خانه / 180-200 خطبه شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی / نهج البلاغه خطبه هاخطبه شماره ۱۹۱/۴ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)قاصعه

نهج البلاغه خطبه هاخطبه شماره ۱۹۱/۴ (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)قاصعه

خطبه ۱۹۲ صبحی صالح

۱۹۲- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  ) تسمى القاصعه و هی تتضمن ذم إبلیس لعنه اللّه، على استکباره و ترکه السجود لآدم ( علیه ‏السلام  )، و أنه أول من أظهر العصبیه و تبع الحمیه، و تحذیر الناس من سلوک طریقته.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَبِسَ الْعِزَّ وَ الْکِبْرِیَاءَ وَ اخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ‏خَلْقِهِ وَ جَعَلَهُمَا حِمًى وَ حَرَماً عَلَى غَیْرِهِ وَ اصْطَفَاهُمَا لِجَلَالِهِ

رأس العصیان‏

وَ جَعَلَ اللَّعْنَهَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِیهِمَا مِنْ عِبَادِهِ

ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذَلِکَ مَلَائِکَتَهُ الْمُقَرَّبِینَ لِیَمِیزَ الْمُتَوَاضِعِینَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَکْبِرِینَ

فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ هُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ وَ مَحْجُوبَاتِ الْغُیُوبِ إِنِّی خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِینٍ فَإِذا سَوَّیْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِیهِ مِنْ رُوحِی فَقَعُوا لَهُ ساجِدِینَ فَسَجَدَ الْمَلائِکَهُ کُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِیسَ‏

اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِیَّهُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ وَ تَعَصَّبَ عَلَیْهِ لِأَصْلِهِ فَعَدُوُّ اللَّهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِینَ وَ سَلَفُ الْمُسْتَکْبِرِینَ الَّذِی وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِیَّهِ وَ نَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَ الْجَبْرِیَّهِ وَ ادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ وَ خَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ

أَ لَا تَرَوْنَ کَیْفَ صَغَّرَهُ اللَّهُ بِتَکَبُّرِهِ وَ وَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ فَجَعَلَهُ فِی الدُّنْیَا مَدْحُوراً وَ أَعَدَّ لَهُ فِی الْآخِرَهِ سَعِیراً

ابتلاء اللّه لخلقه‏

وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ یَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ یَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ضِیَاؤُهُ وَ یَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ وَ طِیبٍ یَأْخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ لَفَعَلَ

وَ لَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الْأَعْنَاقُ خَاضِعَهً وَ لَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِیهِ عَلَى الْمَلَائِکَهِوَ لَکِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ یَبْتَلِی خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا یَجْهَلُونَ أَصْلَهُ تَمْیِیزاً بِالِاخْتِبَارِ لَهُمْ وَ نَفْیاً لِلِاسْتِکْبَارِ عَنْهُمْ وَ إِبْعَاداً لِلْخُیَلَاءِ مِنْهُمْ

طلب العبره

فَاعْتَبِرُوا بِمَا کَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِإِبْلِیسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِیلَ وَ جَهْدَهُ الْجَهِیدَ وَ کَانَ قَدْ عَبَدَ اللَّهَ سِتَّهَ آلَافِ سَنَهٍ لَا یُدْرَى أَ مِنْ سِنِی الدُّنْیَا أَمْ مِنْ سِنِی الْآخِرَهِ عَنْ کِبْرِ سَاعَهٍ وَاحِدَهٍ

فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِیسَ یَسْلَمُ عَلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَعْصِیَتِهِ کَلَّا مَا کَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِیُدْخِلَ الْجَنَّهَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَکاً

إِنَّ حُکْمَهُ فِی أَهْلِ السَّمَاءِ وَ أَهْلِ الْأَرْضِ لَوَاحِدٌ وَ مَا بَیْنَ اللَّهِ وَ بَیْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَهٌ فِی إِبَاحَهِ حِمًى حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمِینَ

التحذیر من الشیطان‏

فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ عَدُوَّ اللَّهِ أَنْ یُعْدِیَکُمْ بِدَائِهِ وَ أَنْ یَسْتَفِزَّکُمْ بِنِدَائِهِ وَ أَنْ یُجْلِبَ عَلَیْکُمْ بِخَیْلِهِ وَ رَجِلِهِ

فَلَعَمْرِی لَقَدْ فَوَّقَ لَکُمْ سَهْمَ الْوَعِیدِ وَ أَغْرَقَ إِلَیْکُمْ بِالنَّزْعِ الشَّدِیدِ وَ رَمَاکُمْ مِنْ مَکَانٍ قَرِیبٍ فَ قَالَ رَبِّ بِما أَغْوَیْتَنِی لَأُزَیِّنَنَّ لَهُمْ فِی الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِیَنَّهُمْ أَجْمَعِینَ‏قَذْفاً بِغَیْبٍ بَعِیدٍ وَ رَجْماً بِظَنٍّ غَیْرِ مُصِیبٍ

صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِیَّهِ وَ إِخْوَانُ الْعَصَبِیَّهِ وَ فُرْسَانُ الْکِبْرِوَ الْجَاهِلِیَّهِ حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَهُ مِنْکُمْ وَ اسْتَحْکَمَتِ الطَّمَاعِیَّهُ مِنْهُ فِیکُمْ فَنَجَمَتِ الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِیِّ إِلَى الْأَمْرِ الْجَلِیِّ

اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَیْکُمْ وَ دَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَکُمْ فَأَقْحَمُوکُمْ وَلَجَاتِ الذُّلِّ وَ أَحَلُّوکُمْ وَرَطَاتِ الْقَتْلِ

وَ أَوْطَئُوکُمْ إِثْخَانَ الْجِرَاحَهِ طَعْناً فِی عُیُونِکُمْ وَ حَزّاً فِی حُلُوقِکُمْ وَ دَقّاً لِمَنَاخِرِکُمْ وَ قَصْداً لِمَقَاتِلِکُمْ وَ سَوْقاً بِخَزَائِمِ الْقَهْرِ إِلَى النَّارِ الْمُعَدَّهِ لَکُمْ

فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِی دِینِکُمْ حَرْجاً وَ أَوْرَى فِی دُنْیَاکُمْ قَدْحاً مِنَ الَّذِینَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِینَ وَ عَلَیْهِمْ مُتَأَلِّبِینَ

فَاجْعَلُوا عَلَیْهِ حَدَّکُمْ وَ لَهُ جِدَّکُمْ فَلَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِکُمْ وَ وَقَعَ فِی حَسَبِکُمْ وَ دَفَعَ فِی نَسَبِکُمْ وَ أَجْلَبَ بِخَیْلِهِ عَلَیْکُمْ وَ قَصَدَ بِرَجِلِهِ سَبِیلَکُمْ یَقْتَنِصُونَکُمْ بِکُلِّ مَکَانٍ وَ یَضْرِبُونَ مِنْکُمْ کُلَّ بَنَانٍ

لَا تَمْتَنِعُونَ بِحِیلَهٍ وَ لَا تَدْفَعُونَ بِعَزِیمَهٍ فِی حَوْمَهِ ذُلٍّ وَ حَلْقَهِ ضِیقٍ وَ عَرْصَهِ مَوْتٍ وَ جَوْلَهِ بَلَاءٍ

فَأَطْفِئُوا مَا کَمَنَ فِی قُلُوبِکُمْ مِنْ نِیرَانِ الْعَصَبِیَّهِ وَ أَحْقَادِ الْجَاهِلِیَّهِ فَإِنَّمَا تِلْکَ الْحَمِیَّهُ تَکُونُ فِی الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّیْطَانِ وَ نَخَوَاتِهِ وَ نَزَغَاتِهِ وَ نَفَثَاتِهِ

وَ اعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُءُوسِکُمْ وَ إِلْقَاءَ التَّعَزُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِکُمْ وَ خَلْعَ التَّکَبُّرِ مِنْ أَعْنَاقِکُمْ وَ اتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ مَسْلَحَهً بَیْنَکُمْ وَ بَیْنَ عَدُوِّکُمْ إِبْلِیسَ‏وَ جُنُودِهِ فَإِنَّ لَهُ مِنْ کُلِّ أُمَّهٍ جُنُوداً وَ أَعْوَاناً وَ رَجِلًا وَ فُرْسَاناً

وَ لَا تَکُونُوا کَالْمُتَکَبِّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ مِنْ غَیْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اللَّهُ فِیهِ سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَهُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَهِ الْحَسَدِ وَ قَدَحَتِ الْحَمِیَّهُ فِی قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الْغَضَبِ

وَ نَفَخَ الشَّیْطَانُ فِی أَنْفِهِ مِنْ رِیحِ الْکِبْرِ الَّذِی أَعْقَبَهُ اللَّهُ بِهِ النَّدَامَهَ وَ أَلْزَمَهُ آثَامَ الْقَاتِلِینَ إِلَى یَوْمِ الْقِیَامَهِ

التحذیر من الکبر

أَلَا وَ قَدْ أَمْعَنْتُمْ فِی الْبَغْیِ وَ أَفْسَدْتُمْ فِی الْأَرْضِ مُصَارَحَهً لِلَّهِ بِالْمُنَاصَبَهِ وَ مُبَارَزَهً لِلْمُؤْمِنِینَ بِالْمُحَارَبَهِ

فَاللَّهَ اللَّهَ فِی کِبْرِ الْحَمِیَّهِ وَ فَخْرِ الْجَاهِلِیَّهِ فَإِنَّهُ مَلَاقِحُ الشَّنَئَانِ وَ مَنَافِخُ الشَّیْطَانِ الَّتِی خَدَعَ بِهَا الْأُمَمَ الْمَاضِیَهَ وَ الْقُرُونَ الْخَالِیَهَ حَتَّى أَعْنَقُوا فِی حَنَادِسِ جَهَالَتِهِ وَ مَهَاوِی ضَلَالَتِهِ

ذُلُلًا عَنْ سِیَاقِهِ سُلُساً فِی قِیَادِهِ أَمْراً تَشَابَهَتِ الْقُلُوبُ فِیهِ وَ تَتَابَعَتِ الْقُرُونُ عَلَیْهِ وَ کِبْراً تَضَایَقَتِ الصُّدُورُ بِهِ

التحذیر من طاعه الکبراء

أَلَا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَهِ سَادَاتِکُمْ وَ کُبَرَائِکُمْ الَّذِینَ تَکَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ وَ تَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ وَ أَلْقَوُا الْهَجِینَهَ عَلَى رَبِّهِمْ‏وَ جَاحَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ مُکَابَرَهً لِقَضَائِهِ وَ مُغَالَبَهً لِآلَائِهِ

فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِیَّهِ وَ دَعَائِمُ أَرْکَانِ الْفِتْنَهِ وَ سُیُوفُ اعْتِزَاءِ الْجَاهِلِیَّهِ

فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لَا تَکُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَیْکُمْ أَضْدَاداً وَ لَا لِفَضْلِهِ عِنْدَکُمْ حُسَّاداً وَ لَا تُطِیعُوا الْأَدْعِیَاءَ الَّذِینَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِکُمْ کَدَرَهُمْ وَ خَلَطْتُمْ بِصِحَّتِکُمْ مَرَضَهُمْ وَ أَدْخَلْتُمْ فِی حَقِّکُمْ بَاطِلَهُمْ

وَ هُمْ أَسَاسُ الْفُسُوقِ وَ أَحْلَاسُ الْعُقُوقِ اتَّخَذَهُمْ إِبْلِیسُ مَطَایَا ضَلَالٍ وَ جُنْداً بِهِمْ یَصُولُ عَلَى النَّاسِ وَ تَرَاجِمَهً یَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ

اسْتِرَاقاً لِعُقُولِکُمْ وَ دُخُولًا فِی عُیُونِکُمْ وَ نَفْثاً فِی أَسْمَاعِکُمْ فَجَعَلَکُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ وَ مَوْطِئَ قَدَمِهِ وَ مَأْخَذَ یَدِهِ

العبره بالماضین‏

فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْمُسْتَکْبِرِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ صَوْلَاتِهِ وَ وَقَائِعِهِ وَ مَثُلَاتِهِ وَ اتَّعِظُوا بِمَثَاوِی خُدُودِهِمْ وَ مَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ

وَ اسْتَعِیذُوا بِاللَّهِ مِنْ لَوَاقِحِ الْکِبْرِ کَمَا تَسْتَعِیذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ

فَلَوْ رَخَّصَ اللَّهُ فِی الْکِبْرِ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِیهِ لِخَاصَّهِ أَنْبِیَائِهِ وَ أَوْلِیَائِهِ وَ لَکِنَّهُ سُبْحَانَهُ کَرَّهَ إِلَیْهِمُ التَّکَابُرَ وَ رَضِیَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ

فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ وَ عَفَّرُوا فِی التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ وَ خَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِینَ وَ کَانُوا قَوْماً

مُسْتَضْعَفِینَ قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللَّهُ بِالْمَخْمَصَهِ وَ ابْتَلَاهُمْ بِالْمَجْهَدَهِ وَ امْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ وَ مَخَضَهُمْ بِالْمَکَارِهِ

فَلَا تَعْتَبِرُوا الرِّضَى وَ السُّخْطَ بِالْمَالِ وَ الْوَلَدِ جَهْلًا بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَهِ وَ الِاخْتِبَارِ فِی مَوْضِعِ الْغِنَى وَ الِاقْتِدَارِ

فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى أَ یَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِینَ نُسارِعُ لَهُمْ فِی الْخَیْراتِ بَلْ لا یَشْعُرُونَ‏

فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ یَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَکْبِرِینَ فِی أَنْفُسِهِمْ بِأَوْلِیَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِینَ فِی أَعْیُنِهِمْ

تواضع الأنبیاء

وَ لَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَ مَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ ( علیهماالسلام  )عَلَى فِرْعَوْنَ وَ عَلَیْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ وَ بِأَیْدِیهِمَا الْعِصِیُّ فَشَرَطَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ بَقَاءَ مُلْکِهِ وَ دَوَامَ عِزِّهِ

فَقَالَ أَ لَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَیْنِ یَشْرِطَانِ لِی دَوَامَ الْعِزِّ وَ بَقَاءَ الْمُلْکِ وَ هُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَ الذُّلِّ فَهَلَّا أُلْقِیَ عَلَیْهِمَا أَسَاوِرَهٌ مِنْ ذَهَبٍ إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَ جَمْعِهِ وَ احْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَ لُبْسِهِ وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِیَائِهِ حَیْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ یَفْتَحَ لَهُمْ کُنُوزَ الذِّهْبَانِ وَ مَعَادِنَ الْعِقْیَانِ وَ مَغَارِسَ الْجِنَانِ وَ أَنْ یَحْشُرَ مَعَهُمْ طُیُورَ السَّمَاءِ وَ وُحُوشَ الْأَرَضِینَ لَفَعَلَ

وَ لَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَاءُ وَ بَطَلَ الْجَزَاءُوَ اضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ وَ لَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِینَ أُجُورُ الْمُبْتَلَیْنَ وَ لَا اسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِینَ وَ لَا لَزِمَتِ الْأَسْمَاءُ مَعَانِیَهَا

وَ لَکِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِی قُوَّهٍ فِی عَزَائِمِهِمْ وَ ضَعَفَهً فِیمَا تَرَى الْأَعْیُنُ مِنْ حَالَاتِهِمْ مَعَ قَنَاعَهٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَ الْعُیُونَ غِنًى وَ خَصَاصَهٍ تَمْلَأُ الْأَبْصَارَ وَ الْأَسْمَاعَ أَذًى

وَ لَوْ کَانَتِ الْأَنْبِیَاءُ أَهْلَ قُوَّهٍ لَا تُرَامُ وَ عِزَّهٍ لَا تُضَامُ وَ مُلْکٍ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ وَ تُشَدُّ إِلَیْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ لَکَانَ ذَلِکَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِی الِاعْتِبَارِ وَ أَبْعَدَ لَهُمْ فِی الِاسْتِکْبَارِ

وَ لَآمَنُوا عَنْ رَهْبَهٍ قَاهِرَهٍ لَهُمْ أَوْ رَغْبَهٍ مَائِلَهٍ بِهِمْ فَکَانَتِ النِّیَّاتُ مُشْتَرَکَهً وَ الْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَهً

وَ لَکِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ یَکُونَ الِاتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ وَ التَّصْدِیقُ بِکُتُبِهِ وَ الْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ وَ الِاسْتِکَانَهُ لِأَمْرِهِ وَ الِاسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ أُمُوراً لَهُ خَاصَّهً لَا تَشُوبُهَا مِنْ غَیْرِهَا شَائِبَهٌ

وَ کُلَّمَا کَانَتِ الْبَلْوَى وَ الِاخْتِبَارُ أَعْظَمَ کَانَتِ الْمَثُوبَهُ وَ الْجَزَاءُ أَجْزَلَ

