یعملونها لثوابی، فانّهم لو اجتهدوا و أتّعبوا أنفسهم أعمارهم فی عباداتی کانوا مقصّرین غیر بالغین فی عبادتهم کنه عبادتی فیما یطلبون عندى من کرامتی و النعیم فی جنّاتی و رفیع الدّرجات العلی فی جوارى و لکن برحمتی فلیتّقوا «فلیثقواظ»، و فضلی فلیرجوا، و الى حسن الظنّ بی فلیطمئنّوا و أمّا اشفاقهم من أعمالهم فخوفهم من عدم قبولها أو من عدم کونها جامعهلشرائط الصّحه و الکمال على الوجه الّذی یلیق به تعالى فیؤاخذوا به، و قد مدح اللّه سبحانه المؤمنین بذلک فی قوله «وَ الَّذِینَ یُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَهٌ».
روى فى الصافى من الکافى عن الصادق علیه السّلام أنّه سئل عن هذه الایه فقال: هى اشفاقهم و رجاؤهم یخافون أن تردّ علیهم أعمالهم إن لم یطیعوا اللّه و یرجون أن تقبل منهم.

و فى مجمع البیان قال أبو عبد اللّه علیه السّلام: معناه خائفه أن لا یقبل منهم.
و فى الوسائل من الکافى عن عبد الرّحمن بن الحجاج قال: قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام الرّجل یعمل العمل و هو خائف مشفق ثمّ یعمل شیئا من البرّ فیدخله شبه العجب به فقال علیه السّلام: هو فى حاله الأولى و هو خائف أحسن حالا منه فى حال عجبه.

الحادى و العشرون أنّه (إذا زکی أحدهم) أى وصف و مدح بما فیه من محامد الأوصاف و مکارم الأخلاق و مراقبه العبادات و مواظبه الطاعات (خاف مما یقال له) و اشمئزّ منه (فیقول أنا أعلم بنفسى) أى بعیوبها (من غیری و ربّی أعلم منّی بنفسی) و إنّما یشمئزّ و یخاف من التّزکیه لکون الرّضا بها مظنّه الاعجاب بالنفس و الادلال بالعمل.
و لهذه النّکته أیضا نهى اللّه سبحانه عن تزکیه النفس قال تعالى فَلا تُزَکُّوا أَنْفُسَکُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى‏ أى لا تثنوا علیها بزکاء العمل و زیاده الخیر و الطهاره من المعاصى و الرّذائل، فانّه یعلم التّقى و غیره منکم قبل أن یخرجکم من صلب آدم.
قال فى مجمع البیان: أى لا تعظّموها و لا تمدحوها بما لیس لها فانّى أعلم بها، و قیل: معناه لا تزکوها بما فیها من الخیر لیکون أقرب إلى النسک و الخشوع، و أبعد من الرّیا هو أعلم بمن برّ و أطاع و أخلص العمل.
و روى فى الصافى من العلل عن الصّادق علیه السّلام أنّه سئل عنها قال: یقول: لا یفتخر أحدکم بکثره صلاته و صیامه و زکاته و نسکه، لأنّ اللّه عزّ و جل أعلم بمن اتّقى منکم.

و قوله (اللهمّ لا تؤاخذنی بما یقولون و اجعلنى أفضل مما یظنّون و اغفر لى‏ما لا یعلمون) أى لا تؤاخذنی بتزکیه المزکین التی هى مظنه الاعجاب الموجب للسخط و المؤاخذه، و اجعلنى أفضل مما یظنّون فى التّقوى و الورع، و اغفر لى الهفوات و الاثام التی أنت عالم بها و هى مستوره عنهم و على ما ذکرنا فهذه الجمله الدّعائیه متمّ کلام المتّقین الذى حکاه علیه السّلام عنهم، یعنى إذا زکی أحدهم یخاف منه و یجیب المزکّى بقوله: أنا أعلم بنفسى اه، و یدعو ربه بقوله: اللهمّ لا تؤاخذنی اه.

و العجب من الشارح المعتزلی حیث زعم أنّ هذه الجمله من کلام أمیر المؤمنین نفسه لا حکایه عن المتّقین قال: و قوله: اللهمّ لا تؤاخذنی بما یقولون، إلى آخر الکلام مفرد مستقلّ بنفسه منقول عنه علیه السّلام أنه قاله لقوم مرّ علیهم و هم مختلفون فى أمره فمنهم الحامد له و منهم الذّام فقال: اللهمّ لا تؤاخذنی اه، و معناه: اللهمّ إن کان ما ینسبه الذّامون إلىّ من الأفعال الموجبه للذمّ حقا فلا تؤاخذنی بذلک، و اغفر لى ما لا یعلمونه من أفعالى، و ان کان ما یقوله الحامدون حقا فاجعلنى أفضل مما یظنّونه فیّ، انتهى.

و الأظهر ما ذکرنا کما لا یخفى، هذا.
و لما ذکر جمله من أوصافهم الجمیله أردفها بسایر أوصافهم التی بها یعرفون و قال: (فمن علامه أحدهم أنک ترى له قوّه فى دین) أى تراه متصلّبا فیه لا یؤثّر فیه تشکیک المشکک و لا ینخدع بخداع الناس.
(و حزما فی لین) أى یکون لینه عن حزم و تثبّت لا عن مهانه و قال الشارح البحرانی یکون له الحزم فی الامور الدّنیویه و التّثبّت فیها ممزوجا باللّین للخلق و عدم الفظاظه، و هی فضیله العدل فی المعامله مع الخلق.

(و ایمانا فی یقین) أى ایمانا مع یقین، فانّ الایمان و هو معرفه الصّانع و الرّسول و التّصدیق بما جاء به من عند اللّه لما کان قابلا للشدّه و الضّعف، فتاره یکون عن وجه التقلید و هو الاعتقاد المطابق لا لموجب، و اخرى عن وجه العلم و هو الاعتقاد المطابق لموجب هو الدّلیل، و ثالثه عن العلم به مع العلم بأنّه لا یکون إلّا کذلک و هو علم الیقین، أراد أنّ علمهم باصول العقائد علم یقین لا یتطرّق إلیه احتمال‏و فى الکافی عن جابر قال: قال لی أبو عبد اللّه علیه السّلام: یا أخا جعفی انّ الایمان أفضل من الاسلام و إنّ الیقین أفضل من الایمان، و ما من شی‏ء أعزّ من الیقین.

و عن علیّ بن إبراهیم عن محمّد بن عیسى عن یونس قال: سألت أبا الحسن الرّضا علیه السّلام عن الایمان و الاسلام فقال: قال أبو جعفر علیه السّلام: إنّما هو الاسلام و الایمان فوقه بدرجه و التقوى فوق الایمان بدرجه، و الیقین فوق التقوى بدرجه، و لم یقسّم بین النّاس شی‏ء أقلّ من الیقین، قال: قلت: فأىّ شی‏ء الیقین قال: التوکّل على اللّه و التسلیم للّه، و الرّضا بقضاء اللّه، و التفویض إلى اللّه، قلت: فما تفسیر ذلک قال: هکذا قال أبو جعفر علیه السّلام.
قال بعض شرّاح الکافی فی شرح هذا الحدیث: الاسلام هو الاقرار و الایمان إما التصدیق أو التّصدیق مع الاقرار، و على التقدیرین فهو فوق الاسلام بدرجه أما على الثانی فظاهر و أمّا على الأوّل فلأنّ التصدیق القلبی أفضل و أعلى من الاقرار اللّسانی کما أنّ القلب أفضل من اللّسان، و التقوى فوق الایمان بدرجه لأنّ التقوى هو التجنّب عمّا یضرّ فی الاخره و إن کان ضرره یسیرا، و الیقین فوق التقوى لأنّ التقوى قد لا یکون فی مرتبه الیقین، و هی الّتی أشار إلیها أمیر المؤمنین علیه السّلام بقوله: لو کشف الغطاء لما ازددت یقینا.

(و حرصا فی علم) أى و حرصا فی طلب العلم النّافع فى الاخره و الازدیاد منه (و علما فى حلم) أى علما ممزوجا بالحلم و قد مرّ توضیحه فى شرح قوله و أمّا النّهار فعلماء حلماء.
(و قصدا فى غنى) یحتمل أن یکون المراد اقتصاده فى طلب المال و تحصیل الثروه، یعنى أنّه لا یجاوز الحدّ فى کسب المال و تحصیل الغنى بحیث یؤدّى إلى فوات بعض ما علیه من الفرائض کما هو المشاهد فی أبناء الدّنیا، و أن یکون المراد أنّه مع غناه مقتصد فى حرکاته و سکناته و مصارف ماله بل جمیع أفعاله یعنى أنّ غناه لم یوجب طغیانه و خروجه عن القصد و تجاوزه عن الحدّ کما قال تعالى کَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَیَطْغى‏ أَنْ رَآهُ.

(و خشوعا فى عباده) أى خضوعا و تذللا فى عباداته، و قد وصف اللّه المؤمنین بذلک فى قوله «الَّذِینَ هُمْ فِی صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ» قال فى مجمع البیان أى خاضعون متواضعون متذلّلون لا یدفعون أبصارهم عن مواضع سجودهم و لا یلتفتون یمینا و شمالا.
و روى أنّ النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم رأى رجلا یعبث بلحیته فی صلاته فقال: أما انّه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه.

و فی هذا دلاله على أنّ الخشوع فی الصّلاه یکون بالقلب و بالجوارح، فأمّا بالقلب فهو أن یفرغ قلبه بجمیع الهمّه لها و الاعراض عمّا سواها فلا یکون فیه غیر العباده و المعبود، و أمّا بالجوارح فهو غضّ البصر و الاقبال علیها و ترک الالتفات و العبث قال ابن عبّاس خشع فلا یعرف من على یمینه و من على یساره.
(و تجمّلا فی فاقه) أى یتعفّف و یظهر الغنى فی حال فقره و یترک السّؤال و یستر ما هو علیه من الفقر، و أصل التجمّل هو تکلّف الجمیل.

و قد مدح اللّه سبحانه أصحاب الصفه بذلک فی قوله «لِلْفُقَراءِ الَّذِینَ أُحْصِرُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ لا یَسْتَطِیعُونَ ضَرْباً فِی الْأَرْضِ» و کانوا نحوا من أربعمائه من فقراء المهاجرین یسکنون صفّه مسجد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یستغرقون أوقاتهم بالتعلّم و العباده و کانوا یخرجون فی کلّ سریّه یبعثها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یظنّهم الجاهل بحالهم و باطن امورهم أغنیاء من التعفّف أى من أجل التعفّف و الامتناع من السّؤال و التجمّل فى اللّباس و السّتر لما هم علیه من الفقر و سوء الحال طلبا لرضوان اللّه و جزیل ثوابه تعرفهم بسیماهم أى تعرف حالهم بما یرى فى وجوههم من علامه الفقر من رثاثه الحال و صفره الوجه لا یسئلون النّاس أصلا فیکون إلحاح أى إصرار فى السّؤال، فهو من قبیل السّالبه بانتفاء الموضوع مثل قولک: ما رأیت مثله و أنت ترید أنّه لا مثل له فیرى، لا أنّ له مثلا ما رأیته.

قال فى مجمع البیان فى الحدیث: إنّ اللّه یحبّ أن یرى أثر نعمته على عبده‏و یکره البؤس و التّباؤس، و یحبّ الحلیم المتعفّف من عباده و یبغض البذى السّائل الملحف.«» (و صبرا فى شدّه) أى یتحمّل على شداید الدّنیا و مکارهها و یستحقرها بجنب ما یتصوّره من الفرحه بلقاء اللّه و بما بشّر به من عظیم الأجر للصّابرین فى کتابه المبین مضافا إلى ما فیه من التّأسّی و الاتباع للسلف الصالحین من الأنبیاء و المرسلین و أولیاء الدّین.

روى فى الکافى عن حفص بن غیاث قال: قال لى أبو عبد اللّه علیه السّلام: یا حفص إنّ من صبر صبر قلیلا و انّ من جزع جزع قلیلا، ثمّ قال: علیک بالصبر فى جمیع امورک فانّ اللّه عزّ و جلّ بعث محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فأمره بالصبر و الرّفق فقال وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما یَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِیلًا. وَ ذَرْنِی وَ الْمُکَذِّبِینَ أُولِی النَّعْمَهِ و قال تبارک و تعالى وَ لا تَسْتَوِی الْحَسَنَهُ وَ لَا السَّیِّئَهُ ادْفَعْ بِالَّتِی هِیَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِی بَیْنَکَ وَ بَیْنَهُ عَداوَهٌ کَأَنَّهُ وَلِیٌّ حَمِیمٌ وَ ما یُلَقَّاها إِلَّا الَّذِینَ صَبَرُوا فصبر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حتى نالوه بالعظایم و رموه بها، فضاق صدره فأنزل اللّه عزّ و جلّ وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّکَ یَضِیقُ صَدْرُکَ بِما یَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّکَ وَ کُنْ مِنَ السَّاجِدِینَ ثمّ کذّبوه و رموه فحزن لذلک فأنزل اللّه عزّ و جلّ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَیَحْزُنُکَ الَّذِی یَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا یُکَذِّبُونَکَ وَ لکِنَّ الظَّالِمِینَ بِآیاتِ اللَّهِ یَجْحَدُونَ.

وَ لَقَدْ کُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِکَ فَصَبَرُوا عَلى‏ ما کُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا فألزم النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نفسه الصبر فتعدّوا فذکروا اللّه تعالى و کذّبوه فقال: قد صبرت فى نفسى و عرضى و لا صبر لى على ذکر إلهى فأنزل اللّه عزّ و جلّ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَیْنَهُما فِی سِتَّهِ أَیَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ.

فَاصْبِرْ عَلى‏ ما یَقُولُونَ فصبر النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فى جمیع أحواله ثمّ بشر فى عترته بالأئمه و وصفوا بالصبر فقال جلّ ثناؤه «وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّهً یَهْدُونَ بِأَمْرِنالَمَّا صَبَرُوا وَ کانُوا بِآیاتِنا یُوقِنُونَ» فعند ذلک قال صلّى اللّه علیه و آله الصبر من الایمان کالرّأس من الجسد، فشکر اللّه عزّ و جلّ ذلک له فأنزل اللّه عزّ و جلّ وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِینَ کانُوا یُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِی بارَکْنا فِیها وَ تَمَّتْ کَلِمَتُ رَبِّکَ الْحُسْنى‏ عَلى‏ بَنِی إِسْرائِیلَ بِما فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: إنه بشرى و انتقام فأباح اللّه عزّ و جلّ له قتال المشرکین فأنزل فَاقْتُلُوا الْمُشْرِکِینَ حَیْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ کُلَّ مَرْصَدٍ و اقْتُلُوهُمْ حَیْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ فقتلهم اللّه على یدی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و أحبائه و عجّل له ثواب صبره مع ما ادّخر له فى الاخره، فمن صبر و احتسب لم یخرج من الدّنیا حتى یقرّ اللّه عینه فى أعدائه مع ما ادّخر له فى الاخره.

(و طلبا فى حلال) أى یطلب الرّزق من الحلال و یقتصر علیه و لا یطلبه من الحرام.
روى فى الوسایل عن الکلینىّ باسناده عن أبى حمزه الثمالى عن أبى جعفر علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى حجه الوداع: ألا إنّ الرّوح الأمین نفث فى روعى أنه لا تموت نفس حتى تستکمل رزقها فاتّقوا اللّه و أجملوا فى الطلب و لا یخفنکم استبطاء شی‏ء من الرّزق أن تطلبوه بمعصیه اللّه، فانّ اللّه تبارک و تعالى قسّم الأرزاق بین خلقه حلالا و لم یقسّمها حراما، فمن اتّقى و صبر آتاه اللّه برزقه من حلّه و من هتک حجاب السرّ «کذا» و عجل فأخذه من غیر جلّه قصّ به من رزقه الحلال و حوسب علیه یوم القیامه و فیه عن المفید فى المقنعه قال: قال الصادق علیه السّلام الرّزق مقسوم على ضربین أحدهما واصل إلى صاحبه و ان لم یطلبه، و الاخر معلّق بطلبه، فالذى قسّم للعبد على کلّ حال آتیه و إن لم یسع له، و الذى قسّم له بالسعى فینبغى أن یلتمسه من وجوهه و هو ما أحلّه اللّه له دون غیره، فان طلبه من جهه الحرام فوجده حسب علیه برزقه و حوسب به.

(و نشاطا فى هدى) أى خفه و اسراعا فیه، و بعباره اخرى أن یکون سلوکه لسبیل اللّه و اتیانه بالعبادات المشروعه الموصله إلى رضوان اللّه سبحانه بطیب النفس‏و على وجه الخفّه و السهوله لا عن الکسل و التغافل، و ذلک ینشأ عن قوّه الیقین فیما وعد اللّه المتّقین من الجزاء الجمیل و الأجر العظیم بخلاف أهل الرّیا فانّه یکسل فى الخلوه و ینشط بین الناس.

کما روى فى الوسایل عن الکلینىّ عن السکونیّ عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال أمیر المؤمنین علیه السّلام: ثلاث علامات للمرائى: ینشط إذا رأى الناس، و یکسل إذا کان وحده، و یحبّ أن یحمد فى جمیع اموره.

(و تحرّجا عن طمع) أى تجنّبا عنه أى لا یطمع فیما فی أیدى النّاس لعلمه بأنّه من الرّذایل النّفسانیّه و منشأ المفاسد العظیمه لأنّه یورث الذّل و الاستخفاف و الحقد و الحسد و العداوه و الغیبه و ظهور الفضایح و المداهنه لأهل المعاصی و النّفاق و الرّیا و سدّ باب النّهى عن المنکر و الأمر بالمعروف و ترک التّوکّل على اللّه و التّضرع إلیه و عدم الرّضا بقسمه إلى غیر ذلک ممّا لا یحصى.

روى فی الکافی عن سعدان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال قلت له: الّذى یثبت الایمان فی العبد قال: الورع و الذى یخرجه منه قال: الطمع.
و عن الزّهری قال: قال علیّ بن الحسین علیهما السّلام: رأیت الخیر کلّه قد اجتمع فی قطع الطمع مما فی أیدى الناس.
و فیه مرفوعا عن أبی جعفر علیه السّلام قال: بئس العبد عبد له طمع یقوده و بئس العبد عبد له رغبه تذلّه.
(یعمل الأعمال الصالحه و هو على و جل) أى على خوف من ردّها و عدم قبولها لعدم اقترانها بالشرایط المقتضیه للقبول کما قال تعالى وَ الَّذِینَ یُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَهٌ و قد مضى توضیح ذلک فی شرح قوله علیه السّلام من هذه الخطبه: و من أعمالهم مشفقون.

(یمسی و همه الشکر و یصبح و همه الذّکر) قال الشارح البحرانی أى یکون همّه عند المساء الشکر على ما رزق بالنهار و ما لم یرزق، و یصبح و همّه ذکر اللّه لیذکره اللّه فیرزقه من الکمالات النفسانیه و البدنیّه کما قال تعالى فَاذْکُرُونِی‏ فَاذْکُرُونِی أَذْکُرْکُمْ وَ اشْکُرُوا لِی وَ لا أقول: ما ذکره (ره) قاصر عن تأدیه المراد غیر واف بافاده نکته تقیید الاهتمام بالذکر بالصباح و الاهتمام بالشکر بالمساء، فالأولى أن یقال: أما کون همّه مقصورا على الذّکر فی الصباح فلتأکّد استحباب الذکر فیه و یدلّ علیه ما رواه فی الوسایل من مجالس الصدوق باسناده عن عمیر بن میمون قال: رأیت الحسن بن علیّ علیهما السّلام یقعد فی مجلسه حین یصلّى الفجر حتى تطلع الشمس، و سمعته یقول سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: من صلّى الفجر ثمّ جلس فی مجلسه یذکر اللّه حتى تطلع الشمس ستره اللّه من النار ستره اللّه من النار ستره اللّه من النار.

و فیه أیضا من المجالس عن أنس فی حدیث قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعثمان ابن مظعون: من صلّى الفجر فی جماعه ثمّ جلس یذکر اللّه حتى یطلع الشمس کان له فی الفردوس سبعون درجه بعد ما بین درجتین کحضر الفرس الجواد المضمر سبعین سنه.

و فیه عن الشیخ عن ابن عمر عن الحسن بن علیّ علیهما السّلام قال: سمعت أبی علیّ بن أبی طالب علیه السّلام یقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: أیما امرء جلس فی مصلّاه الذی صلّى فیه الفجر یذکر اللّه حتى تطلع الشمس کان له من الأجر کحجاج بیت اللّه و غفر له.

و النکته الاخرى فی ذلک أنّ اللّه سبحانه لما خلق النهار لتحصیل المعاش و طلب الرّزق و الابتغاء من فضله کما أنّه خلق اللّیل للدّعه و السّکون و الراحه و النوم و کان للذکر عند الصباح مدخل عظیم فی الرّزق لا جرم کان اهتمامهم بالذکر فیه أما أن خلق النهار للرّزق و المعاش فلقوله سبحانه وَ جَعَلْنا نَوْمَکُمْ سُباتاً. وَ جَعَلْنَا اللَّیْلَ لِباساً. وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً و أما أنّ الذّکر فى الصبح جالب للرّزق.

فلما رواه فى الوسائل عن الصادق علیه السّلام قال: الجلوس بعد صلاه الغداه فی التعقیب و الدعاء حتى تطلع الشمس أبلغ فی طلب الرّزق من الضرب فی الأرض و فیه عن الکلینی عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول: لجلوس الرّجل فى دبر صلاه الفجر إلى طلوع الشمس أنفذ فی طلب الرزق من‏رکوب البحر، قلت: قد یکون للرجل الحاجه یخاف فوتها فقال علیه السّلام: یدلج فیها و لیذکر اللّه عزّ و جلّ فانه فی تعقیب ما دام على وضوئه.

و بمعناهما أخبار اخر لا نطیل بروایتها.
و اما کون همّه بالشکر عند المساء، فلأنّ المساء ضدّ الصّباح و إذا کان طلب الرّزق و استنزال النعمه بالذّکر فى أوّل النّهار حسبما عرفت، فناسب أن یکون الشکر على النعم النّازله فى النّهار فى آخره کما هو واضح.
(یبیت حذرا و یصبح فرحا) الظاهر عدم القصد إلى تخصیص الحذر بالبیات و الفرح بالصّباح، و إنّما المراد أنّه یبیت و یصبح جامعا بین وظیفتى الخوف و الرّجا، فعبّر عن الخوف بالحذر و عن الرّجاء بالفرح لکونه موجبا للفرح و السرور.
و أشار إلى علّتهما بقوله (حذرا لما حذّر) منه (من الغفله) و التقصیر فى رعایه وظایف العبودیه، لما عرفت فى شرح قوله: فهم لأنفسهم متّهمون و من أعمالهم مشفقون، من عدم جواز إخراج النّفس من حدّ التّقصیر فى عبادته تعالى و إن بولغ فیها.