الکعبه المقدسه

أَ لَا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اخْتَبَرَ الْأَوَّلِینَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ ( صلوات ‏الله‏ علیه  )إِلَى الْآخِرِینَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ بِأَحْجَارٍ لَا تَضُرُّ وَ لَا تَنْفَعُ وَ لَا تُبْصِرُ وَ لَا تَسْمَعُ فَجَعَلَهَا بَیْتَهُ الْحَرَامَ الَّذِی جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِیَاماً

ثُمَ‏ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً وَ أَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْیَا مَدَراً وَ أَضْیَقِ بُطُونِ الْأَوْدِیَهِ قُطْراً بَیْنَ جِبَالٍ خَشِنَهٍ وَ رِمَالٍ دَمِثَهٍ وَ عُیُونٍ وَشِلَهٍ وَ قُرًى مُنْقَطِعَهٍ لَا یَزْکُو بِهَا خُفٌّ وَ لَا حَافِرٌ وَ لَا ظِلْفٌ

ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ ( علیه‏السلام  )وَ وَلَدَهُ أَنْ یَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ فَصَارَ مَثَابَهً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ وَ غَایَهً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ تَهْوِی إِلَیْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَهِ

مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِیقَهٍ وَ مَهَاوِی فِجَاجٍ عَمِیقَهٍ وَ جَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَهٍ حَتَّى یَهُزُّوا مَنَاکِبَهُمْ ذُلُلًا یُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ وَ یَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ

قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِیلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَ شَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ ابْتِلَاءً عَظِیماً وَ امْتِحَاناً شَدِیداً وَ اخْتِبَاراً مُبِیناً وَ تَمْحِیصاً بَلِیغاً جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ وَ وُصْلَهً إِلَى جَنَّتِهِ

وَ لَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ یَضَعَ بَیْتَهُ الْحَرَامَ وَ مَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ بَیْنَ جَنَّاتٍ وَ أَنْهَارٍ وَ سَهْلٍ وَ قَرَارٍ جَمَّ الْأَشْجَارِ دَانِیَ الثِّمَارِ مُلْتَفَّ الْبُنَى مُتَّصِلَ الْقُرَى

بَیْنَ بُرَّهٍ سَمْرَاءَ وَ رَوْضَهٍ خَضْرَاءَ وَ أَرْیَافٍ مُحْدِقَهٍ وَ عِرَاصٍ مُغْدِقَهٍ وَ رِیَاضٍ نَاضِرَهٍ وَ طُرُقٍ عَامِرَهٍ لَکَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلَاءِ

وَ لَوْ کَانَ الْإِسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَیْهَا وَ الْأَحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا بَیْنَ زُمُرُّدَهٍ خَضْرَاءَ وَ یَاقُوتَهٍ حَمْرَاءَ وَ نُورٍ وَ ضِیَاءٍ

لَخَفَّفَ ذَلِکَ مُصَارَعَهَ الشَّکِّ فِی الصُّدُورِ وَ لَوَضَعَ مُجَاهَدَهَ إِبْلِیسَ عَنِ الْقُلُوبِ وَ لَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّیْبِ مِنَ النَّاسِ

وَ لَکِنَّ اللَّهَ یَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ وَ یَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ وَ یَبْتَلِیهِمْ بِضُرُوبِ الْمَکَارِهِ إِخْرَاجاً لِلتَّکَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَ إِسْکَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِی نُفُوسِهِمْ وَ لِیَجْعَلَ ذَلِکَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ وَ أَسْبَاباً ذُلُلًا لِعَفْوِهِ

عود إلى التحذیر

فَاللَّهَ اللَّهَ فِی عَاجِلِ الْبَغْیِ وَ آجِلِ وَخَامَهِ الظُّلْمِ وَ سُوءِ عَاقِبَهِ الْکِبْرِ فَإِنَّهَا مَصْیَدَهُ إِبْلِیسَ الْعُظْمَى وَ مَکِیدَتُهُ الْکُبْرَى الَّتِی تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَهَ السُّمُومِ الْقَاتِلَهِ

فَمَا تُکْدِی أَبَداً وَ لَا تُشْوِی أَحَداً لَا عَالِماً لِعِلْمِهِ وَ لَا مُقِلًّا فِی طِمْرِهِ

وَ عَنْ ذَلِکَ مَا حَرَسَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِینَ بِالصَّلَوَاتِ وَ الزَّکَوَاتِ وَ مُجَاهَدَهِ الصِّیَامِ فِی الْأَیَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ تَسْکِیناً لِأَطْرَافِهِمْ وَ تَخْشِیعاً لِأَبْصَارِهِمْ وَ تَذْلِیلًا لِنُفُوسِهِمْ وَ تَخْفِیضاً لِقُلُوبِهِمْ وَ إِذْهَاباً لِلْخُیَلَاءِ عَنْهُمْ

وَ لِمَا فِی ذَلِکَ مِنْ تَعْفِیرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً وَ الْتِصَاقِ کَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً وَ لُحُوقِ الْبُطُونِ بِالْمُتُونِ مِنَ الصِّیَامِ تَذَلُّلًا مَعَ مَا فِی الزَّکَاهِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ وَ غَیْرِ ذَلِکَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْکَنَهِ وَ الْفَقْرِ

فضائل الفرائض‏

انْظُرُوا إِلَى مَا فِی هَذِهِ الْأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الْفَخْرِ وَ قَدْعِ طَوَالِعِ الْکِبْرِ

وَ لَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِینَ یَتَعَصَّبُ لِشَیْ‏ءٍ مِنَ الْأَشْیَاءِ إِلَّا عَنْ عِلَّهٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِیهَ الْجُهَلَاءِ أَوْ حُجَّهٍ تَلِیطُ بِعُقُولِ السُّفَهَاءِ غَیْرَکُمْ فَإِنَّکُمْ تَتَعَصَّبُونَ لِأَمْرٍ مَا یُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَ لَا عِلَّهٌ أَمَّا إِبْلِیسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لِأَصْلِهِ وَ طَعَنَ عَلَیْهِ فِی خِلْقَتِهِ فَقَالَ أَنَا نَارِیٌّ وَ أَنْتَ طِینِیٌّ

عصبیه المال‏

وَ أَمَّا الْأَغْنِیَاءُ مِنْ مُتْرَفَهِ الْأُمَمِ فَتَعَصَّبُوا لِآثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ فَ قالُوا نَحْنُ أَکْثَرُ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِینَ‏

فَإِنْ کَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْعَصَبِیَّهِ فَلْیَکُنْ تَعَصُّبُکُمْ لِمَکَارِمِ الْخِصَالِ وَ مَحَامِدِ الْأَفْعَالِ

وَ مَحَاسِنِ الْأُمُورِ الَّتِی تَفَاضَلَتْ فِیهَا الْمُجَدَاءُ وَ النُّجَدَاءُ مِنْ بُیُوتَاتِ الْعَرَبِ وَ یَعَاسِیبِ القَبَائِلِ بِالْأَخْلَاقِ الرَّغِیبَهِ وَ الْأَحْلَامِ الْعَظِیمَهِ وَ الْأَخْطَارِ الْجَلِیلَهِ وَ الْآثَارِ الْمَحْمُودَهِ

فَتَعَصَّبُوا لِخِلَالِ الْحَمْدِ مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ وَ الْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ وَ الطَّاعَهِ لِلْبِرِّ وَ الْمَعْصِیَهِ لِلْکِبْرِ وَ الْأَخْذِ بِالْفَضْلِ وَ الْکَفِّ عَنِ الْبَغْیِ وَ الْإِعْظَامِ لِلْقَتْلِ وَ الْإِنْصَافِ لِلْخَلْقِ وَ الْکَظْمِ لِلْغَیْظِوَ اجْتِنَابِ الْفَسَادِ فِی الْأَرْضِ

وَ احْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَکُمْ مِنَ الْمَثُلَاتِ بِسُوءِ الْأَفْعَالِ وَ ذَمِیمِ الْأَعْمَالِ فَتَذَکَّرُوا فِی الْخَیْرِ وَ الشَّرِّ أَحْوَالَهُمْ وَ احْذَرُوا أَنْ تَکُونُوا أَمْثَالَهُمْ فَإِذَا تَفَکَّرْتُمْ فِی تَفَاوُتِ حَالَیْهِمْ فَالْزَمُوا کُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ الْعِزَّهُ بِهِ شَأْنَهُمْ

وَ زَاحَتِ الْأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ وَ مُدَّتِ الْعَافِیَهُ بِهِ عَلَیْهِمْ وَ انْقَادَتِ النِّعْمَهُ لَهُ مَعَهُمْ وَ وَصَلَتِ الْکَرَامَهُ عَلَیْهِ حَبْلَهُمْ مِنَ الِاجْتِنَابِ لِلْفُرْقَهِ وَ اللُّزُومِ لِلْأُلْفَهِ وَ التَّحَاضِّ عَلَیْهَا وَ التَّوَاصِی بِهَا

وَ اجْتَنِبُوا کُلَّ أَمْرٍ کَسَرَ فِقْرَتَهُمْ وَ أَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ مِنْ تَضَاغُنِ الْقُلُوبِ وَ تَشَاحُنِ الصُّدُورِ وَ تَدَابُرِ النُّفُوسِ وَ تَخَاذُلِ الْأَیْدِی

وَ تَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضِینَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ قَبْلَکُمْ کَیْفَ کَانُوا فِی حَالِ التَّمْحِیصِ وَ الْبَلَاءِ أَ لَمْ یَکُونُوا أَثْقَلَ الْخَلَائِقِ أَعْبَاءً وَ أَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلَاءً وَ أَضْیَقَ أَهْلِ الدُّنْیَا حَالًا

اتَّخَذَتْهُمُ الْفَرَاعِنَهُ عَبِیداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَ جَرَّعُوهُمُ الْمُرَارَ فَلَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ فِی ذُلِّ الْهَلَکَهِ وَ قَهْرِ الْغَلَبَهِ لَا یَجِدُونَ حِیلَهً فِی امْتِنَاعٍ وَ لَا سَبِیلًا إِلَى دِفَاعٍ

حَتَّى إِذَا رَأَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى فِی مَحَبَّتِهِ وَ الِاحْتِمَالَ لِلْمَکْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَایِقِ الْبَلَاءِ فَرَجاً فَأَبْدَلَهُمُ الْعِزَّ مَکَانَ الذُّلِّ وَ الْأَمْنَ مَکَانَ الْخَوْفِ

فَصَارُوا مُلُوکاً حُکَّاماً وَ أَئِمَّهً أَعْلَاماً وَ قَدْ بَلَغَتِ الْکَرَامَهُ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ‏مَا لَمْ تَذْهَبِ الْآمَالُ إِلَیْهِ بِهِمْ

فَانْظُرُوا کَیْفَ کَانُوا حَیْثُ کَانَتِ الْأَمْلَاءُ مُجْتَمِعَهً وَ الْأَهْوَاءُ مُؤْتَلِفَهً وَ الْقُلُوبُ مُعْتَدِلَهً وَ الْأَیْدِی مُتَرَادِفَهً وَ السُّیُوفُ مُتَنَاصِرَهً وَ الْبَصَائِرُ نَافِذَهً وَ الْعَزَائِمُ وَاحِدَهً

أَ لَمْ یَکُونُوا أَرْبَاباً فِی أَقْطَارِ الْأَرَضِینَ وَ مُلُوکاً عَلَى رِقَابِ الْعَالَمِینَ

فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَیْهِ فِی آخِرِ أُمُورِهِمْ حِینَ وَقَعَتِ الْفُرْقَهُ وَ تَشَتَّتَتِ الْأُلْفَهُ وَ اخْتَلَفَتِ الْکَلِمَهُ وَ الْأَفْئِدَهُ وَ تَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِینَ وَ تَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِینَ

وَ قَدْ خَلَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ کَرَامَتِهِ وَ سَلَبَهُمْ غَضَارَهَ نِعْمَتِهِ وَ بَقِیَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِیکُمْ عِبَراً لِلْمُعْتَبِرِینَ

الاعتبار بالأمم‏

فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِیلَ وَ بَنِی إِسْحَاقَ وَ بَنِی إِسْرَائِیلَ ( علیهم‏السلام  )فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الْأَحْوَالِ وَ أَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الْأَمْثَالِ تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِی حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَ تَفَرُّقِهِمْ لَیَالِیَ کَانَتِ الْأَکَاسِرَهُ وَ الْقَیَاصِرَهُ أَرْبَاباً لَهُمْ

یَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِیفِ الْآفَاقِ وَ بَحْرِ الْعِرَاقِ وَ خُضْرَهِ الدُّنْیَا إِلَى مَنَابِتِ الشِّیحِ وَ مَهَافِی الرِّیحِ وَ نَکَدِ الْمَعَاشِ فَتَرَکُوهُمْ عَالَهً مَسَاکِینَ إِخْوَانَ دَبَرٍ وَ وَبَرٍ أَذَلَّ الْأُمَمِ دَاراً وَ أَجْدَبَهُمْ قَرَاراً

لَا یَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَهٍیَعْتَصِمُونَ بِهَا وَ لَا إِلَى ظِلِّ أُلْفَهٍ یَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا

فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَهٌ وَ الْأَیْدِی مُخْتَلِفَهٌ وَ الْکَثْرَهُ مُتَفَرِّقَهٌ فِی بَلَاءِ أَزْلٍ وَ أَطْبَاقِ جَهْلٍ مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُودَهٍ وَ أَصْنَامٍ مَعْبُودَهٍ وَ أَرْحَامٍ مَقْطُوعَهٍ وَ غَارَاتٍ مَشْنُونَهٍ

النعمه برسول اللّه‏

فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَیْهِمْ حِینَ بَعَثَ إِلَیْهِمْ رَسُولًا فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ وَ جَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ

کَیْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَهُ عَلَیْهِمْ جَنَاحَ کَرَامَتِهَا وَ أَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِیمِهَا وَ الْتَفَّتِ الْمِلَّهُ بِهِمْ فِی عَوَائِدِ بَرَکَتِهَا فَأَصْبَحُوا فِی نِعْمَتِهَا غَرِقِینَ وَ فِی خُضْرَهِ عَیْشِهَا فَکِهِینَ

قَدْ تَرَبَّعَتِ الْأُمُورُ بِهِمْ فِی ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ وَ آوَتْهُمُ الْحَالُ إِلَى کَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ وَ تَعَطَّفَتِ الْأُمُورُ عَلَیْهِمْ فِی ذُرَى مُلْکٍ ثَابِتٍ

فَهُمْ حُکَّامٌ عَلَى الْعَالَمِینَ وَ مُلُوکٌ فِی أَطْرَافِ الْأَرَضِینَ یَمْلِکُونَ الْأُمُورَ عَلَى مَنْ کَانَ یَمْلِکُهَا عَلَیْهِمْ وَ یُمْضُونَ الْأَحْکَامَ فِیمَنْ کَانَ یُمْضِیهَا فِیهِمْ لَا تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاهٌ وَ لَا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاهٌ

لوم العصاه

أَلَا وَ إِنَّکُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَیْدِیَکُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَهِ وَ ثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللَّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَیْکُمْ بِأَحْکَامِ الْجَاهِلِیَّهِ

فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَ‏عَلَى جَمَاعَهِ هَذِهِ الْأُمَّهِ فِیمَا عَقَدَ بَیْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ الْأُلْفَهِ الَّتِی یَنْتَقِلُونَ فِی ظِلِّهَا وَ یَأْوُونَ إِلَى کَنَفِهَا بِنِعْمَهٍ لَا یَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِینَ لَهَا قِیمَهً لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ کُلِّ ثَمَنٍ وَ أَجَلُّ مِنْ کُلِّ خَطَرٍ

وَ اعْلَمُوا أَنَّکُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَهِ أَعْرَاباً وَ بَعْدَ الْمُوَالَاهِ أَحْزَاباً مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِاسْمِهِ وَ لَا تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِیمَانِ إِلَّا رَسْمَهُ

تَقُولُونَ النَّارَ وَ لَا الْعَارَ کَأَنَّکُمْ تُرِیدُونَ أَنْ تُکْفِئُوا الْإِسْلَامَ عَلَى وَجْهِهِ انْتِهَاکاً لِحَرِیمِهِ وَ نَقْضاً لِمِیثَاقِهِ الَّذِی وَضَعَهُ اللَّهُ لَکُمْ حَرَماً فِی أَرْضِهِ وَ أَمْناً بَیْنَ خَلْقِهِ

وَ إِنَّکُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَیْرِهِ حَارَبَکُمْ أَهْلُ الْکُفْرِ ثُمَّ لَا جَبْرَائِیلُ وَ لَا مِیکَائِیلُ وَ لَا مُهَاجِرُونَ وَ لَا أَنْصَارٌ یَنْصُرُونَکُمْ إِلَّا الْمُقَارَعَهَ بِالسَّیْفِ حَتَّى یَحْکُمَ اللَّهُ بَیْنَکُمْ

وَ إِنَّ عِنْدَکُمُ الْأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ قَوَارِعِهِ وَ أَیَّامِهِ وَ وَقَائِعِهِ فَلَا تَسْتَبْطِئُوا وَعِیدَهُ جَهْلًا بِأَخْذِهِ وَ تَهَاوُناً بِبَطْشِهِ وَ یَأْساً مِنْ بَأْسِهِ

فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِیَ بَیْنَ أَیْدِیکُمْ إِلَّا لِتَرْکِهِمُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْیَ عَنِ الْمُنْکَرِ فَلَعَنَ اللَّهُ السُّفَهَاءَ لِرُکُوبِ الْمَعَاصِی وَ الْحُلَمَاءَ لِتَرْکِ التَّنَاهِی

أَلَا وَ قَدْ قَطَعْتُمْ قَیْدَ الْإِسْلَامِ وَ عَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ وَ أَمَتُّمْ أَحْکَامَهُ

أَلَا وَ قَدْ أَمَرَنِیَ اللَّهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْیِ وَ النَّکْثِ وَ الْفَسَادِ فِی الْأَرْضِ

فَأَمَّا النَّاکِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ وَ أَمَّا الْقَاسِطُونَ فَقَدْ جَاهَدْتُ وَ أَمَّا الْمَارِقَهُ فَقَدْ دَوَّخْتُ

وَ أَمَّا شَیْطَانُ الرَّدْهَهِ فَقَدْ کُفِیتُهُ بِصَعْقَهٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَهُ قَلْبِهِ وَ رَجَّهُ صَدْرِهِ وَ بَقِیَتْ بَقِیَّهٌ مِنْ أَهْلِ الْبَغْیِ وَ لَئِنْ أَذِنَ اللَّهُ فِی الْکَرَّهِ عَلَیْهِمْ لَأُدِیلَنَّ مِنْهُمْ إِلَّا مَا یَتَشَذَّرُ فِی أَطْرَافِ الْبِلَادِ تَشَذُّراً

فضل الوحی‏

أَنَا وَضَعْتُ فِی الصِّغَرِ بِکَلَاکِلِ الْعَرَبِ وَ کَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِیعَهَ وَ مُضَرَ

وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِی مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله ‏علیه‏ وآله  )بِالْقَرَابَهِ الْقَرِیبَهِ وَ الْمَنْزِلَهِ الْخَصِیصَهِ وَضَعَنِی فِی حِجْرِهِ وَ أَنَا وَلَدٌ یَضُمُّنِی إِلَى صَدْرِهِ وَ یَکْنُفُنِی فِی فِرَاشِهِ وَ یُمِسُّنِی جَسَدَهُ وَ یُشِمُّنِی عَرْفَهُ

وَ کَانَ یَمْضَغُ الشَّیْ‏ءَ ثُمَّ یُلْقِمُنِیهِ وَ مَا وَجَدَ لِی کَذْبَهً فِی قَوْلٍ وَ لَا خَطْلَهً فِی فِعْلٍ

وَ لَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ ( صلى ‏الله ‏علیه ‏وآله  )مِنْ لَدُنْ أَنْ کَانَ فَطِیماً أَعْظَمَ مَلَکٍ مِنْ مَلَائِکَتِهِ یَسْلُکُ بِهِ طَرِیقَ الْمَکَارِمِ وَ مَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَیْلَهُ وَ نَهَارَهُ

وَ لَقَدْ کُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِیلِ أَثَرَ أُمِّهِ یَرْفَعُ لِی فِی کُلِّ یَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً وَ یَأْمُرُنِی بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ

وَ لَقَدْ کَانَ یُجَاوِرُ فِی کُلِّ سَنَهٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لَا یَرَاهُ غَیْرِی وَ لَمْ یَجْمَعْ بَیْتٌ وَاحِدٌ یَوْمَئِذٍ

فِی الْإِسْلَامِ غَیْرَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله ‏علیه ‏وآله  )وَ خَدِیجَهَ وَ أَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْیِ وَ الرِّسَالَهِ وَ أَشُمُّ رِیحَ النُّبُوَّهِ

وَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّهَ الشَّیْطَانِ حِینَ نَزَلَ الْوَحْیُ عَلَیْهِ ( صلى ‏الله ‏علیه ‏وآله  )فَقُلْتُ یَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّهُ فَقَالَ هَذَا الشَّیْطَانُ قَدْ أَیِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ

إِنَّکَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَ تَرَى مَا أَرَى إِلَّا أَنَّکَ لَسْتَ بِنَبِیٍّ وَ لَکِنَّکَ لَوَزِیرٌ وَ إِنَّکَ لَعَلَى خَیْرٍ وَ لَقَدْ کُنْتُ مَعَهُ ( صلى ‏الله ‏علیه ‏وآله )لَمَّا أَتَاهُ الْمَلَأُ مِنْ قُرَیْشٍ فَقَالُوا لَهُ یَا مُحَمَّدُ إِنَّکَ قَدِ ادَّعَیْتَ عَظِیماً لَمْ یَدَّعِهِ آبَاؤُکَ وَ لَا أَحَدٌ مِنْ بَیْتِکَ

وَ نَحْنُ نَسْأَلُکَ أَمْراً إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنَا إِلَیْهِ وَ أَرَیْتَنَاهُ عَلِمْنَا أَنَّکَ نَبِیٌّ وَ رَسُولٌ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّکَ سَاحِرٌ کَذَّابٌ‏

فَقَالَ ( صلى ‏الله ‏علیه ‏وآله  )وَ مَا تَسْأَلُونَ قَالُوا تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَهَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا وَ تَقِفَ بَیْنَ یَدَیْکَ فَقَالَ ( صلى ‏الله ‏علیه ‏وآله  ) إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدِیرٌفَإِنْ فَعَلَ اللَّهُ لَکُمْ ذَلِکَ أَ تُؤْمِنُونَ وَ تَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ قَالُوا نَعَمْ

قَالَ فَإِنِّی سَأُرِیکُمْ مَا تَطْلُبُونَ وَ إِنِّی لَأَعْلَمُ أَنَّکُمْ لَا تَفِیئُونَ إِلَى خَیْرٍ وَ إِنَّ فِیکُمْ مَنْ یُطْرَحُ فِی الْقَلِیبِ وَ مَنْ یُحَزِّبُ الْأَحْزَابَ

ثُمَّ قَالَ ( صلى ‏الله ‏علیه ‏وآله  )یَا أَیَّتُهَا الشَّجَرَهُ إِنْ کُنْتِ تُؤْمِنِینَ بِاللَّهِ وَ الْیَوْمِ الْآخِرِ وَ تَعْلَمِینَ أَنِّی رَسُولُ اللَّهِ فَانْقَلِعِی بِعُرُوقِکِ حَتَّى تَقِفِی بَیْنَ یَدَیَّ بِإِذْنِ اللَّهِ

فَوَالَّذِی بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَانْقَلَعَتْ‏بِعُرُوقِهَا وَ جَاءَتْ وَ لَهَا دَوِیٌّ شَدِیدٌ وَ قَصْفٌ کَقَصْفِ أَجْنِحَهِ الطَّیْرِ حَتَّى وَقَفَتْ بَیْنَ یَدَیْ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله ‏علیه ‏وآله  )مُرَفْرِفَهً

وَ أَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الْأَعْلَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى ‏الله ‏علیه ‏وآله )وَ بِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْکِبِی وَ کُنْتُ عَنْ یَمِینِهِ ( صلى ‏الله ‏علیه ‏وآله  )

فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذَلِکَ قَالُوا عُلُوّاً وَ اسْتِکْبَاراً فَمُرْهَا فَلْیَأْتِکَ نِصْفُهَا وَ یَبْقَى نِصْفُهَا فَأَمَرَهَا بِذَلِکَ فَأَقْبَلَ إِلَیْهِ نِصْفُهَا کَأَعْجَبِ إِقْبَالٍ وَ أَشَدِّهِ دَوِیّاً فَکَادَتْ تَلْتَفُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله ‏علیه ‏وآله  )

فَقَالُوا کُفْراً وَ عُتُوّاً فَمُرْ هَذَا النِّصْفَ فَلْیَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ کَمَا کَانَ فَأَمَرَهُ ( صلى ‏الله ‏علیه ‏وآله  )فَرَجَعَ

فَقُلْتُ أَنَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنِّی أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِکَ یَا رَسُولَ اللَّهِ وَ أَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ الشَّجَرَهَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى تَصْدِیقاً بِنُبُوَّتِکَ وَ إِجْلَالًا لِکَلِمَتِکَ

فَقَالَ الْقَوْمُ کُلُّهُمْ بَلْ ساحِرٌ کَذَّابٌ عَجِیبُ السِّحْرِ خَفِیفٌ فِیهِ وَ هَلْ یُصَدِّقُکَ فِی أَمْرِکَ إِلَّا مِثْلُ هَذَا یَعْنُونَنِی

وَ إِنِّی لَمِنْ قَوْمٍ لَا تَأْخُذُهُمْ فِی اللَّهِ لَوْمَهُ لَائِمٍ سِیمَاهُمْ سِیمَا الصِّدِّیقِینَ وَ کَلَامُهُمْ کَلَامُ الْأَبْرَارِ عُمَّارُ اللَّیْلِ وَ مَنَارُ النَّهَارِ مُتَمَسِّکُونَ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ یُحْیُونَ سُنَنَ اللَّهِ وَ سُنَنَ رَسُولِهِ

لَا یَسْتَکْبِرُونَ وَ لَا یَعْلُونَ وَ لَا یَغُلُّونَ وَ لَا یُفْسِدُونَ قُلُوبُهُمْ فِی الْجِنَانِ وَ أَجْسَادُهُمْ فِی الْعَمَلِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج۱۲  

و من خطبه له علیه السّلام تسمى بالقاصعه و هى المأه و الحادیه و التسعون من المختار فى باب الخطب

الجزء الثانی عشر

ثمّ لما بقی هنا بعض مطالب محتاجه إلى بسط من الکلام أردت ایرادها و تحقیق ما هو محتاج إلى التحقیق فی ضمن تنبیهات ثلاثه فأقول و باللّه التوفیق:

التنبیه الاول

اعلم أنّا قد قلنا فی شرح قوله علیه السّلام فی فاتحه هذا الفصل: ألا و قد أمرنی اللّه بقتال أهل البغى: إنّ من جمله الأوامر الامره بقتاله لهم قوله «یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا مَنْ یَرْتَدَّ مِنْکُمْ عَنْ دِینِهِ فَسَوْفَ یَأْتِی اللَّهُ بِقَوْمٍ یُحِبُّهُمْ وَ یُحِبُّونَهُ أَذِلَّهٍ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ أَعِزَّهٍ عَلَى الْکافِرِینَ. یُجاهِدُونَ فِی سَبِیلِ اللَّهِ وَ لا یَخافُونَ لَوْمَهَ لائِمٍ ذلِکَ فَضْلُ اللَّهِ یُؤْتِیهِ مَنْ یَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِیمٌ».

لکن جمعا من العامّه العمیاء المتعصّبین من المعتزله و الأشاعره زعموا أنّ الایه ناظره إلى أبی بکر و دالّه على صحّه إمامته، و قد أفرط فی هذا المعنى النّاصب المتعصّب فخر المشکّکین و المضلّین خذله اللّه تعالى و حشره مع أولیائه المرتدّین فأحببت أن اورد مقالهم و اعقّبه بالتنبیه على خطائهم و ضلالهم فأقول: قال الشّارح المعتزلی فی شرح هذا الفصل: و اعلم أنّ أصحابنا قد استدلّوا على صحّه إمامه أبی بکر بهذه الایه، قال قاضی القضاه فی المغنى: و هذا خبر من اللّه تعالى و لا بدّ أن یکون کائنا على ما أخبر به، و الذین قاتلوا المرتدّین هم أبو بکر و أصحابه فوجب أن یکونوا هم الّذین عناهم اللّه سبحانه بقوله: یحبّهم و یحبّونه، و ذلک یوجب أن یکون على صواب، انتهى و قال الفخر الرّازی فی تفسیر الایه: اختلفوا فی أنّ اولئک القوم من هم، فقال علیّ بن أبی طالب و الحسن و القتاده و الضحاک و ابن جریح: هم أبو بکر و أصحابه لأنهم هم الذین قاتلوا أهل الرّدّه، قالت عایشه: مات رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ارتدّت العرب و اشتهر النفاق و نزل بأبی ما لو نزل بالجبال الرّاسیات لهاضها.

و قال السدى: نزلت الایه فى الأنصار، لأنّهم هم الّذین نصروا الرّسول و أعانوه على اظهار الدّین.
و قال مجاهد: نزلت فی أهل یمن و روى مرفوعا أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما نزلت هذه الایه أشار إلى أبی موسى الأشعری و قال: هم قوم هذا.

و قال آخرون: هم الفرس لأنه روی أنّ النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما سئل عن هذه الایه ضرب بیده على عاتق سلمان و قال: هذا و ذووه ثمّ قال: لو کان الدّین معلّقا بالثریّا لنا له رجال من أبناء فارس.
و قال قوم: إنها نزلت فی علیّ علیه السّلام و یدلّ علیه وجهان: الوجه الأوّل أنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما دفع الرّایه إلى علیّ علیه السّلام یوم خیبر قال: لأدفعنّ الرّایه غدا إلى رجل یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله، و هذا هو الصفه المذکوره فى الایه.

و الوجه الثانی أنه تعالى إنما ذکر بعد هذه الایه قوله: إِنَّما وَلِیُّکُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ الایه، و هذه فى حقّ علیّ علیه السّلام فکان الأولى جعل ما قبلها أیضا فى حقّه علیه السّلام، فهذه جمله الأقوال فى هذه الایه، و لنا فى هذه الایه مقامات: المقام الأول أنّ هذه الایه من أدلّ الدّلائل على فساد مذهب الامامیّه من الرّوافض.
و تقریر مذهبهم إنّ الّذین أقرّوا بخلافه أبى بکر و امامته کلّهم کفروا و صاروا مرتدّین، لأنّهم أنکروا النصّ الجلیّ على إمامه علیّ علیه السّلام.

فنقول: لو کان کذلک لجاء اللّه تعالى بقوم یحاربهم و یقهرهم و یردّهم إلى الدّین الحقّ بدلیل قوله: مَنْ یَرْتَدَّ مِنْکُمْ عَنْ دِینِهِ فَسَوْفَ یَأْتِی اللَّهُ بِقَوْمٍ، الایه، و کلمه من فى معرض الشرط للعموم، فهی تدلّ على أنّ کلّ من صار مرتدّا عن دین الاسلام فانّ اللّه یأتی بقوم یقهرهم و یردّهم و یبطل شوکتهم فلو کان الذین نصبوا أبا بکر للخلافه کذلک لوجب بحکم الایه أن یأتی اللّه بقوم یقهرهم و یبطل مذهبهم، و لما لم یکن الأمر کذلک بل الأمر بالضدّ فانّ الرّوافض هم المقهورون الممنوعون من إظهار مقالاتهم الباطله أبدا منذ کانوا علمنا فساد مذهبهم و مقالتهم، و هذا کلام ظاهر لمن أنصف.
المقام الثانی إنّا ندّعی أنّ هذه الایه یجب أن یقال: إنّها نزلت فی حقّ أبی بکر و الدّلیل علیه وجهان:

الوجه الأول أنّ هذه الایه مختصّه بمحاربه المرتدّین، و أبو بکر هو الذی تولّى محاربه المرتدّین، و لا یمکن أن یکون المراد هو الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، لأنه لم یتّفق له محاربه المرتدّین، و لأنه تعالى قال: فسوف یأتی اللّه، و هذا للاستقبال لا للحال، فوجب أن یکون ذلک القوم غیر موجودین فى وقت نزول هذا الخطاب.

فان قیل: هذا لازم علیکم، لأنّ أبا بکر کان موجودا فى ذلک الوقت.
قلنا: الجواب من وجهین: الأول أنّ القوم الذین قاتل بهم أبو بکر أهل الردّه ما کانوا موجودین فى الحال و الثّانى أنّ معنى الایه أنّ اللّه تعالى قال: فسوف یأتی اللّه بقوم، قادرین متمکّنین من هذا الحراب، و أبو بکر و إن کان موجودا فى ذلک الوقت إلّا أنه ما کان مستقلّا فى هذا الوقت بالحراب و الأمر و النّهى، فزال السؤال فثبت أنه لا یمکن أن یکون هو الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لا یمکن أن یکون المراد هو علىّ علیه السّلام لأنّ علیا لم یتّفق له قتال مع أهل الردّه فکیف تحمل هذه الایه علیه.

فان قالوا: بل کان قتاله مع أهل الردّه، لأنّ کلّ من نازعه فى الامامه کان مرتدّا.
قلنا: هذا باطل من وجهین: الأول أنّ اسم المرتدّ إنما یتناول من کان تارکا للشرایع الاسلامیّه، و القوم الذین نازعوا علیّا ما کانوا کذلک فى الظاهر، و ما کان أحد یقول إنّهم خرجوا عن الاسلام و علیّ لم یسمّهم البتّه بالمرتدّین، فهذا الذى یقوله هؤلاء الرّوافض لعنهم اللّه بهت على جمیع المسلمین و على علیّ علیه السّلام أیضا.