و بقوله (و فرحا بما أصاب من الفضل و الرّحمه) أى بما وفّق له من فضل اللّه سبحانه و ما تفضّل به علیه من دین الاسلام و موالاه محمّد و آل محمّد علیهم السّلام و ما أتى صلّى اللّه علیه و آله و سلّم به من شرایع الأحکام، فانّ ذلک کلّه فضل منه عزّ و جلّ و رحمه یوفّق له من یشاء من عباده کما قال تعالى وَ لا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِینَکُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى‏ هُدَى اللَّهِ. أَنْ یُؤْتى‏ أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِیتُمْ أَوْ یُحاجُّوکُمْ عِنْدَ.

و یحتمل أن یکون المراد بما أصاب خصوص ما أتى به من الفروعات العملیّه و العبادات الشرعیه الموجبه لفضل اللّه و رحمته علیه فى الاخره، فیکون محصل المراد بهذه الجمله سروره و فرحه بحسناته، لما فیها من رجاء الأجر و الثواب، و بالجمله السابقه مساءته و خوفه من الغفله لما فیها من الوزر و العقاب.
روى فى الوسائل عن الکلینی، عن مسعده بن صدقه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: من سرّته حسنته و ساءته سیّئته فهو مؤمن.

و عن سلیمان عمّن ذکره عن أبى جعفر علیه السّلام قال: سئل النّبى صلّى اللّه علیه و آله عن خیار العباد فقال: الّذین إذا احسنوا استبشروا، و إذا أساؤا استغفروا، و إذا اعطوا شکروا، و إذا ابتلوا صبروا، و إذا غضبوا غفروا.
(ان استصعبت علیه نفسه فیما تکره لم یعطها سؤلها فیما تحبّ) لما کان من شأن المتّقى کراهته للمعاصى و محبّته للحسنات، و من شأن نفسه الأماره بالسوء عکس ذلک أى کراهته للحسنات و محبّته للمعاصى یقول علیه السّلام إنّ نفسه إن لم تطعه و لم یتمکّن له فى إتیان العبادات و الحسنات التی تکرهها و کان میلها و محبّتها فی السیئات لم یعطها سؤلها و لا یطاوعها فیما ترید، بل یقهرها على خلاف ما تکره و تحبّ، و محصّله أنّه یجاهد نفسه لعلمه بأنّها عدوّ له.

روى فى الوسائل عن الکلینی عن أحمد بن محمّد بن خالد رفعه قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام لرجل: اجعل قلبک قرینا برّا و ولدا واصلا و اجعل علمک والدا تتبعه و اجعل نفسک عدوّا تجاهده و اجعل مالک عاریه تردّها.
و فیه عن الصّدوق قال: و من ألفاظ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: الشّدید من غلب نفسه.
و عن الصّدوق عن المفضّل بن عمر قال قال الصّادق جعفر بن محمّد علیهما السّلام: من لم یکن له واعظ من قلبه و زاجر من نفسه و لم یکن له قرین مرشد استمکن عدوّه من عنقه.

و هذا الجهاد أعنى مجاهده النفس هو الّذى سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بالجهاد الأکبر کما مرّ فى الحدیث الّذى رویناه فى شرح الخطبه الخامسه و الثمانین و مضى هنالک أیضا بعض الأخبار المناسبه لهذا المقام فلینظر ثمّه.
(قرّه عینه فیما لا یزول) أى سروره و ابتهاجه المستلزم لقرّه عینه فى الباقیات الصالحات و السعادات الاخرویّه الباقیه.

(و زهادته فیما لا یبقى) أى زهده فى الدّنیا و زخارفها الفانیه.
(یمزج الحلم بالعلم) قد مرّ الوصف بالحلم و العلم فى قوله: و أما النهار فحلماء علماء، و قدّمنا هناک تفسیر معناهما و لا حاجه إلى الاعاده و إنّما أعاد علیه السّلام الوصف بهماقصدا إلى أنّه قد خلط حلمه بعلمه یعنى قد تزیّن مع علمه بالحلم و الوقار و لیس بعالم سفیه جبّار.

کما قال أبو عبد اللّه علیه السّلام فى روایه الکافى: اطلبوا العلم و تزیّنوا معه بالحلم و الوقار و تواضعوا لمن تعلّمونه العلم و تواضعوا لمن طلبتم منه العلم، و لا تکونوا علماء جبّارین فیذهب باطلکم بحقّکم.
و فیه باسناده عن معاویه بن وهب عن أبی عبد اللّه علیه السلام قال: کان أمیر المؤمنین علیه السّلام یقول: یا طالب العلم إنّ للعالم ثلاث علامات: العلم، و الحلم، و الصّمت، و للمتکلّف ثلاث علامات: ینازع من فوقه بالمعصیه، و یظلم من دونه بالغلبه، و یظاهر الظّلمه.

و فیه بسند مرفوع عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال: قال علیه السّلام لا یکون السّفه و الغرّه فی قلب العالم، هذا.
و قال بعض الشارحین: معنى قوله یمزج الحلم بالعلم أنّه یحلم مع العلم بفضیله الحلم لا کحلم بعض الجاهلین عن ضعف النفس و عدم المبالات بما قیل له و فعل به، و لا بأس به.

(و) یمزج (القول بالعمل) أى یکون عمله موافقا لقوله بأن یأمر بالمعروف و یأتی به، و ینهى عن المنکر و یتناهى عنه، و یعد و یفی بوعده لا أن یقول ما لا یفعل و یعد فیخلف فیستحقّ بذلک السخط العظیم و المقت الشدید قال تعالى یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ کَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» و قال «فَکُبْکِبُوا فِیها هُمْ وَ الْغاوُونَ.
روى فی الکافی عن أبی بصیر عن أبی جعفر علیه السّلام فی هذه الایه قال: هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثمّ خالفوه إلى غیره.

(تراه قریبا أمله) لأنّ بعد الأمل و طوله ینشأ من حبّ الدّنیا و نسیان الاخره، حسبما عرفته تحقیقا و تفصیلا فی شرح الخطبه الثانیه و الأربعین، و المؤمن المتّقی لزهده فی الدّنیا و نفرته عنها و اشتیاقه إلى الاخره لا یطول له الأمل البتّه کماهو ظاهر (قلیلا زلله) أى خطاه و ذنبه لما له من ملکه العداله المانعه من ارتکاب الکبائر و إصرار الصغائر.
(خاشعا قلبه) أى خاضعا ذلیلا من تصوّر عظمه الربّ المتعال جلّ جلاله (قانعه نفسه) بما قدّره اللّه تعالى فی حقّه راضیه بالقسم المقسوم مستغنیه عن الناس.

روى فی الکافی باسناده عن جابر عن أبی جعفر علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: من أراد أن یکون أغنی النّاس فلیکن بما فی ید اللّه أوثق منه بما فی ید غیره.
و فیه عن عمر بن أبی المقدام عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: مکتوب فی التوراه یا ابن آدم کن کیف شئت کما تدین تدان من رضی من اللّه بالقلیل من الرّزق قبل اللّه منه الیسیر من العمل، و من رضی بالیسیر من الحلال خفّت مؤنته و زکت مکسبته و خرج من حدّ الفجور.

و فیه عن محمّد بن عرفه عن أبی الحسن الرّضا علیه السّلام قال: من لم یقنعه من الرّزق إلّا الکثیر لم یکفه من العمل إلّا الکثیر، و من کفاه من الرّزق القلیل فانّه یکفیه من العمل القلیل.
(منزورا اکله) أى قلیلا، فانّ الجوع و التقلیل من الطعام یورث رقّه القلب و صفاء الذّهن و انفاذ البصیره و ایقاد القریحه و الاستعداد للذّه المناجاه و التأثّر بالذّکر و الموعظه، مضافا إلى ما فیه من المنافع الکثیره الّتی أشرنا إلیها فی شرح الفصل الثانی من الخطبه المأه و التاسعه و الخمسین.

و کفى فی فضله أنّ فیه تأسّیا بالسّلف الصالحین من الأنبیاء و المرسلین و الأئمه المعصومین و أصحابهم الأکرمین حسبما عرفت فی شرح الخطبه المذکوره فلیراجع ثمّه.
(سهلا أمره) أى خفیف المؤنه لا یتکلّف لأحد و لا یکلّفه فانّ شرّ الأخوان من یتکلّف له.
(حریزا دینه) أى محرزا محفوظا من تطرّق الشکوک و الشّبه لرسوخه و کونه عن علم الیقین المانع من عروض الاحتمال و الخلل حسبما عرفت فی شرح قوله‏و ایمانا فی یقین.

(میته شهوته) قال الشارح البحرانی لفظ الموت مستعار لخمود شهوته عما حرّم علیه و یعود إلى العفّه.
أقول روى فی الکافی عن السّکونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ثلاث أخافهنّ على امتى بعدی: الضلاله بعد المعرفه، و مضلّات الفتن، و شهوه البطن و الفرج و فیه عن میمون القداح قال: سمعت أبا جعفر علیه السّلام: یقول: ما من عباده أفضل من عفّه بطن و فرج.

و عن عبد اللّه بن میمون القداح عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: کان أمیر المؤمنین علیه السّلام یقول: أفضل العباده العفاف.
و فى الوسائل عن الصّدوق باسناده عن أمیر المؤمنین علیه السّلام فى وصیّته لمحمّد ابن الحنفیّه قال: و من لم یعط نفسه شهوتها أصاب رشده.
(مکظوما غیظه) أى محبوسا و کظم الغیظ حبسه و تکلّف الحلم عند هیاج الغضب قال تعالى وَ الْکاظِمِینَ الْغَیْظَ وَ الْعافِینَ عَنِ النَّاسِ مدحهم بهذه الصفه یعنی أنّهم یحبسون غیظهم و یتجرّعونه عند القدره.

روى فی الکافی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن بعض أصحابه عن مالک بن حصین السّکونی قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام: ما من عبد کظم غیظا إلّا زاده اللّه عزّ و جلّ عزّا فی الدّنیا و الاخره و قد قال اللّه عزّ و جلّ وَ الْکاظِمِینَ الْغَیْظَ وَ الْعافِینَ عَنِ النَّاسِ وَ اللَّهُ یُحِبُّ الْمُحْسِنِینَ و أثابه اللّه مکان غیظه ذلک.
و فیه باسناده عن أبی حمزه قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام: ما من جرعه یتجرّعها العبد أحبّ إلى اللّه عزّ و جلّ من جرعه غیظ یتجرّعها عند تردّدها فی قلبه إمّا بصبر و إمّا بحلم.

و عن سیف بن عمیره قال: حدّثنى من سمع أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول: من کظم غیظا و لو شاء أن یمضیه أمضاه ملأ اللّه قلبه یوم القیامه رضاه و عن أبی حمزه عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: من أحبّ السبیل إلى اللّه عزّ و جلّ جرعتان: جرعه غیظ تردّها بحلم و جرعه مصیبه تردّها بصبر.

و الأخبار فی فضله کثیره و قد عقد فی الکافی بابا علیه و ما أوردناها کافیه فی المقام.
(الخیر منه مأمول) لکثره الخیرات الصّادره منه و غلبتها الموجبه لأن یرجى و یؤمّل منه خیره.
(و الشرّ منه مأمون) لملکه التّقوى المانعه من إقدامه على الشرور الباعثه على الأمن من شرّه.
(ان کان فی الغافلین کتب فی الذاکرین) قال الشّارح المعتزلی و البحرانی و غیرهما: یعنى أنّه إن کان مع الغافلین عن ذکر اللّه و فی عدادهم کتب فی الذاکرین لکونه ذاکرا للّه بقلبه و إن لم یذکره بلسانه.
أقول: و الأظهر عندى أنّ الغرض به الاشاره إلى دوام ذکره، یعنی أنّه مع کونه بین الغافلین و فی مجلسهم لا یغفل عن ذکره عزّ و جلّ کغفلتهم عنه، بل یداوم علیه و یکتب فی زمره الذّاکرین لعلمه بأنّ الذّکر فی الغافلین یوجب مزید الأجر.

و یدل علیه ما فی الکافی عن علیّ بن إبراهیم عن أبیه عن ابن أبی عمیر عن الحسین بن مختار عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: الذّاکر للّه عزّ و جلّ فی الغافلین کالمقاتل فی المحاربین.
و عنه عن أبیه عن النّوفلی عن السّکونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام: قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: ذاکر اللّه فی الغافلین کالمقاتل عن الفارّین، و المقاتل عن الفارّین له الجنّه و فى الوسائل عن الشیخ باسناده عن أبی ذر عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: قال: یا أبا ذر الذاکر فی الغافلین کالمقاتل فی الفارّین فی سبیل اللّه.
و فیه من عدّه الدّاعی قال: قال النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: من ذکر اللّه فی السوق مخلصا عند غفله الناس و شغلهم بما فیه کتب اللّه له ألف حسنه و غفر اللّه له یوم القیامه مغفره لم تخطر على قلب بشر.

(و إن کان فی الذاکرین لم یکتب من الغافلین) لعدم غفلته عن الذّکر، لأنه مع عدم غفلته عنه مع کونه بین الغافلین کما عرفت آنفا فعدم غفلته عنه إذا کان فی‏الذّاکرین بطریق اولى، و یجوز أن یراد به معنی آخر و هو الاشاره إلى کون ذکره عن وجه الخلوص و القربه و عدم کتبه من الغافلین لأجل ذلک، و أمّا غیره فربما یکتب من الغافلین و إن کان ذاکرا لعدم کون ذکره عن وجه الاخلاص بل بقصد الرّیا کما قال تعالى فی حقّ المنافقین «إِنَّ الْمُنافِقِینَ یُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ وَ إِذا قامُوا إِلَى الصَّلاهِ قامُوا کُسالى‏ یُراؤُنَ النَّاسَ وَ لا یَذْکُرُونَ اللَّهَ».

قال بعض المفسّرین: إنّما وصف الذّکر بالقلّه لأنّه سبحانه لم یقبله و کلّ ما ردّه اللّه فهو قلیل.
روى الطبرسی فی مجمع البیان عن العیاشی باسناده عن مسعده بن زیاد عن أبی عبد اللّه علیه السّلام عن آبائه علیهم السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سئل فیم النّجاه غدا قال: النّجاه أن لا تخادعوا اللّه فیخدعکم فانّه من یخادع اللّه یخدعه و نفسه یخدع لو شعر، فقیل: إنّه فکیف یخادع اللّه، قال: یعمل بما أمره اللّه ثمّ یرید به غیره، فاتّقوا الرّیا فانّه شرک باللّه إنّ المرائی یدعى یوم القیامه بأربعه أسماء: یا کافر، یا فاجر، یا غادر، یا خاسر، حبط عملک و بطل أجرک و لا خلاق لک الیوم فالتمس أجرک ممّن کنت تعمل به.

فقد ظهر بذلک أنّ الذّکر المشوب بالرّیا غیر مکتوب فی صحایف الحسنات بل فی صحایف السیّئات، و الذّاکر کذلک مکتوب فی الخائبین الخاسرین فضلا عن الغافلین، هذا.
و لا یخفى حسن المقابله و المطابقه بین هذه القرینه و القرینه السابقه من کلامه علیه السّلام و هی من مقابله الثلاثه بالثلاثه.

(یعفو عمّن ظلمه و یعطی من حرمه و یصل من قطعه) هذه الصّفات الثلاث من مکارم الأخلاق و محامد الخصال، فالاولى مندرجه تحت الشجاعه، و الثانیه مندرجه تحت السخاء، و الثالثه مندرجه تحت العفّه، و قد ورد الأخبار فی فضلها کثیرا.

منها ما رواه فی الکافی باسناده عن عبد اللّه بن سنان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی خطبه: ألا أخبرکم بخیر خلایق «أخلاق خ» الدّنیا و الاخره: العفو عمّن ظلمک‏و تصل من قطعک، و الاحسان إلى من أساء إلیک، و إعطاء من حرمک.

و عن أبی حمزه الثمالی عن علیّ بن الحسین علیهما السّلام قال: سمعته یقول: إذا کان یوم القیامه جمع اللّه تبارک و تعالى الأوّلین و الاخرین فی صعید واحد ثمّ ینادى مناد أین أهل الفضل، قال: فیقوم عنق من النّاس فتلقّاهم الملائکه فیقولون: و ما کان فضلکم فیقولون: کنّا نصل من قطعنا و نعطى من حرمنا و نعفو عمن ظلمنا، قال: فیقال لهم: صدقتم ادخلوا الجنّه و عن جابر عن أبى جعفر علیه السّلام قال: ثلاث لا یزید اللّه بهنّ المرء إلّا عزّا: الصّفح عمّن ظلمه، و إعطاء من حرمه، و الصّله لمن قطعه.

و الأخبار فی هذا المعنى کثیره أوردها الکلینی فی باب العفو من الکافی و لا مهمّ بنا إلى الاطاله، هذا.
و انّما خصّ العفو بمن ظلمه لقوّه الدّاعی الى الانتقام عنه و حاجه العفو حینئذ إلى مجاهده نفسانیّه کامله و کذلک إعطاء من حرمه وصله من قطعه.
قال بعض شرّاح الکافی: من صفات الکرام العفو عن الظّلم و التّجاوز عن المسی‏ء، و من صفات اللّئام الانتقام و طلب التّشفی و المعاقبه لدفع الغیظ و هو آفه نفسانیه تغیّر الجهّال و النّاقصین من أجل تأثّر نفوسهم عن کلّ ما یخالف هواها.

و أمّا إعطاء من حرمک فالمقصود به أنّه إذا أحسنت إلى أحد و لم یقابل إحسانک باحسان أو قابلک بالاساءه و الکفران، فلا ترغب عن احسانه بکفرانه، فانّه إذا لم یشکرک فقد یشکرک غیره و لو لم یشکرک أحد فانّ اللّه یحبّ المحسنین کما نطق به الکتاب المبین، و کفى شرفا و فضلا بأن تخاطب بخطاب أین أهل الفضل یوم حشر الأوّلین و الاخرین.

و أمّا صله من قطعک فالمراد بها وصله بالمال و الید و اللّسان و مراقبه أحواله بقدر الامکان لا سیما إذا کان من الأرحام حسبما عرفت فی شرح الفصل الثانی من الخطبه الثّالثه و العشرین على بسط و تفصیل.
(بعیدا فحشه) إن ارید بالفحش معناه الظاهر أى السبّ و بذاءه اللّسان فلا بدّمن صرف لفظ البعید عن ظاهره و جعله کنایه عن العدم، و إن ابقى البعد على ظاهره المفید لاقدامه على الفحش احیانا فلا بدّ من ارتکاب التأویل فی لفظ الفحش و جعل المراد به فضول الکلام و القول القبیح الغیر البالغ إلى حدّ الحرام لئلّا ینافی ملکه العداله و التّقوى الّتى للمتّقى.

و کیف کان فالفحش بمعناه الظاهر من الموبقات العظیمه، و قد حذّر منه فى الأخبار الکثیره و بشّر الفحّاش بالنّار.
مثل ما فى الکافى باسناده عن أبى بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: من علامات شرک الشّیطان الّذى لا یشکّ فیه أن یکون فحاشا لا یبالى بما قال و لا بما قیل له.

و عن عبد اللّه بن سنان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: إذا رأیتم الرّجل لا یبالى ما قال و لا ما قیل له فانّه لغیّه أو شرک شیطان.
و عن سلیم بن قیس عن أمیر المؤمنین علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: إنّ اللّه حرّم الجنّه على کلّ فحّاش بذیّ قلیل الحیاء لا یبالى ما قال و لا ما قیل له، فانّک إن فتّشته لم تجده إلّا لغیّه أو شرک شیطان قیل: یا رسول اللّه و فى النّاس شرک شیطان فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: أما تقرء قول اللّه عزّ و جل وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِکَ قال: و سأل رجل فقیها هل فى النّاس من لا یبالى ما قیل له قال: من تعرّض النّاس بشتمهم و هو یعلم انّهم لا یترکونه فذلک لا یبالى ما قال و لا ما قیل له.

و عن سماعه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام: قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: إنّ من شرّ عباد اللّه من تکره مجالسته لفحشه.
و عن أبى عبیده عن أبی عبد اللّه علیه السّلام: قال: البذاء من الجفاء و الجفاء فى النّار.
(لیّنا قوله) أى یتکلّم بالرّفق و لا یغلظ فى کلامه، فانّ الرّفق فى القول یوجب المحبّه و یجلب الالفه و یدعو إلى الاجابه عند الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر و لذلک أمر اللّه عزّ و جل موسى و هارون علیهما السّلام عند بعثهما إلى فرعون بأن یقولا له قولا لیّنا لیکون أسرع إلى القبول و أبعد من النّفور.

و روى فى الکافى باسناده عن عمّار السّاباطى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: کان‏أمیر المؤمنین علیه السّلام یقول: لیجتمع فى قلبک الافتقار إلى النّاس و الاستغناء عنهم، فیکون افتقارک الیهم فى لین کلامک و حسن بشرک، و یکون استغناؤک عنهم فى نزاهه عرضک و بقاء عزّک.
(غائبا منکره حاضراً معروفه) أى مفقودا أعماله القبیحه المحرّمه موجودا أعماله الحسنه المتضمّنه للرّجحان الشرعى من الواجبات و المندوبات.

(مقبلا خیره مدبرا شرّه) یعنى أنّه من الأخیار کثیر الخیر قلیل الشرّ کما وصفه سابقا بقوله: الخیر منه مأمول و الشرّ منه مأمون.
و محصّل معناه أنّ خیره فى إقبال یزید شیئا فشیئا و شرّه فى إدبار ینقص شیئا فشیئا إذ بقدر الزیاده فى طلب الخیر یحصل النّقیصه فى جانب الشرّ لأنّ کثره أحد المتضادّین توجب بمقتضى التضّاد قلّه الاخر کما هو ظاهر.
(فی الزّلازل وقور) یعنی أنّه فی النوازل و الشّداید و الحوادث العظیمه الموجبه لاضطراب النّاس متّصف بشدّه الوقار و الرّزانه و السّکینه و الثّبات کالجبل لا تحرّکه العواصف، و الوقار من جنود العقل و یقابله الخفّه و هی الطیش و العجله من جنود الجهل.