الثانی أنه لو کان کلّ من نازعه فی الامامه مرتدّا لزم فى أبى بکر و فى قومه أن یکونوا مرتدّین، و لو کان کذلک لوجب بحکم ظاهر الایه أن یأتی اللّه بقوم یقهرونهم و یردّونهم إلى الدّین الصحیح، و لما لم یوجد ذلک البتّه علمنا أنّ منازعه علیّ فى الامامه لا یکون ردّه، و إذا لم تکن ردّه لم یمکن حمل الایه على علیّ لأنّها نازله فیمن یحارب المرتدّین.

و لا یمکن أیضا أن یقال: إنّها نازله فی أهل فارس أو فی أهل الیمن، لأنّهم لم یتّفق لهم محاربه مع المرتدّین، و بتقدیر أنّه اتّفقت لهم هذه المحاربه و لکنهم کانوا رعیّه و أتباعا و أذنابا، و کان الرئیس المطاع الامر فی تلک الواقعه هو ابو بکر و معلوم أنّ حمل الایه على من کان أصلا فی هذه العباده و رئیسا مطاعا فیها أولى من حملها على الرّعیه و الأتباع و الأذناب، فظهر بما ذکرنا من الدّلیل الظاهر أنّ هذه الایه مختصّه بأبی بکر.

و الوجه الثانی فی بیان أنّ هذه الایه مختصّه بأبی بکر هو: إنّا نقول: هب أنّ علیّا قد کان حارب المرتدّین، و لکن محاربه أبى بکر مع المرتدّین کانت أعلى حالا و أکثر موقعا فى الاسلام من محاربه علیّ مع من خالفه فى الامامه و ذلک لأنّه علم بالتواتر أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لمّا توفّى اضطربت الأعراب و تمرّدوا و أنّ أبا بکر هو الّذی قهر مسیلمه و طلیحه، و هو الذى حارب مانعی الزّکاه، و لمّا فعل ذلک استقرّ الاسلام و عظمت شوکته و انبسطت دولته.
أمّا لما انتهى الأمر إلى علىّ فکان الاسلام قد انبسط فى الشّرق و الغرب و صار ملوک الدّنیا مقهورین و صار الاسلام مستولیا على جمیع الأدیان و الملل، فثبت أنّ محاربه أبى بکر أعظم تاثیرا فى نصره الاسلام و تقویته من محاربه علیّ علیه السّلام.

و معلوم أنّ المقصود من هذه الایه تعظیم قوم یسعون فى تقویه الدّین و نصره الاسلام، و لما کان أبو بکر هو المتولّى لذلک وجب أن یکون هو المراد بالایه.
المقام الثالث فى هذه الایه و هو أنّا ندّعى دلاله هذه الایه على صحّه إمامه أبى بکر، لما ثبت بما ذکرنا أنّ هذه الایه مختصّه به، فنقول: إنّه تعالى وصف الذین أرادهم بهذه الایه بصفات: أوّلها أنّهم یحبّهم اللّه، فلمّا ثبت أنّ المراد بهذه الایه هو أبو بکر ثبت أنّ قوله یحبّهم و یحبّونه وصف لأبى بکر، و من وصفه اللّه تعالى بذلک یمتنع أن یکون ظالما، و ذلک یدلّ على أنه کان محقّا فی إمامته.

و ثانیها قوله: أذلّه على المؤمنین أعزّه على الکافرین، و هو صفه أبی بکر أیضا للدّلیل الّذی قدّمناه.
و یؤکّده ما روى فی الخبر المستفیض أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال: أرحم امّتی بامّتی أبو بکر، فکان موصوفا بالرّحمه و الشفقه على المؤمنین، و بالشدّه مع الکفّار.

ألا ترى أنّ فی أوّل الأمر حین کان الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی مکّه و کان فی غایه الضعف کیف کان یذبّ عن الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و کیف کان یلازمه، و یخدمه، و ما کان یبالی بجبابره الکفّار و شیاطینهم و فی آخر الأمر أعنى وقت خلافته کیف لم یلتفت إلى قول أحد و أصرّ على أنه لا بدّ من المحاربه مع مانعى الزکاه حتى آل الأمر إلى أن خرج إلى قتال القوم وحده حتى جاء أکابر الصحابه و تضرّعوا إلیه و منعوه من الذهاب.
ثمّ لما بلغ بعث العسکر إلیهم انهرموا و جعل اللّه ذلک مبدء لدوله الاسلام، فکان قوله: أَذِلَّهٍ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ أَعِزَّهٍ عَلَى الْکافِرِینَ، لا یلیق إلّا به.

و ثالثها قوله: یجاهدون فى سبیل اللّه و لا یخافون لومه لائم، فهذا مشترک فیه بین أبى بکر و علىّ إلّا أنّ حظّ أبى بکر فیه أتمّ و أکمل.
و ذلک لأنّ مجاهده أبى بکر مع الکفار کان فى أوّل البعث، و هناک الاسلام کان فى غایه الضعف، و الکفر کان فى غایه القوّه، و کان یجاهد الکفار بمقدار قدرته و یذبّ عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بغایه وسعه.
و أما علیّ علیه السّلام فانه إنما شرع فى الجهاد یوم بدر و أحد، و فى ذلک الوقت کان الاسلام قویّا و کانت العساکر مجتمعه.
فثبت أنّ جهاد أبى بکر کان أکمل من جهاد علیّ علیه السّلام من وجهین: الأوّل أنه کان متقدّما علیه فى الزّمان لقوله تعالى: وَ ما لَکُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ وَ لِلَّهِ و الثانی جهاد أبی بکر کان فی وقت ضعف الرّسول و جهاد علىّ کان فی وقت القوّه.

و رابعها قوله: ذلک فضل اللّه یؤتیه من یشاء، و هذا لایق بأبی بکر لأنّه متأکّدبقوله تعالى: وَ لا یَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْکُمْ وَ السَّعَهِ، و قد بیّنا أنّ هذه الایه فی أبی بکر و ممّا یدلّ على أنّ جمیع هذه الصّفات لأبی بکر أنا بیّنا بالدّلیل أنّ هذه الایه لا بدّ و أن تکون فی أبی بکر، و متى کان الأمر کذلک کانت هذه الصّفات لا بدّ و أن تکون لأبی بکر، و إذا ثبت هذا وجب القطع بصحّه امامته، إذ لو کانت باطله لما کانت هذه الصّفات لائقه به.
فان قیل: لم لا یجوز أن یقال: إنه کان موصوفا بهذه الصّفات حال حیاه الرّسول ثمّ بعد وفاته لما شرع فی الامامه زالت هذه الصّفات و بطلت.

قلنا: هذا باطل قطعا، لأنّه تعالى قال: فسوف یأتی اللّه بقوم یحبّهم و یحبّونه، فأثبت کونهم موصوفین بهذه الصّفات حال اتیان اللّه بهم فی المستقبل، و ذلک یدلّ على شهاده اللّه بکونه موصوفا بهذه الصّفات حال محاربته مع أهل الرّده، و ذلک هو حال امامته، فثبت بذلک الایه دلاله الایه على صحّه امامته.

أمّا قول الرّوافض لعنهم اللّه إنّ هذه الایه فی حقّ علیّ علیه السّلام بدلیل أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال یوم خیبر: لاعطینّ الرّایه غدا رجلا یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله، و کان ذلک هو علیّ علیه السّلام.
فنقول: هذا الخبر من باب الاحاد و عندهم لا یجوز التّمسک به فی العمل فکیف یجوز التّمسک به فی العلم.

و أیضا إنّ اثبات هذه الصفه لعلیّ علیه السّلام لا یوجب انتفاءها عن أبی بکر و بتقدیر أن یدلّ على ذلک لکنّه لا یدلّ على انتفاء ذلک المجموع عن أبی بکر و من جمله تلک الصفات کونه کرّارا غیر فرّار فلمّا انتفى ذلک عن أبى بکر لم یحصل مجموع تلک الصّفات له فکفى هذا فی العمل بدلیل الخطاب، فأمّا انتفاء جمیع تلک الصفات فلا دلاله فى اللّفظ علیه فهو تعالى إنّما أثبت هذه الصّفه المذکوره فى هذه الایه حال اشتغاله بمحاربه المرتدّین بعد ذلک، فهب أنّ تلک الصفه ما کانت حاصله فی ذلک الوقت فلم یمنع ذلک من حصولها فی الزّمان المستقبل.

و لأنّ ما ذکرناه تمسّک بظاهر القرآن و ما ذکروه تمسّک بالخبر المذکورالمنقول بالاحاد.
و لأنّه معارض بالأخبار الدّاله على کون أبى بکر محبّا للّه و رسوله و کون اللّه محبّا له و راضیا عنه، قال تعالى فى حقّ أبى بکر: وَ لَسَوْفَ یَرْضى‏ و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إنّ اللّه یتجلّى للناس عامّه و یتجلّى لأبى بکر خاصّه، و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ما صبّ اللّه شیئا فى صدرى إلّا و صبّه فى صدر أبى بکر، و کلّ ذلک یدلّ على أنّه کان یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله.

و أما الوجه الثانی و هو قولهم: الایه التی بعد هذه الایه دالّه على امامه علیّ علیه السّلام فوجب أن تکون هذه الایه نازله فی علیّ.
فجوابنا أنا لا نسلّم دلاله الایه التی بعد هذه الایه على امامته، و سنذکر الکلام فیه، فهذا ما فى هذا الموضع من البحث و اللّه أعلم، انتهى کلامه هبط مقامه.

و یتوجّه علیه وجوه من الکلام و ضروب من الملام:

الوجه الاول– أنّ نسبته کون المراد بقوم یحبّهم و یحبّونه هو ابو بکر و أصحابه إلى علیّ علیه السّلام بهت و افتراء، و إنما المرویّ عنه علیه السّلام و عن حذیفه و عمّار و ابن عباس حسبما تعرفه أنّ المراد به هو علیه السّلام و أصحابه.

الثانی– ما ذکره من الوجه الثانی من استدلال الامامیه بأنّ الایه الواقعه بعد هذه الایه عنى قوله: إِنَّما وَلِیُّکُمُ اللَّهُ، فى حقّ علیّ علیه السّلام فکان الأولى جعل ما قبلها أیضا فى حقّه فاسد، لأنّ أصحابنا و إن قالوا بکون انما ولیّکم اللّه فى حقّه لکنّهم لم یستدلّوا بذلک على کون هذه الایه أعنی: فَسَوْفَ یَأْتِی اللَّهُ بِقَوْمٍ، فیه علیه السّلام و إنّما استدلّوا على ذلک بالوجه الأوّل الّذى حکاه عنهم و یأتی توضیحه، و بما روی عن أمیر المؤمنین علیه السّلام من قوله یوم البصره و اللّه ما قوتل أهل الایه حتّى الیوم و تلاها، و بما روی عن وجوه الصحابه مثل حذیفه و عمّار و ابن عبّاس من نزولها فیه علیه السّلام کما قاله المرتضى فی الشافی، و مثلهم الثعلبى قال فى تفسیر قوله: فَسَوْفَ یَأْتِی اللَّهُ بِقَوْمٍ الایه، هو علیّ بن أبی طالب.

الثالث– أنّ استدلاله على فساد مذهب الامامیّه بقوله: و تقریر مذهبهم إلى قوله: و لما لم یکن کذلک علمنا فساد مذهبهم، سخیف جدّا، لأنّا لا ننکر ارتداد أبی بکرو من تبعه حسبما نشیر الیه، و لکن نمنع دلاله الایه على أنّ کلّ من صار مرتدّا عن دین الاسلام، فانّ اللّه یأتی بقوم یردّهم إلى الاسلام و إفاده من للشرط و العموم لا یقتضى ذلک.
و ذلک لأنه سبحانه لم یقل من یرتدّ منکم عن دینه فسوف یأتی اللّه بقوم یجاهدهم و یقهرهم و یردّهم الى الدّین الحقّ کما زعمه هذا الناصب، و إنما قال فسوف یأتی اللّه بقوم یحبّهم و یحبّونه آه.

و لا دلاله فیها على أنّ القوم المأتیّ بهم یجاهدون هؤلاء المرتدّین بل ظاهر معنى الایه و مساقها مع قطع النظر عن الأخبار أنّ من یرتدّ منکم عن دینه فلن یضرّ دینه شیئا و لا یوجب ارتداده ضعفه و وهنه لأنّه سبحانه سوف یأتی بقوم لهم هذه الصّفات ینصرونه على أبلغ الوجوه، و بهم یحصل کمال قوّته و شوکته.

فیکون مساق هذه الایه مساق قوله تعالى وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِکُمْ وَ مَنْ یَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَیْهِ فَلَنْ یَضُرَّ اللَّهَ شَیْئاً وَ سَیَجْزِی اللَّهُ الشَّاکِرِینَ».
و قد روى ابن شهر آشوب من طریق العامّه باسناده عن سعید بن جبیر عن ابن عباس فی هذه الایه یعنی بالشاکرین علیّ بن أبی طالب و بالمرتدّین على أعقابکم هم الذین ارتدّوا عنه علیه السّلام.

فقد علم بما ذکرنا أنّ الایه لا تقتضى أنّ کلّ من ارتدّ لا بدّ و أن یأتی اللّه بمن یردّه عن ارتداده إلى دین الاسلام کما توهّمه الرّازى، کیف و لو کان مفهومها ذلک لوجب أن لا یوجد مرتدّ إلّا و له قاهر یقهره و رادّ یردّه إلى دین الاسلام، و المعلوم المشاهد بالتجربه و الوجدان عدمه، فانّ العالم ملاء من المرتدّین و لیس لهم دافع و لا رادع.

و قد اعترف الرازى بخبطه من حیث لا یشعر، فانّه نقل قبل ما حکینا عنه من کلامه فی جمله کلام نقله عن صاحب الکشّاف و ارتضاه أنّ من جمله المرتدّین غسّان قوم جبله بن الایهم على عهد عمر، و ذلک أنّ‏جبله أسلم على ید عمر و کان ذات یوم جارّا رداءه فوطئ رجل طرف ردائه فغضب فلطمه، فتظلّم الرّجل إلى عمر فقضی له بالقصاص علیه إلّا أن یعفو عنه فقال: أنا اشتریها«» بألف فأبى الرّجل فلم یزل یزید فی الفداء إلى أن بلغ عشره آلاف، فأبى الرّجل إلّا القصاص، فاستنظر عمر فأنظره فهرب إلى الرّوم و ارتدّ، انتهى.

فأقول للرّازى: إنّ هؤلاء کانوا مرتدّین بعد إسلامهم فلم لم یأتی اللّه بقوم یقهرونهم و یردّونهم إلى الاسلام على ما زعمت، فعلم فساد ما قاله فی معنی الایه.

الرابع– قوله: إنّ هذه الایه مختصّه بمحاربه المرتدّین و أبو بکر هو الّذى تولّى محاربتهم، قد علمت عدم دلاله الایه على محاربتهم فضلا عن اختصاصها بها.
و على التنزّل و تسلیم الدّلاله و الاختصاص فنمنع اختصاص أبی بکر بمحاربتهم لأنّ من جمله المرتدّین الناکثین و القاسطین و المارقین و قد حاربهم أمیر المؤمنین علیه السّلام.

و من جملتهم بنو مدلج و رئیسهم ذو الحمار و هو الأسود العنسی و کان کاهنا ادّعا النبوّه فی الیمن و استولى على بلادها و أخرج عمّال رسول اللّه منها فکتب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى معاذ بن جبل و سادات الیمن فأهلکه اللّه على ید فیروز الدّیلمی فقتله و اخبر رسول اللّه بقتله لیله قتل، فسرّ المسلمون و قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من الغد، و أتى خبره فی آخر شهر ربیع الأوّل روى ذلک فی الکشّاف و حکاه عنه الرّازى أیضا.
و إذا لم یکن المحاربه مختصّه بأبی بکر فلم لا یجوز أن یکون المقصود بالایه هؤلاء المحاربون بالمرتدّین لا أبو بکر و أصحابه.

الخامس– قوله: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لم یتّفق له محاربه المرتدّین قد علمت بطلانه.
فان قلت: إنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لم یتولّ بنفسه جهاد بنی مدلج، و إنّما أنفذ إلیهم سریّه قلت: أبو بکر أیضا لم یتولّ بنفسه.

السادس– قوله: و لأنه تعالى قال: فَسَوْفَ یَأْتِی اللَّهُ بِقَوْمٍ، و هذا للاستقبال لا للحال‏فوجب أن یکون هذا القوم غیر موجودین فی وقت نزول الخطاب فیه أنّه مسلّم و لکنّه لا ینافی کون المراد بالمرتدّین بنو مدلج أو قوم مسیلمه فانّ محاربه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لهم کان بعد مضیّ نزول الخطاب و فی آخر عمره الشریف، أمّا بنو مدلج فقد عرفت، و أمّا مسیلمه فقد ادّعى النّبوه فأنفذ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لقتله جماعه من المسلمین و أمرهم أن یفتکوا به إن أمکنهم غیله، و استقرّ علیه قبایل من العرب و قتل على یدی وحشی قاتل حمزه بعد موت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

السابع– قوله: إنّ القوم الّذین قاتل بهم أبو بکر أهل الردّه ما کانوا موجودین فی الحال.

فیه أوّلا أنّه رجم بالغیب فمن أین له إثبات عدم وجودهم، بل بیّن الفساد لأنّ المرتدّین هم الذین کانوا فی زمن الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مثل خالد بن الولید و أبو قتاده الأنصارى و نظرائهم و جلّهم کان جیش اسامه کما یظهر من کتب السّیر.

و ثانیا بعد التنزّل أنّ عدم وجودهم لا ینفع بحال أبی بکر على ما زعم مع کونه موجودا بل یدخل المقاتلون معه فی عموم الایه لعدم کونهم موجودین و یخرج هو بنفسه عنه لکونه موجودا، فافهم جیّدا.

الثامن– قوله: إنّ معنى الایه إنّ اللّه قال: فسوف یأتی اللَّه بقوم قادرین متمکّنین من هذا الحرب «إلى قوله» و الأمر و النهی.

فیه إذا کان البناء فی معنى الایه على ذلک فلنا أن نقول: إنّ أمیر المؤمنین أیضا کان موجودا فی ذلک الوقت و فى زمان أبى بکر لکنّه لم یکن متمکّنا من الحرب و الأمر و النهی إلى أن استقلّ بالأمر، فقاتل المرتدّین من النّاکثین و القاسطین و المارقین، غایه الأمر إنّ عدم استقلال أبی بکر بوجود الرئیس الحقّ و هو رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و عدم استقلال أمیر المؤمنین علیه السّلام بوجود رئیس الباطل أعنی الغاصبین للخلافه مع عدم المعاون

التاسع– قوله: فثبت أنّه لا یمکن أن یکون المراد هو الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قد علمت فساده و امکان إرادته.

العاشر– قوله: اسم المرتدّ إنما یتناول من کان تارکا للشرایع الاسلامیّه اه.
فیه أنّه إن أراد به ترکه لجمیعها فیتعرض علیه بأنّ مانعی الزکاه لم یکونوا تارکین للجمیع و انّما منعوا الزّکاه فحسب فکیف حکمتم بارتدادهم، و یدلّ على ما ذکرنا من عدم ترکهم للجمیع، مضافا إلى ما یأتی قول قاضی القضاه فی المغنی حیث قال: فان قال قائل فقد کان مالک یصلّی، قیل له: و کذلک سایر أهل الرّده و الکفر و إنّما کفروا بالامتناع من الزّکاه و اعتقاد إسقاط وجوبها دون غیره.

و إن اراد به تناول الاسم و لو بترک بعضها فنقول: إنّ المحاربین لأمیر المؤمنین علیه السّلام قد کانوا تارکین للبعض، حیث انّهم قد کانوا یستحلّون قتاله و قتله و قتل سایر المؤمنین التابعین له علیه السّلام فضلا عن إنکارهم النصّ الجلیّ و نقضهم لبیعته.
و استحلال قتل المؤمنین و سفک دمائهم فضلا عن أکابرهم و أفاضلهم أشدّ من استحلال الخمر و شربه قطعا، فیکونوا کفّارا مرتدّین.

مع أنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال له علیه السّلام بلا خلاف بین أهل النقل: یا علیّ حربک حربی و سلمک سلمی، و نحن نعلم أنّ المقصود به لیس إلّا التشبیه فی الأحکام، و من أحکام محاربی النّبی الکفر و الارتداد بالاتّفاق.
و ملخّص الکلام و محصّل المرام أنّ الرّده الّتی نقولها فی حقّ محاربی علیّ علیه السّلام هی بعینها مثل الرّده الّتی تقولونها فی حقّ مانعی الزکاه حرفا بحرف.

قال شارح صحیح مسلم فی المنهاج فی کتاب الایمان کلاما استحسنه من الخطابی ما هذا لفظه قال بعد تقسیم أهل الرّده إلى ثلاثه أقسام: فأمّا مانعوا لزکاه منهم المقیمون على أصل الدّین فانّهم أهل بغی و لم یسمّوا على الانفراد منهم کفارا و إن کانت الردّه قد اضیفت إلیهم لمشارکتهم المرتدّین فی منع بعض ما منعوه من حقوق الدّین، و ذلک انّ اسم الرّده اسم لغوىّ و کلّ من انصرف عن أمر کان مقبلا علیه فقد ارتدّ عنه، و قد وجد من هولاء القوم الانصراف و منع الحق و انقطع عنهم اسم الثناء و المدح بالدّین و علّق بهم اسم القبیح لمشارکتهم القوم الّذین کان ارتدادهم حقّا، انتهى.

و هذا الکلام کما ترى صریح فی أنّ مانعی الزکاه کانوا مقیمین على أصل الدّین لکنّه اطلق علیهم اسم المرتدّ لترک بعض حقوق الدّین الواجبه، هذا.
و أما استبعاد الشّارح المعتزلی لارتدادهم أعنى الناکثین و القاسطین و المارقین بأنّهم لا یطلق علیهم لفظ الرّده.
أمّا اللفظ فباالاتّفاق منّا و من الامامیّه و ان سمّوهم کفارا.

و أمّا المعنى فلأنّ فى مذهبهم أنّ من ارتدّ و کان قد ولد على فطره الاسلام بانت امرأته منه و قسم ماله بین ورثته و کان على زوجته عدّه المتوفى عنها زوجها، و معلوم أنّ أکثر المحاربین لأمیر المؤمنین قد ولدوا فى الاسلام و لم یحکم فیهم بهذه الأحکام.
ففیه منع أنّ الامامیّه لا یطلقون علیهم اسم المرتدّ و من أخبارهم المشهوره: ارتدّ النّاس بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلّا ثلاثه أو أربعه.

و أمّا ما حکاه عنهم من انّ مذهبهم أنّ من ارتدّ و کان قد ولد على الفطره اه، فهو و هذا الکلام کما ترى صریح فی أنّ مانعی الزکاه کانوا مقیمین على أصل الدّین لکنّه اطلق علیهم اسم المرتدّ لترک بعض حقوق الدّین الواجبه، هذا.
و أما استبعاد الشّارح المعتزلی لارتدادهم أعنى الناکثین و القاسطین و المارقین بأنّهم لا یطلق علیهم لفظ الرّده.
أمّا اللفظ فباالاتّفاق منّا و من الامامیّه و ان سمّوهم کفارا.

و أمّا المعنى فلأنّ فى مذهبهم أنّ من ارتدّ و کان قد ولد على فطره الاسلام بانت امرأته منه و قسم ماله بین ورثته و کان على زوجته عدّه المتوفى عنها زوجها، و معلوم أنّ أکثر المحاربین لأمیر المؤمنین قد ولدوا فى الاسلام و لم یحکم فیهم بهذه الأحکام.

ففیه منع أنّ الامامیّه لا یطلقون علیهم اسم المرتدّ و من أخبارهم المشهوره: ارتدّ النّاس بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلّا ثلاثه أو أربعه.
و أمّا ما حکاه عنهم من انّ مذهبهم أنّ من ارتدّ و کان قد ولد على الفطره اه، فهو حقّ لکن نجیب عنه بأنّ أحکام الکفّار کما أنّها مختلفه و إن کان شملهم اسم الکفر، فانّ منهم من یقتل و لا یستبقى، و منهم من یؤخذ منهم الجزیه و لا یقتل إلّا بسبب طار غیر الکفر، و منهم من لا یجوز نکاحه على مذهب أکثر المسلمین، فکذلک من الجایز اختلاف أحکام الارتداد و یرجع فى أنّ حکمهم مخالف لأحکام سایر الکفار و المرتدّین إلى فعله علیه السّلام و سیرته فیهم.
و لذلک قال الشافعی: أخذ المسلمون السیره فى قتال المشرکین من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و أخذوا السیره فى قتال البغاه من علیّ علیه السّلام.

و بالجمله فلو لم یکن الباغون علیه علیه السّلام کفارا مرتدّین لما حاربهم أمیر المؤمنین و لا استحلّ سفک دمائهم و لم یکن مأمورا من اللّه تعالى و من رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بقتالهم على ما صرّح به فى أوّل هذا الفصل من کلامه بقوله: و قد أمرنى اللّه بقتال أهل البغی اه.

إذ المسلم لا یجوز سفک دمه و استحلال قتله فلمّا حاربهم أمیر المؤمنین علیه السّلام ثبت‏بذلک کفرهم و ارتدادهم.
و لمّا لم یسر فیهم بسیره سایر الکفار من سبیهم و سبی ذراریهم و غنیمه أموالهم و اتّباع مولّیهم و إجهاز جریحهم، و لم یسر فیهم بسیره سایر المرتدّین من إبانه امرأتهم و تقسیم أموالهم و غیرها من الأحکام، علمنا بذلک اختلاف أحکامهم مع أحکام سایر الکفار و المرتدّین، فانّ فعل الامام و سیرته کقوله حجّه متّبعه مثل الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

و ان شئت مزید تحقیق لهذا المقام.
فأقول: إنّ ارتداد المنحرفین عنه علیه السّلام کائنا من کان من الغاصبین للخلافه أو الباغین علیه علیه السّلام و اطلاق اسم المرتدّ علیه قد ورد فى الرّوایات العامیّه کوروده فى أخبار الخاصّه.

ففى غایه المرام عن الثعلبى قال: أخبرنا عبد اللّه بن حامد بن محمّد أخبرنا أحمد بن محمّد بن الحسن حدّثنا محمّد بن شبیب حدّثنا أبی عن یونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسیّب عن أبى هریره أنّه کان یحدّث عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال: یرد علىّ یوم القیامه رهط من أصحابى فیجلون عن الحوض، فأقول: یا ربّ أصحابى، فیقال: إنّک لا علم لک بما أحدثوا أنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.

و فیه من صحیح البخارى فی الجزء الخامس على حدّ ثلثه الأخیر فى تفسیر قوله «وَ کُنْتُ عَلَیْهِمْ شَهِیداً ما دُمْتُ فِیهِمْ» قال: حدّثنا شعبه قال أخبرنا المغیره بن النعمان قال سمعت سعید بن جبیر عن ابن عبّاس «رض» خطب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال یا أیّها النّاس إنّکم محشورون إلى اللّه حفاه عزلا، ثمّ قال: کما بدئنا أوّل خلق نعیده وعدا علینا إنا کنّا فاعلین «إلى آخر الایه» ثمّ قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ألا و إنّ أوّل الخلایق یکسى یوم القیامه إبراهیم علیه السّلام ألا و انه یجاء برجال من أمتى فیؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: یا ربّ أصحابى، فیقال إنک لا تدرى ما أحدثوا بعدک، فأقول کما قال العبد الصالح: و کنت علیهم شهیدا ما دمت فیهم فلمّا توفّیتنی کنت أنت الرّقیب علیهم و أنت على کلّ شی‏ء شهید، فقال: إنّ هؤلاء لم یزالوا مرتدّین على أعقابهم منذ فارقتهم.

و رواه فیه من صحیح مسلم فى الجزء الثالث من أجزاء ثلاثه من ثلثه الأخیر بسنده عن ابن عباس نحوه.
و فیه من البخارى من حدیث الزّهرى عن سعید بن المسیّب عن أبی هریره کان یحدّث عن بعض أصحاب النّبی قال: یرد على الحوض رجال من امّتی فیجلون عنه فأقول یا ربّ أصحابی، فیقال: إنّک لا علم لک بما أحدثوا بعدک إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.

فان قلت: غایه ما یستفاد من هذه الرّوایات أنّ جماعه من امّته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ارتدّوا بعده، و لا دلاله على أنّهم مبغضو أمیر المؤمنین علیه السّلام و المخالفون له.
قلت: الجواب أولا أنّه قد ورد فی النبوىّ المتّفق علیه بالنقل البالغ حدّ الاستفاضه: علیّ مع الحقّ و الحقّ مع علیّ یدور معه، و من جمله طرقه الزّمخشرى فی ربیع الأبرار قال: استأذن أبو ثابت مولا علیّ علیه السّلام على امّ سلمه رضی اللّه عنها فقالت: مرحبا بک یا أبا ثابت أین طار قلبک حین طارت القلوب مطائرها قال: تبع علیّ، فقالت: و الّذی نفسی بیده سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول: علیّ مع الحقّ و القرآن و الحقّ و القرآن معه و لن یفترقا حتّى یردا على الحوض و من المعلوم أنه علیه السّلام إذا کان معهما و کانا معه مصاحبین حتّى یردا على الحوض یکون مخالفوه المنحرفون عنه مخالفین للحقّ و القرآن، مفترقین عنهما البته و لیس معنى الارتداد إلّا ذلک فیکون المرتدّون المجلون عن الحوض هم هؤلاء.

و بمعناه ما رواه إبراهیم بن محمّد الحموینی مسندا عن الأعمش عن إبراهیم عن علقمه و الأسود قالا: أتینا أبا أیّوب الأنصارىّ و قلنا له: یا أبا أیّوب إنّ اللّه تعالى أکرمک بنبیّه حیث کان ضیفا لک فضیله من اللّه فضّلک بها أخبرنا بمخرجک مع علیّ علیه السّلام تقاتل أهل لا إله إلّا اللّه، قال: اقسم لکما باللّه لقد کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى هذا البیت الّذى أنتما فیه معى، و ما فى البیت غیر رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و علیّ جالس عن یمینه و أنا جالس عن‏یساره و أنس قائم بین یدیه، إذ حرّک الباب فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: افتح لعمّار الطیّب المطیّب، ففتح النّاس الباب و دخل عمار فسلّم على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فرحّب به ثمّ قال لعمار: إنه سیکون فی أمّتی بعدی هناه حتى یختلف السیف فیما بینهم و حتى یقتل بعضهم بعضا، فاذا رأیت ذلک فعلیک بهذا الأصلع عن یمینی یعنی علیّ بن أبی طالب، فاذا سلک الناس کلّهم وادیا و سلک علىّ و ادیا فاسلک وادى علیّ و خلّ عن النّاس، یا عمار إنّ علیّا لا یردّک عن هدى و لا یدلّک على ردى، یا عمار طاعه علیّ طاعتی و طاعتی طاعه اللّه عزّ و جلّ.
و دلالته على المدّعى غیر خفیّه.
و ثانیا انه قد وقع التصریح منه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بأنّ المرتدّین المطرودین عن الحوض مبغضوه علیه السّلام فی ما رواه موفق بن أحمد أخطب خوارزم بسنده عن إبراهیم ابن عبد اللّه بن العلا عن أبیه عن زید بن علیّ بن الحسین بن علیّ بن أبی طالب عن أبیه عن جدّه عن علیّ بن أبی طالب رضی اللّه عنه قال: قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله یوم فتح خیبر: لو لا أن یقول فیک طوایف من أمّتی ما قالت النصارى فى عیسى بن مریم لقلت الیوم فیک مقالا بحیث لا تمرّ على ملاء من المسلمین إلّا أخذوا من تراب رجلیک و فضل طهورک، یستشفعون به و لکن حسبک أن تکون منّی و أنا منک ترثنی و أرثک و أنت منّی بمنزله هارون من موسى إلّا أنّه لا نبیّ بعدی یا علیّ أنت تؤدّی دینی و تقاتل على سنّتی و أنت فی الاخره أقرب النّاس منّی و إنّک یا علیّ غدا على الحوض خلیفتی تذود عنه المنافقین، و أنت أوّل من یرد على الحوض و أنت أوّل داخل فی الجنّه من أمّتی، و إنّ شیعتک على منابر من نور رواء مرویّین مبیضّه وجوههم حولی أشفع لهم فیکونون فی الجنّه غدا جیرانی، و إنّ أعداءک غدا ظماء مظمئین مسوّده وجوههم یتقحمون مقمعون یضربون بالمقامع و هى سیاط من نار مقتحمین، حربک حربی و سلمک سلمی و سرّک سرّی و علانیتک علانیتی و سریره صدرک کسریره صدری و أنت باب علمى و انّ ولدک ولدی و لحمک لحمی و دمک دمى، و أنّ الحق معک و الحقّ على لسانک و فی قلبک و بین عینیک، و الایمان‏خالط لحمک و دمک کما خالط لحمی و دمی، و انّ اللّه عزّ و جلّ أمرنی أن أبشّرک أنّک أنت و عترتک فی الجنّه، و عدّوک فی النار لا یرد على الحوض مبغض لک، و لا یغیب عنه محبّ لک.

قال علیّ علیه السّلام فخررت ساجدا للّه تعالى و حمدته على ما أنعم به علیّ من الاسلام و القرآن و حبّبنى إلى خاتم النّبیّین و سیّد المرسلین.
و قد أوردت هذه الرّوایه بطولها لتضمّنها وجوها من الدّلاله على المدّعى کما لا یخفى على المنصف المجانب عن العصبیّه و الهوى فقد علم بذلک کلّه أنّ المحاربین له علیه السّلام کالمنتحلین للخلافه مرتدّون على لسان اللّه و النبیّ و الوصیّ و منکر ارتدادهم منکر للنّص الجلیّ.