(و فی المکاره صبور و فی الرّخاء شکور) لأنّ الایمان نصفان: نصف صبر و نصف شکر کما فی الحدیث المرفوع فی احیاء العلوم عن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و المتّقی بما له من وصف التّقوى و الایمان قد أکمل بأخذهما کلا شطرى الایمان.
و إنّما کانا نصف الایمان لأنّ الایمان الکامل حسبما عرفت فیما تقدّم هو ما تضمّن العلم و العمل، و کلّ ما یلاقیه العبد من الأعمال ینقسم الى ما ینفعه فی الدّنیا و الاخره و إلى ما یضرّه فیهما، و له بالاضافه إلى ما یضرّه و یکرهه طبعه حال الصبر و بالاضافه الى ما ینفعه حال الشکر.
(لا یحیف على من یبغض) أى لا یظلمه مع قوّه الدّاعی إلى الحیف و هو البغض و العداوه (و لا یأثم فیمن یحبّ) مع قیام الدّاعی إلى الاثم و هو المحبّه.

و محصّل هاتین الفقرتین أنّه لا یخرجه الحبّ و البغض عن تکلیفه الشرعی‏إلى ما یخالفه کما هو شأن قضاه السوء و امراء الجور و وظیفه أهل الهوى و العصبیّه.
(یعترف بالحقّ قبل أن یشهد علیه) لأنّ مسیس الحاجه إلى الاشهاد إنّما یکون فی صوره الانکار و إنکار الحق کذب صریح مناف للتّقوى و العداله.

(لا یضیّع ما استحفظ) أى لا یضیّع ما أمر اللّه بمحافظته من الصلوات الخمس و نحوها من الطاعات قال سبحانه حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاهِ الْوُسْطى‏ و قال أیضا وَ الَّذِینَ یُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَهِ یُؤْمِنُونَ بِهِ وَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ یُحافِظُونَ و بشّر الحافظین لها فی سوره المؤمنین بقوله وَ الَّذِینَ هُمْ عَلى‏ صَلَواتِهِمْ یُحافِظُونَ. أُولئِکَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِینَ یَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِیها خالِدُونَ و فی سوره المعارج بقوله وَ الَّذِینَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ یُحافِظُونَ. أُولئِکَ فِی جَنَّاتٍ مُکْرَمُونَ.

و المراد بمحافظتها محافظه أوقاتها و حدودها و مراعات آدابها و شرایطها و المداومه علیها، و ضدّ المحافظه التّهاون و الأوّل من جنود العقل، و الثانی من جنود الجهل کما فی حدیث الکافی، و المراد بالتضییع هنا الأعمّ من الترک و التهاون و الاخلال بالحدود الموظفه.

(و لا ینسى ما ذکر) التذکّر و النّسیان أمران متقابلان، و الأول من جنود العقل و الثّانی من جنود الجهل.
و توضیح معناهما حسبما أوضحه بعض المحقّقین أنّ الادراک فینا عباره عن حصول الصّوره العقلیّه أو الحسّیه فی قوّه من قوانا، و تلک القوّه هى المسمّاه بالمدرکه، و الحفظ عباره عن وجود تلک الصّوره فی قوّه اخرى فوقها هى المسمّاه بالخزانه و الحافظه، و التّذکّر عباره عن استحضار تلک الصّوره مرّه اخرى من الحافظه بعد اختزانها فیها، و النّسیان عباره عن زوالها عن المدرکه و الحافظه بما هى حافظه جمیعا، و السّهو عباره عن زوالها من المدرکه فقط لا من الحافظه.

إذا عرفت ذلک فأقول: إنّ المراد بقوله لا ینسى ما ذکر أنّه لا ینسى المتّقى ما ذکره اللّه سبحانه بایات کتابه الکریم من الفرائض و الأحکام و العبر و الأمثال و غیرها ممّا فیه تذکره و ذکرى لاولى الألباب، بل یعمل بها و یداوم على ملاحظتهاو یکثر من اخطارها بباله و لا یغیبها عن نظره.

(و لا ینابز بالألقاب) لکون النّبز منهیّا عنه فی الکتاب الحکیم قال سبحانه یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لا یَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ أى لا یدعو بعضکم بعضا باللقب السوء مثل قول الرّجل للرّجل یا کافر یا فاسق یا منافق بئس الشی‏ء تسمیته باسم الفسوق یعنی الکفر بعد الایمان، و النکته فى النهى عنه کونه موجبا للتباغض و العداوه و إثاره الفتن.
(و لا یضارّ بالجارّ) لوجوب کفّ الأذى عن الجار کما صرّح به فی غیر واحد من الأخبار.

روى فی الوسائل عن الکلینی باسناده عن طلحه بن زید عن أبی عبد اللّه عن أبیه علیهما السّلام قال: قال: قرأت فی کتاب علیّ علیه السّلام انّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کتب بین المهاجرین و الأنصار و من لحق بهم من أهل یثرب: انّ الجار کالنفس غیر مضارّ و لا اثم و حرمه الجار على الجار کحرمه امه.

و عن عمرو بن عکرمه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی حدیث انّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أتاه رجل من الأنصار فقال: إنی اشتریت دارا من بنی فلان و انّ أقرب جیرانی منّى جوارا من لا أرجو خیره و لا آمن شرّه، قال: فأمر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم علیا و سلمان و أبا ذر و نسیت آخر و أظنه المقداد أن ینادوا فی المسجد بأعلى صوتهم بأنه: لا ایمان لمن لم یأمن جاره بوایقه، فنادوا بها ثلاثا ثمّ اومى بیده إلى کلّ أربعین دارا من بین یدیه و من خلفه و عن یمینه و عن شماله.
و عن أبی حمزه قال: سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول: المؤمن من آمن جاره بوایقه، قلت: ما بوایقه قال: ظلمه و غشمه.

و فیه عن الصدوق باسناده عن شعیب بن واقد عن الحسین بن زید عن الصادق عن آبائه عن علیّ علیهم السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حدیث المناهی قال: من أذى جاره حرّم اللّه علیه ریح الجنه و مأواه جهنّم و بئس المصیر، و من ضیّع حقّ جاره فلیس منّا و ما زال جبرئیل یوصینی بالجار حتّى ظننت أنه سیورثه، و ما زال یوصینی بالممالیک‏حتى ظننت أنه سیجعل لهم وقتا إذا بلغوا ذلک الوقت اعتقوا، و ما زال یوصینی بالسواک حتى ظننت أنه سیجعله فریضه، و ما زال یوصینی بقیام اللّیل حتى ظننت أنّ خیار امتی لن یناموا.

(و لا یشمت بالمصائب) لأنّ المصائب النازله إنما هى بقضاء من اللّه عزّ و جلّ و قدر و الشامت بسبب نزولها بغیره فی معرض أن تصیبه مثلها فکیف یشمت و یفرح بمصیبه نزلت به.
روى فی الکافی باسناده عن أبان بن عبد الملک عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: لا تبدى الشماته لأخیک فیرحمه اللّه و یصیّرها بک.

و قال علیه السّلام من شمت بمصیبه نزلت بأخیه لم یخرج من الدّنیا حتى یفتتن، هذا.
مضافا إلى أنّ فى الشماته بالمؤمن کسرا لقلبه و إدخالا للحزن علیه، و هو خلاف غرض الشارع.
و لذلک قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إذا رأیتم أهل البلا فاحمدوا اللّه و لا تسمعوهم فانّ ذلک یحزنهم رواه فى الکافی عن حفص بن عمر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم (و لا یدخل فى الباطل و لا یخرج من الحقّ) الأولى أن یراد بالباطل کلّما یبعد من اللّه تعالى، و بالحقّ کلّما یقرب منه عزّ و جلّ، فالمعنى أنه لا یخرج عن سمت الهدى إلى مسلک الضلال و الرّدى.

(إن صمت لم یغمه صمته) لأنه بمقتضى عقله و کماله یضع کلّا من الصمت و الکلام فى موضعه اللّایق به و مقامه المناسب له، فلا یکون داع إلى التکلّم فى مقام مقتض للصمت حتى یکون إمساکه عن التکلّم موجبا لاغتمامه.
و بعباره اخرى الاغتمام بالصمت إنما یکون ممن تعود لسانه بالهذر أى الهذیان و فضول الکلام و اعتاد الخوض فیما لا یعنى، و أهل التقوى لعلمهم بما فى الصمت من الثمرات الدّنیویه و الاخرویه، و بما فى الکلام من المفاسد و الافات الکثیره کالخطاء و الکذب و الغیبه و النمیمه و الرّیا و النفاق و الفحش و الجدال و تزکیه النفس و الخوض‏فى الباطل و الفضول و التحریف و الزّیاده و النقصان و إیذاء الخلق و هتک العورات إلى غیر هذه من الافات اعتادوا أن لا یزیدوا فى کلامهم على قدر الحاجه، و التزموا الصمت إلّا فى مقام الضروره.

و الى ذلک ینظر قول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم طوبى لمن أمسک الفضل من لسانه و أنفق الفضل من ماله.
و قال أمیر المؤمنین علیه السّلام إن کان کلامک من فضّه فأیقن أن السکوت من ذهب و قیل: ألیق شی‏ء یکون فى السجن هو اللسان، و قیل: اللسان صغیر الجرم عظیم الجرم قال ابو بکر بن عیاش: اجتمع أربعه ملوک: ملک الهند و ملک الصین و کسرى و قیصر فقال أحدهم: أنا أندم على ما قلت و لا أندم على ما لم أقل، و قال الثانی: إنى إذا تکلّمت بکلمه ملکتنى و لم أملکها و إذا لم أتکلّم بها ملکتها و لم تملکنى، و قال الثالث: عجبت للمتکلّم إن رجعت علیه کلمته ضرّته و إن لم ترجع لم تنفعه، و قال الرابع: أنا على ردّ ما لم أقل أقدر منى على ردّ ما قلت.
و قد ورد فى مدح الصمت و ذمّ التکلّم من الأخبار ما هو غیر محصور.

مثل ما فى الکافى باسناده عن أحمد بن محمّد بن أبى نصر قال: قال أبو الحسن علیه السّلام: من علامات الفقه العلم و الحلم و الصمت إنّ الصمت باب من أبواب الحکمه إنّ الصمت یکسب المحبه انه دلیل على کلّ خیر.
و عن الحلبى رفعه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: أمسک لسانک فانها صدقه تصدق بها على نفسک ثمّ قال: و لا یعرف عبد حقیقه الایمان حتى یخزن من لسانه.
و عن الحلبى أیضا رفعه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: نجاه المؤمن من حفظ لسانه.
و عن أبى بصیر قال: سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول: کان أبو ذر یقول: یا مبتغى العلم إنّ هذا اللسان مفتاح خیر و مفتاح شرّ فاختم على لسانک کما تختم على ذهبک و ورقک.

و عن عمر بن جمیع عن أبی عبد اللّه علیه السّلام: قال: کان المسیح یقول: لا تکثرواالکلام فى غیر ذکر اللّه فانّ الذین یکثرون الکلام فى غیر ذکر اللّه قاسیه قلوبهم و لکن لا یعلمون.
و عن الوشا قال: سمعت الرّضا علیه السّلام یقول: کان الرّجل من بنى إسرائیل إذا أراد العباده صمت قبل ذلک عشر سنین.