الحاد یعشر– قوله: لو کان کلّ من نازعه فی الامامه مرتدّا اه فیه إنّ ارتدادهم مسلّم حسبما عرفت و لکن وجوب إتیان اللّه بقوم یقهرونهم بحکم الایه غیر لازم، لما عرفت أیضا من عدم اقتضاء الایه ذلک لأنه سبحانه قال فَسَوْفَ یَأْتِی اللَّهُ بِقَوْمٍ یُحِبُّهُمْ وَ یُحِبُّونَهُ و لم یقل یقهرونهم و یردّونهم إلى الدّین الصّحیح.
لا یقال: لو کان أبو بکر و قومه مرتدّین لحاربهم أمیر المؤمنین علیه السّلام کما حارب النّاکثین و القاسطین و المارقین.

لأنّا نقول: نعم و لکن ترکه لمحاربتهم لأنّه لم یجد عونا له على الحرب کما أشار علیه السّلام إلى ذلک فی الخطبه الثالثه بقوله: و طفقت أرتای بین أن أصول بید جذّاء أو أصبر على طخیه عمیاء فصبرت و فی العین قذى و فی الحلق شجى، و فى الفصل الثانی من الخطبه السّادسه و العشرین: فنظرت فاذا لیس لی معین إلّا أهل بیتی فضننت بهم عن الموت و أغضیت على القذى و شربت على الشّجى و صبرت على أخذ الکظم و على أمرّ من طعم العلقم.

و ممّا رواه عنه نصر بن مزاحم و کثیر من أرباب السّیر أنّه قال عقیب وفاه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: لو وجدت أربعین ذوى عزم‏و قد سأل الرّمانی عن الرّضا علیه السّلام قال: فقلته یا ابن رسول اللّه أخبرنى عن علیّ بن أبی طالب لم لم یجاهد أعداءه خمسا و عشرین سنه بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ثمّ جاهد فی أیّام ولایته فقال: لأنّه اقتدى برسول اللّه فی ترکه جهاد المشرکین بمکّه ثلاثه عشر سنه بعد النبوّه و بالمدینه تسعه عشر شهرا، و ذلک لقلّه أعوانه علیهم.

فلمّا لم تبطل نبوّه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مع ترکه الجهاد لم تبطل ولایه علیّ علیه السّلام بترکه الجهاد خمسا و عشرین سنه إذ کانت العلّه المانعه لهما عن الجهاد واحده.

الثانی عشر– قوله: و معلوم أنّ حمل الایه على الرئیس المطاع أولى.
فیه منع الأولویه أوّلا و منع اقتضاء الأولویّه على فرض تسلیمه للاختصاص ثانیا.

الثالث عشر– قوله: و لکن محاربه أبی بکر مع المرتدّین کانت أعلى حالا «إلى قوله» وجب أن یکون هو المراد بالایه.
فیه أوّلا إنّ محاربه أبی بکر کانت عقیب وفاه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و کان الأنصار و المهاجرون و سایر المسلمین رغباتهم متوافره و أیدیهم متناصره و آرائهم متّفقه و أبدانهم مجتمعه و أهوائهم متّحده و کلمتهم واحده فی حمایه الدّین و فی ذبّ الکفار عن شرع سیّد المرسلین، و کان المرتدّون شرذمه قلیلین، فحارب أبو بکر هؤلاء الجماعه الکثیره المتّفقه ذوی الحمیّه و العصبیّه هذه الشرذمه القلیله مع ما بین الطرفین من عداوه الدّین و تضادّ المذهب على رأى المجاهدین المقتضى للجدّ و الثبات فی الحرب و أما حرب أمیر المؤمنین علیه السّلام فقد کان بعد السنین المتطاوله و تعوّد الناس على محدثات المتخلّفین الثلاثه و بدعاتهم مع کون سیرته علیه السّلام فیهم بخلاف سیره الشیخین الموجب لتقاعدهم عنه و مخالفتهم له، و کون هوى أکثرهم فى الباطن خلاف هوى أمیر المؤمنین علیه السّلام و رأیهم مخالفا لرأیه.

بل کان أکثرهم فى شکّ و تردّد من جواز قتال حرم رسول اللّه عایشه و جهاد قوم هم من أهل القبله على ظاهر الاسلام و قوم لهم ثفنات فى مساجدهم کثفنات البعیر أجهد منهم عباده و أکمل قراءه.

فقاتل بهؤلاء الجماعه المختلفه الأهواء و المشتّته الاراء الضعفاء الاعتقاد المرتدّین على کثرتهم بمقتضى تصلّبه فی الدّین من دون أن یأخذه لومه لائم غیر هائب و لا محتشم.
فحارب مع من حالهم ذلک بالناکثین و قد بلغوا تسعه آلاف و بالقاسطین و قد کانوا زهاء مأتی ألف، و بالمارقین و کانوا اثنى عشر ألفا فى أوّل أمرهم و أربعه آلاف فى آخره فانظر ما ذا ترى.

هل کان محاربته علیه السّلام و الحال بما وصفت أولى و أحقّ بالتعظیم و أن تقصد بالایه الشریفه أم محاربه أبى بکر و ثانیا إنّ محاربه أبى بکر لم تکن إلّا بمحض الأمر و النهى و انهاض الجیش و السّرایا، و قد کان جالسا فى کسر بیته و حوله المهاجر و الأنصار فى أمن و راحه و طیب عیش و دعه على مصداق قوله:

ألا طعان ألا فرسان عادیه
ألا تجشوکم حول التنانیر

و أما أمیر المؤمنین علیه السّلام فقد کان شاهرا سیفه واضعا له على عاتقه فى حروب یضطرب لها فؤاد الجلید، و یشیب لهو لها فود الولید، و یذوب لتسعّر بأسها زبر الحدید، و یجب منها قلب البطل الصدید.
فتولى علیه السّلام الحرب بنفسه النفیسه فخاض غمارها و اصطلى نارها، و دوّخ أعوانها و أنصارها و أجرى بالدّماء أنهارها، و حکم فى مهج الناکثین و القاسطین و المارقین فجعل بوارها، فصارت الفرسان تتحاماه إذا بدر، و الشجعان تلوذ بالهزیمه إذا زأر عالمه أنه ما صافحت صفحه سیفه مهجه إلّا فارقت جسدها، و لا کافح کتیبه إلّا افترس ثعلب رمحه أسدها.

و هذا حکم ثبت له بطریق الاجمال و حال اتّصف به بعموم الاستدلال.
و أما تفصیله فلیطلب من مظانه من الکتاب، فانه لا یخفى على ذوی البصایر و أولى الألباب.
فانشدک باللّه هل مجاهده ذلک أجدر و أحرى بالمجمده و الثناء أم محاربههذا«» جزى اللّه خیر الجزاء من تجنّب العصبیّه و الهوى

الرابع عشر– قوله: فلما ثبت أنّ المراد بهذه الایه أبو بکر ثبت أنّ قوله: یحبّهم و یحبّونه وصف له.
فیه أنّ الاستدلال على اتّصاف أبی بکر بهذا الوصف و ما یتلوه من الأوصاف بسبب اختصاص الایه به أشبه شی‏ء بالأکل من القفاء، إذ المناسب لرسم المناظره أن یقیم الدلیل أولا على اتّصاف أبی بکر بهذه الأوصاف ثمّ یستدلّ بذلک على أنّ الایه فى حقّه لا بالعکس.

مع أنک قد علمت عدم دلاله الایه على خلافته فضلا عن الاختصاص فلم یثبت اتّصافه بها بما زعمه من الدلیل، بل قد علمت بما ذکرناه و نذکره نزولها فى أمیر المؤمنین علیه السّلام و أنه المتّصف بهذه الأوصاف لا غیر.

الخامس عشر– قوله: و من وصفه اللّه بذلک یمتنع أن یکون ظالما.
هذا مسلّم لکن ظلمه محقّق فاتّصافه به ممتنع فمبطلیّته فی الامامه محقّقه لا غبار علیها.
أما تحقّق ظلمه فلأنّ أعظم الظلم الشرک باللّه و عباده الأوثان کما قال عزّ من قائل «إِنَّ الشِّرْکَ لَظُلْمٌ عَظِیمٌ» و أبو بکر قد کان مشرکا مدّه مدیده و زمنا طویلا من عمره فیکون ظالما البته، و من کان کذلک لا یستحقّ الإمامه بمقتضى قوله سبحانه: وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِیمَ.

روى أبو الحسن الفقیه ابن المغازلی الشافعی مسندا- حذفت الاسناد للاختصار- عن مینا مولى عبد الرّحمن بن عوف عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أنا دعوه أبی إبراهیم، قلت: یا رسول اللّه و کیف صرت دعوه أبیک إبراهیم قال: أوحى اللّه عزّ و جلّ إلیه إنّى جاعلک للناس إماما، فاستخفّ إبراهیم الفرح قال علیه السّلام و من ذرّیتى أئمّه مثلی، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلیه أن یا إبراهیم إنّى لا اعطیک عهدا لا أفى لک به، قال: یا ربّ ما العهد الذی لا تفى لى به قال: اعطیک عهدا لظالم من‏ذرّیتک قال إبراهیم عندها: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِیمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِی وَ بَنِیَّ، فقال النبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فانتهت إلیّ و إلى علیّ لم یسجد أحدنا لصنم قط فاتّخذنى نبیا و اتّخذ علیا وصیا.

و قال الواحدی فی تفسیر قوله تعالى: وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِیمَ: اعلمه أنّ فی ذرّیته الظالم قال و قال السدى عهدى نبوّتى یعنى لا ینال ما عهدت إلیک من النبوّه و الامامه فى الدّین من کان ظالما فى ولدک.
قال و قال الفراء: لا یکون للناس إمام مشرک.
و قد ظهر بذلک کون المشرک ظالما غیر مستحقّ للامامه و لا کلام فى شرک أبی بکر فى أوّل أمره فظلمه فى بدایه حاله ثابت، و أما ظلمه بعد إسلامه فکذلک، لأنه لم یکن معصوما بالاتّفاق حتى یکون له قوّه العصمه المانعه من الظلم على نفسه و على غیره، و قد قال على المنبر: إنّ لی شیطانا یعترینی فاذا ملت فسدّ دونى، فمن کان محتاجا إلى تسدید الغیر عند المیل و الانحراف عن الرّشاد کیف یکون مسدّدا لغیره على ما هى وظیفه الامامه.

و من ظلمه العظیم غصبه للخلافه و حکمه باخراج أمیر المؤمنین علیه السّلام من بیته ملبّبا للبیعه و انتزاع الفدک من ید الصدّیقه الطاهره حسبما عرفت و تعرف فى تضاعیف الشرح ذلک کلّه بالأدلّه القاطعه و البراهین الساطعه.

و من عظیم ظلمه الذی صار علیه من أعظم المطاعن مضافا إلى مطاعنه الأخر محاربته مانعی الزکاه مع عدم کونهم مرتدّین و ترکه إقامه الحدّ و القود على خالد بن الولید و قد قتل مالک بن نویره و ضاجع المرأه من لیلته و أشار إلیه عمر بقتله و عزله، فقال: انّه سیف من سیوف اللّه سلّه اللّه على أعدائه و قال عمر مخاطبا لخالد: لان ولّیت الأمر لأقیدنّک له.

و قد روى تفصیل ذلک أرباب السیر و رواه أصحابنا فى جمله مطاعن أبی بکرو لا حاجه بنا فی هذا المقام إلى ذکر التّفصیل و إنّما نورد ما له مزید مدخل فی إثبات المدّعى فأقول: روى الطبری فی تاریخه و رواه غیره أیضا فی جمله ما رواه من تلک القضیّه أنّ من جمله السّریه المبعوثه إلى بنی یربوع قوم مالک بن نویره أبا قتاده الحارث ابن ربعی فکان ممّن شهد أنّهم قد أذّنوا و أقاموا و صلّوا، فحدث أبو قتاده الأنصاری خالد بن الولید بأنّ القوم ماذوا بالاسلام و أنّ لهم أمانا، فلم یلتفت خالد إلى قوله و أمر بقتلهم و قسم سبیهم، فحلف أبو قتاده أن لا یسیر تحت لواء خالد فی جیش أبدا، و رکب فرسه شادّا إلى أبی بکر و أخبره بالقصّه و قال: إنّی نهیت خالدا عن قتله فلم یقبل قولی و أخذ بشهاده الأعراب الّذین غرضهم الغنائم، و أنّ عمر لمّا سمع ذلک تکلّم فیه عند أبی بکر فأکثر، و قال: إنّ القصاص قد وجب علیه، و لما أقبل خالد بن الولید قافلا دخل المسجد و علیه قباء له علیه صداء الحدید معتجرا بعمامه له قد غرز فی عمامته أسهما فلما دخل المسجد قام إلیه عمر فنزع الأسهم عن رأسه فحطمها ثمّ قال: یا عدیّ نفسه عدوت على امرء مسلم فقتلته ثمّ نزوت على امرأته و اللّه لنرجمنّک بأحجارک، و خالد لا یکلّمه و لا یظنّ إلّا أنّ رأی أبی بکر مثل ما راى عمر فیه، حتّى دخل إلى أبی بکر و اعتذر إلیه فعذّره و تجاوز عنه.

و قد رواه الشّارح المعتزلی أیضا فی الشّرح و فی غیر ذلک المقام و قال عقیب ذلک: فکان عمر یحرّض أبا بکر على خالد و یشیر علیه أن یقتصّ منه بدل مالک، فقال أبو بکر إیها یا عمر ما هو بأوّل من أخطأ فارفع لسانک عنهم، ثمّ ودى ذلک من بیت مال المسلمین، انتهى.

فقد علم بذلک أنّ أبا بکر کان ظالما فکیف یکون محبوبا للّه سبحانه و محبّا له.
ثمّ لا یخفى علیک إنّ اللّه وصف القوم المأتىّ بهم بالمحبّه و لم یخصّ المحبّه بالرئیس فقط و من جمله المحاربین للمرتدّین على زعمهم خالد بن الولید الّذی‏عرفت حاله من هتکه لناموس الاسلام و تضییعه لشرع سیّد الأنام أفترى من نفسک أن تحکم بأنّه محبوب اللّه و محبّه حاشا ثمّ حاشا.

السادس عشر– قوله: أذلّه على المؤمنین أعزّه على الکافرین، صفه لأبی بکر للدّلیل الّذی قدّمناه.
فیه أولا أنّک قد عرفت عدم تمامیه الدّلیل و عدم اختصاص الایه بأبی بکر، و الخبر الّذی رواه من قوله: أرحم أمّتی بامّتی أبو بکر. مما تفرّد العامّه بروایته لا یکون حجّه علینا.

و ثانیا أنّ قوله: ألا ترى انّ فی أوّل الأمر کیف کان یذبّ عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیه أنّه لم یسمع إلى الان ذبّ منه عنه صلّى اللّه علیه و آله و لم یکن له نسب معروف، و لا حسب مشهور، و لا فضل مأثور، و لا صیت مذکور، و لم یکن یومئذ ممّن یعتنى بشأنه و یعبأ به فی عداد الرّجال حتّى یذبّ عن رسول اللّه، أ لم یکن یومئذ مثل شیخ بطحاء أبی طالب و أسد اللّه حمزه و ذی الجناحین جعفر و أسد اللّه الغالب أمیر المؤمنین و سایر فتیه بنی هاشم و أنجاد بنی عبد مناف محدقین حوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حامین له ذابّین عنه حتّى یکون الذّاب عنه مثل أخی تیم الجلف الجافی الرّذل، و لو کان له تلک المقام و المنزله لم یعزله رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عن إبلاغ سوره برائه.

و ثالثا قوله: و فی آخر الأمر أصرّ على المحاربه مع مانعی الزّکاه.
فیه أنک قد علمت أنّ مانعی الزّکاه لم یکونوا من المرتدّین بل کانوا مسلمین و لذلک صار محاربته معهم من أعظم المطاعن علیه فاستحقّ بذلک عقابا و نکالا، و صار له وزرا و وبالا.
و رابعا قوله حتى جاء أکابر الصحابه و تضرّعوا إلیه و منعوه من الذّهاب النکّه فی منعهم منه على تقدیر صحّته أنّهم قد کانوا عارفین بجبنه، عالمین بضعف قلبه، مجرّبین له فی المعارک و المهالک، و أنّه و صاحبه عمر عند منازله الشجعان و مبارزه الأقران کان شیمتهما الفرار، و سجیّتهما عدم الحمایه للذّمار، و قد فرّا یوم خیبر و احد و الأحزاب و غزوه ذات السلسله و غیرها على أقبح الوجوه کما أثبتته‏أرباب السّیر، و على لسان الشّعراء و المورّخین شاع و اشتهر قال الشّارح المعتزلی فی اقتصاص غزوه خیبر یقصّ فرارهما فی قصاید السّبع العلویّات:

و ما أنس لا أنس اللّذین تقدّما
و فرّهما و الفرّ قد علما حوب‏

و للرایه العظمى و قد ذهبا بها
ملابس ذلّ فوقها و جلابیب‏

یشلّهما من آل موسى شمر دل
طویل نجاد السّیف أجید یعبوب‏

یمجّ منونا سیفه و سنانه‏
و یلهب نارا غمده و الأنابیب‏

احضرهما أم حضرا خرج خاضب
اذان هما ام ناعم الخدّ مخضوب‏

عذرتکما أنّ الحمام لمبغض‏
و انّ بقاء النفس للنّفس مطلوب

فکان تضرّع الصحابه له فی الرّجوع و الایاب مخافه أن یذهب فیهرب بمجرى عادته و مجرب شیمته، فیبطل بالمرّه دین الاسلام و یضمحلّ شرع سیّد الأنام فتضرّعوا إلیه بلسان المقال، و قالوا له بلسان الحال:

دع المکارم لا ترحل لبغیتها
و اقعد فانک أنت الطاعم الکاسى‏

و یشهد بما ذکرنا أنه لو کان عرف فى نفسه البأس و النجده لأصرّ على المضیّ و لم یصغ إلى تضرّعهم، و کان مثل أمیر المؤمنین علیه السّلام لما عزم على المسیر إلى البصره تضرّع إلیه ابنه الحسن بأن لا یتبع طلحه و الزبیر و لا یرصد لهما القتال و بکى و قال أسألک أن لا تقدم العراق و لا تقتل بمضیعه.

فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام: و اللّه لا أکون کالضبع تنام على طول اللّدم حتّى یصل إلیها طالبها و یختلها راصدها، و لکنّی أضرب بالمقبل إلى الحقّ المدبر عنه، و بالسامع المطیع العاصى المریب أبدا حتى اتى علی یومی، على ما عرفت تفصیله فی شرح سادس المختار فی باب الخطب.
و لعمری إنّ هذه المنقبه الشریفه أعنى العزّه على الکافرین هو حظّ أمیر المؤمنین علیه السّلام لا غیر، و استمع ما قاله الأدیب النحریر الشاعر الماهر و الاستاد الفاضل.

بدر له شاهد و الشعب من احد
و الخندقان و یوم الفتح إن علموا

و خیبر و حنین یشهدان له‏
و فی قریظه یوم صیل قتم‏

مواطن قد علت فی کلّ نائبه
على الصحابه لم اکتم و إن کتموا

و أما کونه علیه السّلام ذلیلا على المؤمنین فلما عرفت فى تضاعیف الشرح و تعرفه أیضا من مکارم أخلاقه و محامد خصاله التی أقرّ بها المخالف کالمؤلف، و نقله المنحرف کالمعترف، و اعترف بها الخاصّه و العامّه و تصدقها المحبّ و المبغض

له شرف فوق النجوم محلّه
أقرّ به حتّى لسان حسوده‏

حدّث الزّبیر بن بکار عن رجاله قال دخل محفن بن أبی محفن الضّبی على معاویه فقال: یا أمیر المؤمنین جئتک من عند ألأم العرب «و أبخل العرب ظ» و أعیى العرب و أجبن العرب قال: و من هو یا أخا بنی تمیم قال: علیّ بن أبی طالب، قال معاویه: اسمعوا یا أهل الشام ما یقول أخوکم العراقی، فابتدروه أیّهم ینزله علیه و یکرمه، فلمّا تصدّع النّاس عنه قال له: کیف قلت فأعاد علیه، فقال له: ویحک یا جاهل کیف یکون ألأم العرب و أبوه أبو طالب و جدّه عبد المطلب و امرأته فاطمه بنت رسول اللّه، و أنّى یکون أبخل العرب فو اللّه لو کان له بیتان بیت تبن و بیت تبر لأنفذ تبره قبل تبنه و أنّى یکون أجبن العرب فو اللّه ما التقت فئتان قطّ إلّا کان فارسهم غیر مدافع، و أنّى یکون أعیى العرب فو اللّه ما سنّ البلاغه لقریش غیره، فو اللّه لو لا ما تعلم لضربت الّذى فیه عیناک فایّاک علیک لعنه اللّه و العود إلى مثل هذا.
فقد أقرّ بفضله العنود الحسود، و قیام الحجّه بشهاده الخصم أوکد و إن‏تعددت الشّهود.

و ملیحه شهدت لها ضرّاتها
و الفضل ما شهدت به الأعداء

السابع عشر- قوله: إلّا أنّ حظّ أبی بکر فیه أتمّ «إلى قوله» یوم بدر واحد.
أقول: لا یکاد ینقضی عجبی من هذا النّاصب المتعصّب کیف أعمته العصبیّه إلى أن جاوز حدّه و خرج عن زیّه و تکلّم فوق قدره حتّى رجّح ابن أبی قحافه على أبی تراب فوا عجبا عجبا کیف یقاس التراب بالتبر المذاب، و أیّ نسبه للسّراب إلى الشراب و أیّ شبه بین الدّرّ و الحصى و السّیف و العصا، و أیّ تطابق بین الشجاع المبارز الغالب على کلّ غالب، و الأجبن من کلّ الثعالب و هذا مقام التمثیل بقول أبی العلاء:

إذا وصف الطّائی بالبخل
ما در و عیّر قسّا بالفهاهه باقل‏

و قال السهیل للشمس أنت خفیّه
و قال الدّجى للصّبح لونک حائل‏

و طاولت الأرض السّماء ترفّعا
و طاول شهبا الحصى و الجنادل‏

فیا موت زر إنّ الحیاه ذمیمه
و یا نفس جدّی إنّ دهرک هازل‏

فیقال لهذا الخابط الهازل اللّاغی الّذی لا ینفعل من لغوه و هذیه: أىّ جهاد کان قبل غزوه بدر و أىّ ذبّ نقل عن أبی بکر و لو کان منه قدره الذّب و الدّفاع لنقل شی‏ء منها فی محاربات الرّسول المختار مع الکفّار، و لنزل فیه ما نزل فی أبی الحسن الکرّار، من مثل «وَ کَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِینَ الْقِتالَ» و لا فتى إلّا علیّ و لا سیف إلّا ذو الفقار.

و قد کانت العساکر فی هذه المعارک حسبما قال مجتمعه، و الصفوف متلاصقه، و الکتائب مترادفه، فاختار هو و صاحبه عمر و الحال هذه الفرّ على الکرّ، و ولیّا عن العدوّ الدّبر، فمن کان هذه حاله کیف کان یذبّ عن سیّد الأنام حین ضعف الاسلام مع عدم العساکر، و لا معین و لا ناصر.

الثامن عشر– قوله: إنّه کان متقدّما علیه فی الزّمان.
فیه انّه إن أراد تقدّمه علیه من حیث الجهاد فقد عرفت بطلانه، إذ أوّل‏غزوه فی الاسلام غزوه بدر و قد کانا کلاهما حاضرین فیها معا، ثمّ فیما بین حضوریهما من التفاوت ما لا یخفى، فانّ أبا بکر لم ینقل منه فیها فرد قتیل، و أمّا أمیر المؤمنین علیه السّلام فقد روى جمهور المؤرّخین أنّ قتلاه فیها شطر جمیع المقتولین و کانوا سبعین.
و إن أراد تقدّمه علیه فی السّن ففیه إنّ الزّمان الّذى تقدّم به على أمیر المؤمنین علیه السّلام مع سبقه علیه السّلام علیه بالاسلام و مع کونه فیما تقدّم به علیه من أهل الشّرک و عبده الأصنام، فأیّ شرف لهذا التقدّم أو منقبه، أمّ أیّ خیر فیه و منفعه.

التاسع عشر– قوله: جهاد أبی بکر فی وقت ضعف الرّسول.
فیه إنّک قد عرفت فساده لأنّه لم یکن قبل غزوه بدر غزوه معروفه إلّا غزوات مختصره مثل غزوه بواد بواط و عشیره و غزوه بدر الصغرى، و لم ینجرّ الأمر فیها إلى القتال فیجاهد أبو بکر و یقعد عنه أمیر المؤمنین مع أنّ حضور أبی بکر فیها و غیاب علیّ عنها غیر ثابت.
و أیضا لم یکن الرّسول عند المسیر إلیها ضعیفا، و إن أراد أنّه کان لأبی بکر جهاد قبل تلک الوقایع فهو ممّا تفرّد به و لم ینقله عن غیره.

نعم لو قلنا إنّ أمیر المؤمنین کان سابقا بالجهاد لأنّه جاهد الکفّار صبیحه لیله بات فیها على فراش رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لما ذهب إلى الغار، و جاهدهم أیضا عند الهجره بأهل بیت الرّسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من مکّه إلى المدینه لمّا أرادت قریش المنع منها، لقلنا مقالا رواه أرباب السّیر، و ورد فی صحیح الخبر.
و کیف کان فجهاد أمیر المؤمنین علیه السّلام فی سبیل اللّه و کون حظّه فیه الأوفر أبین من الشمس فی رابعه النّهار، و لنعم ما قیل:

بعلیّ شیّدت معالم دین
اللّه و الأرض بالعناد تمور

و به أیدّ الاله رسول اللّه‏
إذ لیس فی الأنام نصیر

أسد ما له إذا استفحل الناس
سوى رنّه السلاح زئیر

ثابت الجاش لا یردعه الخطب‏
و لا یعتریه فتور

عزمات أمضى من القدر المحتوم
یجرى بحکمه المقدور

فقد ظهر بذلک کلّه أنّ مصداق قوله سبحانه فى الایه الشریفه یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا مَنْ یَرْتَدَّ مِنْکُمْ عَنْ دِینِهِ فَسَوْفَ هو أمیر المؤمنین علیه السّلام.
و أمّا قوله سبحانه لا یَخافُونَ لَوْمَهَ لائِمٍ فیظهر کونه مصداقا له و یصدّقه قوله صریحا فی الفصل الاتی: و انّی لمن قوم لا یأخذهم فى اللّه لومه لائم.
و قوله علیه السّلام فى المختار الرّابع و العشرین: و لعمرى ما علیّ من قتال من خالف الحقّ و خابط الغیّ من إدهان و لا ایهان.

و قوله علیه السّلام فی المختار الحادى و التسعین لما ارید على البیعه بعد قتل عثمان: دعونی و التمسوا غیرى فانا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان لا تقوم له القلوب و لا تثبت علیه العقول «إلى قوله» و اعلموا إن أجبتکم رکبت بکم ما أعلم و لم أصغ إلى قول القائل و عتب العاتب.
و قوله علیه السّلام فی المختار المأه و السادسه و العشرین لما عوتب على التسویه فی العطاء: أ تأمرونّی أن أطلب النصر بالجور فیمن ولّیت علیه و اللّه ما أطور به ما سمر سمیر و ما أمّ نجم فی السّماء نجما.

العشرون– قوله: و ذلک فضل اللّه یؤتیه من یشاء و هذا لائق بأبی بکر متأکّد بقوله و لا یأتل أولو الفضل منکم و السعه اه و قد بیّنا أنّ هذه الایه فی أبی بکر.
فیه بعد الغضّ عمّا روی عن ابن عباس و غیره من أنّها نزلت فی جماعه من الصّحابه أقسموا على أن لا تتصدّقوا على رجل تکلّم بشی‏ء من الافک و لا یواسوهم، و البناء على نزولها فی أبی بکر کما هو قول جمع من المفسّرین، انّ إحدى الایتین لا ارتباط لها بالاخرى، فانّ المراد بالفضل فى الایه الثانیه هو الغنى و الثروه، و به فی الایه الاولى اللّطف و التوفیق، و معنى قوله: و ذلک فضل اللّه إنّ محبّتهم للّه و لین جانبهم للمؤمنین و شدّتهم على الکافرین فضل من اللّه و توفیق و لطف منه و من جهته یمنّ به على من یشاء من عباده.

الحادى و العشرون– قوله: انا بیّنا بالدّلیل.
فیه أنّک قد عرفت عدم تمامیّه الدّلیل بما لا مزید علیه.

الثانی و العشرون– قوله: هذا الخبر من باب الاحاد.
فیه منع کونه من الأخبار الاحاد الّتی لا یعوّل علیها، بل هو خبر مستفیض رواه المخالف و المؤالف معتضد مضمونه بأخبار کثیره قطعیه، و نقتصر على بعض الأخبار العامیّه لکونه أدحض لحجّه الخصم.
ففى غایه المرام عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل بسنده عن سعید بن المسیّب أنّ النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال یوم خیبر: لأدفعنّ الرّایه إلى رجل یحبّه اللّه و رسوله و یحبّ اللّه و رسوله، فدعا علیّا و أنّه لأرمد ما یبصر موضع قدمیه، فتفل فی عینیه ثمّ دفعها إلیه ففتح اللّه علیه.

و رواه أیضا عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل عن عبد الرّحمن أبی لیلى و عن علیّ علیه السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.
و عنه عن عبد اللّه بن بریده عن أبیه عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و عنه عن أبی هریره عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و عنه بسند آخر أیضا عن عبد اللّه بن بریده عن أبیه بریده الأسلمی عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.
و عنه عن سهل بن سعد عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

و رواه أیضا من صحیح البخاری من الجزء الرّابع فی رابع کراسه عن سلمه الأکوع عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و من الجزء الرّابع من صحیح البخارى أیضا فی ثلثه الأخیر فی باب مناقب علیّ عن سلمه عنه صلّى اللّه علیه و آله و من الجزء الخامس منه أیضا عن سلمه عنه صلّى اللّه علیه و آله و من صحیح البخاری عن سهل بن سعد عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

و رواه أیضا من صحیح مسلم من الجزء الرابع فی نصف الکراس من أوّله باسناده عن عمر بن الخطاب بعد قتل عامر أرسلنی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى علیّ علیه السّلام و هو أرمدو قال: لاعطینّ الرّایه رجلا یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله، الحدیث.

و من صحیح مسلم فی آخر کراس من الجزء الرابع منه عن أبی هریره عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و من صحیح مسلم عن سهل بن سعد عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.
و من صحیح مسلم عن سلمه بن الأکوع عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.
و رواه أیضا من تفسیر الثعلبی فی تفسیر قوله «وَ یَهْدِیَکَ صِراطاً مُسْتَقِیماً» باسناده عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

و رواه أیضا من مناقب ابن المغازلی بسند یرفعه إلى أیاس بن سلمه عن أبیه فی ذکر حدیث خیبر قال فقال النّبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لاعطینّ الرّایه الیوم رجلا یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله.
و من مناقبه أیضا عن أبی طالب محمّد بن عثمان یرفعه إلى عمران بن الحصین قال: بعث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عمر إلى خیبر فرجع فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لاعطین الرّایه غدا رجلا یحبّ اللّه و رسوله لیس بفرّار.
و من المناقب أیضا عن القاضی أبو الخطاب یرفعه إلى عمران بن الحصین قال قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لأعطینّ الرّایه رجلا یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله، فأعطاها علیّا ففتح اللّه عزّ و جلّ خیبر به.
و من المناقب عن سعید بن المسیّب عن أبی هریره قال: بعث رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أبا بکر إلى خیبر فلم یفتح علیه ثمّ بعث عمر فلم یفتح علیه فقال: لاعطینّ الرایه رجلا کرّارا غیر فرّار یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله.
و من المناقب عن أحمد بن محمّد بن عبد الوهاب بن طاران یرفعه إلى أبی هریره قال قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: لاعطینّ الرایه غدا رجلا یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه فاستشرف لها أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فدفعها إلى علیّ بن أبی طالب.
و من المناقب قال: أخبرنا أبو القاسم عمر بن علیّ بن المیمونی و أحمد بن محمّد بن عبد الوهاب بن طاران الواسطیان بقراءتى علیهما فأقرّا به یرفعه إلى أبی سعید الخدری قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حیث کان أرسل عمر بن الخطاب إلى خیبر هو و من معه فرجعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فبات تلک اللّیله و به من الغمّ غیر قلیل فلما أصبح‏خرج إلى النّاس و معه الرّایه فقال: لاعطینّ الیوم رجلا یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله غیر فرّار، فتعرّض لها جمیع المهاجرین و الأنصار فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أین علیّ، فقالوا: یا رسول اللّه هو أرمد، فأرسل إلیه أبا ذر و سلمان فجاء و هو یقاد لا یقدر على أنّه یفتح عینیه، ثمّ قال: اللّهمّ اذهب عنه الرّمد و الحرّ و البرد و انصره على عدوّه و افتح علیه فانّه عبدک و یحبّک و یحبّ رسولک «خ ل رسوله» غیر فرّار، ثمّ دفع صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الرّایه إلیه علیه السّلام و استأذنه حسّان بن ثابت فی أن یقول فیه شعرا، فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم له: قل،

فأنشأ یقول:

و کان علیّ أرمد العین یبتغی
دواء فلمّا لم یحسّ مداویا

شفاه رسول اللّه منه بتفله
فبورک مرقیّا و بورک رافیا

و قال سأعطی الیوم رایه صار
ما کمیّا محبّا للرّسول محامیا

یحبّ إلهی و الاله یحبّه‏
به یفتح اللّه الحصون الأوابیا

فأصفى بها دون البریّه کلّها
علیّا و سمّاه الوزیر المؤاخیا

و من المناقب أیضا عن عبد اللّه بن بریده عن أبیه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم نزل بحضره أهل خیبر و قال: لاعطینّ اللّواء رجلا یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله، فلمّا کان من الغد صادف أبا بکر فدعا علیّا و هو أرمد العین فأعطاه الرّایه.