و عن منصور بن یونس عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: فى حکمه آل داود: على العاقل أن یکون عارفا بزمانه مقبلا على شأنه، حافظا للسانه.
إلى غیر هذه ممّا لم نطل بروایتها، و قد مضى بعضها فی شرح الخطبه السّابعه و السّبعین.
(و إن ضحک لم یعل صوته) لأنّ ضحک المؤمن التّبسّم و القهقهه من الشیطان کما رواه فی الوسائل من الکافی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام.

و فیه أیضا من مجالس الشّیخ عن هارون بن عمرو بن عبد العزیز عن محمّد بن جعفر بن محمّد عن أبیه أبی عبد اللّه عن آبائه عن علیّ علیهم السّلام قال: کان ضحک النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم التّبسّم، فاجتاز ذات یوم بفتیه من الأنصار و إذا هم یتحدّثون و یضحکون ملأ أفواههم، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: مه یا هؤلاء من غرّه منکم أمله و قصّر به فی الخیر عمله فلیطلع القبور و لیعتبر بالنّشور و اذکروا الموت فانّه هادم اللّذات و من مجالس الصّدوق بسنده عن معاویه بن عمّار عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال کان بالمدینه رجل بطّال یضحک النّاس فقال: قد أعیانى هذا الرّجل أن اضحکه یعنی علیّ بن الحسین علیهما السّلام، الحدیث و فیه إن علیّ بن الحسین علیهما السّلام قال: قولوا له: إنّ للّه یوما یخسر فیه المبطلون.

و من عیون الأخبار عن الرّضا عن أبیه موسى بن جعفر علیهم السّلام قال: قال الصّادق علیه السّلام: کم ممّن أکثر ضحکه لاغیا یکثر یوم القیامه بکاؤه، و کم ممّن کثر بکاؤه على ذنبه خائفا یکثر یوم القیامه فی الجنّه ضحکه و سروره.

(و إن بغی علیه صبر حتّى یکون اللّه هو الّذی ینتقم له) یعنی إن ظلمه أحدو تعدّى علیه صبر على ذلک و فوّض أمره إلى اللّه عزّ و جلّ حتّى ینتقم له من الباغی لأنّه تعالى قد وعد له النصره فی کتابه العزیز بقوله «ذلِکَ وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِیَ عَلَیْهِ لَیَنْصُرَنَّهُ» أى من جازى الظالم بمثل ما ظلمه ثمّ ظلم علیه لینصرنّه اللّه أى المظلوم الّذی بغى علیه لا محاله، و إنّما یصبر المتّقى على بغى الباغی و لا یجازیه عملا بقوله سبحانه وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَیْرٌ لِلصَّابِرِینَ یعنی إن أردتم معاقبه غیرکم على وجه المجازاه و المکافاه فعاقبوا بقدر ما عوقبتم به و لا تزیدوا علیه و لئن ترکتم المکافاه و القصاص و جرعتم مرارته لهو أى الصّبر خیر و أنفع للصّابرین لما فیه من جزیل الثواب.

(نفسه منه فی عناء و النّاس منه فی راحه) أى نفسه منه فی تعب و مشقّه لمجاهدته لها و مخالفته لهواها و حمله إیّاها على ما تکره و ردعه لها عمّا تحبّ کما عرفت فی شرح قوله علیه السّلام: إن استصعبت علیه نفسه فیما تکره لم یعطها سؤلها فیما تحبّ، کلّ ذلک لعلمه بأنّها أمّاره بالسّوء و أنّها له عدوّ مبین، و لذلک کان النّاس منه فی راحه، لأنّ ایذاء النّاس من هوى الأنفس فاذا کان قاهرا لها على خلاف هواها یکون النّاس مأمونین من شرّها مستریحین من أذاها (أتعب نفسه لاخرته و أراح النّاس من نفسه) و هذه الجمله فی الحقیقه تعلیل و توضیح للجمله السّابقه، لأنّه لما قال هناک: نفسه منه فی عناء، علّله هنا بأنّ إتعابه لنفسه إنّما هو لأجل آخرته.

فقد روى فی الوسائل عن الصّدوق عن شعیب العرقوفی عن الصّادق علیه السّلام: قال: من ملک نفسه إذا رغب و إذا رهب و إذا اشتهى و إذا غضب و إذا رضی حرّم اللّه جسده على النّار.
و لمّا قال ثمّه: النّاس منه فی راحه، أوضحه هنا بأنّ استراحتهم من شرور نفسه لمجاهدته لها.
کما روى فی الوسائل عن الصدوق عن جعفر بن محمّد عن آبائه علیهم السّلام فی وصیّه النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لعلىّ علیه السّلام: قال: یا على أفضل الجهاد من أصبح لا یهمّ بظلم أحد(بعده عمّن تباعد عنه زهد و نزاهه) یعنى بعده عن أهل الدّنیا و عن مجالسهم من باب الزّهد و التباعد عن مکروههم و أباطیلهم.

(و دنوّه ممّن دنا منه لین و رحمه) أى قربه من المؤمنین من باب التعاطف و التواصل کما قال تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِینَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ رُحَماءُ بَیْنَهُمْ.
قال فى مجمع البیان: قال الحسن: بلغ تشدّدهم على الکفّار أن کانوا یتحرّزون من ثیاب المشرکین حتّى لا یلتزق بثیابهم، و عن أبدانهم حتّى لا تمسّ أبدانهم، و بلغ تراحمهم فیهما بینهم أن کان لا یرى مؤمن مؤمنا إلّا صافحه و عانقه.

روى فى الکافى باسناده عن شعیب العقرقوفى قال: سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول لأصحابه: اتّقوا اللّه و کونوا اخوه برره متحابّین فى اللّه متواصلین متراحمین تزاوروا و تلاقوا و تذاکروا أمرنا و أحیوه.
و عن کلیب الصّیداوى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: تواصلوا و تبارّوا و تراحموا و کونوا اخوه برره کما أمرکم اللّه عزّ و جلّ.

(بعده عمّن تباعد عنه زهد و نزاهه) یعنى بعده عن أهل الدّنیا و عن مجالسهم من باب الزّهد و التباعد عن مکروههم و أباطیلهم.
(و دنوّه ممّن دنا منه لین و رحمه) أى قربه من المؤمنین من باب التعاطف و التواصل کما قال تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِینَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ رُحَماءُ بَیْنَهُمْ.
قال فى مجمع البیان: قال الحسن: بلغ تشدّدهم على الکفّار أن کانوا یتحرّزون من ثیاب المشرکین حتّى لا یلتزق بثیابهم، و عن أبدانهم حتّى لا تمسّ أبدانهم، و بلغ تراحمهم فیهما بینهم أن کان لا یرى مؤمن مؤمنا إلّا صافحه و عانقه.

روى فى الکافى باسناده عن شعیب العقرقوفى قال: سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول لأصحابه: اتّقوا اللّه و کونوا اخوه برره متحابّین فى اللّه متواصلین متراحمین تزاوروا و تلاقوا و تذاکروا أمرنا و أحیوه.
و عن کلیب الصّیداوى عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: تواصلوا و تبارّوا و تراحموا و کونوا اخوه برره کما أمرکم اللّه عزّ و جلّ.

و عن أبى المعزا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: تواصلوا و تبارّوا و تراحموا و کانوا اخوه برره کما أمرکم اللّه عزّ و جلّ.
و عن أبى المعزا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: یحقّ على المسلمین الاجتهاد فى التواصل و التعاون على التعاطف و المواساه لأهل الحاجه و تعاطف بعضهم على بعض حتّى تکونوا کما أمرکم اللّه عزّ و جلّ رحماء بینهم متراحمین مغتمین لما غاب عنکم من أمرهم على ما مضى علیه معشر الأنصار على عهد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.
فقد ظهر بذلک أنّ تباعده و تدانیه عمّن تباعد عنه و دنى منه من باب المواظبه على الوظایف و الاداب الشرعیّه و أنّه (لیس تباعده بکبر و عظمه و لا دنوّه بمکر و خدیعه) کما هو فعل أبناء الدّنیا و ذوى الأغراض الفاسده و من شأن أهل النفاق یخادعون اللّه و هو خادعهم، و إذا لقوا الذین آمنوا قالوا آمنّا و اذا خلوا الى شیاطینهم قالوا إنّا معکم إنما نحن مستهزؤن.

(قال) الرّاوى للحدیث (فصعق همام صعقه) أى غشى علیه غشوه من فزع ما سمع من الموعظه البالغه کما خرّ موسى علیه السّلام صعقا أى مغشیا علیه من هول ما رأى (کانت نفسه فیها) أى مات فى تلک الغشوه و خرج روحه من بدنه‏ قال الشارح المعتزلی: اعلم أنّ الوجد أمر شریف قد اختلف الناس فیه فقالت الحکماء فیه أقوالا، و قالت الصوفیه فیه أقوالا.

أما الحکماء فقالوا: الوجد حاله تحدث للنفس عند انقطاع علایقها عن المحسوسات بغته إذا کان قد ورد علیها وارد مشوّق، و قال بعضهم: الوجد هو اتّصال النفس بمبادیها المجرّده عند سماع ما یقتضی ذلک الاتّصال.
و أمّا الصّوفیّه فقد قال بعضهم: الوجد رفع الحجاب و مشاهده المحبوب و حضور الفهم و ملاحظه الغیب و محادثه السرّ و هو فناؤک من حیث أنت أنت، و قال بعضهم: الوجد سرّ اللّه عند العارفین و مکاشفه من الحقّ یوجب الفناء، و الأقوال فیه متقاربه المعنى و ان اختلّ العباره، انتهى.

و هی کلّها مخالفه لمذاق أهل الشّرع ما فیه للأخبار.
و کیف کان (فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام أما و اللّه لقد کنت أخافها) أى تلک الصعقه الّتی فیها موت همّام (علیه ثمّ قال علیه السّلام: هکذا تصنع المواعظ البالغه بأهلها، فقال له قائل: فما بالک یا أمیر المؤمنین) لا تصنع موعظتک بک ما صنعت بهمّام (فقال: ویحک إنّ لکلّ أجل) محتوم (وقتا) معیّنا (لا یعدوه) أى لا یتجاوزه و لا یتأخّر عنه کما قال تعالى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا یُؤَخَّرُ (و سببا) أى علّه معیّنه (لا یتجاوزه) أى لا یتجاوز عنه إلى سبب آخر.

و محصّل الجواب أنّ کلّ انسان له أجل حتمى مقدّر و وقت معیّن لموته لا یتقدّم و لا یتأخّر و علّه معیّنه لأجله لا تتبدّل و لا تتغیّر کما قال تعالى وَ ما کانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ کِتاباً مُؤَجَّلًا و على ذلک فانّما مات همّام باستماع الموعظه البالغه لأنّه قد تمّ عمره و بلغت مدّه حیاته الّتى قدّرت فى حقّه غایتها مع حصول السبب المعین المکتوب فى امّ الکتاب لموته و هو الانفعال بالموعظه و أما أنا فلم یکمل أیامى بعد و لم یبلغ أجلى غایته و السبب المقدّر فى حقى غیر هذا السبب و هو ما أنتظره من ضربه ابن ملجم المرادى علیه اللّعنه و العذاب.

و الحاصل أنّ مشیه اللّه و اذنه عزّ و جلّ قد تعلّق بموت همام عن سببه الذى حصل‏و لم یتعلّق بعد بموتى و لم یحصل سببه، و ان شئت مزید توضیح لذلک فعلیک بالکلام الحادى و الستّین و شرحه، هذا.
و لما أجاب علیه السّلام عن اعتراض القائل نهاه عن العود إلى مثل ذلک بقوله (فمهلا لا تعد لمثلها) أى لا ترجع إلى مثل تلک الکلمه (فانما نفث الشیطان) أى نفخ و تکلّم (على لسانک).