و من المناقب بسند مرفوع إلى عامر بن سعد بن أبی وقاص عن أبیه قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول یوم الخیبر: لاعطینّ الرّایه رجلا یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله.
و فیه من الجمع بین الصّحاح السته باسناده عن سهل بن سعد عن أبیه قال: کان علیّ تخلّف عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی غزوه خیبر فلحق، فلمّا أتینا اللّیله الّتی فتحت فی صبیحتها قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: لاعطینّ غدا الرّایه رجلا یفتح اللّه على یدیه یحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله.
و من الجمع بین الصّحاح الستّه من الصحیح الترمدى قال بالاسناد عن سلمه قال: أرسلنی رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى علیّ و هو أرمد فقال: لاعطینّ الرّایه رجلایحبّ اللّه و رسوله و یحبّه اللّه و رسوله.

و فیه عن إبراهیم بن محمّد الحموینی مسندا عن جابر بن عبد اللّه الأنصاری فی ذکر حدیث خیبر قال: فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: لابعثنّ غدا رجلا یحبّ اللّه و رسوله لا یولّی الدّبر، هذا.
و اقتصرنا على مورد الحاجه فی أکثر هذه الرّوایات و حذفنا اسناد أکثرها للاختصار، و ترکنا الأخبار الخاصیّه الوارده فی هذا المعنى حذرا من الاطاله و دفعا لمکابره الخصم و عناده، و ادّعى صاحب غایه المرام تواتر الخبر فی القصّه من طریق العامّه و الخاصّه.

أقول: و هذه الأخبار الّتى رواها المخالفون فی کتبهم فضلا عن أخبار الموالین له علیه السّلام کافیه لمن راقب العدل و الانصاف، و جانب التّعصب و الاعتساف فی إثبات کونه علیه السّلام محبّا للّه و رسوله و کون اللّه و رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم محبّین له.

و لکنّی أضیف إلى هذه الأخبار على رغم الناصب المعاند الرّازى المتعصّب الجاحد حدیث الطیر الّذى قال فیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: اللّهمّ اعطنی «ایتنى ظ» بأحبّ الناس إلیک و فی بعض روایته: إلیک و إلى رسولک یأکل معى فجاء علیّ علیه السّلام و أکل معه و قد رواه فی غایه المرام بستّه و ثلاثین طریقا من طرق العامّه، و من جملتها أبو المظفر السمعانی فی کتاب مناقب الصّحابه عن السّدى عن أنس بن مالک قال: کان عند النبیّ طیر فقال: اللّهم ائتنی بأحبّ خلقک إلیک یأکل معی من هذا الطیر فجاء علیّ علیه السّلام فأکل معه.

و قد روى ذلک فی الجمع بین الصّحاح الستّه لرزین من مسند أبی داود السّجستانی و رواه أحمد بن حنبل بطریق واحد من طریق السفینه مولى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.
و رواه ابن المغازلی الشافعی الواسطی من عشرین طریقا.
و من جمله طرق غایه المرام أیضا القاصم لظهر المکابرین و الرّاغم لانوف الناصبین ما أورده من کتاب المناقب الفاخره فی العتره الطاهره، روى أبو جعفر بن‏محمّد بن أحمد بن روح مولى بنی هاشم قال: حدّثنی العباس بن عبد اللّه الباکنانی عن محمّد بن یوسف السری عن الأوزاعی عن یحیى بن أبی کثیر قال: حدّثنی أبی صمیم حوثن بن عدی عن أبی ذرّ ره قال: بینا نحن قعود مع رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إذا هدی إلیه طائر مشویّ، فلمّا وضع بین یدیه قال لأنس: انطلق به إلى المنزل، و تبعه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حتّى إذا دخل المنزل وضع أنس الطائر بین یدیه، فرفع النبیّ یدیه نحو السماء و قال: اللهمّ ایت إلىّ بأحبّ النّاس الیک تحبّه أنت و یحبّه من فی الأرض و من فی السماوات حتّى یأکل معی من هذا الطیر، قال أنس: فقلت: اللهمّ اجعله من قومی و قالت عایشه: اللهمّ اجعله أبی و قالت حفصه: اللهمّ اجعله أبی فما لبثنا حتى أتى علیّ علیه السّلام فقال له أنس: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فى حاجه حتى أتى علیّ علیه السّلام ثلاث مرّات.

فجثا النّبی صلّى اللّه علیه و آله على رکبتیه و رفع یدیه إلى السماء حتّى بان بیاض إبطیه و قال: حاجتی یا ربّ الساعه الساعه، فما لبثنا أن قرع الباب فقال أنس: من ذا فقال: أنا علیّ و سمع النبیّ صلّى اللّه علیه و آله صوته فقال افتح، ففتحته، فلما دخل و کز أنس بیده حتى ظنّ أنس أنه قد أنفذ یده من ظهره، فلما بصر به النبیّ صلّى اللّه علیه و آله وثب قائما و قبّل عینیه و قال: ما الذی أبطاک عنّی یا قرّه عینی، فقال علیه السّلام: یا رسول اللّه قد أقبلت ثلاثا و یردّنی أنس، فصفق رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و کان لا یصفق حتّى یغضب، فقال: یا أنس حجبت عنّی حبیبی، فقال: یا رسول اللّه إنی أحببت أن یکون رجلا من قومی فقال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: یا أنس أما علمت أنّ المرء یحبّ قومه، إنّ علیا یحبّنی و إنّ اللّه یحبّه و الملائکه تحبّه و یحبّه اللّه، یا أنس إنّی و علیا لم نزل ننقلب إلى مطهّرات الأرحام حتّى نقلنا إلى عبد المطلب فصار علىّ فی صلب أبی طالب و صرت أنا فی صلب عبد اللّه عمّ علیّ، فصارت فیّ النّبوه و فی علیّ الولایه و الوصیّه أما علمت یا أنس أنّ اللّه عزّ و جلّ اشتقّ لى اسما من أسمائه و لعلیّ اسما فسمّانی أحمد لتحمدنی امّتی و أما علیّ فاللّه العلیّ سمّاه علیا، یا أنس کما حجبت عنّی علیا ضربک اللّه بالوضح، و کان لا یدخل المسجد بعد الدّعوه إلّا متبرقع الوجه.

و هذه الرّوایه کما ترى ظاهره بل صریحه من جهات عدیده فی فرط محبّه النبیّ صلّى اللّه علیه و آله له و محبّته للّه و محبّه اللّه له.
و الأخبار فى کونه أحبّ الناس إلى اللّه و إلى رسوله متجاوزه عن حدّ الاحصاء، و لو أردنا أن نجمع ما نقدر علیه منها لصار کتابا کبیر الحجم و لکن اورد منها روایتین اختم بهما المقام لیکون ختامه مسکا فأقول: روى فى کشف الغمه من مناقب الخوارزمی عن عبد اللّه بن عمر قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سئل بأی لغه خاطبک ربک لیله المعراج، قال: خاطبنی بلغه علیّ بن أبی طالب فألهمنی أن قلت یا ربّ أنت خاطبتنی أم علیّ فقال: یا أحمد أنا شی‏ء لا کالأشیاء و لا أقاس بالناس و لا اوصف بالأشباه، خلقتک من نوری و خلقت علیا من نورک فاطلعت على سرائر قلبک فلم أجد إلى قلبک أحبّ من علیّ بن أبی طالب، فخاطبتک بلسانه کیما یطمئنّ قلبک.

و فیه من المناقب قال: و أخبرنا بهذا الحدیث عالیا الامام الحافظ سلیمان بن إبراهیم الاصفهانی مرفوعا إلى عایشه، قالت: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و هو فى بیتی لمّا حضره الموت. ادعوا إلیّ حبیبی، فدعوت أبا بکر فنظر إلیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ثمّ وضع رأسه، ثمّ قال: ادعوا إلیّ حبیبی فقلت: ویلکم ادعوا له علیّ بن أبی طالب فو اللّه ما یرید غیره، فلما رآه فرج الثوب الذى کان علیه ثمّ ادخله فیه فلم یزل یحتضنه حتّى قبض و یده علیه.
إذا عرفت هذا فأقول:

قال فیه البلیغ ما قال
ذو العیّ فکلّ بفضله منطیق‏

و کذاک العدوّ لم یعد أن قال‏
فیه جمیلا کما قال المحبّ الصدیق‏

و مع ذلک کلّه فانظر هداک اللّه إلى سلوک صراطه المستقیم إلى الرازى و استمراره على غیّه، و غرقه فى سبیل نصبه و تعصّبه، و مکابرته الحقّ اللایح، و تنکّبه الجدد الواضح، و عدوله عن السنن، و بقائه على غمط«» حقّ أبی الحسن، و إرادته‏ستر الشمس المجلّله بنورها للعالم بالنقاب، و النیر الأعظم بالحجاب، فجزاه اللّه عن رسوله و عن أمیر المؤمنین سلام اللّه علیهما شرّ الجزاء.

الثالث و العشرون– قوله: و لأنه معارض بالأخبار الدّاله على کون أبی بکر محبّا للّه و رسوله و کون اللّه محبّا له اه.
فیه أوّلا إنّه لیس هنا خبر متضمّن لمحبّه أبی بکر للّه أو محبّه اللّه له یحتجّ به على الامامیّه فضلا عن الأخبار، و ما رووه فی هذا المعنى ممّا تفرّدوا بروایته لا یکون حجّه علینا.

و مع ذلک فمعارض بالأخبار الکثیره المتضمّنه لکون علیّ علیه السّلام أحبّ النّاس إلى اللّه و إلى رسوله المستفیضه بل المتواتره معنى من طرقهم حسبما عرفت فی الاعتراض الثانی و العشرین، و هی أقوى منها سندا و أظهر دلاله فلا یکاد تکافوء الأخبار الاوله على تقدیر وجودها لها کما لا یخفى صدق المدّعى على أهل البصیره و النهى الرابع و العشرون- قوله: قال تعالى فی حقّ أبی بکر و لسوف یرضى.

غیر مسلّم نزولها فی أبی بکر و لما نزله الرازى عن ابن الزّبیر و عن أبی بکر الباقلانی، و المرویّ عن المفسّرین خلافه، فقد روى الواحدی بالاسناد المتّصل المرفوع عن عکرمه عن ابن عبّاس أنّها نزلت فی رجل من الأنصار، و عن عطاء قال: اسم الرّجل أبو الدّحداح، و فی بعض روایات أصحابنا أنّها فی علیّ علیه السّلام و قال بعض المفسّرین: الأولى إبقاؤها على العموم فیرجع الضمیر إلى کلّ من یعطی حقّ اللّه من ماله ابتغاء وجه ربّه، و إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال و قوله: و قال: إنّ اللّه یتجلّی للناس عامه و یتجلّی لأبی بکر خاصّه أنت خبیر بأنّه لا غبار فی کونه من الأحادیث الموضوعه، لأنّه إن أرید من تجلّیه سبحانه تجلّیه بذاته فهو مستلزم للتجسّم مخالف للاصول المحکمه و البراهین القاطعه السّاطعه، و إن ارید تجلّیه ببرّه و فضله و عنایاته و لطفه المقرّب إلى طاعته و المبعد عن معصیته، ففیه أنّ التجلّى بهذا المعنى لعموم النّاس غیر جایز إذ فیهم المؤمن و المنافق و المسلم و الکافر، فکیف یتصوّر التجلّى فی حقّ الکافر المنافق‏و إن خصّ بالمؤمنین فهو مع کونه خلاف الظّاهر یتوجّه علیه أنّ من جمله المؤمنین الأنبیاء و الرّسل و فیهم اولو العزثمّ أعاد على القوم ثالثه فلم ینطق أحد منهم بحرف فقمت و قلت: أنا أوازرک یا رسول اللّه على هذا الأمر.

فقال صلّى اللّه علیه و آله: اجلس فانت أخى و وصیّى و وزیرى و وارثى و خلیفتى من بعدى فنهض القوم و هم یقولون لأبی طالب: یا أبا طالب لیهنئک الیوم ان دخلت فى دین ابن اخیک فقد جعل ابنک أمیرا علیک.
قال المفید قدّس سرّه العزیز: و هذه منقبه جلیله اختصّ بها أمیر المؤمنین علیه الصّلاه و السّلام و لم یشرکه فیها أحد من المهاجرین و الأنصار و لا أحد من أهل الاسلام، و لیس لغیره علیه السّلام عدل لها من الفضل و لا مقارب على حال.

و فى الخبر بها ما یفید أنّ به علیه الصّلاه و السّلام تمکّن النّبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من تبلیغ الرساله و إظهار الدّعوه و الصدع بالاسلام، و لولاه لم تثبت الملّه و لا استقرّت الشریعه و لا ظهرت الدّعوه.
فهو علیه الصّلاه و السّلام ناصر الاسلام و وزیره الدّاعى الیه من قبل اللّه عزّ و جلّ، و بضمانه لنبیّ الهدى علیه و آله السلام النصره، تمّ له فى النّبوه ما أراد و فی ذلک من الفضل ما لا توازنه الجبال فضلا، و لا تعادله الفضایل کلّها محلّا.

الترجمه

این فصل از خطبه شریفه مسوقست در بیان مناقب جلیله و فضایل جمیله خود آن بزرگوار مى‏ فرماید: آگاه باشید که بتحقیق امر فرمود خداوند متعال مرا بقتال و جدال أهل ظلم و طغیان و أهل نقض بیعت و أهل فساد در زمین، پس أما ناقضان بیعت که أهل جمل بودند پس بتحقیق مقاتله کردم با ایشان، و أمّا عدول کنندگان از حقّ که أهل صفین بودند پس بتحقیق جهاد کردم با ایشان، و أمّا بیرون روندگان از دین که أهل نهروان بودند پس بتحقیق که ذلیل گردانیدم ایشان را، و أما شیطان ردهه پس بتحقیق کفایت کرده شدم از او به آواز مهیبى که شنیدم بجهت شدّت آن آواز اضطراب‏ قلب و حرکت سینه او را، و باقى مانده بقیّه از أهل ستم که معاویه و أهل شام است و اگر اذن بدهد خداى تعالى در رجوع بر ایشان هر آینه البته غالب مى‏شوم بر ایشان و باز گیرم دولت را از ایشان مگر این که متفرّق شود در اطراف زمین متفرّق شدنى.

من پست کردم رؤساى عرب را، شکستم شاخهاى ظاهر شده قبیله ربیعه و مضر را، و بتحقیق که شما دانسته ‏اید مرتبه و مقام مرا در نزد رسول خدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم با قرابت نزدیک و با رتبه و منزلت مخصوصه، نهاد مرا در کنار تربیت خود در حالتى که طفل بودم، مى‏ چسباند مرا بسینه خود، و ضمّ مى‏کرد مرا در رختخواب خود، و مسّ مى ‏کرد بمن بدن شریف خود را، و مى ‏بوئید مرا بوى معطر خود را، و بود که مضغ مى‏فرمود چیزى را از طعام پس مى‏ خوراند بمن آنرا.

پس بتحقیق که مقرون گردانید بان بزرگوار از وقتى که فطیم و از شیر واشده بود أعظم ملکى را از ملائکه خود که مى‏برد آنرا براه مکرمتها و خوبترین خلقهاى عالم در شب و روز او، و بتحقیق که تبعیّت مى‏نمودم او را مثل تبعیّت شتر بچه در عقب مادر خود، بلند مى‏گردانید از براى من در هر روز رایتى از خلقهاى عظیمه خود، و امر مى‏فرمود مرا به پیروى کردن بخود.

و هر آینه بود آن سیّد أنام علیه صلوات اللّه الملک العلّام مجاور مى ‏شد هر سال بکوه حرا پس مى ‏دیدم من او را و نمى‏ دید او را احدى غیر از من، و جمع نکرده بود یک خانه آن روز در اسلام غیر رسول خدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و خدیجه کبرى علیها سلام اللّه و من ثالث ایشان بودم، مى ‏دیدم نور وحى را و مى ‏بوئیدم بوى پیغمبرى را.

و بتحقیق شنیدم ناله شیطان را در وقت نزول وحى بر آن بزرگوار پس گفتم یا رسول اللّه این چه ناله است پس فرمود که: این شیطانست بتحقیق نا امید شده است از این که عبادت و اطاعت کنند مردمان او را.
بدرستى که تو اى على مى ‏شنوى آنچه که مى ‏شنوم من، و مى ‏بینى آنچه که مى ‏بینم من، مگر آنکه تو پیغمبر نیستى، و لکن تو وزیر منى، و بدرستى که تو ثابت هستى بر خیر دنیا و آخرت

منهاج ‏البراعه فی ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(الخوئی)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

بازدیدها: ۳۸

حتما ببینید

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره ۲۳۷/۱ شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

خطبه ۲۳۹ صبحی صالح ۲۳۹- و من خطبه له ( علیه ‏السلام  ) یذکر فیها …

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

*

code