تکمله

اعلم أنّ هذه الخطبه الشریفه حسبما اشرت الیه سابقا مرویّه فی الکافی باختلاف کثیر جدّا اقتضى المقام روایتها بالسّند الّذى فیه و اتباعها ببیان غرایب ألفاظها فأقول و باللّه التوفیق: روى ثقه الاسلام محمّد بن یعقوب الکلینی قدّس اللّه روحه عن محمّد بن یحیى عن جعفر عن محمّد بن إسماعیل عن عبد اللّه بن زاهر عن الحسن بن یحیى عن قثم بن أبی قتاده الحرّانی عن عبد اللّه بن یونس عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قام رجل یقال له همّام و کان عابدا ناسکا مجتهدا إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام و هو یخطب، فقال یا أمیر المؤمنین صف لنا صفه المؤمن کأنّنا ننظر إلیه فقال علیه السّلام: یا همام المؤمن هو الکیّس الفطن، بشره فی وجهه، و حزنه فی قلبه، أوسع شی‏ء صدرا، و أذلّ شی‏ء نفسا، زاجر عن کلّ فان، حاض عن کلّ حسن، لا حقود، و لا حسود، و لا وثّاب، و لا سبّاب، و لا عیّاب، و لا مغتاب، یکره الرّفعه، و یشنأ السمعه، طویل الغمّ، بعید الهمّ، کثیر الصّمت، وقور، ذکور، شکور، مغموم بفکره، مسرور بفقره، سهل الخلیقه، لین العریکه، رصین الوفاء، قلیل الاذى، لا متأفّک، و لا متهتّک، إن ضحک لم یخرق، و إن غضب لم ینزق، ضحکه تبسّم، و استفهامه تعلّم، و مراجعته تفهّم، کثیر علمه، عظیم حلمه، کثیر الرّحمه، لا یبخل، و لا یعجل، و لا یضجر، و لا یبطر، و لا یحیف فی حکمه، و لا یجور فی علمه، أصلب من الصلد، و مکادحته أحلى من الشهد، لا جشع، و لا هلع، و لا عنف، و لاصلف، و لا متکلّف، و لا متعمّق، جمیل المنازعه، کریم المراجعه، عدل إن غضب، رفیق إن طلب، لا یتهوّر، و لا یتهتّک، و لا یتجبّر، خالص الودّ، وثیق العهد، و فیّ العقد، شفیق وصول، حلیم خمول، قلیل الفضول، راض عن اللّه عزّ و جلّ، مخالف لهواه، لا یغلظ على من دونه، «یؤذیه خ» و لا یخوض فیما لا یعنیه، ناصر للدّین، محام عن المؤمنین کهف للمسلمین، لا یخرق الثناء سمعه، و لا ینکى الطمع قلبه، و لا یصرف اللّعب حکمه، و لا یطلع الجاهل علمه، قوّال، عمال، عالم، حازم، لا بفحّاش، و لا بطیّاش، وصول فی غیر عنف، بذول فی غیر سرف، لا بختّار، و لا بغدّار، و لا یقتفى اثرا، و لا یحیف بشرا، رفیق بالخلق، ساع فى الأرض، عون للضعیف، غوث للملهوف، لا یهتک سترا، و لا یکشف سرّا، کثیر البلوى، قلیل الشکوى، إن رأى خیرا ذکره، و ان عاین شرّا ستره، یستر العیب، و یحفظ الغیب، و یقیل العثره، و یغفر الزّلّه، لا یطلع على نصح فیذره، و لا یدع جنح حیف فیصلحه، أمین، رصین، تقیّ، نقیّ، زکیّ، رضیّ، یقبل العذر، و یجمل الذّکر، و یحسن بالنّاس الظنّ، و یتّهم على العیب نفسه، یحبّ فی اللّه بفقه و علم، و یقطع فی اللّه بحزم و عزم، لا یخرق به فرح، و لا یطیش به مرح، مذکّر للعالم، معلّم للجاهل، لا یتوقّع له بائقه، و لا یخاف له غائله، کلّ سعى أخلص عنده من سعیه، و کلّ نفس أصلح عنده من نفسه، عالم بعیبه، شاغل بغمّه، لا یثق بغیر ربّه، غریب «خ ل قریب»، وحید حزین، یحبّ فی اللّه و یجاهد فى اللّه لیتّبع رضاه، و لا ینتقم لنفسه بنفسه، و لا یوالى فى سخط ربّه، مجالس لأهل الفقر، مصادق لأهل الصّدق، موازر لأهل الحقّ، عون للغریب، أب للیتیم بعل للأرمله، حفی بأهل المسکنه، مرجو لکلّ کریهه، مأمول لکل شدّه، هشّاش، بشّاش، لا بعبّاس، و لا بجسّاس، صلیب، کظّام، بسّام، دقیق النظر، عظیم الحذر، لا یبخل، و إن بخل علیه «خ ل عنه» صبر، عقل فاستحیی، و قنع فاستغنى، حیاؤه یعلو شهوته، و ودّه یعلو حسده، و عفوه یعلو حقده، لا ینطق بغیر صواب، و لا یلبس إلّا الاقتصاد، مشیه التّواضع، خاضع لربّه بطاعته، راض عنه فی کل حالاته، نیّته خالصه، أعماله لیس فیها غشّ و لا خدیعه،نظره عبره، و سکوته فکره، و کلامه حکمه، مناصحا، متبادلا، متواخیا، ناصح فى السرّ و العلانیه، لا یهجر أخاه، و لا یغتابه، و لا یمکر به، و لا یأسف على ما فاته، و لا یحزن على ما أصابه، و لا یرجو ما لا یجوز له الرّجا، و لا یفشل فی الشدّه، و لا یبطر فی الرّخا، یمزج العلم بالحلم، و العقل بالصبر، تراه بعیدا کسله، دائما نشاطه، قریبا أمله، قلیلا زلله، متوقعا لأجله، خاشعا قلبه، ذاکرا ربّه، قانعه نفسه، منفیا جهله، سهلا أمره، حزینا لذنبه، میته شهوته، کظوما غیظه، صافیا خلقه، آمنا منه جاره، ضعیفا کبره، قانعا بالذى قدّر له، مبینا «متینا خ» صبره، محکما أمره کثیرا ذکره، یخالط النّاس لیعلم، و یصمت لیسلم، و یسأل لیفهم، و یتّجر لیغنم، لا ینصب للخیر لیفخر به، و لا یتکلّم لیتجبّر به على من سواه، نفسه منه فی عناء، و الناس منه فی راحه، أتعب نفسه لاخرته فأراح النّاس من نفسه، إن بغی علیه صبر حتى یکون اللّه الّذی ینتصر له، بعده ممّن تباعد منه بغض و نزاهه، و دنوّه ممّن دنا منه لین و رحمه، لیس تباعده تکبّرا و لا عظمه، و لا دنوّه خدیعه و لا خلابه، بل یقتدى بمن کان قبله من أهل الخیر، فهو إمام لمن بعده من أهل البرّ.
قال: فصاح همّام صیحه ثمّ وقع مغشیا علیه، فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام: أما و اللّه لقد کنت أخافها علیه و قال: هکذا تصنع الموعظه «المواعظ خ» البالغه بأهلها فقال له علیه السّلام قائل: فما بالک یا أمیر المؤمنین فقال علیه السّلام: إنّ لکلّ أجلا لن «لا خ» یعدوه و سببا لا یجاوزه، فمهلا لا تعد فانما نفث على لسانک شیطان.

بیان

«الکیس» العاقل من الکیس وزان فلس خلاف الحمق و قیل: جوده القریحه و قوله: «و لا وثاب» أى لیس بخفیف من وثب وثوبا قام بسرعه قوله: «وقور» أى کثیر الوقار فی الامور الموجبه لاضطراب النّاس.
قوله «لین العریکه» أى سلس مطیع منقاد و العریکه الطّبیعه قوله «رصین الوفاء» بالصّاد المهمله الحکم الثابت و الحفىّ بحاجه صاحبه من رصنه أى أحکمه‏و أکمله قوله «إن ضحک لم یخرق» أى لم یشقّ فاه حتّى یبلغ ضحکه القهقهه قوله «إن غضب لم ینزق» أى لا یأخذه الخفّه و الطیش عند الغضب قوله «و لا بطر» من البطر و هو الطغیان عند النعمه. و قیل التّجبّر و شدّه النشاط.

قوله «أصلب من الصّلد» أى لا یدخل قلبه ریب و لا جرع، و الصّلد الحجر الصّلب الأملس قوله «مکادحته» أى عمله و سعیه أحلى من العسل قوله «لا جشع و لا هلع» الجشع أشدّ الحرص على الطّعام و أسوئه، و الهلع أفحش الجزع قوله «و لا عنف و لا صلف» العنف وزان کتف من لا رفق له فی قوله و فعله، و العنیف مثله و الصّلف ککتف أیضا من لا یتکلّم بما یکرهه صاحبه و یمدح نفسه و لا خیر عنده یقال سحاب صلف أى قلیل الماء کثیر الرّعد.
قوله «لا یتهوّر و لا یتهتّک» التّهوّر الوقوع فی الأمر بقلّه مبالاه، و التهتّک خرق السّتر و الافتضاح قوله «خمول قلیل الفضول» أى خامل الذکر و قلیل فضول کلامه قوله «لا یخرق الثّناء سمعه» لکون أعماله للّه لا للنّاس، فلا یؤثّر فیه ثناؤهم و مدحهم.

قوله: «و لا ینکى الطمع قلبه» أى لا یجرحه و لا یؤثّر فیه تأثیر الجرح قوله «عالم حازم» فی بعض النّسخ بالحاء المهمله من الحزم و هو التثبّت فی عواقب الامور، و فی بعضها بالجیم قوله «و لا بطیّاش» الطیش النّزق و الخفّه قوله «و لا بختّال» أى بخدّاع من الختل و هو المخادعه قوله «و لا یدع جنح حیف فیصلحه» أى لا یترک ظلام ظلم و اصلاحه قوله «لا یخرق به فرح» من الخرق بالخاء المعجمه و الرّاء المهمله و هو الحمق و الجهل و ضعف العقل قوله «و لا یطیش به مرح» المرح شدّه النّشاط و الفرح.

و «البائقه» النّازله الشّدیده و الشرّ و الدّاهیه و «الغائله» الفساد و الشرّ و قوله «حفىّ بأهل المسکنه» أى بارّ معین قوله «هشّاش بشّاش» من الهشاشه و هو طلاقه الوجه قوله «لا یهجر أخاه» الهجر الهذیان و یحتمل أن یکون من الهجر أى الترک و المفارقه قوله «و یتّجر لیغنم» أى یتّجر للاخره.

قوله «و لا دنوّه خدیعه و لا خلابه» الخلابه بکسر الخاء المعجمه و تخفیف اللّام الخدیعه باللسان بالقول اللطیف من خلبه یخلبه من باب قتل و ضرب خدعه، و الاسم الخلابه و الفاعل خلوب کرسول.

الترجمه

از جمله خطب شریفه آن امام دین است در وصف متقین.

روایت شده که مصاحبى بود از براى أمیر المؤمنین علیه السّلام همام نام که شخص عابدى بود پس گفت به آن حضرت که یا أمیر المؤمنین وصف کن از براى من پرهیز کاران را تا این که گویا من نگاه مى ‏کنم بسوى ایشان، پس سنگینى ورزیدند و درنگ کردند آن حضرت از جواب او، و بعد از آن فرمود اى همّام بپرهیز از خدا و کار نیک بکن پس بدرستى که خداى تعالى یار پرهیز کارانست و با نیکو کاران.

پس قناعت نکرد همام باین جواب تا این که سوگند داد بر حضرت در جواب گفتن پس حضرت حمد و ثناى خدا را بجا آورد و صلوات فرستاد بر پیغمبر و آل او پس گفت: أما بعد پس بتحقیق که خداوند سبحانه ایجاد فرمود مخلوقات را وقتى که ایجاد فرمود ایشان را در حالتى که بى نیاز بود از طاعت ایشان، و ایمن بود از ضرر معصیت ایشان، از جهت این که ضرر نمى ‏رساند او را معصیت کسى که معصیت نمود، و منفعت نمى ‏بخشد او را اطاعت کسى که اطاعت نمود، پس قسمت فرمود در میان مخلوقات معیشتها و گذرانى ایشان را، و گذاشت ایشان را از دنیا در جایگاه ایشان که لایق شأن و مناسب حال هر یکى باشد.

پس پرهیز کاران در دنیا ایشانند أهل فضیلتها، گفتار ایشان راست و درست، و لباس ایشان حدّ وسط است، و رفتار ایشان تواضع و فروتنى است، پوشیده ‏اند چشمهاى خود را از چیزى که خدا حرام کرده برایشان، و واداشته‏ اند گوشهاى خود را بر شنیدن علم منفعت بخشنده از براى ایشان، نازل شد نفسهاى ایشان از ایشان ‏در بلا و شدّت مثل نزول آنها در رفاه و فراخى- یعنى ایشان رضا بقضا دارند و شاکرند بطیب نفس به آن چه که در حقّ ایشان مقدّر شده- اگر نبود أجل معیّنى که نوشته شده است از براى ایشان هر آینه قرار نمى‏ گرفت روحهاى ایشان در بدنهاى ایشان لحظه از جهت اشتیاق بثواب و ترسیدن از عقاب.

بزرگ شد خالق تعالى در پیش نفسهاى ایشان پس کوچک شد ما سواى خالق در نظر ایشان پس حال ایشان با بهشت حال کسى است با رأى العین دیده باشد او را پس در آنجا بناز و نعمت گذرانده باشد، و حال ایشان با جهنم حال کسى است که دیده باشد آنرا پس در آنجا معذّب باشد- یعنى ایشان در امر بهشت و جهنم اعتقاد یقینی دارند بمنزله مشاهده- .

قلبهاى ایشان غمگین و محزونست و مردم از شرهاى ایشان آسوده و ایمنند، و بدنهاى ایشان لاغر و ضعیف، و حاجت و خواهشات ایشان سبک و خفیف، نفسهاى ایشان با عفت است، صبر و تحمل کردند بر زحمات چند روز کوتاه که عاقبت آن راحت و آسایش دراز گردید، تجارت با منفعتى است که میسر ساخت از براى ایشان پروردگار ایشان.

خواست ایشان را دنیا پس نخواستند ایشان دنیا را، و اسیر کرد ایشان را دنیا پس دادند نفسهاى خودشان از دنیا- یعنی بمقتضاى شهوت و غضب جبلى انسانى که در ایشان بود نزدیک بود که ایشان مفتون دنیا باشند و أسیر شهوات نفسانیه آن شوند و لیکن ایشان بمقتضاى قوّه عقلانیه ترک لذایذ دنیویه کرده خودشان را از قید اسیرى دنیا خلاص نمودند- أما حالت ایشان در شب پس صف زنندگانند بپاهاى خودشان در حالتى که تلاوت کنندگان باشند جزئهاى قرآن را در حالتى که نیک قرائت مى ‏کنند آن را نیک قرائت کردنى، با تأنّى و حفظ وقوف و أداء حروف، محزون مى‏ نمایند بسبب قراءه آن نفسهاى خودشان را، و بهیجان مى ‏آورند با آن دواء درد خودشان را پس اگر بگذرند در اثناى قرائت آن بایه که در آن تشویقى باشد بسوى بهشت‏ اعتماد مى‏ کنند بان و مایل مى‏ شوند بسوى آن آیه از جهت طمع آن بشارت و مطلع باشد نفسهایشان بسوى آن از روى شوق و گمان کنند که آن آیه- یعنى وعده بهشت که مضمون آن آیه است- پیش چشم ایشان است.

و اگر بگذرند بایه که در آن ترساندن از عذاب باشد متوجه باشند بسوى آن با گوشهاى قلبهاى خودشان، و گمان مى ‏کنند که صداى افروخته شدن جهنم و شیون اهل آن در بیخهاى گوشهاى ایشانست، پس ایشان خم شوندگان باشند بر کمرهاى خود، پهن سازندگان باشند مر پیشانیهاى خود را و کفهاى دست خود را و زانوهاى خود را و سرهاى پاهاى خودشان را، تضرّع مى‏ کنند بسوى خدا در وا کردن گردنهاى ایشان را از زنجیر عذاب.

و أما حالت ایشان در روز پس صاحبان حلم و علمند، نیکو کارانند، پرهیز کارانند، بتحقیق که باریک کرده و کاهانده است ایشان را ترس خدا مثل باریک شدن چوب تیر تراشیده شده، نگاه مى‏ کند بسوى ایشان نگاه کننده پس گمان مى‏ کند که ایشان مریضانند و حال آنکه نیست در این جماعت مرضى، و مى‏ گوید که خبط آورده ‏اند و حال آنکه هر آینه آمیخته بایشان امر بزرگى که اشتیاق و عشق بلقاء خدا باشد.

راضى نمى ‏شوند در عبادات و عملهاى خودشان باندک، و بسیار نمى ‏شمارند بسیار را، پس ایشان همیشه بنفسهاى خود تهمت مى ‏زنند بجهت قصور در بندگى و از عبادات خود ترسناکند، اگر تزکیه کرده شود یکى از ایشان مى ‏ترسد از آن چیزى که در باره او گفته شده پس مى ‏گوید که: من داناترم بنفس خودم از غیر خودم و پروردگار من داناتر است از من بنفس من، با خدایا مؤاخذه مکن مرا بسبب آنچه گفتند در باره من، و بگردان مرا بهتر از آنچه گمان بردند در حق من، و بیامرز از براى من گناهى را که ایشان نمى‏ دانند.

پس از علامت یکى از ایشانست این که تو مى‏ بینى از براى او قوّتى در دین، و احتیاطى در نرمى، و ایمانى در کمال یقین، و حرصى در تحصیل علم، و علمى درغایت حلم، و میانه روى در بى نیازى، و خضوع و خشوعى در عبادت، و استغنائى در عین فقر، و صبرى در حالت شدّت، و طلبى در کسب حلال، و خوشحالى در هدایت، و کناره جوئى از طمع، مى‏ کند عملهاى نیکو را و حال آنکه ترسناک است، روز را بشب مى ‏آورد و حال آنکه همّت او مصروف بشکر است، و شب را بصبح مى‏ رساند و حال آنکه همتش مصروف ذکر است.

بیتوته مى‏ کند در حالتى که ترسناک است، صباح مى ‏کند در حالتى که خوشحال، ترسناکى از جهت آنچه که ترسانده شده از غفلت در عبادت، و خوشحالى بجهت آن چیزى که رسیده است از فضل و رحمت، اگر دشوار بگیرد بر او نفس او در چیزى که ناخوش دارد نمى‏ بخشد بنفس خود خواهش او را در چیزى که دوست دارد آنرا.

چشم روشنى او در نعیم آخرت جاودانیست، و زهد او در لذت دنیاى فانى، مخلوط می کند حلم را بعلم، و گفتار را بکردار، مى ‏بینى او را که نزدیکست آرزوى او، اندک است لغزش او، ترسانست قلب او، قانعست نفس او، اندکست اکل او آسانست کار او، محفوظست دین او، مرده است شهوت او، فرو نشانده شده است خشم او.

خیر از او امید گرفته شده است، و شرّ از او أیمن شده، اگر در میان غافلان باشد نوشته مى‏ شود از ذکر کنندگان، و اگر در زمره ذاکران باشد نوشته نمى‏ شود از غفلت کنندگان، عفو می کند از کسى که ظلم نماید او را، و عطا می کند بکسى که محروم نماید او را، و صله رحم بجا مى ‏آورد با کسى که قطع صله رحم او کرده است.
دور است از مردم فحش گفتن او، نرم و ملایمست گفتار او، غایب است از مردمان بدى او، حاضر است از براى ایشان نیکى او، اقبال کننده است خیر او، ادبار کننده است شرّ او.

و در شداید روزگار صاحب تمکین و وقار است، و در مصایب صبر کننده و بردبار، و در حالت وسعت شاکر، ظلم نمى‏ کند بر کسى که دشمن دارد، و مرتکب‏ گناه نمى‏ شود در باره کسى که دوست دارد، اقرار بحق می کند پیش از این که شهادت داده شود بضرر او، ضایع نمى‏ سازد چیزى را که طلب شده در او حفظ آن، و فراموش نمى‏ کند چیزى را که یاد آورى او شده، و نمى‏ خواند مردم را بلقبهاى بد، و ضرر نمى‏ رساند به همسایه، و شماتت نمى ‏کند بمصیبتها، و داخل نمى ‏شود در امر باطل، و بیرون نمى‏ رود از حق.

اگر ساکت شود غمگین نسازد او را سکوت او، و اگر بخندد بلند نشود آواز او، و اگر مظلوم شود صبر می کند تا این که باشد خداى تعالى او انتقام مى کشد از براى او، نفس او از او در رنج و مشقّت است، و مردمان از او در آسودگى و راحت، بمشقّت انداخته نفس خود را از براى راحت آخرت، و راحت کرده مردمان را از شرّ نفس خود.

دورى او از کسى که دورى جسته از او از بابت زهد و پاکى است، و نزدیکى او از کسى که نزدیک شده باو از بابت ملایمت و دلسوزیست، نیست دورى جستن او بسبب کبر و بزرگى، و نه نزدیکى او بسبب مکر و خدعه.

گفت رواى حدیث: پس صیحه زد همّام صیحه که بود روح او در آن صیحه، پس فرمود أمیر المؤمنین علیه السّلام: آگاه باشید سوگند بخدا که هر آینه بودم مى ‏ترسیدم آن صیحه را بر او، یعنی از این جهت تثاقل مى ‏کردم در جواب، پس از آن فرمود همچنین تاثیر می کند موعظه ‏هاى کامل بأهلش.

پس گفت بان حضرت گوینده: پس چگونه است حال تو أى أمیر المؤمنین یعنى چرا به تو این تأثیر نکرد.
پس فرمود: واى بر تو از براى هر مرگى مدّت معیّنی است که تجاوز نمى‏ کند از آن، پس فرمود: ترک کن این کلام را و رجوع مکن بعد از این بمثل آن، پس جز این نیست که دمیده شیطان ملعون این کلام را بر زبان تو- یعنى اعتراض به امام از إغواء شیطانست.

منهاج ‏البراعه فی ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(الخوئی)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

بازدید: ۱۵

حتما ببینید

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۲۰۴ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه ۲۰۵ صبحی صالح ۲۰۵- و من کلام له ( علیه ‏السلام  ) کلم به …

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

*

code